nonally
03-17-2009, 08:20 AM
هل المصريون خانعون؟
بقلم د. عمار على حسن ١٧/ ٣/ ٢٠٠٩
فى غمرة الضغوط التى تلاحقنا لا نتذكر ما طمره النسيان فى
تاريخنا المديد من احتجاجات وثورات على الطغيان والعوز والمسكنة،
لو وضع بعضها فوق بعض لتلاشى الاعتقاد الزائف بأننا شعب يصبر على الضيم صبرا طويلا. ويكفينا برهانا على هذا أن أول ثورة فى تاريخ الإنسانية جرت
على ضفاف النيل العظيم، وكانت من الشمول والقوة والعنف إلى درجة
أنها هزت ضمائر، وأثارت اندهاش، كل من فتشوا فى ماضى مصر ووثائقها، باعتبارها أول دولة عرفها البشر.
لقد كنت من المعتقدين فى مقولة «خنوع المصريين» مستسلما لكلام نسب إلى عمرو بن العاص والمتنبى وجمال حمدان حتى انشغلت فى السنوات الثلاث الأخيرة
ببحث طويل قادنى إلى إعادة قراءة تاريخ مصر من مصادر متعددة فوجدت
أن بلدنا العظيم لم يهدأ منذ الثورة التى جرت أيام بيبى الثانى
فى الألف الثالثة قبل الميلاد، ووزع كفاحه بين الثورات والهبات
والتمرد والعناد والعصيان والمقاومة والإصرار على التمسك بالثوابت الوطنية،
رغم تعاقب المحتلين، الذين ذابوا فى الروح المصرية الوثابة، التى جعلت أرض الكنانة تحافظ على استقلالها الكامل على مدار ٣٥٠٠ عام من عمرها.
وهذا الاستقلال إما كان مصريا خالصا حكمت فيه البلاد أسر منها،
أو أسر أجنبية، تمصرت، وتشربت روح هذا البلد العريق،
وأدركت أنه أمة كاملة، ولذا قطعت تقريبا الحبل السرى بينه وبين الإمبراطورية الكبيرة،
أو خففته حتى صار رفيعا واهيا. وقد حدث هذا أيام الإغريق والرومان، وفى زمن العباسيين والعثمانيين.
وكان هذا الاستقلال فى جله الأعظم ثمرة لكفاح مصر المستمر
بأشكال متنوعة، فبعد الثورة ضد بيبى الثانى، قام المصريون
عن بكرة أبيهم ضد الهكسوس الغزاة، فخلعوهم من أرض النيل خلعا،
وطردوهم إلى عمق الصحراء. ثم جاءت ثورة من نوع آخر، أخذت
منحى دينيا وفلسفيا وفنيا خالدا، وقامت على أكتاف إخناتون،
الذى نادى بالتوحيد فى وجه تعدد الآلهة، وثار ضد الطقوس الوثنية،
التى استغلت الدين فى ظلم البشر، وتأليه الحكام،
ولو قدر لهذه الثورة أن تنجح، لتغير تاريخ العالم برمته.
وجاء الدور على الرومان ليذوقوا نوعا آخر من كفاح المصريين،
الذين وجدوا فى تمسكهم بالمسيحية نوعا من الاحتجاج ضد وثنية الرومانيين،
وقطيعة رمزية كاملة وعميقة مع منطقهم الاستعمارى.
فلما اعتنق إمبراطور الرومان المسيحية، وجعلها الدين الرسمى لإمبراطوريته
مترامية الأطراف، وجد المصريون أنفسهم أمام مأزق شديد، لكنهم سرعان
ما وجدوا مسارا لمواصلة كفاحهم، حين ميزوا مذهبهم الدينى عن مذهب الرومان، فتواصل النضال ضدهم، وقدم الأقباط شهداء لا حصر لهم، ولم تتراخ عزيمتهم فى الدفاع
عن رؤيتهم الدينية، رغم مغالاة أعدائهم فى اضطهادهم، بل أشعلوا حركات مقاومة متفرقة، فيما هب الصعيد فى ثورة عارمة ضد حكم دقلديانوس.
وأزاح المسلمون ظلم الرومان عن المصريين، لكن قيام الحكام الأمويين والعباسيين
بتحويل الدين إلى أيديولوجيا، قاد بعض أمرائهم إلى التعسف مع الرعية،
فرفض المصريون هذا التعسف، ولم يكن الرفض مقتصرا
على المسيحيين، بل المسلمين سواء من أصل قبطى أو من العرب الذين سكنوا مصر قبل ظهور الإسلام.
لكن مصر ولدت ثورات من نوع جديد، حين أخذت على عاتقها الدفاع
عن الشرق وعن الإسلام فى مواجهة المغول والصليبيين،
دون أن تنسى الاحتجاج ضد ظلم بعض الحكام الفاطميين
والمماليك والأتراك، ووصل الأمر إلى ذروته حين خلع علماء مصر خورشيد باشا، الوالى العثمانى، وعينوا محمد على بديلا منه.
وتصدى المصريون للحملة الفرنسية ببسالة وشجاعة، بعد هزيمة المماليك
بسيوفهم الصدئة أمام مدافع جيش نابليون، فقامت هبتان شعبيتان
جارفتان فى القاهرة، أقضت مضجع الفرنسيين
، وأظهرت لهم أن بقاءهم فى مصر مستحيل، لاسيما مع فشلهم
فى السيطرة على صعيد مصر، الذى خاض أهله نحو اثنتين وعشرين معركة ضد الحملة الفرنسية، علاوة على بعض حركات التمرد والمقاومة التى شملت الصعيد برمته.
وتحدى أحمد عرابى الخديو توفيق دفاعا عن حقوق الضباط المصريين،
ثم قاد الفلاحين فى مقاومة عسكرية ضد الاحتلال الإنجليزى،
ورغم هزيمته، فإن ما أقدم عليه ألهب الشعور الوطنى لدى المصريين،
فشنفوا آذانهم إلى محمد فريد ومصطفى كامل، اللذين دعيا إلى الثورة، وتحقق الأمل مع سعد زغلول ورفاقه فى ثورة ١٩١٩ الخالدة، فحصد المصريون استقلالا نسبيا ودستورا رائعا،
وتعبدالطريق أمام ثورة يوليو ١٩٥٢، التى ألهمت شعوب العالم الثالث روح التحرر.
وهذا التاريخ الطويل يحمل فى جوفه ثورة دائمة، لكنها طالما توارت
خلف تحضر المصريين، وكراهيتهم للفوضى، وقدرتهم على صهر الغريب،
وإجادتهم فن المقاومة بالحيلة، وثقتهم فى تدينهم وثقافتهم، فبدا جل تاريخ مصر نارا تستعر تحت الرماد، لا يراها إلا كل ذى عقل فهيم، وبصيرة نافذة، ومن يطلع على تاريخ أمم أخرى رسفت فى الأغلال قرونا طويلة، فى أوروبا وآسيا.
يا ليت من ينعتون الناس فى بلادى بالخنوع يدركون أن المصريين
نظموا فى السنوات الأربع الأخيرة أكثر من ألفى وخمسمائة
حدث للمقاومة المدنية فى الريف والمدينة،
تنوعت بين الإضراب والاعتصام والعصيان والتظاهر.. والبقية تأتى.
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=203105&IssueID=1347
بقلم د. عمار على حسن ١٧/ ٣/ ٢٠٠٩
فى غمرة الضغوط التى تلاحقنا لا نتذكر ما طمره النسيان فى
تاريخنا المديد من احتجاجات وثورات على الطغيان والعوز والمسكنة،
لو وضع بعضها فوق بعض لتلاشى الاعتقاد الزائف بأننا شعب يصبر على الضيم صبرا طويلا. ويكفينا برهانا على هذا أن أول ثورة فى تاريخ الإنسانية جرت
على ضفاف النيل العظيم، وكانت من الشمول والقوة والعنف إلى درجة
أنها هزت ضمائر، وأثارت اندهاش، كل من فتشوا فى ماضى مصر ووثائقها، باعتبارها أول دولة عرفها البشر.
لقد كنت من المعتقدين فى مقولة «خنوع المصريين» مستسلما لكلام نسب إلى عمرو بن العاص والمتنبى وجمال حمدان حتى انشغلت فى السنوات الثلاث الأخيرة
ببحث طويل قادنى إلى إعادة قراءة تاريخ مصر من مصادر متعددة فوجدت
أن بلدنا العظيم لم يهدأ منذ الثورة التى جرت أيام بيبى الثانى
فى الألف الثالثة قبل الميلاد، ووزع كفاحه بين الثورات والهبات
والتمرد والعناد والعصيان والمقاومة والإصرار على التمسك بالثوابت الوطنية،
رغم تعاقب المحتلين، الذين ذابوا فى الروح المصرية الوثابة، التى جعلت أرض الكنانة تحافظ على استقلالها الكامل على مدار ٣٥٠٠ عام من عمرها.
وهذا الاستقلال إما كان مصريا خالصا حكمت فيه البلاد أسر منها،
أو أسر أجنبية، تمصرت، وتشربت روح هذا البلد العريق،
وأدركت أنه أمة كاملة، ولذا قطعت تقريبا الحبل السرى بينه وبين الإمبراطورية الكبيرة،
أو خففته حتى صار رفيعا واهيا. وقد حدث هذا أيام الإغريق والرومان، وفى زمن العباسيين والعثمانيين.
وكان هذا الاستقلال فى جله الأعظم ثمرة لكفاح مصر المستمر
بأشكال متنوعة، فبعد الثورة ضد بيبى الثانى، قام المصريون
عن بكرة أبيهم ضد الهكسوس الغزاة، فخلعوهم من أرض النيل خلعا،
وطردوهم إلى عمق الصحراء. ثم جاءت ثورة من نوع آخر، أخذت
منحى دينيا وفلسفيا وفنيا خالدا، وقامت على أكتاف إخناتون،
الذى نادى بالتوحيد فى وجه تعدد الآلهة، وثار ضد الطقوس الوثنية،
التى استغلت الدين فى ظلم البشر، وتأليه الحكام،
ولو قدر لهذه الثورة أن تنجح، لتغير تاريخ العالم برمته.
وجاء الدور على الرومان ليذوقوا نوعا آخر من كفاح المصريين،
الذين وجدوا فى تمسكهم بالمسيحية نوعا من الاحتجاج ضد وثنية الرومانيين،
وقطيعة رمزية كاملة وعميقة مع منطقهم الاستعمارى.
فلما اعتنق إمبراطور الرومان المسيحية، وجعلها الدين الرسمى لإمبراطوريته
مترامية الأطراف، وجد المصريون أنفسهم أمام مأزق شديد، لكنهم سرعان
ما وجدوا مسارا لمواصلة كفاحهم، حين ميزوا مذهبهم الدينى عن مذهب الرومان، فتواصل النضال ضدهم، وقدم الأقباط شهداء لا حصر لهم، ولم تتراخ عزيمتهم فى الدفاع
عن رؤيتهم الدينية، رغم مغالاة أعدائهم فى اضطهادهم، بل أشعلوا حركات مقاومة متفرقة، فيما هب الصعيد فى ثورة عارمة ضد حكم دقلديانوس.
وأزاح المسلمون ظلم الرومان عن المصريين، لكن قيام الحكام الأمويين والعباسيين
بتحويل الدين إلى أيديولوجيا، قاد بعض أمرائهم إلى التعسف مع الرعية،
فرفض المصريون هذا التعسف، ولم يكن الرفض مقتصرا
على المسيحيين، بل المسلمين سواء من أصل قبطى أو من العرب الذين سكنوا مصر قبل ظهور الإسلام.
لكن مصر ولدت ثورات من نوع جديد، حين أخذت على عاتقها الدفاع
عن الشرق وعن الإسلام فى مواجهة المغول والصليبيين،
دون أن تنسى الاحتجاج ضد ظلم بعض الحكام الفاطميين
والمماليك والأتراك، ووصل الأمر إلى ذروته حين خلع علماء مصر خورشيد باشا، الوالى العثمانى، وعينوا محمد على بديلا منه.
وتصدى المصريون للحملة الفرنسية ببسالة وشجاعة، بعد هزيمة المماليك
بسيوفهم الصدئة أمام مدافع جيش نابليون، فقامت هبتان شعبيتان
جارفتان فى القاهرة، أقضت مضجع الفرنسيين
، وأظهرت لهم أن بقاءهم فى مصر مستحيل، لاسيما مع فشلهم
فى السيطرة على صعيد مصر، الذى خاض أهله نحو اثنتين وعشرين معركة ضد الحملة الفرنسية، علاوة على بعض حركات التمرد والمقاومة التى شملت الصعيد برمته.
وتحدى أحمد عرابى الخديو توفيق دفاعا عن حقوق الضباط المصريين،
ثم قاد الفلاحين فى مقاومة عسكرية ضد الاحتلال الإنجليزى،
ورغم هزيمته، فإن ما أقدم عليه ألهب الشعور الوطنى لدى المصريين،
فشنفوا آذانهم إلى محمد فريد ومصطفى كامل، اللذين دعيا إلى الثورة، وتحقق الأمل مع سعد زغلول ورفاقه فى ثورة ١٩١٩ الخالدة، فحصد المصريون استقلالا نسبيا ودستورا رائعا،
وتعبدالطريق أمام ثورة يوليو ١٩٥٢، التى ألهمت شعوب العالم الثالث روح التحرر.
وهذا التاريخ الطويل يحمل فى جوفه ثورة دائمة، لكنها طالما توارت
خلف تحضر المصريين، وكراهيتهم للفوضى، وقدرتهم على صهر الغريب،
وإجادتهم فن المقاومة بالحيلة، وثقتهم فى تدينهم وثقافتهم، فبدا جل تاريخ مصر نارا تستعر تحت الرماد، لا يراها إلا كل ذى عقل فهيم، وبصيرة نافذة، ومن يطلع على تاريخ أمم أخرى رسفت فى الأغلال قرونا طويلة، فى أوروبا وآسيا.
يا ليت من ينعتون الناس فى بلادى بالخنوع يدركون أن المصريين
نظموا فى السنوات الأربع الأخيرة أكثر من ألفى وخمسمائة
حدث للمقاومة المدنية فى الريف والمدينة،
تنوعت بين الإضراب والاعتصام والعصيان والتظاهر.. والبقية تأتى.
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=203105&IssueID=1347
