صقر قريش
05-21-2006, 02:51 PM
الأضرحة ...عزيز التميمي
http://www.ofouq.com/today/library/athrehacover.jpg
المقدمة
تمرد القص وجموحه
وكأنك في الزمن المتوالد من تزاوج الرؤيا وانشطار الحلم ، حيث تتنومس الذاكرة بتشيؤ إبداعي يجري الإعلان عنه كما لو مشهدية ممسرحة في انكشاف شديد التواتر ، فما أن تفتتح ستارة القص عن لحظات رؤيوية كثيفة ، حتى تتصدع سقوف مخيلتك وأنت منوجد في عالم تنظره مشدوهاً قبل أن تبدأ بالتسرب إليه أو الانجذاب نحوه حد التماهي شرط ألاّ تكون من المستسهلين جمع الأصداف من شواطئ ساكنة أو الاكتفاء بالزبد النصّي ، ذلك لأن نصوصاَ كهذه لا تلفظ زبداَ فهي – وقد تشكلت من دون ضفاف – إنما تحرص على مضامينها في جيب قيعانها تاركة لك لذة الاكتشاف والنبش في ما اختزنته مخيلتك التي ما أن تشرع بالاقتراب حتى يتلبسها شيطان عابث يلاعبك الاستخفاء إذ لا تكاد المضامين تظهر أطرافها إلا وتتلاشى ساحبة وراءها غبار الأسئلة ، ماذا يريد هذا الطارق بلا استحياء على جدران ذاكرة محمومة وبكل هذا الصخب الجميل ؟ وعمن يبحث أبطاله العشرة وطوسيهم صاحب الحضرة ؟ ماذا سيكتبون في قائمة المدعوين أو على سحنات القادمين بلا دعوات وهم يتنفسون الجمر في الوطن المنفى ، أو المنفى الوطن ؟ كل يعيش أزمته ، مجتمعون متفرقون إنسانهم ذواتهم المنفصلة عن ذاتها – أتلك جهنم الوعد ؟ أم تراها أشجار هجرتها طيورها في شتاء متقيح حيث السماء تمخر جبينها غيوم فظة أخفت دمعتها في جفن اليتم ، ثم أعلنت بكل البراءة أن لا علم لها بما يجري هناك حيث الأرض التي سيجت رئتيها متاريس الجدب وحفر الطغاة على جسدها أخاديد الموت ، لكنها الأم ، ناقة المحامل ومجمرة الحنين وخاتمة البدايات الموشومة بوجع الولادة ووجع الثكل في تراتبية تجسيدية لكل ما عرفته الخليقة ، منذ حواء الغواية وعصيان آدم إلى تفاحة اللعنة واحتراق المسافات حيث الأثمان يدفعها الأبناء وهم يكبرون بين أشداق الرياح تسوسهم قتلاً أو تشرد جمعهم كسرب أوز.
وفي الصباحات المعلقة على طارف الدمع والمساءات المغلفة بالدعاء الأمومي كي ما يأتي الرجوع رهيناً بالحياة ، تطل الرواية بشخوصها وأمكنتها المتداخلة بالأزمنة حد الذوبان وبلغة ذات رنين إيحائي وإيقاعات مشبعة بالرمزية والانزياح الدلالي في نسيج متشابك وكثيف كرشاش ينقذف من فوهة شديدة الاحتباس .
وبالرغم من جمالية الأداء ورشاقة السرد المنتمي إلى حداثة تجريبية متطورة وتقنية أسلوبية ذات أبعاد رحبة ، إلا أن من الصعوبة بمكان على قارئ غير متمرس ، الإحاطة بمضامين كلية أراد الكاتب زجها في تلك الرقصة وهذا الكرنفال اللغوي الزاخر بالانفجارات المتتالية ، ذلك لأن الكاتب أراد لنصه أن يكون نصاً مشاكساً لا يمتثل لموازين النقد وزوايا القراءة السائدتين ‘ فعمل على تذويب لغته ومن ثم صوغها في سبيكة لافتة الخصوصية والابتكار ليسقط فيها ومن خلالها ، منظومته الإبداعية والمعرفية ومن ثم ليخرج إلى تعرية واقع خرافي وحقائق جهنمية يمارسها طوسي يشعل حروبه كما يشعل سجائره .
ولا نخضع للقياس أبعاد معرفتنا فيما إذا كان الكاتب هاذياً أم رائياً ونحن نقارب النص الذي يتحرك ضمن دائرتين تتشكلان معا ً لتكونا في وحدة الدلالة ، واقعاً مرمزاً أو خيالاً جامحاً ، لكننا نشغف بتلك اللعبة يمارسها السياق باستفزاز ذهني يشركنا به أو يدفعنا إليه كاتب ينظر بعينين عابثتين ، ففي غمرة الحدث أو ما يوهمنا أنه الحدث ، يومئ الكاتب نحو مجاهل دروب وغابة فنتازيا غامزاَ القارئ : إن تابع وحدك واستدل بحدسك ، فتجهد للخروج من تلك المفازات الأسطورية المدهشة التي تتحرك فيها الأشياء وهي مأخوذة بسحر المغامرة من دون أن يكون لتلك الأسطرة علاقة بما كتبه الأولون ، فالأسطورة هنا تنبثق من لغة عذراء غير مستلبة تكتسب مشروعيتها من إبداع صاحبها وأن لامس حيناً ذاكرة جمعية أو ضرب في جدولة التاريخ ليستخرج جذر الأصفار ، لكن وأنت تتابع تلتفت فجأة لتراه خلفك أو بجانبك وربما سبقك ، فينتابك إحساس بتعب لذيذ وتسامح فعلته التي أراد – وهو مدرك لأسرار صنعته -أن يمارس عليك سطوته الكتابية ، ربما إبرازاً لموهبة متميزة هي غير خافية أصلاً ، أو ليساهم بكسر ما هو متقولب فيك ، فالنص يتحرك بحيوية غرائبية والمفردات تنفلت بكل اتجاه حيناً وتصدم كمقذوف ناري أحياناً أخرى مثيرة زوابع من معان وإيحاءات شتى ، لكنها تعود إلى مركز انطلاقتها إذ يمسك الكاتب بأطرافها بواسطة خيوط مخفية بمهارة ، وهكذا تحطك صحار وتأخذك وهاد ومدائن لم تسبق لك رؤيتها لكنك تشك بإمكانية حصول ذلك من دون أن تعرف متى وكيف ، فتصل إلى حيث الطعنة معروفة المصدر ولا تلتفت حيث السراب المموه لافتضاح القلب في صمت المنافي حين يتحول العمر إلى لحظات طائشة من فجر مجهض ، ثم وأنت تنفض يديك عما ترى وتتخيل – باستنكار أم بإعجاب ، هذا شأنك – ولتتصالح مع ما زرعته في وجدانك تلك الرواية وهي تعصف بكل ما حولك مواصلة بناء عوالمها الخاصة التي لا تطيق السير إلا في دروبها ، كاسرة هادئة ، مضخات وعي مبعثرة جامعة ، فلا أزمنة ولا أمكنة ، كذلك لا تصاعد درامي لحدث بعينه وكأنك تراقب وبعين سحرية ، حشداً هائلاً وكل يمارس طقسه واحتفاله تاركاً لك حرية اختيار ما ترغب رؤيته أو التركيز على نتؤاته وانحناءات .
إنها الحداثة ، بمجسات كشفها ، برؤيتها وابتكاراتها حيث الخروج من الرتابة التي سادت فن القصة والرواية أمداً طويلاً وألزمتها حدوداً ومقاييس تآكلت وانفتقت في أكثر من موضع ومكان ، فكان "عزيز" في روايته هذه ممن أحرجوا نقادهم ووسعوا دائرة الفتق لتخرج إلى فضاءات أكثر تنوعاً وتجلياً تاركاُ لنصه أن يمارس حريته في انتهاك وظيفة الرمز وإسقاط المحتوى في معجم دلالي متمرد وجامح ، لتجاوز تلك الحدود وتركها تزاوج وتفصل ، تميد وتسكن ، تجّد وتعبث أينما أرادت ومتى عن لها ذلك، لكن من دون تفتت أو انفلاش ، فكل جملة وحركة وانعطاف مرتبة ومحسوبة جيداَ .
التحميل من هنا ( http://www.badongo.com/file/700453)
http://www.ofouq.com/today/library/athrehacover.jpg
المقدمة
تمرد القص وجموحه
وكأنك في الزمن المتوالد من تزاوج الرؤيا وانشطار الحلم ، حيث تتنومس الذاكرة بتشيؤ إبداعي يجري الإعلان عنه كما لو مشهدية ممسرحة في انكشاف شديد التواتر ، فما أن تفتتح ستارة القص عن لحظات رؤيوية كثيفة ، حتى تتصدع سقوف مخيلتك وأنت منوجد في عالم تنظره مشدوهاً قبل أن تبدأ بالتسرب إليه أو الانجذاب نحوه حد التماهي شرط ألاّ تكون من المستسهلين جمع الأصداف من شواطئ ساكنة أو الاكتفاء بالزبد النصّي ، ذلك لأن نصوصاَ كهذه لا تلفظ زبداَ فهي – وقد تشكلت من دون ضفاف – إنما تحرص على مضامينها في جيب قيعانها تاركة لك لذة الاكتشاف والنبش في ما اختزنته مخيلتك التي ما أن تشرع بالاقتراب حتى يتلبسها شيطان عابث يلاعبك الاستخفاء إذ لا تكاد المضامين تظهر أطرافها إلا وتتلاشى ساحبة وراءها غبار الأسئلة ، ماذا يريد هذا الطارق بلا استحياء على جدران ذاكرة محمومة وبكل هذا الصخب الجميل ؟ وعمن يبحث أبطاله العشرة وطوسيهم صاحب الحضرة ؟ ماذا سيكتبون في قائمة المدعوين أو على سحنات القادمين بلا دعوات وهم يتنفسون الجمر في الوطن المنفى ، أو المنفى الوطن ؟ كل يعيش أزمته ، مجتمعون متفرقون إنسانهم ذواتهم المنفصلة عن ذاتها – أتلك جهنم الوعد ؟ أم تراها أشجار هجرتها طيورها في شتاء متقيح حيث السماء تمخر جبينها غيوم فظة أخفت دمعتها في جفن اليتم ، ثم أعلنت بكل البراءة أن لا علم لها بما يجري هناك حيث الأرض التي سيجت رئتيها متاريس الجدب وحفر الطغاة على جسدها أخاديد الموت ، لكنها الأم ، ناقة المحامل ومجمرة الحنين وخاتمة البدايات الموشومة بوجع الولادة ووجع الثكل في تراتبية تجسيدية لكل ما عرفته الخليقة ، منذ حواء الغواية وعصيان آدم إلى تفاحة اللعنة واحتراق المسافات حيث الأثمان يدفعها الأبناء وهم يكبرون بين أشداق الرياح تسوسهم قتلاً أو تشرد جمعهم كسرب أوز.
وفي الصباحات المعلقة على طارف الدمع والمساءات المغلفة بالدعاء الأمومي كي ما يأتي الرجوع رهيناً بالحياة ، تطل الرواية بشخوصها وأمكنتها المتداخلة بالأزمنة حد الذوبان وبلغة ذات رنين إيحائي وإيقاعات مشبعة بالرمزية والانزياح الدلالي في نسيج متشابك وكثيف كرشاش ينقذف من فوهة شديدة الاحتباس .
وبالرغم من جمالية الأداء ورشاقة السرد المنتمي إلى حداثة تجريبية متطورة وتقنية أسلوبية ذات أبعاد رحبة ، إلا أن من الصعوبة بمكان على قارئ غير متمرس ، الإحاطة بمضامين كلية أراد الكاتب زجها في تلك الرقصة وهذا الكرنفال اللغوي الزاخر بالانفجارات المتتالية ، ذلك لأن الكاتب أراد لنصه أن يكون نصاً مشاكساً لا يمتثل لموازين النقد وزوايا القراءة السائدتين ‘ فعمل على تذويب لغته ومن ثم صوغها في سبيكة لافتة الخصوصية والابتكار ليسقط فيها ومن خلالها ، منظومته الإبداعية والمعرفية ومن ثم ليخرج إلى تعرية واقع خرافي وحقائق جهنمية يمارسها طوسي يشعل حروبه كما يشعل سجائره .
ولا نخضع للقياس أبعاد معرفتنا فيما إذا كان الكاتب هاذياً أم رائياً ونحن نقارب النص الذي يتحرك ضمن دائرتين تتشكلان معا ً لتكونا في وحدة الدلالة ، واقعاً مرمزاً أو خيالاً جامحاً ، لكننا نشغف بتلك اللعبة يمارسها السياق باستفزاز ذهني يشركنا به أو يدفعنا إليه كاتب ينظر بعينين عابثتين ، ففي غمرة الحدث أو ما يوهمنا أنه الحدث ، يومئ الكاتب نحو مجاهل دروب وغابة فنتازيا غامزاَ القارئ : إن تابع وحدك واستدل بحدسك ، فتجهد للخروج من تلك المفازات الأسطورية المدهشة التي تتحرك فيها الأشياء وهي مأخوذة بسحر المغامرة من دون أن يكون لتلك الأسطرة علاقة بما كتبه الأولون ، فالأسطورة هنا تنبثق من لغة عذراء غير مستلبة تكتسب مشروعيتها من إبداع صاحبها وأن لامس حيناً ذاكرة جمعية أو ضرب في جدولة التاريخ ليستخرج جذر الأصفار ، لكن وأنت تتابع تلتفت فجأة لتراه خلفك أو بجانبك وربما سبقك ، فينتابك إحساس بتعب لذيذ وتسامح فعلته التي أراد – وهو مدرك لأسرار صنعته -أن يمارس عليك سطوته الكتابية ، ربما إبرازاً لموهبة متميزة هي غير خافية أصلاً ، أو ليساهم بكسر ما هو متقولب فيك ، فالنص يتحرك بحيوية غرائبية والمفردات تنفلت بكل اتجاه حيناً وتصدم كمقذوف ناري أحياناً أخرى مثيرة زوابع من معان وإيحاءات شتى ، لكنها تعود إلى مركز انطلاقتها إذ يمسك الكاتب بأطرافها بواسطة خيوط مخفية بمهارة ، وهكذا تحطك صحار وتأخذك وهاد ومدائن لم تسبق لك رؤيتها لكنك تشك بإمكانية حصول ذلك من دون أن تعرف متى وكيف ، فتصل إلى حيث الطعنة معروفة المصدر ولا تلتفت حيث السراب المموه لافتضاح القلب في صمت المنافي حين يتحول العمر إلى لحظات طائشة من فجر مجهض ، ثم وأنت تنفض يديك عما ترى وتتخيل – باستنكار أم بإعجاب ، هذا شأنك – ولتتصالح مع ما زرعته في وجدانك تلك الرواية وهي تعصف بكل ما حولك مواصلة بناء عوالمها الخاصة التي لا تطيق السير إلا في دروبها ، كاسرة هادئة ، مضخات وعي مبعثرة جامعة ، فلا أزمنة ولا أمكنة ، كذلك لا تصاعد درامي لحدث بعينه وكأنك تراقب وبعين سحرية ، حشداً هائلاً وكل يمارس طقسه واحتفاله تاركاً لك حرية اختيار ما ترغب رؤيته أو التركيز على نتؤاته وانحناءات .
إنها الحداثة ، بمجسات كشفها ، برؤيتها وابتكاراتها حيث الخروج من الرتابة التي سادت فن القصة والرواية أمداً طويلاً وألزمتها حدوداً ومقاييس تآكلت وانفتقت في أكثر من موضع ومكان ، فكان "عزيز" في روايته هذه ممن أحرجوا نقادهم ووسعوا دائرة الفتق لتخرج إلى فضاءات أكثر تنوعاً وتجلياً تاركاُ لنصه أن يمارس حريته في انتهاك وظيفة الرمز وإسقاط المحتوى في معجم دلالي متمرد وجامح ، لتجاوز تلك الحدود وتركها تزاوج وتفصل ، تميد وتسكن ، تجّد وتعبث أينما أرادت ومتى عن لها ذلك، لكن من دون تفتت أو انفلاش ، فكل جملة وحركة وانعطاف مرتبة ومحسوبة جيداَ .
التحميل من هنا ( http://www.badongo.com/file/700453)



