djemba_djemba
03-30-2006, 08:48 PM
فى ليلة شتاءٍ باردة وبعد منتصف الليل بعد أن نام الجميع كان السكون يحيط بالمكان ، فأنا أسكن فى حىٍّ هادئ ليس به غير عُـلبٍ من الأسمنت متراصة ومتلاصقة ويحيط به الأشجار الكثيفة والمتشابكة التى تصنع مناخـًا رومانسيًّـا ليل نهار ، خرجت إلى الشرفة وأنا أكاد أنفجر من شدة الملل كان الظلام يسود الشارع إلا من شعاعٍ يرنو من بعيد ، أخذت أتمتم بكلمات أغنية أخذت تتردد اليوم فى أذنى حاولت كسر رتابة الجو المحيط بى فليس هناك ما يغير روتين الليل هنا فلا يُسمع غير صفيرٍ منطلقٍ من بين هذه الأشجار ، كدت أدخل وأضع جانبى على الفراش بجوار زوجتى التى لفظتنى هذه الليلة بحُجّة تعبها طوال اليوم فى مذاكرة الأولاد ويبدو أنها ستلفظنى كثيرًا بعد ذلك ، نظرت فى الساعة إنها الثالثة والنصف بعد منتصف الليل فإذا بى أسمع همساتٍ لا أعلم مصدرها وفى لمح البصر رأيت شبحين فى الظلام .
كانا بلا معالم لا أرى شيئًا غير أجسادٍ شعرت بالخوف وقرأت فى سرى مــا أحفظ من آيات القرآن فلعلهما من الجنّ ، لكنها اقتربا وأصبحا تحت شرفةٍ قريبةٍ منى ، إنهما شابُّ وفتاة يبدو على وجههما شدة الإرهاق وأثر البرد جعلها تنزوى داخل مِعطفه وترتمى فى أحضانه أتراهما مخمورين ؟!
لكن حركتهما كانت متـّزنة ولم يكن بها أىُّ ترنـّحٍ ، كنت لا أرى غير شابٍّ وفتاة ولم أكن أستطيع رؤية ملامحهما وفجأة سمعا صوتـًا فى الشرفة التى يقفان تحتها فواصلا الجرى حتى وقفا أمام شرفتى تمامًا ، نعم أصبحا الآن واضحين لى تمامًا ، دخلت شقـّتى وأحضرت نظارتى المعظّمة التى ورثتها عن أبى الذى كان يعشق سباقات الخيل بينما ابنه يعشق المغامرات الليلية ، نظرت فى نظارتى فشاهدت الشاب يُمسك يد الفتاة ويقبّلها فى أنحاءٍ متفرّقةٍ منها ورأيت وجهها يرتفع لوجهه ويقترب وجهه منها وقبل أن يُقبّـلها ابتعدت عنه وأدارت وجهها فرأيتها يا إلهى إنها فى غاية الجمال ، وفجأة سمعت صوتـًا إنه يقول لها : أنتِ زوجتى الآن ومن حقى أن أقبّـلك على الأقل .
استدارت إليه : لكنك لم تشترِ شقةً تجمعنا لنعيش فيها وهذا أبسط حقوقنا .
ردّ بانفعال : وماذا أفعل ؟! إننى أعمل ليل نهار وأنتِ تعملين فى وظيفتك الحكومية ولم نستطع أن نجمع ربع ثمنها ..
ابتعد عنها وأدار لها ظهره وأكمل بحسرة : إن الجدران اليوم أهمّ من الإنسان .
ردّت تواسيه : لا تكن رومانسيّا لقد جئت معك هنا بعيدًا عن الجميع لنضع حدًّا لوضعنا وليس لنمارس فيه حقوقنا الزوجيّة فى شارعٍ خالى من الناس !!
اقترب منها : لكنكِ زوجتى وهذا حقـّى عليكِ فسنـّى الآن وصل الخامسة والثلاثين عامًا .
بادرته بسرعة : لكن أبى وأمى والمجتمع لا يعترفون بكل ذلك بلا شقة .
قال بحسرةٍ : والمشاعـر ؟!
قالت : لا تكفى الشقة أهمّ .
قال واليأس يملأ وجهه : يبدو أن الأمر سيمتدّ إلى ما لا نهاية .
أجابته : سأظل أحبك طول العمر حتى على أرصفة الطرقات .
قال لها وفى عينيه بريقٌ يلمع : دعينا نستمتع بليلتنا وننسى مشكلاتنا ولو لليلةٍ فى هذا الشارع .
واقترب منها واقتربت شفتاه من شفتيها همّت بالاستسلام لشفتيه شعرا أن خيوط النهار قد بدأت فى الظهور وعليهما الرحيل .
قال لهــا : يبدو أن الليل أيضًـا يضيق بنا .
لكنها اقتربت أكثر منه وطبعت على شفتيه قبلةً حارّة استمرت فيها الشفاه متعانقة حتى سارا إلى شجرةٍ كبيرة ووقفا تحتها وما زالت الشفاه متعانقة كأنهما يتحدّيان ضوء النهار الفاضح الذى ملأ المكان ، وفجأة برز شخصٌ ضخم وقف أمامهما وهما لا يشعران به من شدّة الانسجام وأخذ يصرخ فيهما : يا للمصيبة ما هذا يا أستاذ ألا تحترم نفسك .
حاول أن يُفهمه فرفض وأكمل : بدلا من أن تذهب لصلاة الفجر ، أين الدين ؟ أين حق الله ؟
أجابه : إنها زوجتى وأنا لم أخالف الدين ولكنى لا أجد شقة لأتزوّج فيها.
لم يُصدّق الرجل وأخذ فى الصياح فحاولا إسكاته فزاد من صياحه وأحسستُ أنى أريد أن أنزل إليه لإسكاته ونزلت ولكنى وقفت بعيدًا ولم أجرؤ على الاقتراب وفى لحظاتٍ كان الناس قد خرجوا إلى الشرفات من صيحات الرجل وهى تحاول وضع يدها على فمه وتقول : أنا سأكون غدًا على كل لسان أبى لو عرف .. أمى .. أهلى أرجوك اسكت ، ولكنه لم يستجب فلم تجد غير أن تجرى فى غفلة منهم جميعًا بعد التفاف الناس حولهم وعند مفترق طرق وهم يجرون خلفها اصطدمت بسيّارةٍ مسرعة وارتطمت رأسها بعنفٍ بالأرض واختطفها الموت فى لحظات ، وأخذ زوجها يصرخ وينادى فيها بألا تتركه وكأنه يهذى .
وفى لحظات اختفى أثرها من الشارع بعد أن حضرت سيارة الإسعاف وحملتها .
أخذتنى الصدمة وعدت لشقتى فى خطواتٍ بطيئة وفى رأسى أمنية مستحيلة لو أنها عادت للحياة وأعطيتهما شقتى ولو لليلةٍ واحدة قبل الرحيل عن تلك الحياة القاسية للأبد .
أحمد سيد
كانا بلا معالم لا أرى شيئًا غير أجسادٍ شعرت بالخوف وقرأت فى سرى مــا أحفظ من آيات القرآن فلعلهما من الجنّ ، لكنها اقتربا وأصبحا تحت شرفةٍ قريبةٍ منى ، إنهما شابُّ وفتاة يبدو على وجههما شدة الإرهاق وأثر البرد جعلها تنزوى داخل مِعطفه وترتمى فى أحضانه أتراهما مخمورين ؟!
لكن حركتهما كانت متـّزنة ولم يكن بها أىُّ ترنـّحٍ ، كنت لا أرى غير شابٍّ وفتاة ولم أكن أستطيع رؤية ملامحهما وفجأة سمعا صوتـًا فى الشرفة التى يقفان تحتها فواصلا الجرى حتى وقفا أمام شرفتى تمامًا ، نعم أصبحا الآن واضحين لى تمامًا ، دخلت شقـّتى وأحضرت نظارتى المعظّمة التى ورثتها عن أبى الذى كان يعشق سباقات الخيل بينما ابنه يعشق المغامرات الليلية ، نظرت فى نظارتى فشاهدت الشاب يُمسك يد الفتاة ويقبّلها فى أنحاءٍ متفرّقةٍ منها ورأيت وجهها يرتفع لوجهه ويقترب وجهه منها وقبل أن يُقبّـلها ابتعدت عنه وأدارت وجهها فرأيتها يا إلهى إنها فى غاية الجمال ، وفجأة سمعت صوتـًا إنه يقول لها : أنتِ زوجتى الآن ومن حقى أن أقبّـلك على الأقل .
استدارت إليه : لكنك لم تشترِ شقةً تجمعنا لنعيش فيها وهذا أبسط حقوقنا .
ردّ بانفعال : وماذا أفعل ؟! إننى أعمل ليل نهار وأنتِ تعملين فى وظيفتك الحكومية ولم نستطع أن نجمع ربع ثمنها ..
ابتعد عنها وأدار لها ظهره وأكمل بحسرة : إن الجدران اليوم أهمّ من الإنسان .
ردّت تواسيه : لا تكن رومانسيّا لقد جئت معك هنا بعيدًا عن الجميع لنضع حدًّا لوضعنا وليس لنمارس فيه حقوقنا الزوجيّة فى شارعٍ خالى من الناس !!
اقترب منها : لكنكِ زوجتى وهذا حقـّى عليكِ فسنـّى الآن وصل الخامسة والثلاثين عامًا .
بادرته بسرعة : لكن أبى وأمى والمجتمع لا يعترفون بكل ذلك بلا شقة .
قال بحسرةٍ : والمشاعـر ؟!
قالت : لا تكفى الشقة أهمّ .
قال واليأس يملأ وجهه : يبدو أن الأمر سيمتدّ إلى ما لا نهاية .
أجابته : سأظل أحبك طول العمر حتى على أرصفة الطرقات .
قال لها وفى عينيه بريقٌ يلمع : دعينا نستمتع بليلتنا وننسى مشكلاتنا ولو لليلةٍ فى هذا الشارع .
واقترب منها واقتربت شفتاه من شفتيها همّت بالاستسلام لشفتيه شعرا أن خيوط النهار قد بدأت فى الظهور وعليهما الرحيل .
قال لهــا : يبدو أن الليل أيضًـا يضيق بنا .
لكنها اقتربت أكثر منه وطبعت على شفتيه قبلةً حارّة استمرت فيها الشفاه متعانقة حتى سارا إلى شجرةٍ كبيرة ووقفا تحتها وما زالت الشفاه متعانقة كأنهما يتحدّيان ضوء النهار الفاضح الذى ملأ المكان ، وفجأة برز شخصٌ ضخم وقف أمامهما وهما لا يشعران به من شدّة الانسجام وأخذ يصرخ فيهما : يا للمصيبة ما هذا يا أستاذ ألا تحترم نفسك .
حاول أن يُفهمه فرفض وأكمل : بدلا من أن تذهب لصلاة الفجر ، أين الدين ؟ أين حق الله ؟
أجابه : إنها زوجتى وأنا لم أخالف الدين ولكنى لا أجد شقة لأتزوّج فيها.
لم يُصدّق الرجل وأخذ فى الصياح فحاولا إسكاته فزاد من صياحه وأحسستُ أنى أريد أن أنزل إليه لإسكاته ونزلت ولكنى وقفت بعيدًا ولم أجرؤ على الاقتراب وفى لحظاتٍ كان الناس قد خرجوا إلى الشرفات من صيحات الرجل وهى تحاول وضع يدها على فمه وتقول : أنا سأكون غدًا على كل لسان أبى لو عرف .. أمى .. أهلى أرجوك اسكت ، ولكنه لم يستجب فلم تجد غير أن تجرى فى غفلة منهم جميعًا بعد التفاف الناس حولهم وعند مفترق طرق وهم يجرون خلفها اصطدمت بسيّارةٍ مسرعة وارتطمت رأسها بعنفٍ بالأرض واختطفها الموت فى لحظات ، وأخذ زوجها يصرخ وينادى فيها بألا تتركه وكأنه يهذى .
وفى لحظات اختفى أثرها من الشارع بعد أن حضرت سيارة الإسعاف وحملتها .
أخذتنى الصدمة وعدت لشقتى فى خطواتٍ بطيئة وفى رأسى أمنية مستحيلة لو أنها عادت للحياة وأعطيتهما شقتى ولو لليلةٍ واحدة قبل الرحيل عن تلك الحياة القاسية للأبد .
أحمد سيد



