labiadmorroco
05-20-2005, 06:53 PM
السؤال الذي طرحناه قبل دخول كريان طوما وكريان السكويلة هو ماذا تغير بهذين التجمعين الصفيحيين اللذين اعتبرا من أكبر معاقل التطرف بالدارالبيضاء؟ فالأول فرخ الانتحاريين الذين فجروا أنفسهم ليلة الجمعة الأسود، والثاني أول حي احتضن أفكار تيار السلفية الجهادية وآوى عناصر خلية يوسف فكري الارهابية... خلف كل القبح الذي يختزنه كريان طوما بالدارالبيضاء تطل بين الفينة والأخرى من زقاق هنا وهناك وجوه جميلة لمراهقات خرجن لملء براميل الماء أو عدن للتو من معامل الأحياء الصناعية لمولاي رشيد والبرنوصي وعين السبع التي تمتص حيويتهن وأنوثتهن المتوارية خلف أعين حزينة استسلمت للفقر. تمتزج ملامح القبح والجمال لتتوارى خلف أكواخ تنغل الحياة بداخلها كجحور نمل تعج بالنشاط، قبل أن تخرج إلى فضاء رحب لا يحد النظر فيه سوى تلك البنايات الاسمنتية البعيدة ومصانع وأكوام أتربة تحولت إلى تلال. على سطوح الأكواخ الصفيحية تنتصب صحون مقعرة، تعلوها شبكة عنكبوتية من الخيوط التي تنقل الكهرباء من كل عمود إنارة عمومي إلى البراريك، المجهزة بالتلفزيونات والمصابيح وأجهزة الاستقبال الرقمية. كريان طوما: وماذا بعد الطوفان؟
ماذا يفعل هؤلاء الغرباء الذين يتجولون بسيارتهم بين أزقة كريان طوما؟ سؤال طرحته أعين السكان بهذا التجمع الصفيحي الذي أنجب الانتحاريين الذين فجروا الدارالبيضاء ليلة 16 ماي، جولتنا على متن السيارة أعادت للمواطنين هنالك جولات رجال الأمن فجر 17 ماي 2003، فمصالح الأمن لم تترك زقاقا إلا دخلته وفتشت في كل كوخ مشبوه. من بلوك 2 وبلوك 5 انحدر ثلة من الانتحاريين الذين حولوا 16 ماي إلى ذكرى أليمة، وهاهي سنتان تمر على هذا التاريخ دون أن يتغير شيء بهذه الدور الصفيحية، نفسه القصدير الذي يكتم أنفاس ساكنته مازال متسربلا بالبني، لون الصدأ الذي يهزم الطلاء الرخيص كلما حاول السكان إخفاءه ليتوهموا فعلا أن جدرانا ناصعة البياض تأويهم. الأزقة المتربة نفسها مازالت هناك تخترقها أخاديد حفرها السكان لتنساب فيها المياه العكرة التي استعملت ألف مرة في الغسل والتنظيف ثم التصبين قبل إطلاق سراحها. وهي تنساب إلى مثواها الأخير، لا تنجو هذه المياه من شقاوة الطفولة، فعلى امتداد هذه الأخاديد، وفي البرك الآسنة التي تكونت بجانبها، يلهو مجموعة من الأطفال بقطع خشبية صغيرة تركوها تطفو فوق الماء كزوارق يحلمون بأن تقلهم إلى الضفة الأخرى ذات يوم، وهو الحلم الذي ظل يراود أحد الانتحاريين. «مسح الطاولة»، فكرة ديكارت التي طور بها «شكّه المنهجي» هي نفسها الطريقة التي اتبعتها مصالح الأمن في هذا التجمع الصفيحي، فرجال الأمن وبلغة السكان «رَازَاوْ» الحي، ليس بآلات للحلاقة كما فعل بعض المتطرفين، ولكن بحملات تمشيطية أخرجوا خلالها كل المشبوهين من سم الخياط (ثقب الابرة). بين كريان طوما وكريان الرحمة نبتت عمارات سكنية هي كل ما جدَّ بهذه المنطقة منذ سنتين، وقد تحولت هذه البنايات المخصصة لسكان الكريان إلى الموضوع الأساسي لأحاديث الناس. يتساءلون عن مساحات الشقق بها وعن ثمنها وكيفية استخلاصه، فقط مجرد أسئلة دون جواب. أخبار أخرى حول انتقال أحد سكان الحي إلى الشقة الجديدة يتداولها المواطنون بكريان طوما ويحلمون باليوم الموعود. هاجس السكن أصبح يؤرق السكان، فكل «بلوك» ينتظر دوره في الانتقال للعيش تحت أسقف حقيقية من إسمنت وحديد، يرغبون لو يغمضوا أعينهم ويفتحوها ليجدوا أنفسهم هناك بين أربعة جدران تنزع عنهم تلك المهانة التي التصقت بهم منذ التفجيرات الارهابية. دوار السكويلة: عيون ترقب أشباحا من 16 ماي
مدخل كريان السكويلة لم يتغير منذ سنتين، مازالت حالة الأتربة ترشد الوالج إليه إلى حيث يعشش البؤس والفقر والجهل، وحده المحل القصديري الذي يوجد في بداية الكريان من جهة حي الأزهر والذي كان يستغله المتطرفون في تجمعاتهم وتروبج أفكارهم الارهابية أغلق وطال الصدأ قصديره المتآكل. زقاقات ضيقة مليئة ببقايا الأزبال والمياه النتنة. واجهات البراريك البئيسة تشبه الوجوه الشاحبة التي تتجمع في أركان الأزقة ترقب عيونها زوار الحي الذي اشتهر اسمه منذ التفجيرات الارهابية. ماذا تغير منذ ذلك التاريخ؟ لا شيء. دور الصفيح ما زالت مستقرة في مكانها، تشرب من ماء الأمطار شتاء وتخزن حرارة الشمس صيفا، وتحبس بين جدرانها القصديرية رائحة الأجساد المكدسة بداخلها والتي تنتظر دورها في المبيت. ما تغير بالحي هو اختفاء نظرات الحقد والبغضاء التي كانت تحدج بها العناصر الأصولية التي استقرت به كل وافد جديد، فقبل 16 ماي وبعده بأيام قليلة كانت هاته العناصر تعتبر الكريان وضواحيه ملكا لها تغير فيه المنكر، حسب اعتقادها، وتفرض فيه قانونها، نساؤهم وأفراد عائلاتهم من البنات لم يكن يظهرن كما أردن، فقد اختاروا لهن لباسا مستوردا من بلاد الطالبان لا تظهر من خلاله سوى عيونهن. اختفى أصحاب اللحي الطويلة من كريان السكويلة ولم يعد هناك سوى شبان قليلين منهم من لم يتجاوز بعد ربيعه العشرين، وعلى ذقونهم نبتت شعيرات متفرقة. يلتقون بين الفينة والأخرى ويجزم سكان الحي أنهم لم يعودوا يشكلون أي خطر عليهم. شبان آخرون من الحي يرون أن هناك شيئا ما يحضر في الخفاء فتجربة 16 ماي الرهيبة لا تفارق أذهانهم وهم كلما شاهدوا اثنين أو ثلاثة من الملتحين مجتمعين يتحدثون إلى بعضهم البعض إلا وتوجسوا منهم خيفة. الفقر والبطالة والبؤس ثلاث متلازمات ترسم ملامح هذا الحي الذي تحول منذ أواسط التسعينيات إلى معقل للتطرف. فهناك كان بيت يوسف فكري الأمير الدموي للسلفية الجهادية، وأفراد آخرون من خليته الارهابية التي كانت تقوم باعتراض سبيل المواطنين وسلبهم أموالهم وقتل آخرين. جرائم عديدة ارتكبت بضواحي هذا الحي باسم الدين، كانوا يسمونها عمليات تعزيرية الغاية منها ـ حسب اعتقادهم ـ الضرب على يدي الخارجين عن مذهبهم المتطرف. دماء كثيرة أريقت بمجرد ما نطق الأمير الدموي الذي عاش فترة معينة داخل هذا الحي بفتاوى تنم عن جهل وحقد دفين، فالقتل كان هو أبسط شيء يمكنه القيام به منذ أن ارتكب أولى جرائمه في اليوسفية مسقط رأسه. هذه المشاهد الدموية مازالت رائجة هنا بدوار السكويلة، يستحضرها السكان، وترسخت في أذهانهم أكثر بعد الاعتداءات الارهابية والاعتقالات التي شهدها الحي. فمع أولى تباشير الفجر الموالي للتفجيرات كانت مصالح الأمن تطوق المحلات القصديرية التي حولها المتطرفون إلى أماكن لإقامة الصلاة، ومن هناك بدأت الاعترافات وذكرت مئات من الأسماء على ألسن المعتقلين الأوائل. مصادر من سكان حي السكويلة التي التقيناها بالحي، تؤكد أن مصالح الأمن استطاعت أخيرا أن تجند بعض الذين كانوا في الأمس مقربين من المتطرفين، فصاروا اليوم أعينهم في الحي ترقب كل تحرك جديد، وتخبر بظهور كل مطلوب للعدالة ممن وردت أسماؤهم في التحقيقات. المرور إلى الجانب الآخر من الكريان يفرض اختراق سوق الخضر، ضجيج كثير بهذا السوق ورواج كبير يؤثثه الفقراء من أبناء كريان السكويلة الذين لم يفلحوا في العثور على عمل. طماطم، بصل وبطاطس، كل يعلن عن سلعته حسب صلابة حنجرته، وللمستهلكين الذين يتنقلون بين العربات أن يختاروا بين هذا وذاك. بجانب السوق انتشرت حرف مختلفة منها من يحتل صاحبها مساحة صغيرة من كوخ صفيحي، ويخصص الجزء الباقي لسكنه وعائلته، هنا مصلح تلفزيونات، وهناك مصلح هواتف نقالة وهنا حداد، ونجار ودكان للبقالة... أصحاب هذه الحرف من سكان الكريان لفحت بشرتهم شمس النهار وسكنت عظامهم برودة المساء، مداخليهم المتواضعة بالكاد تسد رمق عائلاتهم، لكنهم منذ التفجيرات الارهابية بدأت أحلام أخرى تراودهم، أحلام خاصة بالسكن والانتقال من هذا الحي الذي ألصق بهم العار. اختراق السوق والمرور إلى الجانب الآخر من كريان السكويلة يكشف عن مشروع سكني بجوار العوينة القديمة التي دأب سكان الأكواخ الصفيحية المجاورة لها على شرب مائها. مشروع «السلام» السكني ليس اسما اعتباطيا، لكنه ذلك السلام الفعلي الذي طالما ظل السكان ينتظرونه، ها هو اليوم يتحول إلى حجر واسمنت. الأشغال الجارية بالمشروع لا تبعث الأمل دائما في نفوس السكان الذين يطلون عليه بين الفينة والأخرى للاطمئنان على حلمهم، فهناك بهذه الأرض الخلاء التي تنبعث منها روائح كريهة، جرافة واحدة هي التي تباشر عملها تجرف التربة بذراعها الفولاذية دون كلل وبشكل ميكانيكي محدثة حفرا كبيرة، تنتظر احتضان قنوات الصرف الصحي الذي لم ينعم به السكان قط في حياتهم بكريان السكويلة. الدولة ستبيع للسكان فقط الأرض مجهزة لكي يبنوا عليها كيفما شاؤوا شققهم على مساحات لن تزيد على 84 مترا مربعا لكل عائلتين. هذه هي المعلومة الوحيدة التي يتوفر عليها السكان، ويروجونها فيما بينهم. فبعد الأحداث الأليمة أقسمت الدولة ـ كما سبق لها أن حلفت اليمن ـ على أن لا يبقى هنا بهذه المدينة الصغيرة المسماة دوار السكويلة أي كوخ صفيحي. وهو حلم ما فتئ وزير الاسكان يردده في كل منبر إعلامي. أما الواقع فهو عكس ذلك، لأن دوار السكويلة، هو فعلا دوار يرعى فيه السكان ماشيتهم النحيفة التي تقتات على الأزبال، كما أن بيوتهم الصفيحية لا تحمل هذا الاسم، بل يسمونها «زريبة» وهي بذلك فعلا حظيرة يتعايشون فيها مع بهائمهم وماشيتهم، ويقتسمون معها حياتهم البئيسة وأيامهم التي تمر متثاقلة كسير السلحفاة، وهناك كان المتطرفون يعيشون بين ظهرانيهم. labiadmorroco
ماذا يفعل هؤلاء الغرباء الذين يتجولون بسيارتهم بين أزقة كريان طوما؟ سؤال طرحته أعين السكان بهذا التجمع الصفيحي الذي أنجب الانتحاريين الذين فجروا الدارالبيضاء ليلة 16 ماي، جولتنا على متن السيارة أعادت للمواطنين هنالك جولات رجال الأمن فجر 17 ماي 2003، فمصالح الأمن لم تترك زقاقا إلا دخلته وفتشت في كل كوخ مشبوه. من بلوك 2 وبلوك 5 انحدر ثلة من الانتحاريين الذين حولوا 16 ماي إلى ذكرى أليمة، وهاهي سنتان تمر على هذا التاريخ دون أن يتغير شيء بهذه الدور الصفيحية، نفسه القصدير الذي يكتم أنفاس ساكنته مازال متسربلا بالبني، لون الصدأ الذي يهزم الطلاء الرخيص كلما حاول السكان إخفاءه ليتوهموا فعلا أن جدرانا ناصعة البياض تأويهم. الأزقة المتربة نفسها مازالت هناك تخترقها أخاديد حفرها السكان لتنساب فيها المياه العكرة التي استعملت ألف مرة في الغسل والتنظيف ثم التصبين قبل إطلاق سراحها. وهي تنساب إلى مثواها الأخير، لا تنجو هذه المياه من شقاوة الطفولة، فعلى امتداد هذه الأخاديد، وفي البرك الآسنة التي تكونت بجانبها، يلهو مجموعة من الأطفال بقطع خشبية صغيرة تركوها تطفو فوق الماء كزوارق يحلمون بأن تقلهم إلى الضفة الأخرى ذات يوم، وهو الحلم الذي ظل يراود أحد الانتحاريين. «مسح الطاولة»، فكرة ديكارت التي طور بها «شكّه المنهجي» هي نفسها الطريقة التي اتبعتها مصالح الأمن في هذا التجمع الصفيحي، فرجال الأمن وبلغة السكان «رَازَاوْ» الحي، ليس بآلات للحلاقة كما فعل بعض المتطرفين، ولكن بحملات تمشيطية أخرجوا خلالها كل المشبوهين من سم الخياط (ثقب الابرة). بين كريان طوما وكريان الرحمة نبتت عمارات سكنية هي كل ما جدَّ بهذه المنطقة منذ سنتين، وقد تحولت هذه البنايات المخصصة لسكان الكريان إلى الموضوع الأساسي لأحاديث الناس. يتساءلون عن مساحات الشقق بها وعن ثمنها وكيفية استخلاصه، فقط مجرد أسئلة دون جواب. أخبار أخرى حول انتقال أحد سكان الحي إلى الشقة الجديدة يتداولها المواطنون بكريان طوما ويحلمون باليوم الموعود. هاجس السكن أصبح يؤرق السكان، فكل «بلوك» ينتظر دوره في الانتقال للعيش تحت أسقف حقيقية من إسمنت وحديد، يرغبون لو يغمضوا أعينهم ويفتحوها ليجدوا أنفسهم هناك بين أربعة جدران تنزع عنهم تلك المهانة التي التصقت بهم منذ التفجيرات الارهابية. دوار السكويلة: عيون ترقب أشباحا من 16 ماي
مدخل كريان السكويلة لم يتغير منذ سنتين، مازالت حالة الأتربة ترشد الوالج إليه إلى حيث يعشش البؤس والفقر والجهل، وحده المحل القصديري الذي يوجد في بداية الكريان من جهة حي الأزهر والذي كان يستغله المتطرفون في تجمعاتهم وتروبج أفكارهم الارهابية أغلق وطال الصدأ قصديره المتآكل. زقاقات ضيقة مليئة ببقايا الأزبال والمياه النتنة. واجهات البراريك البئيسة تشبه الوجوه الشاحبة التي تتجمع في أركان الأزقة ترقب عيونها زوار الحي الذي اشتهر اسمه منذ التفجيرات الارهابية. ماذا تغير منذ ذلك التاريخ؟ لا شيء. دور الصفيح ما زالت مستقرة في مكانها، تشرب من ماء الأمطار شتاء وتخزن حرارة الشمس صيفا، وتحبس بين جدرانها القصديرية رائحة الأجساد المكدسة بداخلها والتي تنتظر دورها في المبيت. ما تغير بالحي هو اختفاء نظرات الحقد والبغضاء التي كانت تحدج بها العناصر الأصولية التي استقرت به كل وافد جديد، فقبل 16 ماي وبعده بأيام قليلة كانت هاته العناصر تعتبر الكريان وضواحيه ملكا لها تغير فيه المنكر، حسب اعتقادها، وتفرض فيه قانونها، نساؤهم وأفراد عائلاتهم من البنات لم يكن يظهرن كما أردن، فقد اختاروا لهن لباسا مستوردا من بلاد الطالبان لا تظهر من خلاله سوى عيونهن. اختفى أصحاب اللحي الطويلة من كريان السكويلة ولم يعد هناك سوى شبان قليلين منهم من لم يتجاوز بعد ربيعه العشرين، وعلى ذقونهم نبتت شعيرات متفرقة. يلتقون بين الفينة والأخرى ويجزم سكان الحي أنهم لم يعودوا يشكلون أي خطر عليهم. شبان آخرون من الحي يرون أن هناك شيئا ما يحضر في الخفاء فتجربة 16 ماي الرهيبة لا تفارق أذهانهم وهم كلما شاهدوا اثنين أو ثلاثة من الملتحين مجتمعين يتحدثون إلى بعضهم البعض إلا وتوجسوا منهم خيفة. الفقر والبطالة والبؤس ثلاث متلازمات ترسم ملامح هذا الحي الذي تحول منذ أواسط التسعينيات إلى معقل للتطرف. فهناك كان بيت يوسف فكري الأمير الدموي للسلفية الجهادية، وأفراد آخرون من خليته الارهابية التي كانت تقوم باعتراض سبيل المواطنين وسلبهم أموالهم وقتل آخرين. جرائم عديدة ارتكبت بضواحي هذا الحي باسم الدين، كانوا يسمونها عمليات تعزيرية الغاية منها ـ حسب اعتقادهم ـ الضرب على يدي الخارجين عن مذهبهم المتطرف. دماء كثيرة أريقت بمجرد ما نطق الأمير الدموي الذي عاش فترة معينة داخل هذا الحي بفتاوى تنم عن جهل وحقد دفين، فالقتل كان هو أبسط شيء يمكنه القيام به منذ أن ارتكب أولى جرائمه في اليوسفية مسقط رأسه. هذه المشاهد الدموية مازالت رائجة هنا بدوار السكويلة، يستحضرها السكان، وترسخت في أذهانهم أكثر بعد الاعتداءات الارهابية والاعتقالات التي شهدها الحي. فمع أولى تباشير الفجر الموالي للتفجيرات كانت مصالح الأمن تطوق المحلات القصديرية التي حولها المتطرفون إلى أماكن لإقامة الصلاة، ومن هناك بدأت الاعترافات وذكرت مئات من الأسماء على ألسن المعتقلين الأوائل. مصادر من سكان حي السكويلة التي التقيناها بالحي، تؤكد أن مصالح الأمن استطاعت أخيرا أن تجند بعض الذين كانوا في الأمس مقربين من المتطرفين، فصاروا اليوم أعينهم في الحي ترقب كل تحرك جديد، وتخبر بظهور كل مطلوب للعدالة ممن وردت أسماؤهم في التحقيقات. المرور إلى الجانب الآخر من الكريان يفرض اختراق سوق الخضر، ضجيج كثير بهذا السوق ورواج كبير يؤثثه الفقراء من أبناء كريان السكويلة الذين لم يفلحوا في العثور على عمل. طماطم، بصل وبطاطس، كل يعلن عن سلعته حسب صلابة حنجرته، وللمستهلكين الذين يتنقلون بين العربات أن يختاروا بين هذا وذاك. بجانب السوق انتشرت حرف مختلفة منها من يحتل صاحبها مساحة صغيرة من كوخ صفيحي، ويخصص الجزء الباقي لسكنه وعائلته، هنا مصلح تلفزيونات، وهناك مصلح هواتف نقالة وهنا حداد، ونجار ودكان للبقالة... أصحاب هذه الحرف من سكان الكريان لفحت بشرتهم شمس النهار وسكنت عظامهم برودة المساء، مداخليهم المتواضعة بالكاد تسد رمق عائلاتهم، لكنهم منذ التفجيرات الارهابية بدأت أحلام أخرى تراودهم، أحلام خاصة بالسكن والانتقال من هذا الحي الذي ألصق بهم العار. اختراق السوق والمرور إلى الجانب الآخر من كريان السكويلة يكشف عن مشروع سكني بجوار العوينة القديمة التي دأب سكان الأكواخ الصفيحية المجاورة لها على شرب مائها. مشروع «السلام» السكني ليس اسما اعتباطيا، لكنه ذلك السلام الفعلي الذي طالما ظل السكان ينتظرونه، ها هو اليوم يتحول إلى حجر واسمنت. الأشغال الجارية بالمشروع لا تبعث الأمل دائما في نفوس السكان الذين يطلون عليه بين الفينة والأخرى للاطمئنان على حلمهم، فهناك بهذه الأرض الخلاء التي تنبعث منها روائح كريهة، جرافة واحدة هي التي تباشر عملها تجرف التربة بذراعها الفولاذية دون كلل وبشكل ميكانيكي محدثة حفرا كبيرة، تنتظر احتضان قنوات الصرف الصحي الذي لم ينعم به السكان قط في حياتهم بكريان السكويلة. الدولة ستبيع للسكان فقط الأرض مجهزة لكي يبنوا عليها كيفما شاؤوا شققهم على مساحات لن تزيد على 84 مترا مربعا لكل عائلتين. هذه هي المعلومة الوحيدة التي يتوفر عليها السكان، ويروجونها فيما بينهم. فبعد الأحداث الأليمة أقسمت الدولة ـ كما سبق لها أن حلفت اليمن ـ على أن لا يبقى هنا بهذه المدينة الصغيرة المسماة دوار السكويلة أي كوخ صفيحي. وهو حلم ما فتئ وزير الاسكان يردده في كل منبر إعلامي. أما الواقع فهو عكس ذلك، لأن دوار السكويلة، هو فعلا دوار يرعى فيه السكان ماشيتهم النحيفة التي تقتات على الأزبال، كما أن بيوتهم الصفيحية لا تحمل هذا الاسم، بل يسمونها «زريبة» وهي بذلك فعلا حظيرة يتعايشون فيها مع بهائمهم وماشيتهم، ويقتسمون معها حياتهم البئيسة وأيامهم التي تمر متثاقلة كسير السلحفاة، وهناك كان المتطرفون يعيشون بين ظهرانيهم. labiadmorroco



