faicel_2
03-28-2006, 10:18 PM
جهود آل البيت عليهم السلام في الدعوة إلى الله
الشيخ/ حسن الحسني
حال الأمة قبل الإسلام:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، اللهم لك الحمد، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار غضبك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، لا إله إلا أنت. اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
إخواني في الله: أي أمة كنا قبل الإسلام؟ وأي جيل كنا قبل الإيمان؟ وأي كيان نحن بغير القرآن؟! كنا قبل لا إله إلا الله أمة وثنية، أمة لا تعرف الله، أمة تسجد للحجر وتقدس الشجر، أمة تغدر، أمة يقتل بعضها بعضاً، أمة عاقة، أمة لا تعرف من المبادئ شيئاً، فلما أراد الله أن يرفع رأسها، وأن يعلي مجدها، وأن يخلد ذكرها أرسل إليها رسول الهدى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ))[الفتح:29].
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها
ولله در من قال:
وجملني بعافية وعفو فإن تمنن بعفوك لا أبالي
وصلى الله ما غنت بأيك على الأغصان من طلح وغال
على المعصوم أفضل كل خلق وأزكى الخلق مع صحب وآل
اللهم صل على نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الذي هديت به الإنسانية، وأنرت به أفكار البشرية، وزلزلت به كيان الوثنية، اللهم صل وسلم على صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والصراط الممدود.
دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى التوحيد:
أتى عليه الصلاة والسلام فصعد على جبل الصفا ونادى العشائر والبطون، ثم قال لهم: { قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا } فقامت دعوته على هذه الكلمة كما كانت دعوة الأنبياء من قبله (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ))[النحل:36].
جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأعلنها صريحةً أنه لا إله إلا الله، فاستجاب له من أراد الله رفع درجته، وصم عنها من أراد الله عذابه في الدنيا والآخرة، استجاب له أصحابه الأبرار وفي مقدمتهم آل بيته الأطهار.
حال الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عامة، وحال آل البيت على درجة الخصوص
وبعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ورث أتباعه تلك الدعوة فتابعوا المسيرة، وواصلوا الدعوة، فكانوا متبعين ولم يكونوا مبتدعين، وكان لآل البيت رضوان الله عليهم مناهجهم الفريدة وأساليبهم المتميزة في الدعوة إلى الله (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ))[الأحزاب:33]. ولعل من الأسباب التي حملتني على الحديث عن هذا الموضوع: كون منهج آل البيت القائم على التمسك بالسنن والاجتهاد في العبادة، والتقلل من الدنيا هو الاتجاه السليم والمشروع، ومعلوم أن صلاح آخر هذه الأمة لا يكون إلا بما صلُح به أولها.
مكانة أهل البيت عند أهل الإسلام:
ولا ننس مكانة آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند المسلمين كافة، فهم يحبونهم ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال يوم غدير خم: { أذكركم الله في أهل بيتي } وقد اتفق المسلمون على حب آل البيت لإيمانهم وتقواهم، ولقربهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويرون أن شرف النسب تابع لشرف الإيمان، ومن جمع الله له بينهما فقد جمع له بين الحسنيين.
أحب الرسول وآل الرسول محبة مستمسك بالهدى
لهم في فؤادي هوىً هوى أبيهم أليسوا بني أحمدا
وأرجو بحبي لهم زلفــةً إلى الله عند النشور غدا
ولا سيما من تباهت بهم ذرى المجد والفضل لن يجحدا
علي وفاطم والحسن ومن مثلهم في الورى سؤددا
هم القـوم مثل نجوم الدجا لمن تاه في مهمهات الردى
برئت إلى الله من كل من أساء لهم فافترى واعتدى
أساء الغلاة وضل الجفاة فكل عن الحق قد أبعدا
أصول الدعوة عند آل البيت:
قبل الحديث عن جهود آل البيت في الدعوة إلى الله كان لزاماً علينا أن نعرف ما هي الأصول التي انطلقت منها تلك الدعوة المباركة:
التمسك بالكتاب والسنة:
عن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: [[ من خالف كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد كفر]] [الكافي: الجزء الأول، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب]. فآل البيت وأتباعهم سلكوا المنهج العلمي في ضوء الكتاب والسنة، وابتعدوا عن الجمود والتعصب المذهبي الذي أبعد الناس عن صفاء الدين الإسلامي، وقد روي عن أئمة أهل البيت أنهم قالوا: [[ إذا جاءكم منا حديث؛ فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالفه فاطرحوه أو ردوه علينا]] [تهذيب الأحكام: الجزء السابع، باب من أحل الله نكاحهم من النساء].
وعن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: [[ كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف ]] [الكافي: الجزء الأول، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب].
العلم والبصيرة:
العلم أساس الدعوة ومادته، ولا يمكن أبداً لدعوة أن تقوم على الوجه المرضي عند الله إلا إذا كانت مبنيةً على العلم، فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: {{ أيها الناس! اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال}} [الكافي: الجزء الأول، باب فرض العلم].
ولذلك نجد أن أئمة آل البيت توجهوا إلى طلب العلم وتعليمه، أذكر بعضاً منهم:
-الإمام محمد الباقر:
الذي قال عنه الذهبي: شهر بـ(الباقر) من بقر العلم -أي: شقه-، فعرف أصله وخفيه، ولقد كان إماماً مجتهداً، تالياً لكتاب الله، كبير الشأن، لا نحابيه ولا نحيف عليه، نحبه في الله لما تجمع فيه من صفات الكمال.. انتهى كلامه.
وقال ابن كثير: أحد أعلام هذه الأمة علماً وعملاً وسيادةً وشرفاً.
-ومنهم الإمام جعفر الصادق، قال عنه الذهبي: الإمام الصادق، شيخ بني هاشم، أبو عبد الله القرشي الهاشمي العلوي النبوي المدني، أحد الأعلام. وقال أبو حاتم الرازي: لا يسأل عن مثله.
-ومنهم الإمام موسى الكاظم، قال عنه ابن تيمية: مشهور بالعبادة والنسك. وقال أبو حاتم الرازي: ثقة صدوق، إمام من أئمة المسلمين.
العمل بمقتضى العلم:
ليس العلم بكثرة التعلم، إنما هو نور يقع في قلب من يريد الله أن يهديه، فإذا أردت العلم فاطلب أولاً في نفسك حقيقة العبودية، واعلم أن العمل هو ثمرة العلم، وعلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر؛ لذلك شدد الله في الآخرة عقوبة العالم الذي لا يعمل بعلمه، قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: { يُلقى العالم في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا }[منية المريد].
الصبر والاحتساب:
قال تعالى: (( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ))[الأنعام:34] وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: {{ الصبر في الأمور بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد، وإذا فارق الصبر الأمور؛ فسدت الأمور }} [الكافي: الجزء الثاني، باب الصبر].
التخلق بالأخلاق الفاضلة:
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: { إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق }[مستدرك الوسائل: الجزء الحادي عشر، باب استحباب التخلق بمكارم الأخلاق] فعلى الداعية أن يتمسك بحسن الخلق بحيث يظهر عليه أثر العلم في معتقده وفي عبادته وفي هيئته، وفي جميع سلوكه؛ حتى يمثل دور الداعية إلى الله عز وجل، وتكون دعوته مقبولةً عند الناس. فعن أبي عبد الله جعفر بن محمد رضي الله عنه أنه قال: [[ إنا لنحب من شيعتنا من كان عاقلاً فهماً، فقيهاً حليماً، مدارياً صبوراً، صدوقاً وفياً ]]. ثم قال: [[ إن الله تعالى خص الأنبياء بمكارم الأخلاق، فمن كانت فيه فليحمد الله على ذلك، ومن لم يكن فيه؛ فليتضرع إلى الله وليسأله إياه ]] [المصدر السابق].
تصفية الدين مما علق به من الشرك والبدع والأفكار الدخيلة:
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: { اتبعوا ولا تبتدعوا، فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار }[مستدرك الوسائل: الجزء الثاني عشر، باب وجوب إظهار العلم عند البدع]. و عندما جاء رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يسأله عن السنة والبدعة؟ أجاب: {{ السنة ما سن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والبدعة ما أحدث من بعده }}[معاني الأخبار].
فهذا هو التعليم المبارك الذي سار عليه آل البيت في مدرستهم المباركة، وكانوا يعلمونه أتباعهم وأحبابهم ليكونوا جميعاً على نهج خير الخلق جميعاً محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
جهود آل البيت في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
فاطمة عليها السلام ودفاعها عن أبيها صلى الله عليه وآله وسلم:
نحن الآن في مكة المكرمة، الزمان: قبل الهجرة النبوية، المكان: الحرم المكي الشريف، وهناك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي عند الكعبة، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان -أي: يأتي بأحشاء الإبل- فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم وأكثرهم خبثاً وهو عقبة بن أبي معيط فجاء به، فنظر حتى سجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووضعه على ظهره بين كتفيه، فجعلوا يضحكون حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساجد لا يرفع رأسه.
حينها أقبلت جارية صغيرة تسعى، فطرحت عن ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الأذى، وأقبلت على المشركين صارخة .. صارخة في وجوههم تسبهم وتشتمهم؛ فلم يردوا عليها شيئاً، أتدرون من هذه؟ إنها فاطمة الزهراء.. هي زوج من؟! هي أم من؟! هي بنت من؟! هي سيدة نساء العالمين، أما زوجها فعلي بن أبي طالب، وأما أبناؤها فالحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأما أبوها فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم
علي وفاطم والحسن ومن مثلهم في الورى سؤددا
هم القوم مثل نجوم الدجا لمن تاه في مهمهات الردى
فلما قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاته رفع رأسه وقال: { اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش } فلما سمعوا صوته ذهب عنهم ذلك الضحك وخافوا دعوته، وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمى: { اللهم عليك بأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط } قال ابن مسعود: {{ فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب }} –قليب بدر- فيا له من موقف! ويا له من إقدام! سَلِمَ ذلك اللسان الذي دافع عن رسول الله، وشُلَّ ذلك اللسان الذي طعن في آل بيت رسول الله.
ولو كُنَّ النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب وما التذكير فخر للهلال
جهود علي رضي الله عنه أثناء الهجرة:
بعد هجرة الصحابة إلى المدينة أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ينتظر إذن الله بالهجرة، فأتاه جبريل عليه السلام، وأمره ألا يبيت في مكانه الذي يبيت فيه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وخلفه بمكة لقضاء الديون ورد الودائع التي كانت عنده، وأمره أن ينام على فراشه، وقد أحاط المشركون بالدار، فلبس ثوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم نام مكانه، وأخذ المشركون يرمون علياً بالحجارة -كما كان يرمى نبي الله- وهو يتضور ويتألم، قد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه، فلما رأى المشركون علياً رضي الله عنه رد الله مكرهم، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً أن يلحقه بالمدينة، فخرج علي رضي الله عنه في طلبه يمشي الليل ويكمن النهار حتى قدم المدينة، فأقبل الصحابة رضي الله عنهم على رسول الله يخبرونه بقدوم علي رضي الله عنه، فبرقت أسارير وجهه، ذلك الوجه الأنور والجبين الأزهر-بأبي هو وأمي- وقال: ادعوا لي علياً. قال الصحابة: يا رسول الله، لا يقدر أن يمشي. فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رآه اعتنقه وبكى، بكى رحمةً لما بقدميه من الورم، وكانت تتقطران دماً، خرست الألسنة، نطقت الدموع
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى
فتفل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يديه ومسح بهما رجليه، ودعا له بالعافية، فلم يشتكِ بعد يومئذ حتى استشهد رضي الله عنه.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن دور الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان من أخطر أدوار الهجرة، فكان أول فداء في الإسلام، ومن ثم فلابد أن يكون هذا الفدائي من طراز فريد، وهو يعلم أن السيوف المسلولة تنتظره في الصباح، وسيظل المسلمون إلى يوم الدين عندما يذكرون حادثة الهجرة يذكرون هذا الفداء وتلك البطولة التي فاقت كل بطولة، جاد بحياته لماذا؟ لتنتشر دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وليتألق الإسلام في آفاق الدنيا.
دعوة آل البيت إلى تقرير التوحيد:
خلق الله العالم من الإنس والجن لعبادته وأوجبها عليهم، وهذه الغاية بينها الله سبحانه في كتابه حيث قال: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ))[الذاريات:56] وأرسل الله إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه ليرشدوا العباد إلى توحيده تبارك وتعالى (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ))[النحل:36] فكل الرسل بدءوا دعوتهم بتوحيد الله تبارك وتعالى، ابتداءً من نوح عليه السلام وانتهاءً بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى هذا سار أئمة آل البيت رضوان الله عليهم معظمين لله تبارك وتعالى حق تعظيمه، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يربي أصحابه في كل مكان وفي كل وقت على التوحيد، ويجعل محبة الله تبارك وتعالى والخوف منه في قلوبهم (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ))[الجمعة:2].
إن إيمان المسلم بوحدانية الله عز وجل واعتقاده بأنه لا خالق ولا رازق ولا مالك ولا متصرف في خلقه وملكه إلا الله لا شريك له ولا ند له؛ هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها: (( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ))[يونس:31].
لكن يؤسفنا كثيراً.. يؤسفنا حقاً أن نرى في عصرنا الحاضر من الناس من يخالف تلك الفطرة؛ معتقداً بأن للأولياء والصالحين حق التصرف والتدبير في خلق الله وملكه وخاصة آل البيت عليهم السلام، سالكين مخرجاً لهذا المعتقد على أن هذه الأعمال كلها بإذن الله تعالى.. و هذا والله أمر عجيب! لأنه مناف لدين الله عز وجل في ربوبيته (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ))[فاطر:3] وقال تعالى: (( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ))[النمل:62] .
وقد ذكر الكشي في رجاله بأن أقواماً من الناس يحدثون الناس بأحاديث منكرة ومكذوبة على جعفر بن محمد وعلى آله الطاهرين عليهم السلام، يستأكلون بها الناس، ويأخذون منهم الدراهم، ويزعمون بأن علياً عليه السلام في السحاب يطير مع الريح، وأنه كان يتكلم بعد الموت، وأنه كان يتحرك على المغتسل، وأن إله السماء وإله الأرض الإمام، فجعلوا لله شريكاً جهلاً وضلالاً..!
ثم قال: والله ما قال جعفر شيئاً من هذا قط، وكان جعفر أتقى لله وأورع من ذلك، فسمع الناس ذلك فضعفوه، ولو رأيت جعفر لعلمت أنه واحد من الناس (( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ))[الإسراء:23] فمن عبد الله وحده؛ أنجاه وأدخله جنته تكريماً له لما فعل، ومن عبد غير الله أو جعل له نداً أو مساوياً له عاقبه الله بنار جهنم خالداً فيها (( وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ))[المائدة:72].
اعلم -رحمك الله- أن العبادة لها أنواع كثيرة يجب صرفها جميعاً لله وحده لا شريك له، ومنها الدعاء بأنواعه من استغاثة واستعانة واستعاذة والذبح والنذر والطواف، والصلاة والزكاة والصيام، فمن صرف منها شيئاً لغير الله؛ فقد أشرك بالله عز وجل
فإن رمت النجاة غداً وترجو نعيماً لا يصير إلى زوال
فلا تشرك بربك قط شيئاً فإن الله جل عن المثال
إله واحد أحد عظيم عليم عادل حَكِمَ الفعال
رحيم بالعباد إذا أنابوا وتابوا من متابعة الضلال
شديد الانتقام ممن عصاه ويصليه الجحيم ولا يبالي
فبادر بالذي يرضى لتحظى بخير في الحياة وفي المآل
وأحبب في الإله وعَادِ فيه وأبغض جاهداً فيه ووالِ
وأهل الشرك باينهم وفارق ولا تركن إلى أهل الضلال
وتشهد قاطعاً من غير شك بأن الله جل عن المثال
بهذا جاءنا في كل نص عن المعصوم من صحب وآل
فيا فرداً بلا ثان أجرني وثبتني بعزك ذا الجلال
وعاملني بعفوك واهدِ قلبي بفضلك عن حرامك بالحلال
صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل نشر التوحيد وحال بعض الناس بعده:
واستمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الدعوة المباركة حتى دخل كثير من الناس في دين الإسلام، دين التوحيد، متحملاً مع أصحابه أذى قريش وجبروتهم وطغيانهم حتى ظهرت دعوته ولله الحمد والمنة.
ومما يؤسف حقاً أن البعض يقول: لا إله إلا الله؛ ومع ذلك فهو يجعل الأولياء والصالحين شفعاء ووسطاء بينه وبين الله في جميع أنواع العبادات من الدعاء والخوف والنذر والتبرك، فلم يخلص العبادة لله وحده..! (( أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ))[النمل:60].
إخواني في الله: إن أملي ورجائي من كل علماء ودعاة الأمة ألا يوجهوا الناس إلى التعلق بالناس، بل يوجهوهم إلى التعلق برب الناس، ويربوهم على اللجوء والتضرع إلى الله وحده في الرخاء والشدة، في المصيبة والكربة، في المرض والصحة (( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ))[الشعراء: 78-81].
التحذير من الوقوع في الشرك:
عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: { الموجبتان: من مات يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً يدخل النار }[بحار الأنوار: الجزء الثالث، باب ثواب الموحدين].
من مظاهر الشرك التي يحذر منها أهل البيت:
لخطورة أمر الشرك سنذكر بعض الأمور التي حذر منها أئمة آل البيت رضوان الله عليهم، باعتبارها وسيلة تؤدي إلى الشرك بالله تعالى، ومن أهم هذه الوسائل وأخطرها:
الصور والتماثيل:
من المداخل الخطيرة لباب الشرك، والتي تعد من الأمور العظيمة التي نهى عنها الله عز وجل: الصور؛ وذلك لما يفعله ذلك المصور من تصاوير يضاهي بها خلق الله عز وجل، والمقصود من التصاوير التي حذر منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي: تصوير ذوات الأرواح، ولا سيما تصوير المعظمين من البشر كالأنبياء والأولياء والعلماء وغيرهم، وليعلم المسلمون بأن أول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير ونصب الصور.
جاء في الخبر عن أبي جعفر رضي الله عنه: [[ أن إبليس هو أول من صور صورةً على مثال آدم عليه السلام ليفتن بها الناس، ويضلهم عن عبادة الله، ثم صور صورة ود، وهكذا بعده سواع فيغوث ثم يعوق، حتى بعث الله إدريس عليه السلام فحذرهم من عبادة الأصنام ونهاهم عنها ]] [كتاب قصص الأنبياء].
ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المصورين، وأخبر أنهم أشد الناس عذاباً يوم القيامة، فهل يعقل بعد هذا تعليق صور الأنبياء والأولياء والعلماء وغيرهم في البيوت والمساجد ومجالس الذكر؟ بل تجرأ البعض إلى تعليق صور النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته الطاهرين! (زعموا!! عليهم من الله ما يستحقون).
عن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: [[ ثلاثة يعذبون يوم القيامة، وذكر منهم: من صور صورةً من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها وليس بنافخ]] [كتاب ثواب الأعمال].
وقد وصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بمحو تلك الصور، وخص علياً رضي الله عنه بذلك، قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: { بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة فقال: لا تدع صورةً إلا محوتها ولا قبراً إلا سويته } [كتاب الوسائل: الجزء الثالث، باب تزويق البيوت] وضرر هذا الأمر يتعدى إلى نزع البركة وذهاب الخير من البيوت، وذلك بنفور الملائكة من التصاوير، فعن أبي جعفر رضي الله عنه قال: { قال جبريل عليه السلام: يا رسول الله! إنا لا ندخل بيتاً فيه صورة إنسان } [كتاب الكافي: الجزء الثالث، باب الصلاة في الكعبة وفوقها].
تحذيرهم من الغلو في الصالحين:
إن من الوسائل المؤدية إلى الشرك بالله تعالى الغلو في الصالحين:
الإفراط والغلو في الصالحين من أشنع وأخطر ما يهدم جناب التوحيد، والغلو: هو مجاوزة الحد. قال الإمام الصادق رضي الله عنه: [[ والله: إن الغلاة لشر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا ]] [بحار الأنوار: الجزء الخامس والعشرون، باب نفي الغلو في النبي والأئمة].
برئت إلى الله من كل من أساء لهم فافترى واعتدى
أساء الغلاة وضل الجفاة فكل عن الحق قد أبعدا
حب أهل البيت؛ وجوب .. وضوابط:
اعلم -رحمك الله- أن حب آل البيت واجب، ولا يبغضهم إلا ناصبي منافق. لكن ثمة أمر مهم يجب اعتباره: وهو أن هذه المحبة يجب ضبطها بضوابط شرعية؛ حتى لا يقع المسلم في الغلو والإطراء، فيرفع أحداً من الناس فوق منزلته التي أنزله الله بها، كأن يجعل للصالحين والأئمة حقاً من حقوق الله الخاصة به، فيعتقد بأنهم يخلقون ويرزقون، ويحيون ويميتون، ولهم التصرف في هذا الكون... وغير ذلك؛ وبسبب هذا الاعتقاد استغاث بهم البعض، ودعوهم من دون الله عند الشدائد، وهذا لا شك بأنه شرك بالله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: { لا ترفعوني فوق حقي، فإن الله تبارك وتعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً }[المصدر السابق].
والصالحون أنفسهم يتبرءون من أن يدعوا لأنفسهم حقاً من حقوق ربهم الخاصة (( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ))[المائدة: 116- 117] وهذا ما سار عليه الآل الكرام رضوان الله عليهم، وقد حذر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من خطورة الغلو خاصة فيه، فقال: {{ يهلك فيَّ اثنان: محب غال، ومبغض قالٍ }} [المصدر السابق].
والغريب أنه وجد في الأمة من نسب إلى أئمة آل البيت بعض خصائص الرب جل وعلا! لكن آل البيت تصدوا لهذا الفكر ولم يرضوا به، فعن صالح بن سهل قال: كنت أقول في أبي عبد الله رضي الله عنه بالربوبية، فدخلت فلما نظر إلي قال: [[ يا صالح! إنا والله عبيد مخلوقون لنا رب نعبده، وإن لم نعبده عذبنا ]][المصدر السابق].
وقال الصادق رضي الله عنه: [[ لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا، وبيده نواصينا ]][المصدر السابق].
فقد فطن الأئمة عليهم السلام إلى حال بعض محبيهم، وما سيؤدي إليه فرط حبهم؛ لذا قال الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه: [[ فوالله! ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع، إن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله! ما لنا على الله من حجة، ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون ومقبورون، ومنشرون ومبعوثون، وموقوفون ومسئولون -إلى أن قال-: أشهدكم أني امرؤ ولدني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني، وإن عصيته عذبني عذاباً شديداً ]] [كتاب رجال الكشي].
الحلف بغير الله:
الحلف واليمين من الأقوال العظيمة والدالة على إيمان العبد وتعلقه بالله، ذلك أن الحلف هو: تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة، وقد كثر بين الناس اليوم الحلف بالله كذباً أو بغير الله شركاً كمن يحلف بالأمانة أو بالشرف أو بالوالدين أو بالأولاد أو برأس النبي وآل بيته الأطهار، ومنهم من يحلف بالأحياء والموتى من الأولياء والصالحين تعظيماً لهم وخوفاً من عقابهم.
فإذا استحلف ذلك الشخص بالله عز وجل حلف بالله دون تردد ولو كان كاذباً، وإن استحلف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بآل بيته أو بالولي الفلاني يتكعكع ويتلعثم، ولا يحلف به إلا صادقاً، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: { من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك }[مستدرك الوسائل: الجزء السادس عشر، باب أنه لا يجوز الحلف ولا ينعقد إلا بالله].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: { لا تحلفوا بآبائكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون }[عوال اللآلي: الجزء الثالث، باب الأيمان].
لذا فالواجب على كل مسلم حفظ يمينه وكلامه وتعظيمه لله، وإن استلزم أن يقسم فليُقسم بالله تعالى وحده ولا شيء غيره.
بحمد الله نبدأ بالمقال وذكر الله في كل الفعال
فذكر الله يجلو كل هم عن القلب السليم على التوالي
فإن رمت النجاة غداً وترجو نعيماً لا يصير إلى زوال
فلا تشرك بربك قط شيئاً فإن الله جل عن المثال
إله واحد أحد عظيم عليم عادل حكم الفعال
رحيم بالعباد إذا أنابوا وتابوا من متابعة الضلال
شديد الانتقام بمن عصاه ويصليه الجحيم ولا يبالي
فبادر بالذي يرضى لتحضى بخير في الحياة وفي المآل
وأحبب في الإله وعادِ فيه وأبغض جاهداً فيه ووالي
وأهل الشرك باينهم وفارق ولا تركن إلى أهل الضلال
وتشهد قاطعاً من غير شك بأن الله جل عن المثال
بهذا جاءنا في كل نص عن المعصوم من صحب وآل
فيا فرداً بلا ثان أجرني وثبتني بعزك ذا الجلال
وعاملني بعفوك واهد قلبي بفضلك عن حرامك بالحلال
وجملني بعافية وعفو فإن تمنن بعفوك لا أبالي
وصلى الله ما غنت بأيك على الأغصان من طلح وغال
على المعصوم أفضل كل خلق وأزكى الخلق مع صحب وآل
الشيخ/ حسن الحسني
حال الأمة قبل الإسلام:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، اللهم لك الحمد، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار غضبك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، لا إله إلا أنت. اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
إخواني في الله: أي أمة كنا قبل الإسلام؟ وأي جيل كنا قبل الإيمان؟ وأي كيان نحن بغير القرآن؟! كنا قبل لا إله إلا الله أمة وثنية، أمة لا تعرف الله، أمة تسجد للحجر وتقدس الشجر، أمة تغدر، أمة يقتل بعضها بعضاً، أمة عاقة، أمة لا تعرف من المبادئ شيئاً، فلما أراد الله أن يرفع رأسها، وأن يعلي مجدها، وأن يخلد ذكرها أرسل إليها رسول الهدى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ))[الفتح:29].
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها
ولله در من قال:
وجملني بعافية وعفو فإن تمنن بعفوك لا أبالي
وصلى الله ما غنت بأيك على الأغصان من طلح وغال
على المعصوم أفضل كل خلق وأزكى الخلق مع صحب وآل
اللهم صل على نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الذي هديت به الإنسانية، وأنرت به أفكار البشرية، وزلزلت به كيان الوثنية، اللهم صل وسلم على صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والصراط الممدود.
دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى التوحيد:
أتى عليه الصلاة والسلام فصعد على جبل الصفا ونادى العشائر والبطون، ثم قال لهم: { قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا } فقامت دعوته على هذه الكلمة كما كانت دعوة الأنبياء من قبله (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ))[النحل:36].
جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأعلنها صريحةً أنه لا إله إلا الله، فاستجاب له من أراد الله رفع درجته، وصم عنها من أراد الله عذابه في الدنيا والآخرة، استجاب له أصحابه الأبرار وفي مقدمتهم آل بيته الأطهار.
حال الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عامة، وحال آل البيت على درجة الخصوص
وبعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ورث أتباعه تلك الدعوة فتابعوا المسيرة، وواصلوا الدعوة، فكانوا متبعين ولم يكونوا مبتدعين، وكان لآل البيت رضوان الله عليهم مناهجهم الفريدة وأساليبهم المتميزة في الدعوة إلى الله (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ))[الأحزاب:33]. ولعل من الأسباب التي حملتني على الحديث عن هذا الموضوع: كون منهج آل البيت القائم على التمسك بالسنن والاجتهاد في العبادة، والتقلل من الدنيا هو الاتجاه السليم والمشروع، ومعلوم أن صلاح آخر هذه الأمة لا يكون إلا بما صلُح به أولها.
مكانة أهل البيت عند أهل الإسلام:
ولا ننس مكانة آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند المسلمين كافة، فهم يحبونهم ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال يوم غدير خم: { أذكركم الله في أهل بيتي } وقد اتفق المسلمون على حب آل البيت لإيمانهم وتقواهم، ولقربهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويرون أن شرف النسب تابع لشرف الإيمان، ومن جمع الله له بينهما فقد جمع له بين الحسنيين.
أحب الرسول وآل الرسول محبة مستمسك بالهدى
لهم في فؤادي هوىً هوى أبيهم أليسوا بني أحمدا
وأرجو بحبي لهم زلفــةً إلى الله عند النشور غدا
ولا سيما من تباهت بهم ذرى المجد والفضل لن يجحدا
علي وفاطم والحسن ومن مثلهم في الورى سؤددا
هم القـوم مثل نجوم الدجا لمن تاه في مهمهات الردى
برئت إلى الله من كل من أساء لهم فافترى واعتدى
أساء الغلاة وضل الجفاة فكل عن الحق قد أبعدا
أصول الدعوة عند آل البيت:
قبل الحديث عن جهود آل البيت في الدعوة إلى الله كان لزاماً علينا أن نعرف ما هي الأصول التي انطلقت منها تلك الدعوة المباركة:
التمسك بالكتاب والسنة:
عن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: [[ من خالف كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد كفر]] [الكافي: الجزء الأول، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب]. فآل البيت وأتباعهم سلكوا المنهج العلمي في ضوء الكتاب والسنة، وابتعدوا عن الجمود والتعصب المذهبي الذي أبعد الناس عن صفاء الدين الإسلامي، وقد روي عن أئمة أهل البيت أنهم قالوا: [[ إذا جاءكم منا حديث؛ فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالفه فاطرحوه أو ردوه علينا]] [تهذيب الأحكام: الجزء السابع، باب من أحل الله نكاحهم من النساء].
وعن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: [[ كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف ]] [الكافي: الجزء الأول، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب].
العلم والبصيرة:
العلم أساس الدعوة ومادته، ولا يمكن أبداً لدعوة أن تقوم على الوجه المرضي عند الله إلا إذا كانت مبنيةً على العلم، فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: {{ أيها الناس! اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال}} [الكافي: الجزء الأول، باب فرض العلم].
ولذلك نجد أن أئمة آل البيت توجهوا إلى طلب العلم وتعليمه، أذكر بعضاً منهم:
-الإمام محمد الباقر:
الذي قال عنه الذهبي: شهر بـ(الباقر) من بقر العلم -أي: شقه-، فعرف أصله وخفيه، ولقد كان إماماً مجتهداً، تالياً لكتاب الله، كبير الشأن، لا نحابيه ولا نحيف عليه، نحبه في الله لما تجمع فيه من صفات الكمال.. انتهى كلامه.
وقال ابن كثير: أحد أعلام هذه الأمة علماً وعملاً وسيادةً وشرفاً.
-ومنهم الإمام جعفر الصادق، قال عنه الذهبي: الإمام الصادق، شيخ بني هاشم، أبو عبد الله القرشي الهاشمي العلوي النبوي المدني، أحد الأعلام. وقال أبو حاتم الرازي: لا يسأل عن مثله.
-ومنهم الإمام موسى الكاظم، قال عنه ابن تيمية: مشهور بالعبادة والنسك. وقال أبو حاتم الرازي: ثقة صدوق، إمام من أئمة المسلمين.
العمل بمقتضى العلم:
ليس العلم بكثرة التعلم، إنما هو نور يقع في قلب من يريد الله أن يهديه، فإذا أردت العلم فاطلب أولاً في نفسك حقيقة العبودية، واعلم أن العمل هو ثمرة العلم، وعلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر؛ لذلك شدد الله في الآخرة عقوبة العالم الذي لا يعمل بعلمه، قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: { يُلقى العالم في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا }[منية المريد].
الصبر والاحتساب:
قال تعالى: (( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ))[الأنعام:34] وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: {{ الصبر في الأمور بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد، وإذا فارق الصبر الأمور؛ فسدت الأمور }} [الكافي: الجزء الثاني، باب الصبر].
التخلق بالأخلاق الفاضلة:
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: { إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق }[مستدرك الوسائل: الجزء الحادي عشر، باب استحباب التخلق بمكارم الأخلاق] فعلى الداعية أن يتمسك بحسن الخلق بحيث يظهر عليه أثر العلم في معتقده وفي عبادته وفي هيئته، وفي جميع سلوكه؛ حتى يمثل دور الداعية إلى الله عز وجل، وتكون دعوته مقبولةً عند الناس. فعن أبي عبد الله جعفر بن محمد رضي الله عنه أنه قال: [[ إنا لنحب من شيعتنا من كان عاقلاً فهماً، فقيهاً حليماً، مدارياً صبوراً، صدوقاً وفياً ]]. ثم قال: [[ إن الله تعالى خص الأنبياء بمكارم الأخلاق، فمن كانت فيه فليحمد الله على ذلك، ومن لم يكن فيه؛ فليتضرع إلى الله وليسأله إياه ]] [المصدر السابق].
تصفية الدين مما علق به من الشرك والبدع والأفكار الدخيلة:
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: { اتبعوا ولا تبتدعوا، فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار }[مستدرك الوسائل: الجزء الثاني عشر، باب وجوب إظهار العلم عند البدع]. و عندما جاء رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يسأله عن السنة والبدعة؟ أجاب: {{ السنة ما سن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والبدعة ما أحدث من بعده }}[معاني الأخبار].
فهذا هو التعليم المبارك الذي سار عليه آل البيت في مدرستهم المباركة، وكانوا يعلمونه أتباعهم وأحبابهم ليكونوا جميعاً على نهج خير الخلق جميعاً محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
جهود آل البيت في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
فاطمة عليها السلام ودفاعها عن أبيها صلى الله عليه وآله وسلم:
نحن الآن في مكة المكرمة، الزمان: قبل الهجرة النبوية، المكان: الحرم المكي الشريف، وهناك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي عند الكعبة، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان -أي: يأتي بأحشاء الإبل- فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم وأكثرهم خبثاً وهو عقبة بن أبي معيط فجاء به، فنظر حتى سجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووضعه على ظهره بين كتفيه، فجعلوا يضحكون حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساجد لا يرفع رأسه.
حينها أقبلت جارية صغيرة تسعى، فطرحت عن ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الأذى، وأقبلت على المشركين صارخة .. صارخة في وجوههم تسبهم وتشتمهم؛ فلم يردوا عليها شيئاً، أتدرون من هذه؟ إنها فاطمة الزهراء.. هي زوج من؟! هي أم من؟! هي بنت من؟! هي سيدة نساء العالمين، أما زوجها فعلي بن أبي طالب، وأما أبناؤها فالحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأما أبوها فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم
علي وفاطم والحسن ومن مثلهم في الورى سؤددا
هم القوم مثل نجوم الدجا لمن تاه في مهمهات الردى
فلما قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاته رفع رأسه وقال: { اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش } فلما سمعوا صوته ذهب عنهم ذلك الضحك وخافوا دعوته، وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمى: { اللهم عليك بأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط } قال ابن مسعود: {{ فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب }} –قليب بدر- فيا له من موقف! ويا له من إقدام! سَلِمَ ذلك اللسان الذي دافع عن رسول الله، وشُلَّ ذلك اللسان الذي طعن في آل بيت رسول الله.
ولو كُنَّ النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب وما التذكير فخر للهلال
جهود علي رضي الله عنه أثناء الهجرة:
بعد هجرة الصحابة إلى المدينة أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ينتظر إذن الله بالهجرة، فأتاه جبريل عليه السلام، وأمره ألا يبيت في مكانه الذي يبيت فيه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وخلفه بمكة لقضاء الديون ورد الودائع التي كانت عنده، وأمره أن ينام على فراشه، وقد أحاط المشركون بالدار، فلبس ثوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم نام مكانه، وأخذ المشركون يرمون علياً بالحجارة -كما كان يرمى نبي الله- وهو يتضور ويتألم، قد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه، فلما رأى المشركون علياً رضي الله عنه رد الله مكرهم، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً أن يلحقه بالمدينة، فخرج علي رضي الله عنه في طلبه يمشي الليل ويكمن النهار حتى قدم المدينة، فأقبل الصحابة رضي الله عنهم على رسول الله يخبرونه بقدوم علي رضي الله عنه، فبرقت أسارير وجهه، ذلك الوجه الأنور والجبين الأزهر-بأبي هو وأمي- وقال: ادعوا لي علياً. قال الصحابة: يا رسول الله، لا يقدر أن يمشي. فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رآه اعتنقه وبكى، بكى رحمةً لما بقدميه من الورم، وكانت تتقطران دماً، خرست الألسنة، نطقت الدموع
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى
فتفل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يديه ومسح بهما رجليه، ودعا له بالعافية، فلم يشتكِ بعد يومئذ حتى استشهد رضي الله عنه.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن دور الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان من أخطر أدوار الهجرة، فكان أول فداء في الإسلام، ومن ثم فلابد أن يكون هذا الفدائي من طراز فريد، وهو يعلم أن السيوف المسلولة تنتظره في الصباح، وسيظل المسلمون إلى يوم الدين عندما يذكرون حادثة الهجرة يذكرون هذا الفداء وتلك البطولة التي فاقت كل بطولة، جاد بحياته لماذا؟ لتنتشر دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وليتألق الإسلام في آفاق الدنيا.
دعوة آل البيت إلى تقرير التوحيد:
خلق الله العالم من الإنس والجن لعبادته وأوجبها عليهم، وهذه الغاية بينها الله سبحانه في كتابه حيث قال: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ))[الذاريات:56] وأرسل الله إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه ليرشدوا العباد إلى توحيده تبارك وتعالى (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ))[النحل:36] فكل الرسل بدءوا دعوتهم بتوحيد الله تبارك وتعالى، ابتداءً من نوح عليه السلام وانتهاءً بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى هذا سار أئمة آل البيت رضوان الله عليهم معظمين لله تبارك وتعالى حق تعظيمه، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يربي أصحابه في كل مكان وفي كل وقت على التوحيد، ويجعل محبة الله تبارك وتعالى والخوف منه في قلوبهم (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ))[الجمعة:2].
إن إيمان المسلم بوحدانية الله عز وجل واعتقاده بأنه لا خالق ولا رازق ولا مالك ولا متصرف في خلقه وملكه إلا الله لا شريك له ولا ند له؛ هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها: (( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ))[يونس:31].
لكن يؤسفنا كثيراً.. يؤسفنا حقاً أن نرى في عصرنا الحاضر من الناس من يخالف تلك الفطرة؛ معتقداً بأن للأولياء والصالحين حق التصرف والتدبير في خلق الله وملكه وخاصة آل البيت عليهم السلام، سالكين مخرجاً لهذا المعتقد على أن هذه الأعمال كلها بإذن الله تعالى.. و هذا والله أمر عجيب! لأنه مناف لدين الله عز وجل في ربوبيته (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ))[فاطر:3] وقال تعالى: (( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ))[النمل:62] .
وقد ذكر الكشي في رجاله بأن أقواماً من الناس يحدثون الناس بأحاديث منكرة ومكذوبة على جعفر بن محمد وعلى آله الطاهرين عليهم السلام، يستأكلون بها الناس، ويأخذون منهم الدراهم، ويزعمون بأن علياً عليه السلام في السحاب يطير مع الريح، وأنه كان يتكلم بعد الموت، وأنه كان يتحرك على المغتسل، وأن إله السماء وإله الأرض الإمام، فجعلوا لله شريكاً جهلاً وضلالاً..!
ثم قال: والله ما قال جعفر شيئاً من هذا قط، وكان جعفر أتقى لله وأورع من ذلك، فسمع الناس ذلك فضعفوه، ولو رأيت جعفر لعلمت أنه واحد من الناس (( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ))[الإسراء:23] فمن عبد الله وحده؛ أنجاه وأدخله جنته تكريماً له لما فعل، ومن عبد غير الله أو جعل له نداً أو مساوياً له عاقبه الله بنار جهنم خالداً فيها (( وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ))[المائدة:72].
اعلم -رحمك الله- أن العبادة لها أنواع كثيرة يجب صرفها جميعاً لله وحده لا شريك له، ومنها الدعاء بأنواعه من استغاثة واستعانة واستعاذة والذبح والنذر والطواف، والصلاة والزكاة والصيام، فمن صرف منها شيئاً لغير الله؛ فقد أشرك بالله عز وجل
فإن رمت النجاة غداً وترجو نعيماً لا يصير إلى زوال
فلا تشرك بربك قط شيئاً فإن الله جل عن المثال
إله واحد أحد عظيم عليم عادل حَكِمَ الفعال
رحيم بالعباد إذا أنابوا وتابوا من متابعة الضلال
شديد الانتقام ممن عصاه ويصليه الجحيم ولا يبالي
فبادر بالذي يرضى لتحظى بخير في الحياة وفي المآل
وأحبب في الإله وعَادِ فيه وأبغض جاهداً فيه ووالِ
وأهل الشرك باينهم وفارق ولا تركن إلى أهل الضلال
وتشهد قاطعاً من غير شك بأن الله جل عن المثال
بهذا جاءنا في كل نص عن المعصوم من صحب وآل
فيا فرداً بلا ثان أجرني وثبتني بعزك ذا الجلال
وعاملني بعفوك واهدِ قلبي بفضلك عن حرامك بالحلال
صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل نشر التوحيد وحال بعض الناس بعده:
واستمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الدعوة المباركة حتى دخل كثير من الناس في دين الإسلام، دين التوحيد، متحملاً مع أصحابه أذى قريش وجبروتهم وطغيانهم حتى ظهرت دعوته ولله الحمد والمنة.
ومما يؤسف حقاً أن البعض يقول: لا إله إلا الله؛ ومع ذلك فهو يجعل الأولياء والصالحين شفعاء ووسطاء بينه وبين الله في جميع أنواع العبادات من الدعاء والخوف والنذر والتبرك، فلم يخلص العبادة لله وحده..! (( أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ))[النمل:60].
إخواني في الله: إن أملي ورجائي من كل علماء ودعاة الأمة ألا يوجهوا الناس إلى التعلق بالناس، بل يوجهوهم إلى التعلق برب الناس، ويربوهم على اللجوء والتضرع إلى الله وحده في الرخاء والشدة، في المصيبة والكربة، في المرض والصحة (( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ))[الشعراء: 78-81].
التحذير من الوقوع في الشرك:
عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: { الموجبتان: من مات يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً يدخل النار }[بحار الأنوار: الجزء الثالث، باب ثواب الموحدين].
من مظاهر الشرك التي يحذر منها أهل البيت:
لخطورة أمر الشرك سنذكر بعض الأمور التي حذر منها أئمة آل البيت رضوان الله عليهم، باعتبارها وسيلة تؤدي إلى الشرك بالله تعالى، ومن أهم هذه الوسائل وأخطرها:
الصور والتماثيل:
من المداخل الخطيرة لباب الشرك، والتي تعد من الأمور العظيمة التي نهى عنها الله عز وجل: الصور؛ وذلك لما يفعله ذلك المصور من تصاوير يضاهي بها خلق الله عز وجل، والمقصود من التصاوير التي حذر منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي: تصوير ذوات الأرواح، ولا سيما تصوير المعظمين من البشر كالأنبياء والأولياء والعلماء وغيرهم، وليعلم المسلمون بأن أول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير ونصب الصور.
جاء في الخبر عن أبي جعفر رضي الله عنه: [[ أن إبليس هو أول من صور صورةً على مثال آدم عليه السلام ليفتن بها الناس، ويضلهم عن عبادة الله، ثم صور صورة ود، وهكذا بعده سواع فيغوث ثم يعوق، حتى بعث الله إدريس عليه السلام فحذرهم من عبادة الأصنام ونهاهم عنها ]] [كتاب قصص الأنبياء].
ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المصورين، وأخبر أنهم أشد الناس عذاباً يوم القيامة، فهل يعقل بعد هذا تعليق صور الأنبياء والأولياء والعلماء وغيرهم في البيوت والمساجد ومجالس الذكر؟ بل تجرأ البعض إلى تعليق صور النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته الطاهرين! (زعموا!! عليهم من الله ما يستحقون).
عن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: [[ ثلاثة يعذبون يوم القيامة، وذكر منهم: من صور صورةً من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها وليس بنافخ]] [كتاب ثواب الأعمال].
وقد وصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بمحو تلك الصور، وخص علياً رضي الله عنه بذلك، قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: { بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة فقال: لا تدع صورةً إلا محوتها ولا قبراً إلا سويته } [كتاب الوسائل: الجزء الثالث، باب تزويق البيوت] وضرر هذا الأمر يتعدى إلى نزع البركة وذهاب الخير من البيوت، وذلك بنفور الملائكة من التصاوير، فعن أبي جعفر رضي الله عنه قال: { قال جبريل عليه السلام: يا رسول الله! إنا لا ندخل بيتاً فيه صورة إنسان } [كتاب الكافي: الجزء الثالث، باب الصلاة في الكعبة وفوقها].
تحذيرهم من الغلو في الصالحين:
إن من الوسائل المؤدية إلى الشرك بالله تعالى الغلو في الصالحين:
الإفراط والغلو في الصالحين من أشنع وأخطر ما يهدم جناب التوحيد، والغلو: هو مجاوزة الحد. قال الإمام الصادق رضي الله عنه: [[ والله: إن الغلاة لشر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا ]] [بحار الأنوار: الجزء الخامس والعشرون، باب نفي الغلو في النبي والأئمة].
برئت إلى الله من كل من أساء لهم فافترى واعتدى
أساء الغلاة وضل الجفاة فكل عن الحق قد أبعدا
حب أهل البيت؛ وجوب .. وضوابط:
اعلم -رحمك الله- أن حب آل البيت واجب، ولا يبغضهم إلا ناصبي منافق. لكن ثمة أمر مهم يجب اعتباره: وهو أن هذه المحبة يجب ضبطها بضوابط شرعية؛ حتى لا يقع المسلم في الغلو والإطراء، فيرفع أحداً من الناس فوق منزلته التي أنزله الله بها، كأن يجعل للصالحين والأئمة حقاً من حقوق الله الخاصة به، فيعتقد بأنهم يخلقون ويرزقون، ويحيون ويميتون، ولهم التصرف في هذا الكون... وغير ذلك؛ وبسبب هذا الاعتقاد استغاث بهم البعض، ودعوهم من دون الله عند الشدائد، وهذا لا شك بأنه شرك بالله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: { لا ترفعوني فوق حقي، فإن الله تبارك وتعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً }[المصدر السابق].
والصالحون أنفسهم يتبرءون من أن يدعوا لأنفسهم حقاً من حقوق ربهم الخاصة (( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ))[المائدة: 116- 117] وهذا ما سار عليه الآل الكرام رضوان الله عليهم، وقد حذر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من خطورة الغلو خاصة فيه، فقال: {{ يهلك فيَّ اثنان: محب غال، ومبغض قالٍ }} [المصدر السابق].
والغريب أنه وجد في الأمة من نسب إلى أئمة آل البيت بعض خصائص الرب جل وعلا! لكن آل البيت تصدوا لهذا الفكر ولم يرضوا به، فعن صالح بن سهل قال: كنت أقول في أبي عبد الله رضي الله عنه بالربوبية، فدخلت فلما نظر إلي قال: [[ يا صالح! إنا والله عبيد مخلوقون لنا رب نعبده، وإن لم نعبده عذبنا ]][المصدر السابق].
وقال الصادق رضي الله عنه: [[ لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا، وبيده نواصينا ]][المصدر السابق].
فقد فطن الأئمة عليهم السلام إلى حال بعض محبيهم، وما سيؤدي إليه فرط حبهم؛ لذا قال الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه: [[ فوالله! ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع، إن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله! ما لنا على الله من حجة، ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون ومقبورون، ومنشرون ومبعوثون، وموقوفون ومسئولون -إلى أن قال-: أشهدكم أني امرؤ ولدني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني، وإن عصيته عذبني عذاباً شديداً ]] [كتاب رجال الكشي].
الحلف بغير الله:
الحلف واليمين من الأقوال العظيمة والدالة على إيمان العبد وتعلقه بالله، ذلك أن الحلف هو: تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة، وقد كثر بين الناس اليوم الحلف بالله كذباً أو بغير الله شركاً كمن يحلف بالأمانة أو بالشرف أو بالوالدين أو بالأولاد أو برأس النبي وآل بيته الأطهار، ومنهم من يحلف بالأحياء والموتى من الأولياء والصالحين تعظيماً لهم وخوفاً من عقابهم.
فإذا استحلف ذلك الشخص بالله عز وجل حلف بالله دون تردد ولو كان كاذباً، وإن استحلف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بآل بيته أو بالولي الفلاني يتكعكع ويتلعثم، ولا يحلف به إلا صادقاً، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: { من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك }[مستدرك الوسائل: الجزء السادس عشر، باب أنه لا يجوز الحلف ولا ينعقد إلا بالله].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: { لا تحلفوا بآبائكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون }[عوال اللآلي: الجزء الثالث، باب الأيمان].
لذا فالواجب على كل مسلم حفظ يمينه وكلامه وتعظيمه لله، وإن استلزم أن يقسم فليُقسم بالله تعالى وحده ولا شيء غيره.
بحمد الله نبدأ بالمقال وذكر الله في كل الفعال
فذكر الله يجلو كل هم عن القلب السليم على التوالي
فإن رمت النجاة غداً وترجو نعيماً لا يصير إلى زوال
فلا تشرك بربك قط شيئاً فإن الله جل عن المثال
إله واحد أحد عظيم عليم عادل حكم الفعال
رحيم بالعباد إذا أنابوا وتابوا من متابعة الضلال
شديد الانتقام بمن عصاه ويصليه الجحيم ولا يبالي
فبادر بالذي يرضى لتحضى بخير في الحياة وفي المآل
وأحبب في الإله وعادِ فيه وأبغض جاهداً فيه ووالي
وأهل الشرك باينهم وفارق ولا تركن إلى أهل الضلال
وتشهد قاطعاً من غير شك بأن الله جل عن المثال
بهذا جاءنا في كل نص عن المعصوم من صحب وآل
فيا فرداً بلا ثان أجرني وثبتني بعزك ذا الجلال
وعاملني بعفوك واهد قلبي بفضلك عن حرامك بالحلال
وجملني بعافية وعفو فإن تمنن بعفوك لا أبالي
وصلى الله ما غنت بأيك على الأغصان من طلح وغال
على المعصوم أفضل كل خلق وأزكى الخلق مع صحب وآل



