hisham
05-16-2005, 08:18 PM
اختي الكريمة كتبية اعترف اني لم افكر يوما في الكتابة لكن جعلتنا نحبها .و انا سعيد ان اشارك معك في هذا المنتدى المتميز .
اخترت لك ولإخواني الاعضاء هذه القصة القصيرة للكاتب الطاهر شرقاوي ان شاء الله تعجبكم
الغريب
يأتي فنطير من الفرح ..
يدخل يده في مخلته ، ويخرج لنا الحلوى ، يوزعها علينا .. ملبن وسمسمية ، وحلوى حمراء مسكرة ، على شكل أحصنة وعرائس .. نأخذ نصيبنا ونجرى لنكمل اللعب .
دائما يأتي قبل الغروب بوقت .. يغيب أياما وأسابيع ، وأحيانا يغيب شهورا ، ولكنه يأتي ..
ننظر إلى السكة القادمة إلى نجعنا ، فنرى زوالا آتيا من بعيد .. يمشي على مهل .. يتوكأ على عصا .. فتعرف انه هو .. يقترب منا بجلبابه المخطط ، وعمامته المتسخة ، المتكورة فوق رأسه ، يعلوه التراب من أثر السفر .. يحمل مخلته على كتفه ، يركنها في المندرة ، وينزل النهر ليغتسل .. يغطس .. يسبح قليلا .. ثم يخرج منتعشا ، يقطر الماء من رأسه الأشيب .
يلبس جلبابه الأبيض ، ويمسك في يده بمسبحته الطويلة ، ذات التسع والتسعين حبة ، يدورها بين أنامله ، يقعد على جذع نخلة ممدد على الأرض ، بجوار باب المندرة ، يتابع لعبنا وصياحنا في صمت ، وحينما يسمع آذان المغرب ، ينهض متجها ناحية الجامع ، وهو يقول : " المغرب غريب " .
يمكث عندنا أياما ، يبيت في المندرة ، وكل يوم يخرج بعد صلاة الصبح ، ويعود قبل المغرب .. يلف على العزب والبيوت القريبة .. يكوي رؤوس من يعانون الأوجاع ، يفصد أصداغ المرضى .. يكتب الاحجبة المثلثة ، المحفوظة في قماش أبيض ، لتقي من شر العين التي فلقت الحجر .. وتجلب الغائب ، وتهدي العاق ، وتدر اللبن في ضروع البهائم العجفاء .
نتبادل عنه حكايات غريبة ، سمعناها من أمهاتنا عند ثرثرتهن .. انه يمشي على قدميه عند سفره ، من نجع إلى آخر ، يطوف البلاد ، وفي كل مكان له معارف مثلنا تماما ، يبيت عندهم ، وحين يدركه الليل في الطريق ، ينام في أي مكان .. بيت مهجور .. كرم نخيل .. غيط قصب .. يتلو كلام الله ، وأدعية مختلفة يحفظها ، فتمنع عنه الدبيب ، والحيوانات المفترسة .. حتى العفاريت لا تقدر عليه .. مرة طلع له عفريت في سكة مقطوعة ، تخاف الذئاب من المشي فيها ، عمل نفسه امرأة جميلة ، بيضاء ، شعرها الطويل محلول على كتفيها .. أخذت تنادي عليه باسمه ، لكن على من ؟ عرف أنها عفريت ، وانه لو اقترب منها ستأخذه في أحضانها ، ثم تقتله .. بدأ يقرا عليها القرآن ، صرخت تطلب منه الرحمة ، لم يسمع كلامها ، واستمر في القراءة حتى احترقت ، وصارت كوم رماد .
.. بعد صلاة العشاء نجتمع حوله ، نفترش الأرض الرطبة ، ونسمة صيفية باردة ، تهب من ناحية النهر ، تدغدغ أبداننا الساخنة .. القمر معلق فوقنا في السماء ، مدور ، شهي ، كالرغيف الخارج من الفرن ، يضيء الدنيا بنوره الهادئ .. نترجاه أن يحكي لنا .. يبتسم ويقول :
ـ حجاكم الله .
نرد عليه بصوت واحد ، متلهف :
ـ خيرا أن شاء الله .
يغرف لنا من ذاكرته ، بحكاياته العجيبة ، ننسى أنفسنا ، نحلق معه في عالم الحواديت المثير ، مع الديوك الذهبية التي تصيح كل فجر ، ثم تنزل في باطن الأرض ، والكنوز المدفونة ، المرصودة بطلاسم ، لا تفتح إلا لشخص معين .. أبو الحصين وحكاياته مع الذئاب . ..
ننتبه ـ بعد فترة ـ على صوته يقول :
ـ توتة .. توتة .. خلصت الحدوته .. قوموا ناموا ..
نحتج .. نمسك بجلبابه نمنعه من القيام ، نطالبه بالمزيد من الحكايات ، يرفض .. نحلفه بحبيبه النبي ، وبالكعبة الشريفة ، فيستجيب لإلحاحنا الصاخب ، يحكي لنا عن السياح الذين يأتون من آخر الدنيا ، ليتفرجوا على الآثار والتماثيل الضخمة .. نسأله :
ـ هل تعرف رطانتهم .
ـ طبعا ..
نطلب منه أن يكلمنا برطانتهم ، فيفعل ، تأخذنا الدهشة من الكلام الغريب ، بعد أن ينتهي ، نضحك بشدة ، فيضحك معنا ، ونتمنى في سرنا ، أن نتعلم كل شيء يعرفه .
... بعد كل هذه السنين ، وبعد أن صرنا آباء ، وملأ أبناؤنا الأرض غبارا وصياحا ، تهفوا أرواحنا إلى ذلك الزمن الجميل .. نتذكره .. نلم أولادنا حولنا ، نحكي لهم ما تبقى في ذاكرتنا الضعيفة من حكاياته ، وبداخل كل منا يعشش ما تمنيناه ذات يوم ، أن نكون مثله ، نلف البلاد على أقدامنا ، ونكلم السياح برطانتهم
الطاهر شرقاوي
اخترت لك ولإخواني الاعضاء هذه القصة القصيرة للكاتب الطاهر شرقاوي ان شاء الله تعجبكم
الغريب
يأتي فنطير من الفرح ..
يدخل يده في مخلته ، ويخرج لنا الحلوى ، يوزعها علينا .. ملبن وسمسمية ، وحلوى حمراء مسكرة ، على شكل أحصنة وعرائس .. نأخذ نصيبنا ونجرى لنكمل اللعب .
دائما يأتي قبل الغروب بوقت .. يغيب أياما وأسابيع ، وأحيانا يغيب شهورا ، ولكنه يأتي ..
ننظر إلى السكة القادمة إلى نجعنا ، فنرى زوالا آتيا من بعيد .. يمشي على مهل .. يتوكأ على عصا .. فتعرف انه هو .. يقترب منا بجلبابه المخطط ، وعمامته المتسخة ، المتكورة فوق رأسه ، يعلوه التراب من أثر السفر .. يحمل مخلته على كتفه ، يركنها في المندرة ، وينزل النهر ليغتسل .. يغطس .. يسبح قليلا .. ثم يخرج منتعشا ، يقطر الماء من رأسه الأشيب .
يلبس جلبابه الأبيض ، ويمسك في يده بمسبحته الطويلة ، ذات التسع والتسعين حبة ، يدورها بين أنامله ، يقعد على جذع نخلة ممدد على الأرض ، بجوار باب المندرة ، يتابع لعبنا وصياحنا في صمت ، وحينما يسمع آذان المغرب ، ينهض متجها ناحية الجامع ، وهو يقول : " المغرب غريب " .
يمكث عندنا أياما ، يبيت في المندرة ، وكل يوم يخرج بعد صلاة الصبح ، ويعود قبل المغرب .. يلف على العزب والبيوت القريبة .. يكوي رؤوس من يعانون الأوجاع ، يفصد أصداغ المرضى .. يكتب الاحجبة المثلثة ، المحفوظة في قماش أبيض ، لتقي من شر العين التي فلقت الحجر .. وتجلب الغائب ، وتهدي العاق ، وتدر اللبن في ضروع البهائم العجفاء .
نتبادل عنه حكايات غريبة ، سمعناها من أمهاتنا عند ثرثرتهن .. انه يمشي على قدميه عند سفره ، من نجع إلى آخر ، يطوف البلاد ، وفي كل مكان له معارف مثلنا تماما ، يبيت عندهم ، وحين يدركه الليل في الطريق ، ينام في أي مكان .. بيت مهجور .. كرم نخيل .. غيط قصب .. يتلو كلام الله ، وأدعية مختلفة يحفظها ، فتمنع عنه الدبيب ، والحيوانات المفترسة .. حتى العفاريت لا تقدر عليه .. مرة طلع له عفريت في سكة مقطوعة ، تخاف الذئاب من المشي فيها ، عمل نفسه امرأة جميلة ، بيضاء ، شعرها الطويل محلول على كتفيها .. أخذت تنادي عليه باسمه ، لكن على من ؟ عرف أنها عفريت ، وانه لو اقترب منها ستأخذه في أحضانها ، ثم تقتله .. بدأ يقرا عليها القرآن ، صرخت تطلب منه الرحمة ، لم يسمع كلامها ، واستمر في القراءة حتى احترقت ، وصارت كوم رماد .
.. بعد صلاة العشاء نجتمع حوله ، نفترش الأرض الرطبة ، ونسمة صيفية باردة ، تهب من ناحية النهر ، تدغدغ أبداننا الساخنة .. القمر معلق فوقنا في السماء ، مدور ، شهي ، كالرغيف الخارج من الفرن ، يضيء الدنيا بنوره الهادئ .. نترجاه أن يحكي لنا .. يبتسم ويقول :
ـ حجاكم الله .
نرد عليه بصوت واحد ، متلهف :
ـ خيرا أن شاء الله .
يغرف لنا من ذاكرته ، بحكاياته العجيبة ، ننسى أنفسنا ، نحلق معه في عالم الحواديت المثير ، مع الديوك الذهبية التي تصيح كل فجر ، ثم تنزل في باطن الأرض ، والكنوز المدفونة ، المرصودة بطلاسم ، لا تفتح إلا لشخص معين .. أبو الحصين وحكاياته مع الذئاب . ..
ننتبه ـ بعد فترة ـ على صوته يقول :
ـ توتة .. توتة .. خلصت الحدوته .. قوموا ناموا ..
نحتج .. نمسك بجلبابه نمنعه من القيام ، نطالبه بالمزيد من الحكايات ، يرفض .. نحلفه بحبيبه النبي ، وبالكعبة الشريفة ، فيستجيب لإلحاحنا الصاخب ، يحكي لنا عن السياح الذين يأتون من آخر الدنيا ، ليتفرجوا على الآثار والتماثيل الضخمة .. نسأله :
ـ هل تعرف رطانتهم .
ـ طبعا ..
نطلب منه أن يكلمنا برطانتهم ، فيفعل ، تأخذنا الدهشة من الكلام الغريب ، بعد أن ينتهي ، نضحك بشدة ، فيضحك معنا ، ونتمنى في سرنا ، أن نتعلم كل شيء يعرفه .
... بعد كل هذه السنين ، وبعد أن صرنا آباء ، وملأ أبناؤنا الأرض غبارا وصياحا ، تهفوا أرواحنا إلى ذلك الزمن الجميل .. نتذكره .. نلم أولادنا حولنا ، نحكي لهم ما تبقى في ذاكرتنا الضعيفة من حكاياته ، وبداخل كل منا يعشش ما تمنيناه ذات يوم ، أن نكون مثله ، نلف البلاد على أقدامنا ، ونكلم السياح برطانتهم
الطاهر شرقاوي



