برامج نت

 
العودة   برامج نت > المنتديات العامة > المنتدى الأدبى > قسم القصص القصيرة
صفحة برامج نت الرسمية على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك
 

قسم القصص القصيرة مخصص لإبداعات الكتاب أعضاء المنتدى فى مجال القصة القصيرة












في حال وجود أي مواضيع او ردود مُخالفة من قبل الأعضاء ، يرجى الإبلاغ عنها فورا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة ( تقرير عن مشاركة مخالفة ) ، و الموجودة أسفل كل مشاركة .


بحث

قسم القصص القصيرة




إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-25-2006, 04:39 PM   #1
don_mamado
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2006
الدولة: Egypt
الجنس : Male
الهوايات: Net
الوظيفة: College student
المشاركات: 45
معدل تقييم المستوى: 0
don_mamado is on a distinguished road

افتراضي بحث

كشف الشخصيات : يوسف إدريس
هو: يوسف إدريس علي، كاتب قصص، مسرحي، وروائي.
ولادته: 1927 في البيروم (قرب دمياط)، مصر.
وفاته: 1/8/1991، عن 64 سنة .
ثقافته: حائز على بكالوريوس في الطب، 1947-1951؛ تخصص في الطب النفساني.
حياته في سطور: طبيب بالقصر العيني، القاهرة، 1951-1960؛ حاول ممارسة الطب النفساني سنة 1956، مفتش صحة، صحفي محرر بالجمهورية، 1960، كاتب بجريدة الأهرام، 1973 حتى عام 1982. حصل على كل من وسام الجزائر (1961) ووسام الجمهورية (1963 و 1967) ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى (1980). سافر عدة مرات إلى جل العالم العربي وزار (بين 1953 و 1980) كلاً من فرنسا، إنجلترا، أمريكا واليابان وتايلندا وسنغافورة وبلاد جنوب شرق آسيا. عضو كل من نادي القصة وجمعية الأدباء واتحاد الكتاب ونادي القلم الدولي. متزوج وله ثلاثة أولاد.

السيرة:
ولد يوسف إدريس في 19 مايو 1927 وكان والده متخصصاً في استصلاح الأراضي ولذا كان متأثراً بكثرة تنقل والده وعاش بعيداً عن المدينة وقد أرسل ابنه الكبير (يوسف) ليعيش مع جدته في القرية.
ولما كانت الكيمياء والعلوم تجتذب يوسف فقد أراد أن يكون طبيباً. وفي سنوات دراسته بكلية الطب اشترك في مظاهرات كثيرة ضد المستعمرين البريطانيين ونظام الملك فاروق. وفي 1951 صار السكرتير التنفيذي للجنة الدفاع عند الطلبة، ثم سكرتيراً للجنة الطلبة. وبهذه الصفة نشر مجلات ثورية وسجن وأبعد عن الدراسة عدة أشهر. وكان أثناء دراسته للطب قد حاول كتابة قصته القصيرة الأولى، التي لاقت شهرة كبيرة بين زملائه.
ومنذ سنوات الدراسة الجامعية وهو يحاول نشر كتاباته. وبدأت قصصه القصيرة تظهر في المصري وروز اليوسف. وفي 1954 ظهرت مجموعته أرخص الليالي. وفي 1956 حاول ممارسة الطب النفسي ولكنه لم يلبث أن تخلى عن هذا الموضوع وواصل مهنة الطب حتى 1960 إلى أن انسحب منها وعين محرراً بجريدة الجمهورية وقام بأسفار في العالم العربي فيما بين 1956-1960.
وفي 1957 تزوج يوسف إدريس.
وفي 1961 انضم إلى المناضلين الجزائريين في الجبال وحارب معارك استقلالهم ستة أشهر وأصيب بجرح وأهداه الجزائريون وساماً إعراباً عن تقديرهم لجهوده في سبيلهم وعاد إلى مصر، وقد صار صحفياً معترفاً به حيث نشر روايات قصصية، وقصصاً قصيرة، ومسرحيات.
وفي 1963 حصل على وسام الجمهورية واعترف به ككاتب من أهم كتّاب عصره. إلا أن النجاح والتقدير أو الاعتراف لم يخلّصه من انشغاله بالقضايا السياسية، وظل مثابراً على التعبير عن رأيه بصراحة، ونشر في 1969 المخططين منتقداً فيها نظام عبد الناصر ومنعت المسرحية، وإن ظلت قصصه القصيرة ومسرحياته غير السياسية تنشر في القاهرة وفي بيروت. وفي 1972، اختفى من الساحة العامة، على أثر تعليقات له علنية ضد الوضع السياسي في عصر السادات ولم يعد للظهور إلا بعد حرب أكتوبر 1973 عندما أصبح من كبار كتّاب جريدة الأهرام.

مؤلفاته:
(أ‌) قصص:
1- أرخص الليالي، القاهرة، سلسلة "الكتاب الذهبي"، روز اليوسف، ودار النشر القومي، 1954.
2- جمهورية فرحات، قصص ورواية قصة حب، القاهرة، سلسلة "الكتاب الذهبي" روز اليوسف، 1956. مع مقدمة لطه حسين. صدرت جمهورية فرحات بعد ذلك مستقلة، ثم مع ملك القطن، القاهرة، دار النشر القومية، 1957. وفي هذه المجموعة رواية: قصة حب التي نُشرت بعدها مستقلة في كتاب صادر عن دار الكاتب المصري بالقاهرة.
3- البطل، القاهرة، دار الفكر، 1957.
4- حادثة شرف، بيروت، دار الآداب، والقاهرة، عالم الكتب، 1958.
5- أليس كذلك؟، القاهرة، مركز كتب الشرق الأوسط، 1958. وصدرت بعدها تحت عنوان: قاع المدينة، عن الدار نفسها.
6- آخر الدنيا، القاهرة، سلسلة "الكتاب الذهبي" روز اليوسف، 1961.
7- العسكري الأسود، القاهرة، دار المعارف، 1962؛ وبيروت، دار الوطن العربي، 1975 مع رجال وثيران والسيدة فيينا.
8- قاع المدينة، القاهرة، مركز كتب الشرق الأوسط، 1964.
9- لغة الآي آي، القاهرة، سلسلة "الكتاب الذهبي" ، روز اليوسف، 1965.
10- النداهة، القاهرة، سلسلة "رواية الهلال"، دار الهلال، 1969؛ ط2 تحت عنوان مسحوق الهمس، بيروت، دار الطليعة، 1970.
11- بيت من لحم، القاهرة، عالم الكتب، 1971.
12- المؤلفات الكاملة، ج 1:القصص القصيرة، القاهرة، عالم الكتب، 1971.
13- ليلة صيف، بيروت، دار العودة، د.ت. والكتاب بمجمله مأخوذ من مجموعة: أليس كذلك؟
14- أنا سلطان قانون الوجود، القاهرة، مكتبة غريب، 1980.
15- أقتلها، القاهرة، مكتبة مصر، 1982.
16- العتب على النظر، القاهرة، مركز الأهرام، 1987.
(ب‌) روايات:
1- الحرام، القاهرة، سلسلة "الكتاب الفضي"، دار الهلال، 1959.
2- العيب، القاهرة، سلسلة "الكتاب الذهبي"، دار الهلال، 1962.
3- رجال وثيران، القاهرة، المؤسسة المصرية العامة، 1964.
4- البيضاء، بيروت، دار الطليعة، 1970.
5- السيدة فيينا، بيروت، دار العودة 1977. (انظر رقم 5 أعلاه) .
6- نيويورك 80، القاهرة، مكتبة مصر، 1980.
(ج) مسرحيات:
1- ملك القطن (و) جمهورية فرحات، القاهرة، المؤسسة القومية. 1957 مسرحيتان.
2- اللحظة الحرجة، القاهرة، سلسلة "الكتاب الفضي"، روز اليوسف، 1958.
3- الفرافير، القاهرة، دار التحرير، 1964. مع مقدمة عن المسرح المصري.
4- المهزلة الأرضية، القاهرة سلسلة "مجلة المسرح" 1966.
5- المخططين، القاهرة، مجلة المسرح، 1969. مسرحية باللهجة القاهرية.
6- الجنس الثالث، القاهرة، عالم الكتب، 1971.
7- نحو مسرح عربي، بيروت، دار الوطن العربي، 1974. ويضم الكتاب النصوص الكاملة لمسرحياته: جمهورية فرحات، ملك القطن، اللحظة الحرجة، الفرافير، المهزلة الأرضية، المخططين والجنس الثالث.
8- البهلوان، القاهرة، مكتبة مصر، 1983.
(د) مقالات:
1- بصراحة غير مطلقة، القاهرة، سلسلة "كتاب الهلال" ، 1968.
2- مفكرة يوسف إدريس، القاهرة، مكتبة غريب، 1971.
3- اكتشاف قارة، القاهرة، سلسلة "كتاب الهلال"، 1972.
4- الإرادة، القاهرة، مكتبة غريب، 1977.
5- عن عمد اسمع تسمع، القاهرة، مكتبة غريب، 1980.
6- شاهد عصره، القاهرة، مكتبة مصر، 1982.
7- "جبرتي" الستينات، القاهرة، مكتبة مصر، 1983.
8- البحث عن السادات، طرابلس (ليبيا)، المنشأة العامة. 1984.
9- أهمية أن نتثقف .. يا ناس، القاهرة، دار المستقبل العربي، 1985.
10- فقر الفكر وفكر الفقر، القاهرة، دار المستقبل العربي، 1985.
11- خلو البال، القاهرة، دار المعارف، 1986.
12- انطباعيات مستفزة، القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1986.
13- الأب الغائب، القاهرة، مكتبة مصر، 1987.
14- عزف منفرد، القاهرة، دار الشروق، 1987.
15- الإسلام بلا ضفاف، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1989.
16- مدينة الملائكة، القاهرة، الهيئة المصرية…، 1989.
17- الإيدز العربي، القاهرة، دار المستقبل العربي، 1989.
18- على فوهة بركان، محمود فوزي، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، 1991. حوار.
19- ذكريات يوسف إدريس، القاهرة، المركز المصري العربي للنشر والصحافة والتوزيع، 1991.

لمحة عنه:
يعد يوسف إدريس أحد كتاب القصة من أصحاب التوجه (الشيوعي) (الاشتراكي)، من الذين يرون الحل الأمثل للبلاد الإسلامية أن تقوم بتطبيق (الشيوعية الاشتراكية)، ولهذا فقد سخر فنه لنشر هذا الكفر الخبيث، من خلال تركيزه في رواياته وقصصه على الجانب الاقتصادي، وأنه هو الأساس لما عداه، وشحن تلكم القصص والروايات بالجنس والترويج له، والتعاطف مع البغايا والمومسات والتماس الأعذار لهن، وفق فلسفته الاشتراكية.
يقول الدكتور عبد الحميد القط: "إن يوسف إدريس كان شيوعياً منذ التحق بالجامعة، وذاك قبل سنة 1952" (يوسف إدريس والفن القصصي، ص 129).
أما الدكتور أحمد هيكل فيصفه بأنه "اشتراكي يعالج هموم الطبقات الكادحة" (المرجع السابق، ص131).
ويقول صاحب كتاب "الإبداع القصصي عند يوسف إدريس" بأن إدريس "يؤمن بأن الهدف النهائي هو خلق المجتمع الاشتراكي" (ص 78).
ويقول الدكتور شاكر النابلسي عنه: "كان شيوعياً" (مباهج الحرية في الرواية العربية، ص237).
وبين أن انفصاله عن الشيوعيين بعد عام 1958 لا يعني تخليه عن الاشتراكية، بل "ظل يؤمن بالاشتراكية" (المرجع السابق، ص238).
وتقول الدكتورة نادية فرج "نشأ يوسف إدريس في الفترة السابقة على ثورة عبد الناصر، ومثل معاصريه ثار إدريس ضد مظالم الإدارة الاستعمارية والأرستقراطية الفاسدة، وعلى رأسها الملك فاروق. وكما ذكرنا آنفاً، اشترك يوسف إدريس وهو طالب في المظاهرات، سنة 1951، وكان يومئذ سكرتير لجنة الطلبة. فأسهم بنصيب ملحوظ في ثورة الطلبة، ونشر بالمجلات مقالات تعبر عن آرائه. ولما نجحت ثورة عبد الناصر ابتهج بنجاحها ورحب بقيامها، ولكنه –كان شأنه شأن جميع الثوريين والمثقفين (بما فيهم عبد الناصر نفسه)- كان ينشد العثور على أيديولوجية جديدة تلائم احتياجات وطنه وتصلح المظالم التي يقاسي منها الشعب.
وبدت الاشتراكية الجواب الشافي من كل هذه الآلام والشرور التي سادت الفترة السابقة على الثورة. وفي مسرحية يوسف إدريس الأولى" ملك القطن" صور كفاح الفلاحين ضد مالك الأرض. ورسم العذاب الذي عاناه الفلاحون باحترام عميق، بحيث لا يسع المتفرج إلا المشاركة في هذا الألم الإنساني. وفي هذه المسرحية تبدو الاشتراكية الحل لما ابتلي به الفلاحون.
وفي سنة 1956 نجد دعوة أخرى إلى تحطيم الرأسمالية وانتصار الاشتراكية في مسرحية يوسف إدريس "جمهورية فرحات". وفيها يروي البطل "فرحات" حلمه بجمهورية كاملة يتشارك الجميع. تحت ظلالها في الصحة والصحة والثروة والتعليم، فهو حلم بيوتو بيار ومانسية.
وفي ذلك الحين بدأ معروفاً في مصر أن يوسف إدريس يبحث عن نظام جديد، وحلم باشتراكية يتسنى في إطارها الحصول بسرعة على المساواة والديموقراطية والحرية والازدهار واحترام الذات والكرامة. وذهب إلى حد الانخراط في الحزب الشيوعي، ظناً منه أن هذه أسرع وسيلة لتحقيق حلمه" (يوسف إدريس والمسرح المصري الحديث، ص 139-140) .
قلت: ولأجل هذا فقد اصطبغت روايات وقصص يوسف إدريس بالصبغة الاشتراكية (في معظمها) ؛ من حيث ادعاء الوقوف مع الطبقة الكادحة والمظلومين، والإغراق في قصص الجنس ومحاولة ترويجه، والتعاطف مع البغايا والمومسات والواقعين في الحرام بأنواعه.
-مما لاحظه المتابعون على يوسف إدريس (تلونه) و (تقلبه خلف المصلحة). ومما يشهد لهذا :
أنه "في الخمسينيات والستينيات كان أحد رموز اليسار ثم وجدناه في عهد السادات الذي عادى اليسار وقصص جوانحه وجدناه يغير اتجاهه فكان أقرب ما يكون للتأييد.. لكنه بعد موت السادات ألف كتابه المصادر: (البحث عن السادات) ولا أدري لماذا لم ينشره في عهد (الرئيس) حتى ولو خارج مصر إن كان يؤمن بما قاله في كتابه!، وبعد عودة الأحزاب وجدناه يعود إلى ركاب (حزب الوفد) مؤيداً! (المجلة العربية، العدد 149).
ومن ذلك: أنه حينما يزور السعودية يكيل المديح لها كيلاً، لكننا نفاجأ أحياناً بتهجمات منه عليها، بلا مبرر، كما في كتابه (فقر الفكر وفكر الفقر) وكتاب (عزف منفرد) وكتاب (جبرتي الستينات، ص124 وما بعدها)
وقد اعترف هو بهذا التلون؛ وإن كان قد ادعى أنه يدور مع الحق !!، فهو لما سئل عن ما يلاحظ عليه من تقلب بين اليسارية والرأسمالية قال :"أنا أدافع عن الحق، ولو أن الرأسمالية معها حق فأنا بالتالي معها، ولو أن الاشتراكيين معهم حق فأنا معهم" ! (مجلة أكتوبر، العدد 658، نقلاً عن المجلة العربية، العدد 149).




انحرافاته:
1-أعظم انحرافاته: أنه اتخذ من (الفكر الشيوعي الاشتراكي) أيدلوجية له في أعماله، ومعلومٌ الحكم الشرعي لهذه النحلة الخبيثة المعادية للإسلام وأهله، والداعية إلى أنواع كثيرة من المحرمات، على رأسها الكفر بالله، والاستهزاء بشرعه .
2-من انحرافاته: إغراقه الفاحش في الجنس وتصويره في قصصه ورواياته في صورة نظيفة أو مدافع عنها، مع التماس العذر للبغايا والمومسات والساقطات في قصصه.
يقول الدكتور عبد الحميد القط بأن إدريس :"يتخذ الجنس أداة لهدم كل قداسة تحيط بالقيم الاجتماعية السائدة التي يراها تتنافى مع روح العصر" ! (يوسف إدريس والفن القصصي، ص 154-155) .
ويقول :" نرى الكاتب كثيراً ما تصطبغ أعماله –وبخاصة القصصية- صبغة جنسية صارخة، حيث يتخذ من عنصر الجنس محوراً أساسياً تدور حوله القصة" (المرجع السابق، ص155) .
ويوسف إدريس يصور –كما سبق- سقوط البغايا والفاجرات بأنه سقوط حتمي نتيجة للظروف الاقتصادية ! مدافعاً عنه أشد الدفاع، ومتعاطفاً مع أصحابه.
يقول الدكتور القط: "إننا يجب أن نتوقف قليلاً عند موضوع "السقوط" عنده، لأنه موضوع متكرر، نراه في "قاع المدينة" 1958 وفي "الحرام" 1959، وفي "حادثة شرف" 1959 وفي "السيدة فينا" مجموعة "العسكري الأسود" 1962 وفي رواية "العيب،1962 وفي "الستارة" و"الغريب" مجموعة آخر الدنيا، و"في هذه المرة" في مجموعة "لغة الآي آي" وفي "النداهة"، و" العملية الكبرى"، و"دستور. . يا سيدة" مجموعة النداهة 1969، وفي "بيت من لحم" ، و"أكان لابد ياليلى أن تضيئي النور" ويلاحظ أن السقوط عنده يمثل حتمية طبيعية في بعض الأحيان مما يقربه من زولا ويبعده عن اتجاه الواقعيين إلى حد ما. وتتضح هذه الحتمية في قصة "النداهة" حيث تشعره المرأة أنها ستسقط لا محالة. فهي رغم تجنبها للأفندي تشعر بأن لحظة السقوط آتية لا ريب فيها. مما لا يتيح لها فرصة الحركة الحرة. ومما يجعلها تستسلم للأفندي، وإن كان ذلك الاستسلام يتم رغماً عنها. ولا تسقط المرأة عنده بإرادتها، إلا نادراً، بينما يغلب على السقوط أنه نوع من الاغتصاب. يظهر ذلك في قاع المدينة حيث تسقط "شهرت" مكرهة بعد أن حاول المستشار إغواءها: مراراً. ولكنها تحترف الدعارة بعد ذلك ، من تلقاء نفسها تحت وطأة الظروف الاقتصادية السيئة التي تمر بها.
وتسقط "عزيزة" في رواية "الحرام" مصادفة، ورغم إرادتها، بين أحضان محمد بن قمرين الذي تقاومه مقاومة عنيفة، عندما أراد العدوان عليها أول مرة، ولكنها تستسلم له في المرة الثانية. وتقاوم فاطمة في "حادثة شرف" غريب، ولكن المجتمع الفضولي المتطفل المحيط بها يهدر كرامتها، ويدفعها إلى السقوط. وتكون "سناء" في "العيب" شخصية متماسكة ومثالية. ولكن الظروف المحيطة بها تدفعها إلى السقوط دفعاً، أو بعبارة أدق تدفعها إلى الارتشاء دفعاً، فما تعيشه من أزمة اقتصادية، وعلاقة غير طبيعية في العمل مع زملائها، وزميلاتها، يدفعها في النهاية إلى الارتشاء ثم السقوط. لأنها تريد أن تتشبه بهم في فسادهم وسقوطهم وانحرافهم وتتضح الحتمية الطبيعية في سقوطها، وكأن المؤلف يقرر أن مثل تلك الظروف تؤدي حتماً إلى السقوط.
وفي "بيت من لحم" نلاحظ أن سقوط الفتاة "الوسطى" يعد سلوكاً طبيعياً في مثل ظروفها الاقتصادية والاجتماعية" (المرجع السابق، ص 152-153)

قلت: ومن ذلك أنه في رواية (الحرام) يهدف –كما يقول الدكتور القط- إلى أن "البشر جميعاً يرتكبون الحرام، فإن ظل سراً خفياً فلا جناح عليهم من ارتكابه، أما إذا ظهر فلا بد من تجريم مرتكبيه" (المرجع السابق، ص6).
ويقول أيضاً:" تتناول رواية (العيب) أثر العامل الاقتصادي على سلوك الأفراد بخاصة المرأة، فالبطلة "سناء" تتحول من إنسان نظيف له مبادئه وقيمه التي يعتز بها، إلى مجرد ساقطة. وقد كان موقفها من الرشوة يعتبر مؤشراً على مدى قبولها لمداعبات "الجندي" المبتذلة، والتي تمثل الجنس بكل وضوح، فعندما ترفض الرشوة، ترفض في الوقت نفسه محاولاته لإقامة علاقة عاطفية معها، وعندما تتورط في الارتشاء تعرض نفسها على الجندي عرضاً رخيصاً". (المرجع السابق، ص6)
أما رواية (قصة حب) فيصور فيها إدريس المرأة المتحررة من الشرع، بأجمل صورة وأبهاها، في شخصية (فوزية) المتحررة.
وكذلك فعل في روايته (البيضاء) عندما صور (سانتي) اليونانية الأصل مثالاً بهياً للمرأة العصرية المتحررة التي ينبغي على النساء محاكاتها في تصرفاتها العصرية مع صاحبها الطبيب (يحي)، حيث كانت وهي المتزوجة! "تذهب معه إلى شقته وتتحدث معه، وتشرب معه القهوة والسجائر، وتسمع منه ما يكتب لها من خطابات عاطفية، أو تقرأ هي ما كان يكتب لها من خطابات عاطفية، وتستمع معه إلى مقطوعات (موزارت) و(رحمانوف) وتناقشه في أمور كثيرة عامة، وهي واثقة من نفسها، دون خوف أو وجل، كأي صديق آخر" !! (مباهج الحرية في الرواية العربية، د. شاكر النابلسي، ص249).
ومع هذا كله –كما يزعم إدريس- حمت نفسها من السقوط مع صاحبها!!.
فهي دعوة إلى تهييج النساء على الاختلاط المحرم والتبذل مع الأجانب، بدعوى أن شخصية المرأة القوية وإرادتها هي التي تحميها من السقوط ومن أرادت عكس هذا، فلن تنفعها الاحتياطات التي يعملها المتشددون!!
وهو في روايته هذه –كما يقول شاكر النابلسي- :"يربط بين ضرورة الحرية الجنسية وبين الحرية العامة، كشرط من شروط الحرية الإنسانية العامة، ومنها حرية الوطن والمواطن في مختلف مجالات الحياة" (المرجع السابق، ص 252).
3-ومن انحرافاته: رده للأحاديث الصحيحة بعقله القاصر، فمن ذلك أنه رد حديث: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم" الذي رواه البخاري، وقال عنه: "هذا حديث غير علمي" !! (يوسف إدريس على فوهة بركان، محمود فوزي، ص44).
4-ومن انحرافاته: قوله "إنه لا يرى تطبيق الشريعة الإسلامية" ! ثم يقول معللاً "لكون من سيطبقها بشر، حتى ولو كانوا فقهاء فهم عرضة لأخطاء البشر وأهوائهم" !! (المجلة العربية، العدد 149).
5-ومن انحرافاته : قوله : في كتاب "جبرتي الستينات" :"أظننا جمعياً نعرف الأسطورة التي تقول إن سيدنا سليمان مات وهو واقف مرتكز على عصاه، ومع هذا بقيت الجن والإنس والحيوانات تعمل خوفاً منه واعتقاداً منها أنه لا يزال حياً" !! (ص 96).
وما يسميه أسطورة هو ما ذكره الله في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! قال تعالى عن سليمان عليه السلام (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين).
6-ومن انحرافاته : زيارته لما يسميه "العتبات المقدسة في النجف وكربلاء والكوفة" !! (المرجع السابق، ص 145). يفعل هذا مداهنة للرافضة، وتعاطفاً معهم. وسيأتي تعاطفه ومداهنته للنصارى! ، مما يشهد بخفه دين الرجل، وأنه لا يعرف ولاءً ولا براءً، إنما يسير خلف أهوائه وعقله.
7-ومن انحرافاته: ترحمه على النصراني (الكافر) سلامة موسى!! (كما في المرجع السابق، ص 68).
8-ومن انحرافاته: استجابته للنصراني "الأب!! ميخائيل زيادة" عندما كان يعالج في أمريكا، لما دعاه "للذهاب إلى الكنيسة المصرية يوم الأحد …. لكي يدعو لي الرب أن يأخذ بيدي" !! (مفكرة د.يوسف إدريس: الإرادة، ص28). ثم اعترف بأنه صلى صلاتهم ! ولكنه قرأ فيها "قل هو الله أحد" !! –نعوذ بالله من حاله-.
9-ومن انحرافاته : تشنيعه وذمه للجماعات الإسلامية، (كما في كتابه السابق، ص 161-162).
10-ومن انحرافاته: حزنه الشديد على وفاة الشيوعي الصيني الشهير (ماوتسي تونج)، وقوله عنه :"إن ماوتسي تونج كان أستاذي، أعظم أساتذتي على الإطلاق" !! (المرجع السابق، ص 195) .
بل إنه من جنونه بهذا الشيوعي نشر مقالاً في جريدة الأهرام بتاريخ 17/9/1976م بعنوان "المسلم … ماوتسي تونج" !! وقد ردت عليه مجلة المجتمع الكويتية -جزاهم الله خيراً- (انظر: المجتمع، عدد 320).
11-ومن انحرافاته : قوله :"التراث سخيف، وليس فيه شيء للقراءة" "يجب أن نحرق كتب التراث؛ لأنها كلها تخريفات وزخارف لغوية" !! (مقابلة مع مجلة البلاغ البيروتية، نقلاً عن مجلة المجتمع، العدد 183، وقد ردت عليه مشكورة).
12-ومن انحرافاته : قوله في المقابلة السابقة: "إن الكاتب هو نبي العصر الحديث، وكل الأنبياء كانوا كتاباً" !!

ملحق في رد البهنساوي عليه:
قال المستشار سالم البهنساوي في كتابه (تهافت العلمانية في الصحافة العربية) (ص 231-233): "نشرت جريدة الأهرام مقالاً للدكتور "يوسف إدريس" بعنوان "جولة في عقول القراء" وذلك بتاريخ 5/1/1985.
وهذا المقال ذكر فيه لب الخلاف حول تطبيق الشريعة الإسلامية فقال: (لب الموضوع أن أحداً لا ينادي أبداً بعدم تطبيق الشريعة الإلهية الإسلامية، إنه يكون مجنوناً لو فعل ذلك، فالشرائع السماوية كلها وعلى رأسها الإسلام؛ فوق أنها أمر الله سبحانه وتعالى، إلا أنها لم تأت إلا لتقيم العدل السياسي بمبدأ الشورى، والعدل الاقتصادي بمبدأ الزكاة، والعدل الاجتماعي بالمساواة التامة بين البشر. من هو المجنون الذي يعترض على شريعة الله؟ ).
ثم قال (إنما المشكلة أن الشريعة حقاً وصدقاً شريعة الله ولكن من يطبق تلك الشريعة؟ أليسوا هم البشر) وانتهى إلى أن نقد أقوال هؤلاء لا تعني الاعتراض على شريعة الله؛ لأن هؤلاء بشر يخطئون ويصيبون ليست لهم عصمة.
ولقد ضرب مثلاً لذلك بالخلاف في تطبيق مبدأ الشورى أو الديمقراطية، فقال الدكتور يوسف إدريس:
أ‌- يرى الأستاذ "خالد محمد خالد" حتمية تطبيق الديمقراطية حتى تكون الأمة هي مصدر السلطات.
ب‌- وقال: يجيء شيخنا الكبير الأستاذ "عمر التلمساني" ليعطي تفسيراً مختلفاً باعتبار أن فكرة الديمقراطية نفسها فكرة غير إسلامية.
ج‌- ثم قال: إن الأستاذ "عمر عبد الرحمن" يرى شيئاً ثالثاً مختلفاً تماماً فيقول إن الأمة ليست مصدر السلطات.
وانتهى الدكتور يوسف من ضربه لهذه الأمثال ولما يعرض في البرامج الدينية في التلفزيون والإذاعة، انتهى إلى أنه اكتشف أن غسيلاً يجري للمخ العربي والمصري حول المفاهيم الشرعية، ونادى بعلاج هذه الظاهرة ونقدها لأن البشر الذين يطبقون الشريعة لا يتنـزل عليهم الوحي من السماء حتى يكون رأيهم هو حكم الله الذي لا اعتراض عليه.

الخلاف الرفيع وتحديد المفاهيم([2]) :
لهذا وإذا قمنا نساهم في هذا الحوار فيجب أن نحدد سبب الخلاف، وأن نقبل جميعاً الحوار العلمي ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول: رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرنا خطأ يحتمل الصواب.
إن الخلاف القائم بين العلماء المعاصرين حول موقف الإسلام من النظام الديمقراطي، ليس نابعاً في حقيقته من عدم وضوح الحكم الإسلامي في هذه المسألة، بل نبع الخلاف من اختلاف هؤلاء في أمر الديمقراطية نفسها، ولهذا يُقرر فقهاء الأصول في الفقه الإسلامي قاعدة هامة هي أن الحكم على الشيء فرع من تصوره.
أ‌- لهذا فمن تصور الديمقراطية من جانب واحد هو أنها تخول أغلبية النواب الحق في إصدار التشريع الذي يرونه، حتى لو أباح الزنا والشذوذ كما هو كائن في بعض العواصم الأوروبية من تصور ذلك قال: إن الديمقراطية تتعارض مع الإسلام حيث أن أحكام الحلال والحرام وردت قطعية في القرآن والسنة ولا يحل التغيير والتبديل فيها حيث قال الله تعالى (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)([3]).
ب‌- أما من تصور الديمقراطية من جانبها الآخر، وهو أنها تخول الشعب عن طريق نوابه حق تعيين الحاكم ومحاسبته وعزله وحق إصدار القوانين فيما لا يتعارض مع الدستور الإسلامي، فقال إن الديمقراطية نظام إسلامي واستند في ذلك إلى قول الله تعالى (وأمرهم شورى بينهم) ([4]) وإلى قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم"([5])
وهذا الخلاف لا وجود له في ظل الدستور الذي ينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع؛ لأن من قواعد النظام الديمقراطي، قاعدة دستورية القوانين، ومن مقتضاها عدم جواز إصدار قانون يخالف الدستور، وعدم جواز إصدار لائحة أو قرار يخالف القانون ولا يخفى على أولي الفقه والرأي أن كل أمة وكل شعب يضع لنفسه مقومات أساسية، ليتضمنها دستور هذه الأمة الذي يلتزم به النواب والحكام والقضاة، فلا يجوز إصدار ما يخالفه، ولهذا فالدول التي اختارت الماركسية مذهباً اجتماعياً يحظر دستورها إصدار قانون يخالف هذا المذهب. والدول التي اختارت المذهب الرأسمالي، يتضمن دستورها نصاً يحظر إصدار قوانين تخالف هذا المذهب أي تغير المجتمع ليصبح شيوعياً.
وعلى هذا الأساس فاختيار الديمقراطية في المجتمع الإسلامي يكون مسبوقاً بدستور ينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، ويحدد حقوق الأمة وحقوق الحاكم وواجباته بما لا يخرج عن القواعد المجمع عليها بين فقهاء المسلمين، ومن بينها أن المال في الإسلام وظيفة اجتماعية فليس لأصحابه الحق المخول لنظرائهم في النظم الرأسمالية ولهذا فرض الإسلام الزكاة وحرم الاحتكار، وحمى حقوق الفقراء والمستضعفين في المال العام، وهذا ما عبّر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "لا حمى إلا لله ولرسوله"، كما جعل الإسلام في المال حقوقاً أخرى غير الزكاة حسبما فصله الفقهاء المسلمون.
ومن هذه القواعد أن تطبيق الإسلام لا يبدأ بالحدود وإنما يسبقه توفير المأكل والملبس والمسكن للمواطنين، وتوفير سبل تكوين الأسرة، ولهذا لم يقم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بإقامة الحد على اثنين من العمال سرقا من مال مخدومهما لأنه لم يوفر لهما سبل العيش مما اضطرهما للسرقة.
وأمير المؤمنين لم يوقف حد السرقة كما يفهم البعض خطأ، بل طبق الشروط والموانع الشرعية بالتالي إعمالاً لهذه الموانع لم يطبق الحد على هؤلاء" انتهى.



([1]) نقلاً عن (أعلام الأدب العربي المعاصر) لروبرت كامبل (2/233-237)
([2]) نشر هذا المقال في جريدة اللواء الأردنية بتاريخ 26/5/1987 بعد أن ظل لدى الدكتور يوسف إدريس أكثر من عام وبعد أن رفضت بعض الصحف الكويتية نشره، ولكن الدكتور يوسف إدريس في مقاله المنشور بالأهرام يوم 8/2/1988 ذكر أنه كان يعترض على الآراء المؤدية إلى نبذ العلم والتكنولوجيا، وأن ما شاهده من أعمال شباب الجماعات الإسلامية يجعله يقول: اللهم إن كان التيار الإسلامي هكذا، فأنا أول المنضمين إليه، فإذا شئتم حزباً يبشر بهذا ويعمل به، يخاطب العقل فينا وينهرنا عن الغوغائية فخذوني معكم" .
..............................................


.............................................


ينبع اهتمام يوسف إدريس وعنايته بالريف بشكل عام من جذوره المتأصلة في تلك البيئة التي عاش فيها طفولته الحالمة وامتزج برائحة الأرض وحركة الفلاحين ودأبهم المتواصل في زراعة الأرض وجنى المحصول، وما يعانيه أولئك الفلاحون من رجال ونساء من تعب وكد متواصل لكسب لقمة قد تأتى وقد لا تأتى فهم في صراع مستمر مع الطبيعة وأجوائها.‏

ومن هنا تنشأ العلاقات الاجتماعية التي تمثل البساطة والفطرة المعبرة عن عادات وقيم متأصلة في نفوسهم اعتادت عليها وأصبحت جزءاً من كيانها الداخلي وعاكسة للواقع اليومي وخالية من التزييف أو المصالح الفريدة.‏

إن معايشة الكاتب لتلك الأجواء جعلته يكتب عن الريف بواقعية خالصة تصور حياة الفلاحين كما هي بإيجابياتها وسلبياتها، وجعلته أيضاً يكتب بروحية من عاش معهم وتطبع بعاداتهم وتقاليدهم، وعرف أدق أسرارهم ومكنوناتهم فجاءت كتابته عن الريف بشكل عام منطلقة من عين ثاقبة وخبيرة تنبع من واقع الحياة المادي الذي يعيشه الفلاحون، ويمكننا أن نطلق عليها (الواقعية التسجيلية): "تلك الصيغة من صيغ الواقعية التي حاولت أن تقدم تمثيلاً موضوعياً للواقع الاجتماعي، وذلك بالنفاذ المباشر في الحياة والواقع، ذلك النفاذ الذي يتقبل الأشياء كما تبدو لنا في الظاهر".

وعن حياة الريف وواقعه يقول يوسف إدريس: "إن المجتمع الريفي لا يزال يحتفظ بتلك الروابط المتينة والانتماء الأسري، على العكس من مجتمع المدينة الذي تفككت فيه عناصر الانتماء"، لهذا نستطيع أن نقول أن المجتمع الريفي الذي يشكل نسبة كبيرة من المجتمع المصري يتألف مع بعضه البعض وتجمعهم بساطتهم وطبيعتهم الخالية من تعقيدات التكنولوجيا الصناعية التي تكونت في مجتمع المدينة ومن ثم أدت إلى تشابك الحياة فيها. فقد لا يجد الفرد في المدينة الوقت الكافي لإقامة علاقات اجتماعية وطيدة الصلة مع الآخرين بل قد لا يجد الوقت للجلوس مع أسرته بينما يتمتع أبناء الريف بعلاقات متماسكة مع بعضهم البعض بحكم أجوائهم وموروثاتهم الاجتماعية والعقائدية وطبيعة عملهم في الزراعة الذي يحتاج إلى التكاتف والتعاون خاصة في موسم جني المحصول أو مكافحة الآفات والأمراض التي قد تصيب حقولهم، فكل شيء في الريف يقر بمبدأ العدالة والجماعية حيث هاجس المصير المشترك بينهم والتقاليد السائدة فيهم التي تبقى ولا تغادرهم وإن هاجروا أو أسكنوا في المدينة من خلال وظائفهم أو دراستهم في الجامعات، فالطبيعة السخية ونظام العمل في الأرض وأواصر القرابة كلها تحقق ذلك التكاتف والمساواة ولكن حين لا يكون هذا محققاً فإن هذا يعني أن خللاً دخيلاً أشاع ذلك الظلم وأورث الجوع ونشر الذعر، إنه الإقطاعي أو التسلط الذي يمارسه صاحب الأرض الذي يستعبد الفلاح ويقهره.‏

وإذا كان يوسف إدريس قد كتب عن الريف فقد كتب عن أغلبية ساحقة لها جذورها وإن سكنت في المدن وهو إن عالج مشكلة في المدينة فلا بد أن تمس حياة الأفراد وجذورهم القديمة لأنه يرى أن أبناء الريف هم "غالبية المجتمع وأن التقاليد الشعبية والطقوس المدنية أو التي نظنها مدنية لها جذور ريفية.‏

وانطلاقاً من تلك المفاهيم كان اهتمام إدريس بالريف، فهو ابن بيئته وابن الأرض والحقول ويعرف جيداً نفسية الفلاح وجذوره التاريخية وما تحتمل نفسه من معاناة وألم وقبول بالواقع المرير الذي عاشه "والفلاح المصري والعربي عموماً قد تعلم عبر عصور الاستغلال والاضطهاد الاقتصادي والسياسي المتواصل أن يأخذ بالجبرية ويقبل بالقضاء والقدر إذ لا يملك إلا أن يسأل معبوده لطف قضائه.‏
لقد فهم إدريس هذه النفسية المقهورة للفلاح وعبر عن تلك الشخصية بكتاباته متفقاً في ذلك مع كشوفات علم النفس التي ترى أن تلك القيم المتوارثة تشكل أثراً كبيراً في نفسية الفلاح بل هي تصنع شخصيته وتحدد سلوكها اليومي وقد ترسم مستقبلها.‏

وإذا كان هذا هو شأن الفلاح الرجل الذي تمسك بكل تلك الموروثات والعادات فإن المرأة الريفية هي أكثر تمسكاً منه بحكم كونها (امرأة) وما تعنيه هذه الكلمة ضمن المجتمع الريفي من مفاهيم خاطئة وقاسية تجعلها أقل شأناً من الرجل ومن ثم فهي تتحذر من كل خطوة تقدم عليها أو كلمة تصدر عنها، خاصة وأن المجتمع الريفي صغير وسريان الأخبار فيه سريع وإذا كان الخبر عن امرأة تضاعف الأمر وكبر.. لكن هذا لا يمنعها من مشاركة الرجل أعماله اليومية، بل نستطيع أن نقول أن المرأة الريفية وقفت موقف الرجل نفسه خلال عملها في الحقل والزراعة وجني المحصول، فالكل متعاون لإدارة شؤون الحياة، وهذا العمل الشاق يضاف إلى عملها الأساس في المنزل.‏

وتأتي معالجة يوسف إدريس لواقع الريف ومشاكله من خلال رؤية عميقة ومتجددة ومتأثرة بالتيارات الفكرية والأدبية التي كانت تنهل من الفكر الواقعي الاشتراكي بكونه تياراً جديداً في الرواية العربية في مطلع الخمسينات والكاتب نفسه يعد من الكتاب المصريين الذين برزوا من بين طبقة الشباب اليساريين المتطلعين إلى مستقبل جديد تبشر به كتاباتهم وتحاول هدم القديم لبناء ما هو جديد على أنقاضه.‏

وبالرغم من أن إدريس ينفي انتماءه لأي تيار معين حيث يقول: "أنا ضد المدارس والتيارات والاتجاهات الأدبية والفنية.. أعمالي كلها تنطلق من رؤية محددة، من فلسفة معينة أنظر إليها من زوايا معينة وهي تجديد أبدي وعدم توقف" إلا أننا نلحظ تأثره بتلك التيارات في عرضه للمعاناة الاجتماعية والاقتصادية للفلاحين وبالروح الاشتراكية وذلك في رواية (الحرام) الصادرة عام (1959)، فقد تناول طبقة مقهورة تشتغل بالأجرة تدعى (عمال التراحيل) وأخذ نموذجاً منها وتابع تحركاتها ومعاناتها، وبالرغم من أن الكاتب قد مهد كثيراً قبل ظهور الشخصية الرئيسة في النصف الثاني من الرواية إلا أنها كانت تمارس حضوراً خفياً في تحريك الأحداث وكان جل الحدث يدور حولها وبسببها، وقد ركز الكاتب جهوده في إظهار الشخصيات الثانوية لدورها الكبير في تشابك الأحداث بحيث يجعل القارئ يعقد مقارنة بينهم وبين الشخصية الرئيسة ويكتشف بنفسه موقع الخلل الذي أصاب تلك القرية ودور الشخصية الرئيسة في كشف الكثير من الأسرار والخفايا التي كانت مطمورة.‏


الشخصية الرئيسة:

في رواية (الحرام) يمهد يوسف إدريس كثيراً لظهور الشخصية الرئيسة (عزيزة) من خلال استعراضه لجميع الشخصيات الثانوية ويعطينا فكرة واضحة عن تصرفات تلك الشخصيات وكأنه يقول للقارئ نصف الحقيقة ليجعله في نهاية الرواية يكتشف بنفسه النصف الآخر و(عزيزة) هي الجانية التي تستر عليها أصحابها وتتكشف لنا تدريجياً بعد استعراض بطيء للأحداث استهلك نصف الرواية، وجعل القارئ يشك في كل الشخصيات التي طالعها وهو بانتظار أن يفتح لـه المؤلف نافذة الحقيقة ليطل على الجوانب الخفية. فالقارئ منذ البداية عرف أن هناك جريمة قتل قد حدثت لطفل حديث الولادة اكتشفه صدفة أحد الأشخاص (عبد المطلب (فقد كان يستحم صباحاً في إحدى الترع وهو يستعد لصلاة الصبح وبعد تأديته للفريضة ومشيه بين الحقول وتأمله لها "فوجئ عبد المطلب بجسم أبيض غريب يرقد على جانب من الجسر. فرح عبد المطلب فهو ككل الناس ما يكاد يرى على الأرض شيئاً يختلف لونه عن لون الأرض إلا ويعتقد أنه عثر على لقية". إلا أن تلك اللقية لم تكن سوى جنين مخنوق لا حياة فيه، وإدريس بهذا المشهد قد فجر الموقف في ذلك الصباح الهادئ ليشد القارئ ثم تركه وانسحب بهدوء ليجعله يبحث بنفسه من خلال شخصيات الرواية عن القاتل أو القاتلة، وبدأ الكاتب بتحريك الأحداث وتصعيدها من خلال استعراضه للشخصيات الثانوية بطريقة سردية بما يشبه الروايات البوليسية، وقد عبر عن قسوة المجتمع تجاه أبنائه إذ لم تكن جريمة القتل هي عقدة الرواية أو هدفها الرئيس إنما هي الواسطة في كشف تناقضات بعض طبقات مجتمع الريف وما ينوء به من فقر وظلم من تلك الطبقات المستغلة، وبنفس الوقت إلقاء الضوء على أسباب الجريمة التي ارتكبتها (عزيزة) والدوافع التي أجبرتها على فعل شيء لم تكن تتصور نفسها يوماً إنها ستفعله، "ولو أن الرواية هدفت إلى العثور على الأم التي ارتكبت هذا الإثم ثم وضعته وخنقته وحسب لما خرجت عن إطار الرواية البوليسية المثيرة التي لا قيمة لها فنياً. غير أن يوسف إدريس استطاع أن يمضي بالحادث إلى أبعد من ذلك حين جعله منطلقاً ليصور البؤس الإنساني والأشخاص الذين يعيشون في القرية ونفسياتهم في مدها وجزرها والخلفية الاجتماعية الواسعة القائمة التي يتحركون فيها بصدق ودقة..".‏

وقد أظهر الكاتب شخصية عزيزة إنسانة سوية طبيعية مثل أي فتاة عاشت طفولتها وشبابها في كنف مجتمعها وأهلها "كانت ذات يوم بنتاً حلوة ذات أهداب وشعر ونهود، تضع الكحل وتطقطق بالشبشب إذا سارت.. إلى أن زوجوها إلى عبد الله وأيضاً كان لها ليلة حنة... وصباحية لم تستمر إلا صباحاً واحداً والصباح الذي يليه كانت في الغيط" فصورة (عزيزة) صورة واقعية لفلاحة مصرية بشكلها وتصرفاتها وبراءتها عانت من الفقر والعوز ما عانت وزادها البؤس عند مرض زوجها، وإدريس بتلك الصورة التي قدمها يعالج المشكلة من خلال بيئة الشخصية وقد أصبحت عبارة الأدب النابع من البيئة عبارة مستهلكة لا معنى لها من كثرة الترديد والتكرار ولكننا عندما نقولها عن يوسف إدريس نجدها تكتسب على الفور معنى أصيلاً دقيقاً، إن يوسف إدريس ليس أول من كتب عن الفلاحين.. وليس أول من كتب عن القرية ولكن قيمته الحقيقية هو أنه عندما كتب القرية قلب تربتها وعرف باطنها قبل ظاهرها فخرجت في أدبه قرية مصرية لذا كتب إدريس عن القرية بواقعية تحمل الطابع المحلي. لم يستخدم القوالب الجاهزة أو تأثر بأسلوب كاتب آخر، لذا كانت كتاباته عفوية جعلته يعطي صوراً فوتغرافية وينقل تلك الصورة كما هي بكل جرأة وأمانة.‏

إن معانا )عزيزة) تعبير عن واقع اجتماعي واقتصادي لا عن واقع فردي ويوسف إدريس أكثر وعياً وواقعية حين تخلص رويداً من تضخيم الانفعال وإعطاء صورة أكبر من حجمها، فقد اعتنى بالجزئيات الصغيرة وكان بحثاً ممثلاً لضمير المجتمع الذي ينادي بالتغيير وتكاد تتلخص الخطوط العامة في أدبه الروائي بخطين أساسيين: العناية المفرطة بالفئات الكادحة من الشعب والتأكيد على أن صفات الخير هي السمة الأولى في الجنس البشري عامة وإن توارت أحياناً تحت ركام مخلفات المجتمع وقد آن الأوان ليكتشف إدريس ما يعتمل به صدره، فبعد ثورة 23 تموز في مصر انفتحت الأجواء وتوضحت الرؤية لدى الأدباء ليكتبوا بصدق وجرأة بعيداً عن أي مراوغة أو تسويف بعد أن حصلوا على مقدار من الحرية في التعبير، وعندما عملت الثورة على تنمية الوعي الوطني والسياسي للأفراد كان هذا إيذاناً بفتح آفاق جديدة للأدباء والمبدعين كي يقولوا كلمتهم من خلال الصحف والمجلات التي أنشأتها الثورة.‏

وكان الاهتمام بواقع الريف ومشاكله كبيراً، وقد عالج يوسف إدريس موضوعاً جديداً مثل إفرازاً للفقر والجوع هم "عمال التراحيل" أو ما يسمونهم بـ (الغرابوة) تلك الطبقة المطحونة اجتماعياً واقتصادياً التي تضطر للترحال وراء لقمة العيش تاركين منازلهم وأطفالهم ويعملون بأبخس الأثمان ويتحملون من الظلم ما يجعلهم ينوءون ويرضخون لأصحاب العمل، ويصفهم الكاتب بقوله: "... والغرابوة ليسوا من قاطني التفتيش ولا يمكن لأحد أن يتصور أنهم من قاطني التفتيش إذ ليسوا هم أكثر الناس فقراً في بلادهم الذي يدفعهم الفقر إلى اللجوء إلى العمل في التفاتيش البعيدة وترك دورهم وقراهم سعياً وراء يومية لا تتعدى القروش القليلة أليسوا هم ذوي الأسمال البالية، والرائحة الغريبة والخلقة الكريهة..".‏

أية صورة قاتمة للغرابوة تلك الفئة التي تنتمي إليها (عزيزة) الشخصية الرئيسة في الرواية، التي تعمل وتحاول توفير فتات العيش لأطفالهم، ويمعن إدريس في إعطائنا الدليل على بؤسهم عندما يقارن بينهم وبين سكان أهل التفتيش فهو يضع المتضادات سوية لتوضيح الصورة، فبعد أن يعرفنا بالغرابوة يسلط الضوء على أهل التفتيش ليزداد الغرابوة نكراً "فقاطنو التفتيش كلهم مزارعون محترمون لكل منهم بيته وأولاده وبهائمه وجلبابه النظيف الجديد الذي يرتديه بعد انتهاء العمل ليسهر به في القهوة.. وهم جميعاً معهم نقود".‏

في تلك الأجواء القاسية كانت تعيش (عزيزة) وتعمل لتكتسب قوتها وقوت أطفالها وزوجها المريض ومأساته الإنسانية "وليس بطلها القدرة كما نرى في المأساة اليونانية، ولكن بطلها الأكبر هو المجتمع، وهو المجتمع القديم الفاسد الذي لا يمنح للناس العلاج والعمل والتعليم ولا يترك أمامهم إلا فرصة واحدة هي المأساة والكارثة، ويوسف إدريس لم يلتفت في قصصه أبداً إلى المأساة التي يصنعها القدر بل يثبت عينيه على المأساة الاجتماعية وحدها".

فالاهتمام الذي يوليه منصب فقط على المشاكل الاجتماعية "والعناية بالموقف دون شخصية البطل في الرواية"، وقد عالج إدريس خطيئة (عزيزة) التي ارتكبتها رغماً عنها، فقد هيأ لها كل الأجواء والظروف وأعطاها أدق التفاصيل والمسوغات لارتكابها جريمتي الحمل السفاح والقتل، وقال لنا بصراحة أنها ضحية ظروفها القاسية فلم تتحمل الفضيحة –لأنها امرأة سوية- وهي امرأة حباها الله بالوداعة والأمومة فكيف تقتل وليدها، وهل ستمر تلك الفعلة دون أي رد فعل منها، فالشر لم يكن يوماً في داخلها، ولم يكن يوماً بداخل أي فرد أو إنسان.. "الشر ظاهرة اجتماعية أولاً وقبل كل شيء يظهر مع ارتباك العلاقات الإنسانية وانعدام الفرص السليمة أمام الأفراد. فالشرف والفضيلة مثل المأكل والملبس كلها أشياء تتاح لبعض الناس ولا تتاح للآخرين، ليس حسب طبيعة الأفراد وإنما حسب ظروف الأفراد".

ويعرض إدريس (عقدة) الرواية ولب الموضوع، فقد اشتد مرض زوجها وطلب منها في أحد الأيام وبدلالة المريض أن تأتيه بـ (حبة بطاطا) وكأنها الأمنية الأخيرة لـه في حياته، وما كانت الزوجة الوفية لترفض لـه طلباً ولم يكن في البلد- بطاطة. كانت هناك مزرعة بطاطة في فدان (قمرين) ولكنها جمعت من زمن وبيعت وأرضها تهيأ للذرة ولكن طلب عبد الله عزيز، وعليها أن تحاول"، وحملت عزيزة فأس زوجها الصدئة وتوجهت لتلك الأرض علها تعثر على قطعة بطاطة غفل عنها حاصدها، وحفرت في الأرض عدة حفر ولم تكن تدري أنها حفرت قبرها بيدها، "وبينما هي تعمل وتلهث وقد شمرت ثوبها الأسود وربطته حول وسطها كما يفعل الرجل، رأت خيالاً ثم سمعت صوتاً يقول: -بتعملي إيه يا بت؟ وحتى قبل أن ترفع رأسها كانت قد عرفت أن صاحب الصوت هو محمد بن قمرين، ورفعت عزيزة رأسها وعدلت ظهرها وقالت لـه الحكاية، ورجته أن يسمح لها بمعاودة البحث.. ويبدو أنها صعبت على محمد فلم يوافق على معاودة الحفر فقط، ولكنه كان شهماً فقال لها: -عنك أنتي".‏

ومن هنا بدت نقطة ضعف المرآة أوحى بها المؤلف من خلال أسلوب وصفه لطبيعة نظراتها للرجل، فها هي (عزيزة) تحاول أن تتغلب على ضعفها وقسوة الحياة عليها ولكن أليست هي إنسانة ولكل إنسان لحظات ضعف وكبوة إنها لم تكن تحيا حياة طبيعية كما تحيا النساء وتحملت الكثير من المآسي وزوجها مريض لا شفاء له، وأطفالها يتضورون جوعاً، أما آن لهذا الجسد أن يقوى ولهذا العقل أن يستكين ومع كل تلك النوازع فقد بقيت مخلصة لزوجها إذ لا مجال للعواطف الإنسانية في قاموسها، لقد جردها الفقر من كل شيء والشيء المؤكد أنها حاولت أن تبعد كل خاطر كان يناديها، لكن لحظة الضعف لا بد أن تأتى، فكانت النهاية، ويمهد الكاتب لحصول الاعتداء الجنسي على عزيزة كثيراً بحيث يشعر القارئ بأن الاعتداء جاء رغماً عنها ولكنها لم تقاومه ولم تفعل شيئاً، و "وخلع جلبابه، وأخذ منها الفأس وتلفت بعين خبيرة ثم انتقى مكاناً ما لبث أن راح ينهال بالفأس عليه، وعزيزة قد جلست غير بعيد ترقبه، وتقارن بين حفرها وحفره، هو الرجل الذي يذكرها بعبد الله حين كان يعمل وتصبح تلك العضلات البارزة في بطن ساقه وتتكور تلك العضلات الأخرى في بطن ذراعه ويلهث ليس لهث المتعب، ولكنه لهث الرجال حين يعمل لهث منتظم قوي وقور.‏

إن كل عبارة وكلمة للكاتب هنا توحي بأبعد من معناها، فهي مجموعة رموز وإيحاءات، فالحفر في الأرض. وقوة الرجل وسيطرته على الفأس وتكور عضلاته وتحكمه بالأرض مقابل ضعف عزيزة ومقارنة قوته وضعفها كلها صور ذات دلالات أخرى، إن الكاتب لا يقول لنا صراحة أن عزيزة بمراقبتها للرجل قد رسمت في مخيلتها صورة الرجل القوي الفحل أو أنها فكرت بالجنس، وربما عقدت مقارنة بينه وبين زوجها المقعد، لكنها امرأة مخلصة وفية ولن تسمح لنداء غريزتها أن تستغرقها، فقد استبعدت هذا الهاجس الشيطاني بسرعة ولم تفكر بارتكاب الخطيئة وعادت لوعيها وواقعها ورمت بأحلام اليقظة بعيداً عن مخيلتها، لكن الكاتب يعاود الكرة عليها: "خبط محمد خبطتين متواليتي ثم قال لها وهو يبتسم: خذي يا ستي، وناولها جذر بطاطا صغيراً فرحت به كاللقية وكادت تهم بالوقوف والذهاب جرياً إلى عبد الله بما حصلت عليه ولكنه قال: لها: استني، وبعد خبطات قليلة أخرى ناولها حبة بطاطا ذهلت لضخامتها فلم تكن جذراً، كانت حبة حقيقية في حجم قبضة اليد أو تزيد.

وبهذا المشهد يعطينا الكاتب الدليل القوي على أن ما فكرت به قبل قليل كان خيالاً فقط لم تستطع أن تبعده عن مخيلتها وفكرها، ولكنها استطاعت أن تمنعه من التحقق فهي قد آمنت بقدرتها وأرادت الرجوع بسرعة لزوجها وأطفالها. لكن مع شكرها ودعواتها (لمحمد بن قمرين) ورجوعها للخلف لم تنتبه للحفرة التي كانت خلفها، خاصة وإن الشمس قد أوشكت على الغروب والرؤية غير واضحة، وهي مرتبكة. متلهفة للعودة كل تلك الصور والدلائل رسمها الكاتب بدقة وهيأ الأجواء للحظة الضعف التي ستنتاب عزيزة فقد فوجئت بنفسها تسقط مرة واحدة، نصفها في الحفرة ونصفها على الأرض.. ما كادت تحاول أن تقوم حتى كان (محمد) إلى جوارها في الحفرة يساعدها، مرة واحدة وجدت نفسها في حضنه وقد أطبق عليها بذراعيه ليدفعها وهي وإن كانت قد ارتعشت حين أحست بنفسها في حضن رجل غريب إلا أن هذا الرجل الغريب لم يكن سوى (محمد الكشر) الذي لا يتسرب إليه الشك، ولكن الشك بدأ يتسرب فعلاً إليها حيث لم يرفعها محمد ولم يدعها ترفع نفسها.. روعت أولاً ولكنها استجمعت نفسها ودفعته وناضلت ولكنها كانت ترى أن نضالها لا فائدة منه، بل ليست تدري على وجه الدقة سر هذا الانهيار الذي أصابها حيث أصبحت في حضنه تريد أن تقوم ولا تستطيع.. تستميت ولكنها يائسة- حتى ملابسها التي لا تحتكم على غيرها مزقها، كل ما حدث أنها ظلت تئن مذهولة مرعوبة حتى قام، وشتمته، ولكن ماذا تفيد الشتائم، لم يقل هو حرفاً، فقد ظل ينظر هنا وهناك. الغيط خال تماماً والبهائم والناس تروح من بعيد، وعاد إليها، وهذه المرة كان يمكن أن تقوم وتجري وتضربه بالفأس إن اضطرت، ولكنها لم تفعل.. سكتت.. وظلت تئن أنين المظلوم الذي لا يخلي نفسه من مسؤولية ظلمه".‏
هي إذن لحظة ضعف استغلها الجاني وساعدته هي أيضاً وتعترف بذلك، "ولكني لم أرفض فليلعني الله في كل كتاب أنزل لأني لم أرفض، تضرب رأسها في الحائط وتقول: كنت عارفة أنه حرام وعيب، لم تقاوميه كما يجب. لم تصرخي وتلك الفضيحة..".‏

ويحق لنا أن نتساءل: ما سر هذا الانهيار الذي أصاب عزيزة فجأة؟! ولماذا أعطت نفسها بالرغم من عفتها؟ والإجابة ستكون من مضمون العمل نفسه فالإنسان مهما تحمل من ظروف صعبة وحرمان وكبت لا بد أن يمر بلحظة ضعف ووهن، بل يحاول أن يكسر القيود، فهو تركيبة معقدة تحمل الخير والشر وتتصارع في نفسه كل النوازع والغرائز، ويبقى سلوكه محدداً بإطار تكوينه ونشوئه، فهو ليس آلة صماء، هو مزيج من عواطف وأحاسيس وتحمل ما تحمل من تناقضات ولا بد أن تحدث عنده (السقطة)، ومن المؤكد أن الجاني قد عرف بظروفها فهو من قريتها وهو صاحب النفوذ، فلم تكن شهامة منه حين ساعدها لأنه قد أخذ الثمن غالياً منها.‏

إن تصرفات تلك المرأة وسلوكها لا تجعل القارئ يشك ولو للحظة واحدة أنها قد فعلت الحرام بإرادتها، وإذا كان الجاني قد مثل جانب القوة والظلم فإنه وفي الوقت نفسه مثل إدانة واضحة لمجتمعه الذي لم يكف جبروته وثراءه، إنما اغتال شرف الفقراء. مستغلاً ضعفهم أو لحظة ضعفهم، ومثل بذلك اعتداء طبقة مستغلة على طبقة مسحوقة بالرغم من فعلة الجاني فهو بعيد عن الحساب أو العقاب، فقط (عزيزة) دفعت الثمن وحدها، فنحن لا نعرف بعد ذلك مصيره بل إن الكاتب لا يقدم لنا أي شيء عنه وكأنه أراد أن يقول أن المجتمع وحده يتحمل هذا، وما الجاني إلا جزء منه.‏

وعلى الرغم من أنها نسيت أو حاولت أن تنسى ذلك الحادث واعتقدت أنه قد مر دون شعور أحد به، فقد كانت مشغولة بزوجها وأطفالها وفقرها، فحملت عارها وسكتت خوفاً من الفضيحة. ولكن إرادة الله كانت أقوى منها فقد حملت سفاحاً من ذلك الشخص، فكيف تتصرف والكل يعرف أن زوجها مريض ولا يستطيع الاقتراب منها وعبد الله نفسه يعرف ذلك فماذا سيقول للناس لو عرف.. "هو لن يقتلها فهو عاجز عن قتلها، والناس لن يقتلوها فهم لا يستطيعون قتلها، ولكن القتل أهون من أن يعرف عبد الله ويعرف الناس".

لقد فعلت كل شيء لإسقاط حملها "أعواد الملوخية وإدارة الرحى فوق بطنها والقفز من السطح، ولكنه كان ابن حرام فعلاً فلم يزحزحه كل هذا".‏

إذن لا بد من تطهير (عزيزة) من رجسها والأيام وحدها ستقرر مصيره وحين قررت الرحيل مع أبناء قريتها إلى أحد التفاتيش للعمل، لم تفكر بنفسها أو حملها، كان كل همها توفير قوت العيش لأسرتها، وغادرت أرض الفقر والعلل لأرض ثانية علها تجد شيئاً آخر أو تجد حلاً لها، ولكن بعد أشهر قليلة جاءها المخاض وأحست ببوادر الطلق ببطنها، وكان عليها أن تذهب بعيداً لتخفي ما تحمله بطنها، ويتكرر المشهد مرة أخرى حيث يهيئ الكاتب الأجواء مرة ثانية ويصعد من الحالة النفسية السيئة التي كانت تعانيها وتشعر بها حين جاءها المخاض، ولحظة قتل وليدها فهي لم تكن بحالة طبيعية ولم تكن أبداً تقصد قتله، هي في حيرة من أمرها، ماذا تفعل، فقد بدا تفكيرها معطلاً ولا تدري كيف ستتصرف، فبعد الولادة لم تكن قد جهزت نفسها لهذا الوقت كل ما كان عليها أن تتخلص من هذا الورم الخبيث الذي أضناها طويلاً ولتتركه بعد هذا، وليحدث ما يحدث وها هو ذا الورم بعدما تخلصت منه يصرخ ويهدد بالفضيحة الكبرى، لم تكن هي التي تتصرف، لم تكن هي التي تفكر، هي في الواقع كانت لا تفكر بالمرة كانت وكأنما ذراعاها هي التي تتحرك وتجذب الرضيع إليها من تلقاء نفسها، ولكن كل هذا لم يستمر سوى لحظة بعدها صرخ الطفل وارتدت يدها بسرعة على الفم تقفله، وحاولت الفتحة الصغيرة أن تتملص من الأصابع الموضوعة حولها فازدادت ضغط الأصابع وخافت أن ترفع يدها فيعود إلى الصراخ، وهكذا بقيت يدها.. ومرة واحدة أفاقت عزيزة لنفسها، فوجدت يدها ميتة على فم الطفل، وجدت الطفل ساكتاً ساكناً لا حراك به، وهتفت في صوت مبحوح خائف مرتعش: يالهوي..".‏

إن الكاتب يبرر فعلتها، لكن هذا لا يعفيها من الإثم، فقد أصابتها الهستيريا وأرادت إسكاته لكن كيف سيكون حال الطفل الوليد حتى وإن فكرت أنها ستتركه في العراء وحده، هل سيعيش.‏
إن سوء تصرف (عزيزة) هو الذي أوصلها لما هو عليه وقد تكاتفت ظروف عديدة ونهاية طفلها الوليد.‏

وعندما نمضي في تحليل خطيئة عزيزة سينتهي شعورنا بالاحتقار أو الكراهية نحوها، ونصب نظرتنا تلك على أسباب المأساة الكامنة في الظروف الاجتماعية والفقر والتشرد، هي الأسباب التي جعلت عزيزة فريسة سهلة للاغتصاب.. إن الخطيئة هنا أشبه بالمرض الذي يصيب الإنسان بسبب سوء التغذية، لا مجال للسخط على المريض إذ لا ذنب له، لكن السخط سيكون على قلة الغذاءوعلى من حرم عزيزة من أن تحيا حياة طبيعية، فالخطيئة هنا مكتسبة وليست أصلية في تلك المرأة وكانت نهايتها هي الثمن الذي دفعته لغسل تلك الخطيئة
الشخصيات النسوية الثانوية:‏

جاءت شخصيات يوسف إدريس الثانوية النسوية بشكل مدروس وليست محشورة حشراً، فقد وظفها الكاتب على نحو يتواءم ومخططه الفكري لكشف ما يعتمل في واقع الريف المصري من تناقضات اجتماعية ومن سلبيات تتعلق بممارسات وسلوكيات خفية لشرائح وطبقات من هذا الواقع، وجاءت أغلبية الشخصيات النسوية لتؤكد التناقض الواضح في داخلها، وتعمد الكاتب إظهارها بهذه السلبية ليقارن سلوكها مع شخصيته الرئيسة (عزيزة)، بل وليدين تلك الشخصيات بما ارتكبته من آثام وشرور، فقد كانت واقعة الاعتداء على تلك المرآة العامل الأول في كشف المستور لأن إدريس قد دخل عالمه واستكنه خفاياهم، فكانت تلك الشخصيات المرأة التي عكست صورة تلك القرية بكل وضوح ودون رتوش، وأزالت جميع الأقنعة عن الوجوه، فظهر الصدأ الداخلي لها، وانتزع عنها ثوب البراءة.‏

ويستعرض الكاتب ومنذ بداية العمل جميع تلك الشخصيات في إطار مرسوم بعناية فائقة، فمن خلال بحثه عن الجانية يعثر على أشياء كثيرة لم تكن هدفه لكنها بكل تأكيد كانت أشد حراماً من حرام (عزيزة)، فجاء الكشف على وفق أدوارها المرسومة ضمن مسار الرواية الحديث، بل تعمد أن يثير القارئ ويجعله يزرع شكوكه في كل واحدة منهن، فما أن يقع بصره على واحدة ويظن أنها هي الفاعلة للإثم حتى نجده يحول بصره إلى أخرى كشفها لـه الكاتب. إذ يوحي للقارئ من خلال تصرفات وسلوكيات تلك الشخصيات أنه من الممكن جداً أن تكون إحداهن هي أم الطفل المخنوق. ويبقى القارئ متشوقاً ومتحفزاً لمعرفة الجانية، وقد تحمل المأمور (فكري أفندي) مسؤولية العثور على الجانية.‏

وقد بلغ خوف سكان التفتيش من هذا الحدث أشده حتى أن الخفير (عبد المطلب) أول شاهد على الجريمة قد خامره هاجس غريب إزاء زوجته فقد "تصور لأمر ما أيضاً أن الجنين الذي يراه الآن هو ثمرة لليلة الماضية التي قضاها مع زوجته، ولدته بعد أن غادرها ليستحم في الترعة ويتطهر ثم ألقت به في الطريق. كان الخاطر لا معنى له" فزوجة الخفير وبالرغم من عدم ظهورها ولا تأثير لها في أي حدث كانت أول امرأة بدت متهمة في نظر زوجها على نحو لا مسوغ لـه ضمن الواقع، أو مسار الحدث الروائي، فقد كان شك زوجها نابع من تفكير غير منطقي، وإذا كان القارئ قد استبعد كلياً (زوجة عبد المطلب)، فهو ينتظر من الكاتب أن يمده بخيوط وتفاصيل أخرى ليهتدي إلى الحقيقة، فكان أسلوب إدريس للوصول إليها يقوم على عرض لشخصيات مثيرة للشك، وها هو يكشف عن أوراقه ويطالعنا بالشخصيات النسوية الثانوية:‏


أم لندة:‏

في بحثه عن الجانية، استعرض (فكري أفندي) ببصره بيوت التفتيش وأخذ يتأملها فوقع بصره على بيت الباشكاتب (مسيحة أفندي) وبالتحديد توقف عند زوجته (السيدة عفيفة ـ أم لندة) وهو يشك بكل شخص ولا يستثني أحداً "ولكنها كانت في زيارة لزوجته في الأسبوع الماضي ولم تكن أبداً حاملاً وعفيفة هذه المرأة متعلمة مثقفة نشأت في المدينة وتظهر في الرواية ذكية ومحتشمة وليس هناك ما يشوبها غير أن صراعاً يدور بينها وبين زوجة المأمور فكري أفندي (أم صفوت) بسبب أن الأخيرة كانت جاهلة ولا تستطيع مجاراة عفيفة بالكلام أو اللياقة ولهذا كانت تلعنها أمام الفلاحين وتحاول النيل منها.‏

وبالرغم من أنها زوجة وفية إلا أن مسيحة أفندي زوجها بدأ يشك فيها بل تعدى شكه ووصل إلى ابنته، فبحكم البيئة الريفية التي تحيطهم والعادات التي تنبذ أي فعل مشين يريد (مسيحة أفندي) أن يرتاح وينهي الأمر فهو كمن يريد أن يطفئ النار التي شبت بالقرب منه حتى لا تصل إليه، ويساوره الشك في زوجته لكنها "رفيقة عمره الوفية الأمينة وقد لا تكون كذلك، قد تكون هي المتسترة على ابنتها، بل وما أدراه أنها لا تتستر على نفسها".‏


لندة:‏

أما ابنتهما (لندة) فيحاول الكاتب إيهام القارئ بأنها هي الجانية، فهي فتاة جميلة رقيقة، ويشاع عنها أن لها علاقة غرامية مع أحد الشبان (أحمد سلطان) المعروف عنه ولعه بالفتيات وعبثه معهن ويعزز هذا الاتهام ما يعمل صدر أبيها من شك إزاءها مبعثه خوفه وعدم اطمئنانه إلى نظرة المجتمع أو المحيط الريفي الضيق إلى ابنته المتعلمة الجميلة واحتمال استغلالها من قبل بعض من يمثل هذا المحيط، ويزداد شك والدها بعد أن يعلم أنها مريضة وربما يكون ذلك المرض نابعاً أو ناتجاً عن حمل وولادة.. فالبنت قد تعدت سن الزواج وهي حلوة وموفورة الصحة وتحيا في فراغ كبير، ومن الجائز جداً أن يكون الشيطان قد أغواها"، ومع انكشاف الأمر ومعرفة الجانية ارتاح سكان التفتيش وأكثرهم فرحاً كان (مسيحة أفندي) إذ زال الخطر عن بيته، ولكن أي خطر هذا الذي زال، فقد وقعت (لندة ) في شباك صياد ماهر (أحمد سلطان) بمساعدة إحدى النساء (أم إبراهيم) التي مهدت لها الطريق بالإغواء وربما كان الكبت الذي كانت تعانيه تربية الأب الصارمة هو ما دفعها إلى الانحراف عن مسارها الخلقي. فقد ذهل الأب يوماً باختفاء ابنته من المنزل "وجن مسيحة أفندي وهو يطوف البلاد طولاً وعرضاً ويبحث عنها، وزالت المفاجأة وانكشف السر حين عرف أنها ذهبت لتتزوج من أحمد سلطان"، والكاتب يخفي هدفه من تلك النهاية حين يجعل هرب لندة وزواجها في غفلة من أبيها حصيلة معاناتها لنواهيه التربوية الصارمة، ومن ثم أدت إلى حدوث نتائج عكسية، بما لم يكن يتوقعه والدها.‏


أم صفوت:‏

زوجة المأمور (فكري أفندي) فلاحة غير متعلمة كل همها تلبية طلبات زوجها وهي بحكم تربيتها لا تعدو أن يكون هدفها الأول إدارة شؤون بيتها، فزوجها لا يسمح لها بالخروج إلا ما ندر، بل ويضيق صدره إذا زاره أحد. خاصة بعد أن انتشرت الأقاويل الكثيرة حول اللقيط والأم الجانية، "ولهذا فقد كان يجد الحرج البالغ كلما دعيت زوجته لزيارة بيت مسيحة أفندي أو جاءت عفيفة وأولادها لزيارتهم"، ويعبر يوسف إدريس عن نظرة المجتمع الريفي للمرأة الزوجة من خلال موقف المأمور (فكري أفندي) الذي يرى فيها شيئاً خاصاً لا يجب أن يطلع عليه أحد ولا حتى نساء غيره"، فليس لها الحق في مناقشة أي أمر اعتيادي متعلق بشؤون القرية، فكيف بموضوع خطير كموضوع اللقيط، فضلاً عن ذلك لا يريد أن يصدق وقوع الحادثة ضمن التفتيش، لكن أمر اللقيط شيء قد انكشف للجميع "والحرام إذن موجود لدى الناس أحياناً لا يستطيعون إخفاءه ولكنه أحياناً يهزمهم وينتصر على رغبتهم في إخفائه يظهر متبلوراً في لقيط مسجى، وفي بطن منفوخ الحرام الذي كنت تسمع عنه يا فكري أفندي ولا تصدقه موجود" ولا يمكن تصور فكري أفندي بموقفه هذا من زوجته أنه يدافع ويحافظ عن قيم ومبادئ عامة أو أنه يدافع عن قيم المجتمع كله، فبالرغم من جبروته وظلمه للغرابوة الفقراء لا يتورع عن فعل أي شيء لأجل مصلحته، وتبدو مسألة الشرف ندية وكأنها خاصة بزوجته أو أبناء طبقته فحسب وأن حرصه على قيمة الشرف ينحصر مداه بهن ولا يسري على نساء الغرابوة، وإلا بماذا يفسر عدم احترامه لنساء الغرابوة ففي بحثه عن المرأة الجانية يستعرض فكري أفندي نساء الغرابوة جميعهن ويلمس أجسادهن ليتأكد هل عليها آثار حمل أو ولادة بل أنه لا يتردد في التحرش بأولئك النسوة، "وبمضي الأيام أصبحت نوازع غريبة تتحرك فيه كلما رأى بنتاً أو امرأة من بنات الترحيلة، بل وجد نفسه ذات مرة يمرح مع واحدة منهن، ومرة ادعى لنفسه وللناس إنه يزغد بنتاً في صدرها ليزجرها، وارتطمت يده طبعاً بثديها، وروع قليلاً حين وجده بكراً مكتنزاً كالكرة، أما البنت فقد دهش حين رأى وجهها يبهت فجأة وكأنما سحبت منه كل دمائه.. يا ألطاف الله أممكن أن نساء الترحيلة تخجل وتغضب هي الأخرى كبقية خلق الله؟!".

ويستشف القارئ طبيعة الموقف التسلطي إزاء زوجته ونساء القرية من خلال أسلوب تعامله الصارم معهن، ولابد للضغط المتراكم أن يولد انفجاراً، فتسلط المأمور والكبت الذي يمارسه والذي تعانيه زوجته أدى إلى أن تتصرف بما لا يليق بها، فها هي تحاول العبث مع (دميان) الرجل المعتوه في القرية شقيق الباشكاتب (مسيحة أفندي) لتفرج عن نفسها، فقد استدعته يوماً إلى منزلها لقراءة البخت كان يؤرقها هو المشكلة التي طالما أرقت نساء القرية: ترى هل دميان فيه للنساء أم لا يصلح لهن؟ كانت هذه المشكلة كلما خطرت لها اعتبرتها عيباً وحراماً لا يصح أن تسمح لنفسها بالخوض فيها، ولكن في تلك الساعة لا تدري هي نفسها لماذا لم تعتبر أن التفكير فيها لم يعد حراماً أو عيباً.. كل ما في الأمر أنها تريد أن تعرف، فهل هذا يعد حراماً؟.
ومع أن (أم صفوت) بحثت ووجدت لها أعذاراً واهية لتوسيغ فعلتها فهي تحاول أن تبحث عن الجاني الذي ارتكب الحرام مع (عزيزة)، وربما تسرب إليها في (دميان) وعليها أولاً أن تتأكد هل هو إنسان سوي ورجل..!! وله في النساء ما للرجال؟ وفي هذا الأمر فائدتان: التأكد من قدرته الجنسية!! والأخرى إشباع فضولها وتبديد وحدتها وخاصة أنها حبيسة البيت، لكن الكاتب يلمح إلى المسألة الثانية بتلميحات ذكية من خلال عباراته وألفاظه "كانت الرغبة تستبد بها حتى وصلت إلى الدرجة التي لم تعد تستطيع معها صبراً.. هل تغريه وتمضي في إغرائه إلى نهاية الشوط لترى إن كان سيستجيب؟" ..‏

إن اختيار الكاتب (أم صفوت) حصراً تلك المرأة المحاصرة بقيود زوجها لاستدراج (دميان) على هذا النحو يحتمل إيحاء إلى شيوع الفساد وانتشاره بالتفتيش وأصاب رأس القوم، ففكري أفندي يمثل مع زوجته مكانة اجتماعية عالية في القرية، ويخفي الكاتب ما حدث من شأن دميان وزوجة المأمور تاركاً لمخيلة القارئ تصور ما حدث في خلوتها، فقد أجلسته على الكنبة في حجرة النوم رغماً عنه.. وطلبت منه أن يحسب لها نجمها.. وشرع دميان يقلب يده ويبلل إصبعيه ويرسم بهما على ظهر يده ويحسب، ولم تكد تمضي بضع دقائق حتى شاهد الناس دميان يندفع جارياً من بيت المأمور.. وعبثاً حاول البعض إيقافه لسؤاله عن سبب جريه".‏

إن يوسف إدريس يناقش مسألة الحرية التي تخص المرأة والمجتمع معاً، فالقيود الكثيرة قد لا تكون ضمانة كافية للحيلولة دون خرق المرأة الحدود المسموح بها أخلاقياً، إن لم تكن تلك القيود دافعاً لها على هذا الخرق وتحدث النتائج العكسية من ورائها، فهي لا تمنع المرأة والرجل من الإتيان بكل الأفعال التي يرونها تحطم تلك الأغلال وتجلب الراحة لهم، وإذا كان (فكري أفندي) قد منع زوجته من المشاركة في الرأي وصادر حريتها فهو لم يستطع أن يمنحها الراحة لهم، وإذا كان (فكري أفندي) عندما تعسف في تربية ابنته، فهو لم يستطع منعها من الهرب مع حبيبها وزواجها منه، وفي هذا يقول يوسف إدريس أن الكثير من الرجال تخيفهم كلمة (الحرية) إذا ذكرت مقرونة بكلمة (المرأة) ربما لأنهم يعتقدون أن حرية المرأة تعني تحررها الجنسي وانفلاتها "لذا فهو يرى العكس صحيحاً وإن تلك النظرة خاطئة ولابد من العمل على تصحيحها "فحرية المرأة تعني شرفها، ذلك أن المرأة الحرة لا يمكن أن تعطي نفسها بالمال أو الشهرة.. المرأة حرة متمتعة أيضاً بحرية الاختيار، اختيار الزوج الذي ستتزوجه، والحبيب الذي تحبه، أما المرأة المغلوبة على أمرها الحبيسة في بيت أبيها أو زوجها فهي التي تعطي نفسها لأي طارق، هي المغلوبة حقيقة وليست الحرة هي المغلوبة".‏

أم إبراهيم:‏

زوجة فقيه القرية ومؤذن الجامع كانت معرفتها بأحمد سلطان وطيدة، إذ كانت من أوائل من عرف من النساء، حين جاء أول ما جاء إلى التفتيش، ثم تطورت تلك (المعرفة) إلى نوع من الصداقة، تطبخ لـه أحياناً وتهاديه بطبق قشطة أحياناً أخرى، مع أنها كانت قد فقدت الأمل فيه وفي تجدد علاقتهما" يقدم الكاتب (أم إبراهيم) بهذه الصورة ويصرح لنا منذ البداية بفسادها وسوء سلوكها فبعد لقائها بأحمد سلطان سلم عليها" وقرصها في بطنها كعادته في الأيام الغابرة، وبعد عتاب طويل منها وحجج منه قال: عايزك في حاجة، ـ أؤمر.. ـ لندة.." فهي إذن حلقة الوصل بين العشاق وتحاول تمهيد الأمور بينهما بعد أن كانت هي ذات ماض آسن، ويصور لنا الكاتب الصورة المعاكسة للموقف نفسه، فبينما هي مع أحمد سلطان ينزل عليها صوت زوجها المؤذن للصلاة، فهي في واد وزوجها في واد آخر، صورة متناقضة لامرأة يفترض لها أن تكون قدوة نساء التفتيش، "واستدارت أم إبراهيم تطقطق بشبشبها عائدة وكأن صوت أبي إبراهيم قد فاجأها متلبسة".‏

وقد نجحت أخيراً في إقناع (لندة) بأن (أحمد سلطان) يحبها بعد أن غسلت أفكارها (القديمة) عن الأدب والأخلاق، وقد أظهرها الكاتب امرأة لعوباً تزين للفتيات الانحراف الخلقي.‏

زكية:‏

امرأة متسلطة سيئة الخلق وهي زوجة (محبوب) ساعي البريد الأبله ضئيل الجسم والعقل والشخصية الذي يجعل القراءة والكتابة، وكان الرجال حين لا يجدون شيئاً يفعلونه يكتفون محبوباً ويحاولون إجباره على أن يعترف لهم كيف ينام معها ومحبوب يستغيث والرجال يضحكون لاستغاثته واعترافاته، وأغرب شيء أن زكية كانت عكس زوجها تجيد القراءة والكتابة حتى أنها الوحيدة بين نساء التفتيش التي كانت تستطيع قراءة الجرنال.."،وزكية هذه تستغفل زوجها وأميته فترسل خطابات الغرام مع زوجها إلى حبيبها في بلدة ثانية، يكتشف محبوب الأمر صدفة بعد أن شك في إحدى الرسائل "شيء إلهي قال لي أن الخط دة خط مراتك يا ود يا محبوب.. ويحاول يوسف إدريس مرة أخرى أن يزرع الشك في صدر القارئ تجاه زكية، فهي امرأة مستهترة ولا تتوانى عن فعل أي شيء. كما يعمد الكاتب إلى كشف حقيقة التناقض داخل المجتمع وبالأخص داخل (فكري أفندي)، فقد شكا محبوب خيانة زكية للمأمور فكري أفندي لكونه أ برز شخصية وصاحب الكلمة المسموعة إلا أن الأخير لم يكترث لـه بل كاد يموت من الضحك ولم يكن حتى يبذل أي مجهود لإخفاء ضحكه بل أكثر من هذا كلما رأى (محبوباً) منفعلاً ومتأثراً داهمته رغبة في الضحك ".

ومع أن في وضع الزوجة المستهترة ما يشي بخيانتها لزوجها إلا أن المأمور ينظر إلى شكوى محبوب بسخرية شديدة بما يوحي بنظرة طبقية متعالية تستكثر على الفقراء والبسطاء أمثال محبوب أن يفهموا معنى العار والعيب وربما اعتقدوا أن ذلك العيب يمسهم فقط دون غيرهم.

نبوية:‏

أول شخصية نسوية يحوم حولها الشك إلى حد اتهام البعض لها بأنها أم الطفل المخنوق، وهي من نساء التفتيش ويبدو أن ماضيها مشكوك فيه، ومن خلال حوار رجال القرية مع بعضهم البعض يكشف لنا الكاتب عن شخصية نبوية، فبعد اكتشاف أمر اللقيط، يقول فكري أفندي: والله يمكن البت نبوية ـ فقال صالح الخوالي وقد غير رأيه على الفور: وما يمكنشي ليه دي تاجرة بيض ولعيبة، وقال الأسطة محمد: دي بقالها عازبة زمان، حد عارف يمكن أستغفر الله العظيم...، وقال عبد المطلب الخفير والله مافي غيرها.." وكما يبدو فإن الكاتب من خلال هذا الحوار يكشف عن نمط متخلف وسائد من العقلية الريفية التي تشك وتتهم وتتقول دونما دليل على الرغم من وجود الرادع الديني الذي تعبر عنه عبارة (أستغفر الله) وتعقد المجالس للنميمة التي تجد لها آذاناً صاغية، ولأنها مجالس رجالية فلا عجب أن بقيت نظرتهم محصورة في البحث عن الجانية المرأة، ويتناسون الجاني الرجل، بل لا يخطر في أذهانهم أن ثمة رجلاً لابد أن يكون قد اشترك في هذا الجرم، وتعكس تلك الأقاويل النظرة المزدوجة التي ينظر بها للأمر، فما دام الجاني أحد الرجال فليس هناك مشكلة معه، بل إن القارئ في ترقبه لمعرفة صاحب الجريمة ينسى دور الرجل فيها ولا ينتظر إلا معرفة الجانية.‏

ونبوية كانت "زوجة لعربجي من عربجية التفتيش، ومات وترك لها العربة والحصان وبنتاً وولداً، فباعت العربة والحصان وتاجرت بثمنهما في (القوطة) وأفلست وعملت مقاولة أنفار وخبازة وخدامة‏ في بيت المأمور السابق واشتغلت أخيراً تاجرة بيض، وربت الولد، بل حتى أرسلت الولد ليتعلم في الكتاب "غير أن نبوية "لم تلبث أن خرست كل الألسن حين شاهدها المأمور ومن حوله وقد علقت (السبت) في يدها وراحت تطرق الأبواب وهي في أتم صحة وتسأل عن البيض".‏

وعلى الرغم من فقر (نبوية) ونظرة أهل التفتيش لها إلا أنها تقف موقفاً إيجابياً من (عزيزة) فهي امرأة وأم مثلها تنظر إليها برأفة الأم التي فقدت وليدها فعندما اشتد المرض بعزيزة ووقفت معها الغرابوة موقفاً مسانداً لها لأنها منهم، ساهمت (نبوية) بإطعام (عزيزة) والوقوف معها في محنتها وقد ذبحت "عن نفسها وعيالها، كما قالت أرنبة صغيرة وطبختها وحملتها في حلتها إلى أم الترحيلة كي تطعمها إياها. وفعلت هذا بين دهشة أهل العزبة واستكثارهم أن تفعل نبوية الفقيرة المعدمة هذا....‏
إن ظهور الشخصيات الثانوية النسوية بهذه الصورة كان مرسوماً بعناية شديدة وتصميم ذهني واضح، فيوسف إدريس وظف تلك الشخصيات في إعطاء الصورة الحقيقية للشخصية الرئيسة عزيزة، بل تعمد إظهارها بهذا الشكل السيء لتوضيح سلوك كل من الشخصيات فكانت مهمة الشخصيات الثانوية هي إلقاء الضوء ـ بصورة غير مباشرة ـ على الجوانب المجهولة من نفسية وتركيبية الشخصية الرئيسة وقد لعبت دور (القوة المعاكسة المضادة) إذ أن من أبرز خصائص الشخصيات الثانوية أنها تقوم بـ"دور المعاكس Foil الذي تكون أفكاره وقيمه ومثله مختلفة تماماً الاختلاف عن أ فكار وقيم ومثل الشخصية الرئيسة، ويعني هذا أن الشخصية الثانوية تستطيع أن تحدد وتؤكد وتعين مواقف الشخصية الرئيسة لأنها تعرض صورة مغايرة تماماً عنها "، وهذا الدور لعبته بإتقان شخصيات (الحرام) الثانوية فقد سارت باتجاه معاكس لشخصية (عزيزة) الرئيسة وقد بدت صورتان في العمل متناقضتين تماماً الصورة الأولى صورة عزيزة بجريمتها وعارها مقابل الثورة ا لثانية (نساء التفتيش) صورة البراءة والوداعة لكن مجريات الأحداث قلبت الأمور رأساً على عقب فمع انتهاء الرواية كانت صورة عزيزة قد تبدلت بعد أن ظهر معدنها الأصيل، وانقلبت صورة البراءة لنساء التفتيش إلى صورة قبيحة تصدر عن نفوس آثمة، ويوسف إدريس كعادته يضع المتناقضين معاً ليبرر الاثنان ويسيرا جنباً إلى جنب وتظهر قوتان متضادتان مما يعطي الحدث الروائي قيمته الفنية ويبرز عوامل الإثارة والجذب ذلك أن "وضعية الصراع الضرورية للرواية لا يمكنها أن تنشأ وتتطور وتجد لنفسها حلا بدون توزيع الشخصيات إلى معسكرين متقابلين يتبادلهما التجاذب والتنافر بحيث يتحقق التوازن والاطراد المطلوبان في الخطاب الروائي".‏

إن (عزيزة) لم تفعل سوى أنها أزالت الحجاب ـ وبدون وعي منها ـ عن أفعال وسلوك نساء القرية ويوجز الكاتب ذلك بعبارة رصينة" وكأنك أ لقيت بحجر ضخم في ماء راكد آسن ". فظهرت الأسرار والخفايا التي حاول أهل التفتيش إخفاءها، وما أكثر الأسرار التي ارتفعت عنها أغطيتها وفاحت رائحتها وبدأت تزكم الأنوف".

لقد استخدم الكاتب الفضيحة ذات الأثر المحدود التي تمثلت (بفضيحة عزيزة) بخط متوازٍ سار مع الفضيحة الاجتماعية الكبيرة ذات الأثر الفعال، فهناك مأساة اجتماعية وعلى المفكرين أن يقتربوا منها حتى يدركوا أبعادها، وإذا كان يوسف إدريس قداعتمد على الكشف التحليلي لتلك الظواهر إلا أنه في أغلب الرواية كان يصدر عن حس تسجيلي يهتم بدقائق الأمور والتفاصيل الحية للمجتمع، ويبدو أن صوت يوسف إدريس قد لقي آذاناً صاغية ومحاولة إصلاح فهو يقول:‏
"أنا كتبت (الحرام)، وكان عمال التراحيل منفيين من الحياة وعلى إثر (الحرام) أصدر جمال عبد الناصر قراراً بجعل الحد الأدنى للأجور(25) قرشاً بعدما كان (6) قروش، وهذا من تأثير (الحرام)، ونظام الترحيل ألغي منه نظام المتعهدين".‏
..................
...............................................


ولد يوسف إدريس في قرية صغيرة تدعى "البيروم" مركز "فاقوس" بمحافظة الشرقية لأب يعمل في التفتيش الزراعي, تزوج قبل أم يوسف وأنجب بنتين وكان يوسف هو الابن الأكبر عل" سبعة أبناء من الزوجة الثانية. ولنا أن نتأمل شظف العيش لأسرة بهذا العدد لا يملك راعيها غير راتبه المحدود. وقد تحدث زملاء يوسف إدريس من أبناء قريته بعد وفاته كيف كانوا يسيرون ثلاثة كيلو مترات على الأقدام ليصلوا إلى المدرسة الابتدائية في فاقوس, ولنا أن نتأمل الطموح العظيم لرب الأسرة كثيرة العدد وهو يرسل بولديه الكبيرين ليدرس أحدهما الطب في القاهرة والآخر الفنون في كلية الفنون الجميلة حيث سكن الأخوان شقة صغيرة في شارع "المبتديان" بالقاهرة, والأهم من كل ذلك علينا أن نتأمل القاهرة التي جاءها إدريس عام .1945
كانت القاهرة والحرب العالمية الثانية تضع خاتمتها مدينة من أكثر مدن العالم غلياناً, شبابها هم أبناء صناع ثورة 1919 الذين أدركوا أن عليهم صنع ثورة أخرى تنجح في تحقيق ما فشلت فيه ثورة الآباء, جيل أدرك أن الاستقلال الوطني لا ينفصل عن العدالة الاجتماعية, وأن هذا الاستقلال لن يتحقق دون أن يرتبط بالعدالة الاجتماعية, فكلا الهدفين وجهان لعملة واحدة. شهد يوسف إدريس في أثناء دراسته تكوين لجنة الطلبة والعمال في جامعة القاهرة ,1946 واشترك في مظاهرات جيله وتعرض للاعتقال أكثر من مرة, وكان يقضي في المعتقل يومين أو ثلاثة. وقبل تخرج يوسف إدريس من كلية الطب في ديسمبر عام ,1951 وكما يقول د. ناجي نجيب في كتابه "الحلم والحياة في صحبة يوسف إدريس" الصادر عام 1985، اشترك كاتبنا في تنظيم سري "انحصر جهده في الإعداد للتدريب على السلاح بين الطلبة والعمال" باسم "اللجنة التنفيذية للكفاح المسلح", واشترك في حركة "أنصار السلام", وكانت أولى رحلاته إلى أوروبا للاشتراك في مؤتمر أنصار السلام في فيينا في فبراير عام .1952 وفي خضم الانغماس في العمل السياسي في أثناء الدراسة كتب يوسف إدريس أول قصصه القصيرة بعنوان "أنشودة الغرباء", ونشرت في مجلة "القصة" في العدد الصادر في الخامس من مارس عام ,1950 ويعد تخرجه نشر في "روز اليوسف" الأسبوعية, وفي "المصري" اليومية أهم الصحف المصرية عشية الثورة.
بعد ثورة يوليو عام 1952 اشترك الطبيب الأديب في إنشاء مجلة "التحرير" أولى مجلات الثورة في سبتمبر ,1952 مما يعني تأييده للثورة بغير شك, وفي أغسطس عام 1954 صدرت أولى مجموعاته القصصية "أرخص ليالي" (أو أرخص ليال بالعربية الصحيحة), والتي اعتبرت فاتحة عهد جديد في الأدب القصصي العربي, وفي نفس الشهر قامت سلطات الثورة باعتقال يوسف إدريس, ولكن هذه المرة لمدة 13 شهراً. والواضح من ببليوجرافيا الكاتب أنه كتب بغزارة بعد خروجه من المعتقل في سبتمبر عام 1955 وعلى نحو ربما لا مثيل له طوال حياته الإبداعية (40 سنة).
ففي الفترة من 1955 إلى 1959 أصدرت مسرحية "ملك القطن"(1955) ومجموعة قصص "جمهورية فرحات" (1956) ورواية "قصة حب" ومجموعة "أليس كذلك" ومجموعة "البطل"(1957) ومجموعة "حادث شرف" ومسرحية "اللحظة الحرجة" (1958) ورواية "الحرام" (1959). وفي نفس هذه الفترة تزوج السيدة "رجاء الرفاعي"في 28 أغسطس 1957، وانتدب من وزارة الصحة إلى وزارة الثقافة, ثم إلى المؤتمر الإسلامي حيث عمل مع سكرتيره العام أنور السادات, وصاغ له كتابين من كتبه, ثم ترك العمل في الحكومة وأصبح صحفياً في جريدة "الجمهورية" عام 1959، وقيد في نقابة الصحفيين عام 1961.
لم يخرج يوسف إدريس من معتقل الثورة التي أيدها مهزوماً إذن, وإنما منتصراً. ولكن من الذين انتصر. إنه بالقطع ليس يوسف إدريس الشاب الوطني الذي حلم بثورة تفوق ثورة آبائه, ويشترك فيها بالكلمة والفعل, وإنما يوسف إدريس الكاتب الفنان الذي قرر أن يصنع "ثورته" الخاصة, وأن يحمي إبداعه من بطش السلطة, بالتعاون مع هذه السلطة, وخاصة بعد أن قام زعيم الثورة بتأميم قناة السويس عام 1956، وشهدت مصر حتى مطلع عام 1959 ربما أزهى ثلاث سنوات في تاريخها المعاصر وهي السنوات التي شهدت الوحدة مع سوريا في فبراير 1958، وإعلان الجمهورية العربية المتحدة.
وأثناء عمله في جريدة "الجمهورية" سافر يوسف إدريس إلى الجزائر في ذروة حرب التحرير عام 1961 كصحفي, ولكنه لم يكتف بالكتابة, وإنما حقق أمنيته الكبرى باقتران الكتابة بالفعل, فاشترك في بعض العمليات العسكرية كمقاتل. وفي عام 1962 أنجب يوسف ابنه الأول "سامح" ثم ابنه الثاني "بهاء" عام 1964. وبعد هزيمة الخامس من يونيو عام 1967 أنشأ عيادة في ميدان الجيزة ليحترف الطب لأول مرة في حياته, وكان ذلك تعبيراً واضحاً عن اليأس الذي اجتاح جيله وكل الأجيال بعد الهزيمة المنكرة. ولكنه لم يلبث أن أغلق العيادة, والتحق بالعمل في وزارة الثقافة, ثم ترك الوزارة, واستقر في جريدة "الأهرام" منذ عام 1969 حتى وفاته, وخلال هذه الفترة أنجب ابنته الوحيدة "نسمة" عام 1973.
تلك هي الخطوط العريضة في حياة كاتبنا كما جاءت في مصادر عدة وخاصة كتاب الدكتور ناجي نجيب, وبعد تخليصها من كثير من الوقائع موضوع الخلاف, أو بالأحرى الوقائع التي تختلط بالخيال أو ربما يحب صاحب السيرة وبعض مريديه أن يصوروها كأن يقال أنه اعتقل عام 1954 لنقده اتفاقية الجلاء دون وجود أي دليل على ذلك, أو أنه ذهب إلى الجزائر للاشتراك في حرب التحرير, وغير هذا مما لا يزيد قيمة الكاتب, تماماً كما أن عدم اعتقاله عام 1959 ومقاله في شكر السيدة جيهان السادات عندما كان زوجها رئيس للجمهورية لا يقلل من قيمته. فقد ترك يوسف إدريس تراثاً قصصياً جميلاً يجعل كل ما عداه في هامش سيرته. صحيح أن كل كلمة ينشرها أي كاتب تدمغه إلى الأبد كما يقول سارتر, ولكن حجم تراثه القصصي ومدى جماله وقيمته وتأثيره يظل بنوره وكل ما عداه ظلال.

لا وقت للحب
يقول د. ناجي نجيب إن يوسف إدريس كتب رواية "قصة حب" عام 1957 من واقع مشاركته في "اللجنة التنفيذية للكفاح المسلح" عام ,1951 بينما يقول عبد الستار الطويلة في مجلة صباح الخير في 8 أغسطس 1991 إن فكرة الرواية نبتت في أثناء اعتقال يوسف إدريس (1954-1955) وأنه استلهمها من حكايات صديق المعتقل الدكتور حمزة البسيوني الذي شارك في الكفاح المسلح في القناة عام ,1951 ولهذا اختاريوسف إدريس اسم حمزة لبطل الرواية. وأياً كان الأمر فالسؤال هو ما الذي دفع صلاح أبو سيف لإخراج فيلم "لا وقت للحب" عام 1963 عن رواية "قصة حب" الصادرة عام 1957 والتي تدور أحداثها من أواخر شهر يناير إلى أواخر شهر فبراير 1952 وما الذي جعل المخرج يطلق على الفيلم عنوان "لا وقت للحب", وإلى أي مدى يعبر الفيلم عن يوسف إدريس.
أما مدى تعبير الفيلم عن الكاتب فهو يعبر عنه تماماً لأنه نفسه كاتب الحوار, وأما العنوان الجديد فيرتبط بالدافع الأصلي إلى اختيار هذه الرواية عام 1961، واسترداد يوسف إدريس وصلاح أبو سيف والعديد من مثقفي مصر الباحثين عن العدالة الاجتماعية الأمل في أن تقوم ثورة يوليو بتغيير جذري في بنية المجتمع المصري, ومحاولة اختيار التنمية المستقلة, ودعوة جماهير الفقراء للمشاركة في صنع القرار, ودعوة المرأة للمشاركة في صنع الحياة خارج المنزل أيضاً: كانت الأحلام في ذروتها إلى درجة رفع شعار أنه "لا وقت للحب".
كتب يوسف إدريس حوار الفيلم بينما كتب السيناريو لوسيان لامبير, وهو كاتب فرنسي تعاون معه أبو سيف في تلك المرحلة. ويعبر الفيلم عن مرحلة تطلع الثورة إلى التغيير الجذري من خلال العودة إلى الماضي القريب, بالتحديد إلى يناير 1952 حيث وقعت بعض الأحداث التي أدت إلى التبكير بموعد الثورة في يوليو, وأهمها تعاظم الكفاح الشعبي المسلح ضد الاحتلال البريطاني في مدن القناة, وهي الأحداث التي عاشها يوسف إدريس, وشارك فيها على نحو ما. فالفيلم أقرب إلى سيرة ذاتية للفنان في شبابه.
تبدأ أحداث الفيلم في منطقة الأهرامات حيث نرى رحلة مدرسية من ناحية, ومعسكر مقاومة شعبية للتدريب على السلاح من ناحية أخرى. ويتم التعاون بين معلمة المدرسة الشابة التي تشرف على الرحلة وتقوم بدورها "فاتن حمامة" وأحد الفدائيين الذين يدربون الشباب على السلاح ويقوم بدوره "رشدي أباظة".
وتبدأ قصة حب تتحول فيها المعلمة من فتاة بسيطة تطمح إلى الزواج والاستقرار ولا علاقة لها بالعمل العام, إلى مناضلة تشارك في المقاومة بفعالية كبيرة, ويتحول الفدائي من مناضل يعطي كل حياته لقضيته إلى مناضل وعاشق للفتاة في نفس الوقت. وينتهي الفيلم بإنقاذ الفدائي من كمين أعد له عن طريق اشتراك كل سكان الحي في أغنية شعبية تحذره من الخطر. وكما تتسم الرواية بالطابع التقريري المباشر, كذلك يتسم الفيلم بذلك الطابع, بل أنه يبرز ضعف الرواية التقريري لأننا نرى أحداثها دون أسلوب يوسف إدريس المتميز النابض بالحيوية, والذي يغطي ذلك الضعف في النص الأدبي.
الحرام والعيب
وفي المرحلة نفسها من تاريخ مصر قبل هزيمة 1967 أخرج هنري بركات "الحرام" عام 1965 عن الرواية التي صدرت بالعنوان نفسه عام 1959،وأخرج جلال الشرقاوي "العيب" عام 1967 عن الرواية التي صدرت بالعنوان نفسه عام 1962. وكلا الفيلمين من أهم الأفلام المصرية في الستينيات.
فـ"الحرام" تدور في الريف, و"العيب" تدور في المدينة, والشخصية المحورية في الحرام امرأة فلاحة (عزيزة), وفي العيب فتاة موظفة (سناء), وكلا من عزيزة وسناء تسقطان تحت ضغط الحاجة فيما يطلق عليه الدكتور شكري عياد (عدد أدب ونقد) السقوط الجنسي الذي يعبر عن السقوط الحقيقي أو "فقدان احترام الذات". ولكن بينما تموت عزيزة إثر الحمّى بعد مولد الطفل الحرام فيما يشبه الانتحار, تقرر سناء الاستمرار في السقوط بعد أن فقدت القدرة على المقاومة.
توفر لفيلم "الحرام" كاتب قصصي ومسرحي كبير (سعد الدين وهبه) وممثلة كبيرة (فاتن حمامة) ومصور كبير (ضياء المهدي) وماكيير كبير (مصطفى إبراهيم) ومونتيرة كبيرة (رشيدة عبد السلام) ومهندس صوت كبير (نصري عبد النور) وممثل كبير (زكي رستم) وموسيقى شاب بارع (سليمان جميل) فتكاملت عناصره الفنية ولم تقل قيمة الفيلم عن قيمة الرواية التي تعتبر أعظم روايات يوسف إدريس. ورغم أهمية فيلم "العيب" حيث مثلت لبنى عبد العزيز دور سناء, وكانت لبنى كممثلة هي رمز المرأة "الجديدة" من خلال اختياراتها الدقيقة للأدوار, إلا أن نهاية الفيلم أوحت بصمود البطلة, فأصبح تغير المجتمع يقوم أساساً على صمود الأفراد على النقيض عمما يذهب إليه يوسف إدريس.
ونهاية فيلم "الحرام" تختلف عن نهاية الرواية أيضاً, ولكن على نحو يؤكد رؤية يوسف إدريس. إذ يستبعد سعد الدين وهبة الصفحات الثلاث الأخيرة المفتعلة عن الإصلاح الزراعي وثورة يوليو التي "أنهت"بؤس الفلاحين. وهي النهاية التي يذكر الدكتور ناجي نجيب أنها ربما كانت بإيحاء من يوسف السباعي.
وشخصية المرأة في "العيب" كانت موضوعاً لخلاف غريب. إذ بينما أجمع نقاد إدريس على أنه ينتصر للمرأة في هذه الرواية, وفي كل رواياته, بل وتذهب الكاتبة إقبال بركة (مجلة صباح الخير) إلى القول بأنه "بعد قاسم أمين لم يقف إلى جانب المرأة المصرية, ويناصرها, ويتعصب لقضيتها كاتب مثل يوسف إدريس في كل ما كتب, ترى الناقدة والأديبة الكبيرة الدكتورة لطيفة الزيات (مجلة أدب ونقد) أن سناء "وفقاً للمؤلف تسقط سقوطاً كاملاً لمجرد أنها امرأة. أحادية الكيان على غير الرجل المتعدد الأبعاد".
يقول يوسف إدريس في روايته "النساء أو الفتيات شخصياتهن متماسكة مترابطة ككتلة واحدة تضم قيمهن جميعاً, وكلها قيم متحدة واحدة, الحرام فيها حرام تحت مختلف الظروف والأحوال, والحلال أيضاً واحد, والعيب في العمل مثل العيب في الشرف, وما يعيب في البيت يعيب أيضاً في المصلحة, كتلة مترابطة واحدة, فرق كبير بينها وبين قيم الرجال الموزعة على أدراج ودوسيهات بحيث يحيا الرجل صادقاً بأكثر من مقياس وأكثر من شرف وأكثر من حلال أو حرام". وهذا الموقف الواضح في مناصرة المرأة ينطبق أيضاً على الرجال والنساء كما نراهم في "الحرام".

5 ساعات
يتكون فيلم "3 قصص" عام 1968 من ثلاثة أفلام الأول "دنيا الله" تأليف نجيب محفوظ وإخراج إبراهيم الصحن, والثاني "5 ساعات" تأليف يوسف إدريس وإخراج حسن رضا, والثالث "إفلاس خاطبة" تأليف يحيى حقي وإخراج إبراهيم الصحن. ويعتبر هذا الفيلم من أحسن الأفلام المصرية الست التي تكونت من ثلاثة أجزاء وأنتجت من 1966 إلى 1976، وكان الفيلم الثاني منها.
قصة "5 ساعات" من أوائل قصص يوسف إدريس القصيرة, فقد كتبها ونشرها لأول مرة عام 1952، وجاءت ضمن مجموعته الأولى "أرخص ليالي" عام 1954 وتعتبر هذه القصة من القصص التي استمدها من تجاربه الشخصية مباشرة. يقول د. شكري عياد (مجلة الهلال أغسطس 1991) إنها "قصة واقعية عن مصرع الضابط عبد القادر طه الذي قتله حرس "فاروق" الحديدي وتحدثت عنه الصحف في أوائل عهد الثورة, وقد اتفق أن كان يوسف طبيباً مناوباً في قسم الاستقبال في القصر العيني حينما حمل إليه الضابط الجريح".
جاء الفيلم الذي اشتركت في تمثيله "نادية لطفي" و"رشوان توفيق" معبراً عن القصة التي تصور محاولات إنقاذ الضابط قبل استشهاده, والتي يتحول فيها إلى رمز لجيل كامل هو جيل يوسف إدريس الذي استشهد منه عشرات الشباب في الفترة من بعد نهاية الحرب العالمية الثانية إلى قيام ثورة يوليو, وغني عن الذكر أن شكل الفيلم التمثيلي القصير شكل مناسب للتعبير عن القصة القصيرة في السينما في مصر كموضة استمرت عشر سنوات, بعد ظهورها في السينما الأوروبية في نفس الفترة, ومن ناحية أخرى لم يكن من بين الستة أفلام التي أنتجت غير فيلم واحد عن قصة ليوسف إدريس.

حادثة شرف
أخرجت السينما المصرية ثمانية أفلام روائية عن قصص قصيرة ومقالات ليوسف إدريس من عام 1970 إلى عام 1990 ومعالجة القصة القصيرة في فيلم روائي مشكلة فنية معقدة. فالقصة القصيرة الناجحة هي بمعنى تعبيرها عن موقف محدود في مساحته الدرامية, أو بالأحرى ليست "ملخصاً" لرواية طويلة. وبالتالي فتحويل القصة القصيرة الناجحة إلى فيلم روائي أو مسرحية من عدة فصول يقتضي إما إضافة أحداث, أو صياغة جديدة للقصة بلغة السينما الخالصة أو لغة المسرح الخالص, وليس "التطويل" في أحداث القصة القصيرة ذات الموقف الدرامي المحدود.
قام يوسف إدريس بنفسه بتحويل بعض قصصه القصيرة إلى مسرحيات من فصل واحد, أو عدة فصول, لكن هذه المسرحيات لم تأت على نفس المستوى الرفيع لمسرحيته الخالصة "الفرافير".
وفي أول فيلم من الأفلام الروائية المعدة عن قصصه القصيرة, وهو فيلم "حادثة شرف" إخراج شفيق شامية عام 1971 حاول يوسف إدريس ذات المحاولة في السينما فقام بكتابة سيناريو وحوار قصته التي كتبها ونشرها لأول مرة عام 1958 وجعلها عنواناً لمجموعة قصصية نشرت في العام نفسه.
و"حادثة شرف" من أجمل قصص يوسف إدريس تتناول مرة أخرى, ولن تكون أخيرة, السقوط الجنسي لفتاة قروية, ولكنها هذه المرة تسقط لأنها جميلة مما يثير الشكوك فيها, فلا تجد في النهاية غير الانحراف بالفعل.
ولا مجال هنا لحديث عن الفيلم وأصله الأدبي, فالفيلم إنشاء جديد بواسطة مؤلف الأصل الأدبي نفسه, ولكن يوسف إدريس لم ينجح في الكتابة للسينما قدر نجاحه في الكتابة الأدبية, وكان الفيلم من ناحية أخرى التجربة الأولى من نوعها لمخرجه, ويعاني الكثير من الضعف.

قاع المدينة
وفي عام 1974 عرض فيلم "قاع المدينة" إخراج حسام الدين مصطفى عن قصة يوسف إدريس التي كتبها ونشرها لأول مرة بنفس العنوان عام 1956 ونشرت في مجموعة "أليس كذلك" عام 1957 وفي هذا الفيلم قام الناقد الكبير أحمد عباس صالح بكتابة السيناريو والحوار, ورغم انه من خير من يدرك أبعاد أدب يوسف إدريس إلا أنه في محاولته إضافة أحداث تحوِّل القصة الأدبية القصيرة إلى فيلم روائي استسلم لبعض تقاليد الأفلام التجارية السائدة. فلم يأت الفيلم على نفس مستوى عمق القصة.
إنها قصة عزيزة في "الحرام" ولكن في قاع المدينة, وليس في قاع القرية. فالمرأة التي يمرض زوجها في المدينة تعمل خادمة, وسقوط الخادمة على أيدي صاحب البيت, كما كان سقوط عزيزة على أيدي صاحب الأرض. وصاحب البيت في "قاع المدينة" قاض يمثل قمة مجتمع المدينة مثل صاحب الأرض الذي يمثل قمة مجتمع القرية. ولكن القاضي في الفيلم يعاني من مشكلة جنسية, ولا يجد الحل لمشكلته إلا مع الخادمة, وتلك إضافة تغير من طبيعة القصة الأصلية, كما يجعل الفيلم من الشخصية النسائية الثانية في حياة القاضي, والتي تمر مروراً عابراً في القصة شخصية رئيسية دون مبررات درامية كافية, وإنما لمجرد إضافة المزيد من الأحداث.
ورغم تقاليد الأفلام التجارية السائدة التي كان للمخرج الدور الرئيسي في وجودها, ففيلم "قاع المدينة" يدخل تاريخ السينما المصرية لما تميز به من مستوى رفيع في الأداء التمثيلي لبطلته "نادية لطفي" التي تمكنت من الإحساس بمأساة الخادمة بأسلوب سينمائي متكامل, فلم تعتمد على الحركات الخارجية الغليظة, أو الملابس, أو الماكياج, وقد لخصت هذا الإحساس بنظرة واحدة وهي تدق الباب بطريقة مختلفة بعد أن تحولت إلى عاهرة وفقدت ذاتها.


النداهة وعلي ورق سليوفان
وفي عام واحد (1975) أخرج حسين كمال "النداهة" و"على ورق سليوفان" عن قصتين ليوسف إدريس كتب الأولى ونشرها لأول مرة عام 1968 وكانت عنواناً لمجموعة عام 1969 وكتب الثانية ونشرها لأول مرة عام 1970 وصدرت في مجموعة "بيت من لحم" عام 1971.
ومرة أخرى نجد في "النداهة" السقوط الجنسي في قاع المدينة: ولكن هذه المرة لفلاحة من قرية جاءت لتعيش مع زوجها بواب العمارة, فيغويها أحد سكان العمارة, ومثل موظف العيب وخادمة قاع المدينة تقاوم المرأة, ولكنها عندما تسقط يكون سقوطها كاملاً. فعندما يقرر الزوج العودة بزوجته إلى القرية تهرب منه في الميدان الواسع المزدحم بإرادتها الكاملة, ودون أي نداء خفي (النداهة أو القدر التي دفع بها من القرية إلى المدينة).
ويقول الأستاذ / سمير فريد في كتابه أدباء مصر والسينما عام 1999
كتب سيناريو وحوار "النداهة" الثنائي التلفزيوني المعروف آنذاك مصطفى كامل وعاصم توفيق فأجادا تحويل القصة إلى فيلم روائي يصور بانوراما الحياة في القاهرة في منتصف السبعينات من خلال سكان العمارة, وتكاملت عناصر الفيلم كما في "الحرام" من الأداء التمثيلي لماجدة وشكري سرحان إلى تصوير عبد الحليم نصر وموسيقى إبراهيم حجاج ومونتاج رشيدة عبد السلام وديكور نهاد بهجت, غير أن المقابلة بين القرية والمدينة جاءت تقليدية, وكان تحويل ذئب النساء الذي يغوي الفلاحة إلى مهندس إلكترونيات, وديكور منزله الكاريكاتوري, والموسيقى الإلكترونية المصاحبة لظهوره تعبير ساذج عن الصراع بين البراءة التقليدية وغير الحقيقية في القرية وافتقاد هذه البراءة في المدينة, فالمجتمع المصري لا يعاني من مشاكل المجتمع التكنولوجي, وإنما من مشاكل افتقاد التكنولوجيا. وتلك إضافة لا علاقة لها بالقصة الأدبية ليوسف إدريس.
ولكن من ناحية أخرى جاء الفيلم بارعاً في التعبير السينمائي الخالص عن جوهر القصة من خلال الأغنية التي تكرر من البداية إلى النهاية معبرة عن القدر الخفي "النداهة" على شريط الصوت ومن خلال لقطات قصيرة لمشهد الاغتصاب باللون الأزرق على شكل رؤى تأتي البطلة قبل وقوع حادث الاغتصاب ذاته على شريط الصورة. بل وجاءت نهاية الفيلم والمختلفة عن نهاية القصة مناسبة ولا تتناقض مع فكر يوسف إدريس في نفس الوقت, إذ تسير الفلاحة بهمة في مونتاج متوازٍ مع لقطات لها وهي تعمل ممرضة في مستشفى, أو عاملة في مصنع, ويتصاعد الإيقاع وهي تمضي بثقة في شوارع القاهرة التي تعود إليها هذه المرة غازية وليست مغزوة.
وعلى النقيض من "النداهة" جاء فيلم "على ورق سيلوفان" ربما الفيلم الوحيد في كل سينما يوسف إدريس في حياته الذي ينتمي إلى الأفلام محكمة الصنع التي يمكن أن تدور أحداثها في أي مكان أو أي زمان, والفيلم الوحيد أيضاً الذي تفلت فيه البطلة زوجة الطبيب من السقوط الجنسي نتيجة انشغال زوجها عنها, عندما تذهب إليه لأول مرة بالصدفة فتراه وهو يعمل, وتدرك من أبعاد شخصيته أبعاداً لم تكن تدركها من قبل.

الثمانينات
أما الأفلام الباقية وهي "حدوتة مصرية" إخراج يوسف شاهين, "والعسكري شبراوي" إخراج أشرف فهمي عام 1988 ثم "حلاوة الروح" إخراج أحمد فؤاد درويش فتختلف تماماً عن الأفلام الثمانية السابقة. فالفيلم الأول والثالث عن مقالين أعاد يوسف إدريس كتابتهما كقصتين للسينما مباشرة أو ما يسمى معالجة درامية, وبالتالي فهما لا يعبران عن أدب يوسف إدريس, وإنما عن إدريس كاتب المقالات.
والفيلمان الثاني والرابع هما الوحيدان اللذان أخرجا عن قصتين دون استخدام العنوان الأصلي, ففيلم "العسكري شبراوي" عن قصة "مشوار" التي كتبها يوسف إدريس ونشرها لأول مرة عام 1953 وجاءت ضمن مجموعة "أرخص ليالي" عام 1954 وهو فيلم تجاري رديء. وفيلم "حلاوة الروح" عن قصة "العسكري الأسود" التي كتبها ونشرها لأول مرة عام 1961، وكانت عنواناً لمجموعة صدرت عام 1962، وهو فيلم يفتقد ألف باء اللغة السينمائية, ويعاني من ركاكة يندر وجودها في تاريخ السينما المصرية. ومن الغريب أن "حلاوة الروح" عنوان قصة أخرى ليوسف إدريس كتبها ونشرها لأول مرة عام 1970 وصدرت في مجموعة "بيت من لحم" عام 1971
don_mamado غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس


قسم ألعاب PC | قسم PlayStation 3 | قسم XBOX 360 | قسم ألعاب التورنت | قسم الجهاز المحمول PSP | قسم الدعم الفني


قديم 12-07-2006, 11:23 AM   #2
اكرم كوردي
( المشرف الماسي )
 
الصورة الرمزية اكرم كوردي
 
تاريخ التسجيل: Jun 2006
العمر: 39
الجنس : Man
الوظيفة: Academic Lecturer
المشاركات: 10,755
معدل تقييم المستوى: 680
اكرم كوردي has a reputation beyond reputeاكرم كوردي has a reputation beyond reputeاكرم كوردي has a reputation beyond reputeاكرم كوردي has a reputation beyond reputeاكرم كوردي has a reputation beyond reputeاكرم كوردي has a reputation beyond reputeاكرم كوردي has a reputation beyond reputeاكرم كوردي has a reputation beyond reputeاكرم كوردي has a reputation beyond reputeاكرم كوردي has a reputation beyond reputeاكرم كوردي has a reputation beyond repute

افتراضي

شكرا على الموضوع الرائع
بارك الله فيك







__________________
وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ



رحمك الله وادخلك فسيح جناته يا والدي

اللهم اغفر له وارحمه وتجاوز عن سيئاته وبدلها حسنات

اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النار



اكرم كوردي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)
للإشتراك في قروب منتديات برامج نت ليصلك كل ما هو جديد
البريد الإلكتروني:

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

منتديات الكمبيوتر والأنترنت منتديات التصاميم والجرافيكس منتدى برامج نت الطبي منتديات منوعة
منتدى البرامج الكاملة والنادرة
منتدى الفيديو والصوتيات
قسم الأجهزة الكفية
منتدى البرامج المشروحة
قسم شبكات الحاسوب Computer Networks
منتدى تطوير المواقع والمنتديات
منتدى مبرمجين لغات البرمجة
منتدى ألعاب الفيديو
منتدى عالم المحادثة
منتدى مبدعين ومحترفين الفوتوشوب
منتدى برامج وملحقات الفوتوشوب
منتدى Scrapbooking
منتدى السويتش والفلاش
منتدى التصميم ثلاثي الابعاد
منتدى التصوير الضوئي والفن التشكيلي
قسم الصور Photo / خلفيات Wallpaper
المنتدى الطبي العام
عيادة المنتدى
طب الأعشاب و الطب البديل
منتدى الكتب الطبية - Medical Books
منتدى طلاب الطب
البرامج و الصوتيات و المرئيات الطبية
عيادة طب الأطفال
منتديات المصارعة الحرة
الأفلام الوثائقية
منتدى الإسلامى
تعلم اللغات الأجنبية
غرائب وعجائب العالم
قسم كرة القدم العالميه
قسم كرة القدم العربية
برامج الجوال Mobile Software
عرض الأفلام الأجنبية
منتدى الفضائيات

اتبعني - منتديات برامج نت



الساعة الآن 10:20 AM.
Designed by bramjnet.com, TranZ By Almuhajir
Powered by vBulletin®, Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.

جميع المشاركات والمواضيع في منتدى برامج نت لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارته بل تمثل وجهة نظر كاتبها
All participants & topics in forum Bramjnet.com does not necessarily express the opinion of its administration, but it's just represent the viewpoint of its author
Youtube Download |Google Earth|WinRAR|ESET NOD32 Antivirus|Kaspersky Anti-Virus|YouTube|Windows Live Messenger|Firefox|skype|Internet Download Manager|Nero|RealPlayer|Deep Freeze