sandy2006
03-16-2006, 07:25 PM
تكمله للموضوع الذي سبق و تحدثنا عنه عن اسرار الكون في القرءان الكريم
و تحدتنا في الموضوع السابق عن النقاط الاتيه:
كيف خلق الله الكون ؟
مصدر المادة الكونية وعلاقتها بالدهر.
مراحل خلق الكون.
الفرق بين الساعة والحساب والقيامة.
و كانت على هذا الرابط
http://www.bramjnet.com/vb3/showthread.php?t=62361
اما في الجزء الثاني سنتحدث عن :
معنى كلمة (زوج) " الخلق الحيّ الواحد".
عرش الرحمن.
عرش الناس.
معنى كلمة (زوج) " الخلق الحيّ الواحد"
بيّن الله عز وجلّ للناس في القرآن الكريم عن خلق زوج الدّابة في الحياة الدنيا بقوله تعالى " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى "(53) طه ، أو كقوله تعالى " وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا "(icon_cool.gif النبأ ، وقوله تعالى " وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ( زوج على هيئة الذكر ، وزوج على هيئة الأنثى ) لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "(49) الذاريات ، وقوله تعالى " وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى "(45) النجم ، وقوله تعالى " ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (144) الأنعام .
الآيات الكريمة وغيرها الكثير مما ورد في القرآن الكريم تُشير جميعها إلى نشء الكائن الحيّ الواحد في الحياة الدنيا وتظهره على أنه زوج ، كما تبيّن للناس أن كلمة " زَوْج " تعني خلقاً واحدا مُركب النشء على هيئة الذكر أو على هيئة الأنثى لقوله تعالى " فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ( ذكراً واحداً وأنثي واحدة من كل صنف ) وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ "(27) المؤمنون ، بحيث يصبح المعنى من قوله تعالى " مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ " أي من الذكر كائن حيّ واحد على هيئة الذكر ، ومن الإناث كائن حيّ واحد على هيئة الأنثى من الصنف نفسه ، ليصبح الذكر زوجاً مُركب النشء في خلق الحياة الدنيا ، وكذلك والأنثى زوجاً مُركب النشء في خلق الحياة الدنيا ، وقوله تعالى " وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى "(45) النجم ، أو كقوله تعالى " أَلَمْ يَكُ ( الإنسان وليس الناس ) نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( فَجَعَلَ ( من ذلك النشء ) مِنْهُ ( ساعة تخلّقه في الأرحام ) الزَّوْجَيْنِ ( الصنفين ) الذَّكَرَ ( ما هو على هيئة الذكر ) وَالْأُنْثَى ( وما هو على هيئة الأنثى ) "(39) القيامة ، لذا فالذكر زوج ، وكذلك الأنثى زوج مُركب مخصص لنشء الحياة الدنيا فقط .
من خلال البحث في الآيات الكريمة ذات العلاقة عن نشء زوج الحياة الدنيا ، تبيّن أن خلق الكائن الحيّ الواحد يُسمى زوجاً في نهج القرآن الكريم ، كما تَبيّن من الآيات الكريمة ذات العلاقة أن الله عز وجلّ قد خلق الأنفس في السماء العُلا أول مرة كذات مجرد النشء قبل أن يخلقها على هيئة ناس ، وأن خلق الدّابة في الحياة الدنيا يقوم في نشئه على ثلاثة مقومات متمثلة في النفس والروح والجسد ليتغشى كل منها الآخر كهيئة زوج موحد التكوين ، كما تبيّن أن الأنفس لا تُدرك عن سالف نشئها لسبب تغشيها وتحولها لحال الزوج إلى أن تموت ، عندها تنفصل عن مكونات زوجها المؤقت لتعود إلى سابق عهدها الذي كانت عليه بحال التجرد في الخلق ، بمعنى أن الموت يكشف عن الأنفس غشاوة نشء الحياة الدنيا المُركب المؤقت ، لتدرك من بعده زيف خلقها الذي كانت عليه كهيئة الزوج .
عرش الرحمن
بيّنا في مواضع سابقه بآيات بيّنات من القرآن الكريم ، أن الله عز وجلّ أخبر الناس من إنس وجان وكشف لهم عن الكثير من العلوم التي قد تتجاوز إدراكهم لسبب عِظمها ، وخاصة ما يتعلق بالكتاب ونشء المادة وخلق الحياة الدنيا ، ومن ثم البعث ونشء الدار الآخرة ، ولسبب قِصر إدراك الناس وهم تحت تأثير تَغَشي زوج الحياة الدنيا ، صور الله عز وجلّ الأحداث وعرفها لهم ضمن ما ألفوه وحدود فطرتهم في نشء الحاضر ، ويرجع سبب ذلك التصوير بدلاً من الكشف عن ماهيّة أو هيئة الشيء المراد بيانه لسبب عدم توافق ماهيّة نشء مادة الحياة الدنيا وماهيّة الدار الآخرة أو السماء العُلا ، مما يجعل الكشف عن حقيقتها أمرا يخرج عن حدود الإدراك الفطري للناس ، لذا ضرب الله عز وجلّ للناس في القرآن الكريم الكثير من الأمثال ، ليس بهدف تشبيه ذات الشيء بما هو من مثله في نشء الحياة الدنيا ، إنما لتعريفه ولبيان حسناته أو سيئاته بما يتناسب وقدرة الناس على فهمهم له ، وبالمثل ، فكلمة عرش الرحمن لا تتفق من حيث المضمون ومعنى كراسي ملوك الناس التي يجلسون عليها ، لكنها تُعرف الناس في مضمونها عن سلطان الله عز وجلّ في نشء الكون وملكه جلّ شأنه له ، وللسبب نفسه وردت الكثير من الآيات الكريمة في القرآن الكريم التي تَفصل بين ملك الناس المعنوي للأشياء المختلفة في الحياة الدنيا ، وبين ملك الله عز وجلّ المطلق المرتبط بأصل نشوء الأشياء وفي جوهر وجودها كقوله تعالى " أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ "(107) البقرة ، بمعنى أن ملك الله عز وجلّ للسماوات والأرض لا يقتصر على سيطرته جلّ شأنه عليها ، أو على التحكم في شئونها وحسب ، إنما يشمل ملكه جلّ شأنه لوجودها ولبقائها في الوضع التي هي عليه إلى أن تزول بأمره كقوله تعالى " إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا "(41) فاطر ، بمعنى أن لو لم يُمسك الله عز وجلّ المادة المكونة للسماوات والأرض على الوضع التي هي عليه الآن ، لزالت ولأصبحت والعدم سواء ، لذا فملك الله عز وجلّ أصيل وراسخ في أسباب وفي وجود المملوك ، أمّا ملك الناس فهو استخلاف مؤقت للأشياء ينتقل بين شخص وآخر دون أن يتغيّر أو أن يزول ، وقوله تعالى " وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(189) آل عمران به بيان يَظهر فيه قدرته جلّ شأنه المطلقة القاهرة فوق كل شيء ضمن ملكه الشامل كقوله تعالى " لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(120) المائدة ، أو كقوله تعالى " تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(1) الملك ، فإن شاء عز وجلّ أن يترك ذلك المُلك لزال في اللحظة نفسها ، ولأصبح والعدم سواء من حيث لا يستطيع أحد أن يبقيه بالوضع الذي هو عليه ، وهذا ما تؤيده الآية الكريمة السابقة في قوله تعالى" إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا "(41) فاطر .
كذلك بيّن الله عز وجلّ للناس في القرآن الكريم عن السبب الذي من أجله خلق الوجود الدنيوي ( أي الغاية من خلق الوجود ) في قوله تعالى " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ "(30) البقرة ، بمعنى أن الله عز وجلّ خلق السماوات السبع وجميع الأرض ليستخلفها للناس وليختبرهم عليها وهم في نشئهم المُركب ، لذا فخلق السماوات والأرض مخصص ليخدم الناس وهم في نشء الحياة الدنيا ومن ثم ليكون بيئة مناسبة لاختبارهم ، وبالمثل نجد أن الماء قد خُصص لخدمة الخلق الحيّ وأنه على قدر عظيم من الأهميّة لسبب أن الخلق الحيّ مُرتبط في نشوئه ووجود الماء لقوله تعالى " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ "(30) الأنبياء ، ذلك أن قوله تعالى به بيان يُظهر تقارب الأهميّة من حيث الغاية التي يحققها الماء وبين نشوء السماوات والأرض من حيث الزمان والمكان ، وعلاقة الاثنين بسلطان الرحمن في الوجود لقوله تعالى " وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ " ، بمعنى أن الله عز وجلّ عندما شاء وقدر أن يخلق في الأرض خليفة ، لم تكن السماوات والأرض موجودة تلك الساعة ، إنما جاء خلقهما بعد حدوث التقرير في مشيئة الله عز وجلّ أن يستخلف الناس فيها ، وبذلك يصبح نشء الكون مُسبباً لخدمة نشء الناس من إنس وجان ، كذلك فخلق الناس على هيئة زوج مُركب في نشء الحياة الدنيا مُسبب ليقوم على وجود الماء الذي لا يستقيم أي نوع من أنواع الحياة من دونه لقوله تعالى " وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّة ( جميع أشكال الحياة ) مِنْ مَاءٍ ( ليكون الماء الأساس في نشئها ) فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(45) النور ، أو كقوله تعالى "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا "(54) الفرقان ، لذا يمكن الاستنتاج أنه لولا وجود الماء ما وجدت الحياة ، ولولا وجود الحياة ما وجدت السماوات والأرض ... تعريف ، لسبب تلازم أمري وجودهما بخلق زوج الناس في نشء الحياة الدنيا ، ليصبح الماء جوهر نشء الزوج المُركب الذي لا يقوم أي خلق حيّ من دونه .
" وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ "(7) هود .
يُبين الله عز وجلّ في الآية الكريمة وغيرها ذات العلاقة أهمية الماء العظيمة التي يقوم عليه نشء الزوج الحيّ في الوجود الدنيوي ، وقوله تعالى " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " ، لبيان سلطانه جلّ شأنه وما يتعلق بأسباب وجود السماوات والأرض وخلق الناس في الحياة الدنيا كهيئة زوج مُركب يقوم في نشئه على وجوده على الماء ، ... فلولا وجود الماء ما وجدت الحياة ، ولولا وجود الحياة ما خلق الله عز وجلّ السماوات والأرض التي تخدم خلق الناس عليها واستخلافهم لها ، وبذلك يُصبح المعنى من قوله تعالى " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " إنما بيان يُظهر أهمية الماء وعلاقته بسلطان الله عز وجلّ فيما يخص النشأة الأولى ، لذا نود أن ننوه أنه لا يجوز لناس أن يُصورا الله عز وجلّ على أنه جلّ شأنه يقف أو يجلس أو أن تكون له صفة تقترب وما للناس من ماهيّة أو هيئة أو فطرة في خلقهم الدنيوي لقوله تعالى " فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير" (11) الشورى ، لذا فقوله تعالى " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء " به نفي قاطع يؤكد عدم التماثل بين ما هو في الوجود من ماهيّة وهيئة أو صفة وكل ما قد يخطر على بال بشر ووجه الحق جلّ وعلا ، وقوله تعالى في الآية السابقة " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " ، يُظهر أهمية الماء في ملك الله عز وجلّ المتمثل بنشء الكون والحياة الدنيا .
"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "(35) النور .
يَضرب الله عز وجلّ للناس مثلاً عن ذاته جلّ شأنه في الآية الكريمة ليُبين تصويرا وليس تشبيها لفطرة الناس وهم في نشء زوج الحياة الدنيا ، بمعنى أن قوله تعالى " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " ليس به تشبيه حرفي لذات النور أو ماهيّته ، إنما به إشارة لما هو نافع من منه على عكس الظلام وما يراد به من معنى ، علماً أن الكون ليس فيه ضوء كضوء النهار على الأرض لقوله تعالى " أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا "(29) النازعات ، ومعنى " أَغْطَشَ لَيْلَهَا " أي زاد في ظلمة ليل السماء من قبل أن يقسمها إلى سبع سماوات ، وجعل من خاصيَّتها أنها لا نور فيها ، لذا فالمعنى الأقرب لقوله تعالى " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " ، يراد منه صفة خير وصلاح الكون وترابطه وجوده بما ينفع الناس وعلاقته بذات الله عز وجلّ لقوله تعالى " إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا "(41) فاطر ، لسبب أن الله عز وجلّ ليس مثله في الماهيّة كما للنور من ضياء وأنه جلّ شأنه ليس كمثله شيء ، إنما " يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " ، كذلك صور الله عز وجلّ ذاته جلّ شأنه في الآيات الكريمة التالية على أنه يسمع ويرى كقوله تعالى " إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "(181) البقرة ، أو كقوله تعالى " وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "(224) البقرة ، أو كقوله تعالى " لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ "(181) آل عمران ، أو كقوله تعالى " قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ "(1) المجادلة ، لذا يجب أن لا يُفهم من الآيات الكريمة أن الله عز وجلّ يسمع القول بالماهيّة نفسها التي يسمع الناس ، إنما هو بيان من الله عز وجلّ ليُظهر فيه علمه جلّ شأنه بالقول كعلمه بالفعل ، كما لا يجوز أن يُشبّه سمع الله عز وجلّ كسمع الناس أبدا ، وبالمثل فقوله تعالى " وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ "(96) البقرة ، أو كقوله تعالى " هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ "(163) آل عمران ، أو كقوله تعالى " وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ "(71) المائدة ، أو كقوله تعالى " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "(39) الأنفال ، أو كقوله تعالى " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ "(61) الحج ، أو كقوله تعالى " اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ "(7) الحج ، لا يقصد منه أن الله عز وجلّ ينظر إلى الأشياء كما ينظر الناس بأعينهم ، لسبب أن السمع والأبصار وجميع حواس الدّابة ، وكل ما اقترب من هيئة أو من ماهيّة نشء الحياة الدنيا إنما فطرة نشء الدّابة ، ومن ذلك نستنتج أن التشبيه في الآيات الكريمة يخدم إظهار علم الله عز وجلّ وإحاطته بأحداث الناس وأحداث الكون بما فيه من سماوات وأرض وبكل خلق حيّ ، لكن الله عز وجلّ ليس كمثله شيء .
" اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ "(255) البقرة .
قوله تعالى " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " ، بمعنى شمل بسلطانه وأحاط بعلمه جلّ شأنه مجمل الكون وأحداثه بما فيه من سماوات وأرضٍ من خلق الدّابة ، ذلك أن كلمة " كُرْسِيُّه " الوارد ذكرها في الآية الكريمة لا تعني أنه مِقعد جلوس ، لسبب أن المعنى ينطوي عليه تفسير لهيئة ذات الله عز وجلّ بإعطائه صفة الجلوس أو الوقوف التي تخص خلق الناس وفطرتهم ، وبذلك يكون المعنى الصحيح لكلمة " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ " ينحصر على بيان إحاطة وشمول الله عز وجلّ بسلطانه وبعلمه المطلق لكل شيء بما في ذلك زمان ومكان نشء المادة الكونية وتشكيلها من العدم ، وخلق الأنفس في السماء العُلا ، ومن ثم نشء زوج الحياة الدنيا في جميع الأرض التي في جميع السماوات السبع ، ونشء البعث ومن بعده نشوء الدار الآخرة ... وما بعدها !!! .
" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ "(54) الأعراف .
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ : التفت إلى تدبير شأن مُلكه جلّ شأنه بعد أن أكمل خلق السماوات والأرض وخلق الحياة على الأرض .
" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ "(3) يونس .
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ : التفت إلى تدبير شأن مُلكه جلّ شأنه بعد أن أكمل خلق السماوات والأرض وخلق الحياة على الأرض .
" الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا "(59) الفرقان .
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ : التفت إلى تدبير شأن مُلكه جلّ شأنه بعد أن أكمل خلق السماوات والأرض وخلق الحياة على الأرض .
" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ "(4) السجدة .
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ : التفت إلى تدبير شأن مُلكه جلّ شأنه بعد أن أكمل خلق السماوات والأرض وخلق الحياة على الأرض .
" هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "(4) الحديد .
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ : التفت إلى تدبير شأن مُلكه جلّ شأنه بعد أن أكمل خلق السماوات والأرض وخلق الحياة على الأرض .
قوله تعالى " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ " ، به بيان يربط بين خلق الله عز وجلّ للكون القائم بما فيه من نجوم وكواكب ومن ثم تقسيمه إلى سبع مجموعات كونية ، وبين شروع الله عز وجلّ في سُلطانه وما يتعلق بتسيير مُلكه من ذلك الخلق ، لذا فقوله تعالى " ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ " ، بمعنى أن الله عز وجلّ قد هَمّ وقصد في سُلطانه لتدبير شئون مُلكه بعد أن أكمل نشوء الوجود كقوله تعالى " اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ "(2) الرعد ، وبالمثل نجد أن كلمة " ثُمَّ اسْتَوَى " تَرِد على الدوام في الآيات الكريمة ذات العلاقة بعد نشوء الكون وتسويته ومن ثم تقسيمه إلى سبع سماوات وخلق الحياة لغرض بيان أن مرحلة استواء الله عز وجلّ إلى العرش تلي مرحلة نشوء الكون ، ومن ذلك نستنتج أن السبب في ذكر كلمة " السَّمَاوَات " بحال الجمع ، يراد منه البيان والتوضيح من أن استواء الله عز وجلّ إلى العرش لم يحدث إلا بعد الكمال التام لنشوء الكون وتقسيمه إلى سبع مجموعات كونية ومن ثم خلق الحياة ( اقرأ معنى كلمة السماء والسماوات ) ، وبالمثل فالمعنى من قوله تعالى " يُدَبِّرُ الْأَمْرَ " أي يُدير شئون خلقه في جميع السماوات والأرض " يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ " (29) الرحمن ، بعد أن قسمها ونظمها وخلق عليها الحياة ووضع الميزان لقوله تعالى " إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ "(36) التوبة ، يبقى الخلق في طوع الله عز وجلّ وسلطانه إلى أن يأذن له جلّ شأنه أن يُصرف ، فَيَنصرف عند قيام الساعة ليعود كما كان قبل خلقه كقوله تعالى " يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ "(104) الأنبياء ، وليصبح والعدم سواء .
بالرجوع إلى ما سبق بيانه عن المادة وكيفيّة نشوئها ، اتضح أن العنصر الأصيل منها والقائم عليها في الوجود لا يتمثل في طاقتها الموجبة لحظة تحولها إلى مادة ( اقرأ باب مصدر المادة الكونية ) ، إنما يكمن في ذات الدهر الذي يقوم على احتوائها ومن ثم تحويلها إلى ما هي عليه كمادة ملموسة ، كما تَبين أن المادة تزول عندما يرفع الله عز وجلّ عنها تأثير الدهر ، لتتعادل وما هو مضاد لها من طاقة ، ثم لتزول ولتعود إلى حال العدم الذي كانت عليه قبل نشوئها ، لكن الدهر باقٍ ولا يتأثر أو يزول كما تزول المادة كونه من ذات الله عز وجلّ ، وكونه الأصل الذي أحدث وجودها أول مرّة ومن ثم احتوى مكوناتها في بعديّ الزمان والمكان ( الزمان والمكان من خصائص الدهر ) ، لذا نستنتج مما سبق أن الدهر هو العنصر الأصيل في نشوء مادة الدار الأولى ، ومن بعدها نشوء مادة الدار الآخرة ، لسبب أن التغيير بين الدارين قد يكون على نوعية الطاقة المحتواة من كل مادة وبعدها الزمني دون المكان ، كما تَبين أن مُلك الله عز وجل لا يقتصر على ذات المادة ، بل يشمل مُلكه جلّ شأنه الأصل منها المتمثل في ذات الدهر وما ينتج عنه من شقيّ المكان والزمان في كِلا حالتيّ النشء ( الدار الأولى ، والدار الآخرة ) بالإضافة إلى طاقتها المحتواة ، وبالمثل نجد أن زوال المادة وتفكك طاقتها ومن ثم صرفها عند قيام الساعة لا يُغير من ملك الله عز وجلّ في شيء لسبب أن المادة نشء مؤقت وغير أصيل ، ولسبب أن سلطان الله عز وجلّ لا يقوم على نشوء المادة المؤقتة ، إنما على الأصل منها المتمثل في ذات الدهر الذي أوجدها أول مرّة ومن ثم أبقاها على ما هي عليه بمشيئة الله عز وجلّ ، ومن قبله مُلك الله عز وجلّ للسماء العُلا ، وقوله تعالى " قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ "(86) المؤمنون ، به بيان يُميز الفرق بين مُلك الله عز وجلّ لذات السماوات والأرض ، وبين عظيم سلطانه الأزلي المتمثل في كلمة " الْعَرْشِ الْعَظِيمِ " ، التي تُضيف في معناها إلى مُلك الله عز وجلّ في أصل نشوء المادة ومن قبلها مُلك الله عز وجلّ للسماء العُلا لقوله تعالى " سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ "(82) الزخرف ، أمّا بخصوص ما ورد عن قيام الساعة وصرف المادة الكونية تمهيدا لنشوء الدار الآخرة في قوله تعالى " وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ( بعد ذهاب المادة وخلو الكون منها ) يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "(75) الزمر ، فبه بيان يُظهر أن ملكوت الرحمن الأزلي بنشوء السماء العُلا من بعد زوال المادة في قوله تعالى " وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ "(16) الحاقة ، أي صُرفت جميع المادة وأصبح الكون خاليا منها ، وقوله تعالى " وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ( السماء العُلا ) وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ "(17) الحاقة ، لبيان ثبات سلطان الله عز وجلّ فيما يخص مكان النشء ، وما سينتج عنه من تغيير وخلق جديد للدار الآخرة التي هي الأخرى من ملكوت الله عز وجلّ ، بالإضافة إلى مُلك الله عز وجل للنشء الأزلي المتمثل في خلق السماء العُلا بما فيها من نشء الملائكة والأنفس والروح ، والتي يُرد إليها جميع أشكال النشء المادي في الحياة الدنيا ومن بعدها الدار الآخرة ، والتي لا يَحكمها زمان ولا مكان ، لذا فمُلك الرحمن المتمثل في كلمة " الْعَرْشِ " يشمل الأصل من النشء المادي في الحالتين كلتيهما ، بالإضافة إلى خاصيَّة مُلك الله عز وجلّ المتمثلة في السماء العُلا بمن فيها .
عرش الناس
نود في بادئ الأمر أن نُعرف تعريفا بسيطاً عن الشروط والأحكام التي تقوم عليها ممالك الناس في الحياة الدنيا لبيان الفرق بين ما تعارفوا عليه من معنى عام لكلمة عرش ، ولإظهار أسباب التشابه بين لفظ الكلمة وما ورد من آيات بيّنات في القرآن الكريم عن مُلك الرحمن جلّ شأنه للسماء العُلا وللوجود القائم ومن بعده الدار الآخرة .
كلمة " الْعَرْش " تعني في المفهوم العام بين الناس أنه مقعد أو كراسٍ يجلس عليه الملك في المناسبات الرسمية كرمز يُظهر سلطته على قومه ، وقد اعتاد الملوك والسلاطين في الماضي والحاضر أن يتخذوا لهم كراسي مميزة وثمينة يضعونها في مكانٍ مرتفع عن مقاعد العامّة كرمز إلى سموّ مكانة من يجلس عليه ( المسمى مجازاً بالعرش ) ، كما لا يجوز أن يجلس على ذلك العرش إلا من عُيّن ملكا على قومه ، لكن هذا لا يعني أن السلطة الفعلية مصدرها ذات الكُرسي أو أنه يَمنح الشخص الجالس عليه صفة المُلك ، كما لا تنبع السلطة من مكوناته أو من مادته ، فإذا ما جلس عليه أحد خلسة مثلا ... ! فإن سلطة المملكة لا تنتقل إليه فيصبح ملكاً أو سلطاناً في حينه .
هناك عوامل أخرى مهمة ومكمله للسلطة تُضيف إلى مكانة المملكة والعرش أهمها وجود الناس ، بمعنى أنه لا يجوز لأحد أن يعتلى عرشاً دون وجود أحد من الرعيّة ، وهل يصّح لأحد أن يضع كُرسياً في الصحراء مثلاً فيعتليه عرشا مكونا مملكة دون ناس ! ، لذا يصبح من الطبيعي أن تقوم الممالك بين الناس على شرطين أساسيين لا تكتمل دونهما ، أولهما السلطة التي تجمع بين الثراء المالي والمكانة الاجتماعية للشخص المُنصب على قومه ملكاً ، بالإضافة لوجود نظام دولة ، وهذان العاملان رئيسيان في سلطة المَلِك المتمثلة بدورها في رمز كرسي العرش ، والشرط الثاني هو وجود عدد كافٍ من العامة لإدارتهم ضمن تلك المملكة ، وبالمثل فكُلما زاد عدد أفراد الناس من أي مملكة وازدادت رقعة الأرض التي تتبع لها ، ارتفعت بالتالي مكانة المَلِك وعَظم شأنه بين الأمم ، والعكس صحيح.
يتبع موضوع اسرار الكون في الاجزاء القادمه بإذن الله
منقول من مصدر
اختكم:) sandy2006
و تحدتنا في الموضوع السابق عن النقاط الاتيه:
كيف خلق الله الكون ؟
مصدر المادة الكونية وعلاقتها بالدهر.
مراحل خلق الكون.
الفرق بين الساعة والحساب والقيامة.
و كانت على هذا الرابط
http://www.bramjnet.com/vb3/showthread.php?t=62361
اما في الجزء الثاني سنتحدث عن :
معنى كلمة (زوج) " الخلق الحيّ الواحد".
عرش الرحمن.
عرش الناس.
معنى كلمة (زوج) " الخلق الحيّ الواحد"
بيّن الله عز وجلّ للناس في القرآن الكريم عن خلق زوج الدّابة في الحياة الدنيا بقوله تعالى " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى "(53) طه ، أو كقوله تعالى " وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا "(icon_cool.gif النبأ ، وقوله تعالى " وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ( زوج على هيئة الذكر ، وزوج على هيئة الأنثى ) لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "(49) الذاريات ، وقوله تعالى " وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى "(45) النجم ، وقوله تعالى " ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (144) الأنعام .
الآيات الكريمة وغيرها الكثير مما ورد في القرآن الكريم تُشير جميعها إلى نشء الكائن الحيّ الواحد في الحياة الدنيا وتظهره على أنه زوج ، كما تبيّن للناس أن كلمة " زَوْج " تعني خلقاً واحدا مُركب النشء على هيئة الذكر أو على هيئة الأنثى لقوله تعالى " فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ( ذكراً واحداً وأنثي واحدة من كل صنف ) وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ "(27) المؤمنون ، بحيث يصبح المعنى من قوله تعالى " مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ " أي من الذكر كائن حيّ واحد على هيئة الذكر ، ومن الإناث كائن حيّ واحد على هيئة الأنثى من الصنف نفسه ، ليصبح الذكر زوجاً مُركب النشء في خلق الحياة الدنيا ، وكذلك والأنثى زوجاً مُركب النشء في خلق الحياة الدنيا ، وقوله تعالى " وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى "(45) النجم ، أو كقوله تعالى " أَلَمْ يَكُ ( الإنسان وليس الناس ) نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( فَجَعَلَ ( من ذلك النشء ) مِنْهُ ( ساعة تخلّقه في الأرحام ) الزَّوْجَيْنِ ( الصنفين ) الذَّكَرَ ( ما هو على هيئة الذكر ) وَالْأُنْثَى ( وما هو على هيئة الأنثى ) "(39) القيامة ، لذا فالذكر زوج ، وكذلك الأنثى زوج مُركب مخصص لنشء الحياة الدنيا فقط .
من خلال البحث في الآيات الكريمة ذات العلاقة عن نشء زوج الحياة الدنيا ، تبيّن أن خلق الكائن الحيّ الواحد يُسمى زوجاً في نهج القرآن الكريم ، كما تَبيّن من الآيات الكريمة ذات العلاقة أن الله عز وجلّ قد خلق الأنفس في السماء العُلا أول مرة كذات مجرد النشء قبل أن يخلقها على هيئة ناس ، وأن خلق الدّابة في الحياة الدنيا يقوم في نشئه على ثلاثة مقومات متمثلة في النفس والروح والجسد ليتغشى كل منها الآخر كهيئة زوج موحد التكوين ، كما تبيّن أن الأنفس لا تُدرك عن سالف نشئها لسبب تغشيها وتحولها لحال الزوج إلى أن تموت ، عندها تنفصل عن مكونات زوجها المؤقت لتعود إلى سابق عهدها الذي كانت عليه بحال التجرد في الخلق ، بمعنى أن الموت يكشف عن الأنفس غشاوة نشء الحياة الدنيا المُركب المؤقت ، لتدرك من بعده زيف خلقها الذي كانت عليه كهيئة الزوج .
عرش الرحمن
بيّنا في مواضع سابقه بآيات بيّنات من القرآن الكريم ، أن الله عز وجلّ أخبر الناس من إنس وجان وكشف لهم عن الكثير من العلوم التي قد تتجاوز إدراكهم لسبب عِظمها ، وخاصة ما يتعلق بالكتاب ونشء المادة وخلق الحياة الدنيا ، ومن ثم البعث ونشء الدار الآخرة ، ولسبب قِصر إدراك الناس وهم تحت تأثير تَغَشي زوج الحياة الدنيا ، صور الله عز وجلّ الأحداث وعرفها لهم ضمن ما ألفوه وحدود فطرتهم في نشء الحاضر ، ويرجع سبب ذلك التصوير بدلاً من الكشف عن ماهيّة أو هيئة الشيء المراد بيانه لسبب عدم توافق ماهيّة نشء مادة الحياة الدنيا وماهيّة الدار الآخرة أو السماء العُلا ، مما يجعل الكشف عن حقيقتها أمرا يخرج عن حدود الإدراك الفطري للناس ، لذا ضرب الله عز وجلّ للناس في القرآن الكريم الكثير من الأمثال ، ليس بهدف تشبيه ذات الشيء بما هو من مثله في نشء الحياة الدنيا ، إنما لتعريفه ولبيان حسناته أو سيئاته بما يتناسب وقدرة الناس على فهمهم له ، وبالمثل ، فكلمة عرش الرحمن لا تتفق من حيث المضمون ومعنى كراسي ملوك الناس التي يجلسون عليها ، لكنها تُعرف الناس في مضمونها عن سلطان الله عز وجلّ في نشء الكون وملكه جلّ شأنه له ، وللسبب نفسه وردت الكثير من الآيات الكريمة في القرآن الكريم التي تَفصل بين ملك الناس المعنوي للأشياء المختلفة في الحياة الدنيا ، وبين ملك الله عز وجلّ المطلق المرتبط بأصل نشوء الأشياء وفي جوهر وجودها كقوله تعالى " أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ "(107) البقرة ، بمعنى أن ملك الله عز وجلّ للسماوات والأرض لا يقتصر على سيطرته جلّ شأنه عليها ، أو على التحكم في شئونها وحسب ، إنما يشمل ملكه جلّ شأنه لوجودها ولبقائها في الوضع التي هي عليه إلى أن تزول بأمره كقوله تعالى " إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا "(41) فاطر ، بمعنى أن لو لم يُمسك الله عز وجلّ المادة المكونة للسماوات والأرض على الوضع التي هي عليه الآن ، لزالت ولأصبحت والعدم سواء ، لذا فملك الله عز وجلّ أصيل وراسخ في أسباب وفي وجود المملوك ، أمّا ملك الناس فهو استخلاف مؤقت للأشياء ينتقل بين شخص وآخر دون أن يتغيّر أو أن يزول ، وقوله تعالى " وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(189) آل عمران به بيان يَظهر فيه قدرته جلّ شأنه المطلقة القاهرة فوق كل شيء ضمن ملكه الشامل كقوله تعالى " لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(120) المائدة ، أو كقوله تعالى " تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(1) الملك ، فإن شاء عز وجلّ أن يترك ذلك المُلك لزال في اللحظة نفسها ، ولأصبح والعدم سواء من حيث لا يستطيع أحد أن يبقيه بالوضع الذي هو عليه ، وهذا ما تؤيده الآية الكريمة السابقة في قوله تعالى" إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا "(41) فاطر .
كذلك بيّن الله عز وجلّ للناس في القرآن الكريم عن السبب الذي من أجله خلق الوجود الدنيوي ( أي الغاية من خلق الوجود ) في قوله تعالى " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ "(30) البقرة ، بمعنى أن الله عز وجلّ خلق السماوات السبع وجميع الأرض ليستخلفها للناس وليختبرهم عليها وهم في نشئهم المُركب ، لذا فخلق السماوات والأرض مخصص ليخدم الناس وهم في نشء الحياة الدنيا ومن ثم ليكون بيئة مناسبة لاختبارهم ، وبالمثل نجد أن الماء قد خُصص لخدمة الخلق الحيّ وأنه على قدر عظيم من الأهميّة لسبب أن الخلق الحيّ مُرتبط في نشوئه ووجود الماء لقوله تعالى " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ "(30) الأنبياء ، ذلك أن قوله تعالى به بيان يُظهر تقارب الأهميّة من حيث الغاية التي يحققها الماء وبين نشوء السماوات والأرض من حيث الزمان والمكان ، وعلاقة الاثنين بسلطان الرحمن في الوجود لقوله تعالى " وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ " ، بمعنى أن الله عز وجلّ عندما شاء وقدر أن يخلق في الأرض خليفة ، لم تكن السماوات والأرض موجودة تلك الساعة ، إنما جاء خلقهما بعد حدوث التقرير في مشيئة الله عز وجلّ أن يستخلف الناس فيها ، وبذلك يصبح نشء الكون مُسبباً لخدمة نشء الناس من إنس وجان ، كذلك فخلق الناس على هيئة زوج مُركب في نشء الحياة الدنيا مُسبب ليقوم على وجود الماء الذي لا يستقيم أي نوع من أنواع الحياة من دونه لقوله تعالى " وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّة ( جميع أشكال الحياة ) مِنْ مَاءٍ ( ليكون الماء الأساس في نشئها ) فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(45) النور ، أو كقوله تعالى "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا "(54) الفرقان ، لذا يمكن الاستنتاج أنه لولا وجود الماء ما وجدت الحياة ، ولولا وجود الحياة ما وجدت السماوات والأرض ... تعريف ، لسبب تلازم أمري وجودهما بخلق زوج الناس في نشء الحياة الدنيا ، ليصبح الماء جوهر نشء الزوج المُركب الذي لا يقوم أي خلق حيّ من دونه .
" وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ "(7) هود .
يُبين الله عز وجلّ في الآية الكريمة وغيرها ذات العلاقة أهمية الماء العظيمة التي يقوم عليه نشء الزوج الحيّ في الوجود الدنيوي ، وقوله تعالى " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " ، لبيان سلطانه جلّ شأنه وما يتعلق بأسباب وجود السماوات والأرض وخلق الناس في الحياة الدنيا كهيئة زوج مُركب يقوم في نشئه على وجوده على الماء ، ... فلولا وجود الماء ما وجدت الحياة ، ولولا وجود الحياة ما خلق الله عز وجلّ السماوات والأرض التي تخدم خلق الناس عليها واستخلافهم لها ، وبذلك يُصبح المعنى من قوله تعالى " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " إنما بيان يُظهر أهمية الماء وعلاقته بسلطان الله عز وجلّ فيما يخص النشأة الأولى ، لذا نود أن ننوه أنه لا يجوز لناس أن يُصورا الله عز وجلّ على أنه جلّ شأنه يقف أو يجلس أو أن تكون له صفة تقترب وما للناس من ماهيّة أو هيئة أو فطرة في خلقهم الدنيوي لقوله تعالى " فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير" (11) الشورى ، لذا فقوله تعالى " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء " به نفي قاطع يؤكد عدم التماثل بين ما هو في الوجود من ماهيّة وهيئة أو صفة وكل ما قد يخطر على بال بشر ووجه الحق جلّ وعلا ، وقوله تعالى في الآية السابقة " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " ، يُظهر أهمية الماء في ملك الله عز وجلّ المتمثل بنشء الكون والحياة الدنيا .
"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "(35) النور .
يَضرب الله عز وجلّ للناس مثلاً عن ذاته جلّ شأنه في الآية الكريمة ليُبين تصويرا وليس تشبيها لفطرة الناس وهم في نشء زوج الحياة الدنيا ، بمعنى أن قوله تعالى " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " ليس به تشبيه حرفي لذات النور أو ماهيّته ، إنما به إشارة لما هو نافع من منه على عكس الظلام وما يراد به من معنى ، علماً أن الكون ليس فيه ضوء كضوء النهار على الأرض لقوله تعالى " أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا "(29) النازعات ، ومعنى " أَغْطَشَ لَيْلَهَا " أي زاد في ظلمة ليل السماء من قبل أن يقسمها إلى سبع سماوات ، وجعل من خاصيَّتها أنها لا نور فيها ، لذا فالمعنى الأقرب لقوله تعالى " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " ، يراد منه صفة خير وصلاح الكون وترابطه وجوده بما ينفع الناس وعلاقته بذات الله عز وجلّ لقوله تعالى " إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا "(41) فاطر ، لسبب أن الله عز وجلّ ليس مثله في الماهيّة كما للنور من ضياء وأنه جلّ شأنه ليس كمثله شيء ، إنما " يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " ، كذلك صور الله عز وجلّ ذاته جلّ شأنه في الآيات الكريمة التالية على أنه يسمع ويرى كقوله تعالى " إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "(181) البقرة ، أو كقوله تعالى " وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "(224) البقرة ، أو كقوله تعالى " لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ "(181) آل عمران ، أو كقوله تعالى " قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ "(1) المجادلة ، لذا يجب أن لا يُفهم من الآيات الكريمة أن الله عز وجلّ يسمع القول بالماهيّة نفسها التي يسمع الناس ، إنما هو بيان من الله عز وجلّ ليُظهر فيه علمه جلّ شأنه بالقول كعلمه بالفعل ، كما لا يجوز أن يُشبّه سمع الله عز وجلّ كسمع الناس أبدا ، وبالمثل فقوله تعالى " وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ "(96) البقرة ، أو كقوله تعالى " هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ "(163) آل عمران ، أو كقوله تعالى " وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ "(71) المائدة ، أو كقوله تعالى " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "(39) الأنفال ، أو كقوله تعالى " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ "(61) الحج ، أو كقوله تعالى " اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ "(7) الحج ، لا يقصد منه أن الله عز وجلّ ينظر إلى الأشياء كما ينظر الناس بأعينهم ، لسبب أن السمع والأبصار وجميع حواس الدّابة ، وكل ما اقترب من هيئة أو من ماهيّة نشء الحياة الدنيا إنما فطرة نشء الدّابة ، ومن ذلك نستنتج أن التشبيه في الآيات الكريمة يخدم إظهار علم الله عز وجلّ وإحاطته بأحداث الناس وأحداث الكون بما فيه من سماوات وأرض وبكل خلق حيّ ، لكن الله عز وجلّ ليس كمثله شيء .
" اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ "(255) البقرة .
قوله تعالى " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " ، بمعنى شمل بسلطانه وأحاط بعلمه جلّ شأنه مجمل الكون وأحداثه بما فيه من سماوات وأرضٍ من خلق الدّابة ، ذلك أن كلمة " كُرْسِيُّه " الوارد ذكرها في الآية الكريمة لا تعني أنه مِقعد جلوس ، لسبب أن المعنى ينطوي عليه تفسير لهيئة ذات الله عز وجلّ بإعطائه صفة الجلوس أو الوقوف التي تخص خلق الناس وفطرتهم ، وبذلك يكون المعنى الصحيح لكلمة " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ " ينحصر على بيان إحاطة وشمول الله عز وجلّ بسلطانه وبعلمه المطلق لكل شيء بما في ذلك زمان ومكان نشء المادة الكونية وتشكيلها من العدم ، وخلق الأنفس في السماء العُلا ، ومن ثم نشء زوج الحياة الدنيا في جميع الأرض التي في جميع السماوات السبع ، ونشء البعث ومن بعده نشوء الدار الآخرة ... وما بعدها !!! .
" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ "(54) الأعراف .
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ : التفت إلى تدبير شأن مُلكه جلّ شأنه بعد أن أكمل خلق السماوات والأرض وخلق الحياة على الأرض .
" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ "(3) يونس .
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ : التفت إلى تدبير شأن مُلكه جلّ شأنه بعد أن أكمل خلق السماوات والأرض وخلق الحياة على الأرض .
" الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا "(59) الفرقان .
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ : التفت إلى تدبير شأن مُلكه جلّ شأنه بعد أن أكمل خلق السماوات والأرض وخلق الحياة على الأرض .
" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ "(4) السجدة .
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ : التفت إلى تدبير شأن مُلكه جلّ شأنه بعد أن أكمل خلق السماوات والأرض وخلق الحياة على الأرض .
" هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "(4) الحديد .
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ : التفت إلى تدبير شأن مُلكه جلّ شأنه بعد أن أكمل خلق السماوات والأرض وخلق الحياة على الأرض .
قوله تعالى " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ " ، به بيان يربط بين خلق الله عز وجلّ للكون القائم بما فيه من نجوم وكواكب ومن ثم تقسيمه إلى سبع مجموعات كونية ، وبين شروع الله عز وجلّ في سُلطانه وما يتعلق بتسيير مُلكه من ذلك الخلق ، لذا فقوله تعالى " ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ " ، بمعنى أن الله عز وجلّ قد هَمّ وقصد في سُلطانه لتدبير شئون مُلكه بعد أن أكمل نشوء الوجود كقوله تعالى " اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ "(2) الرعد ، وبالمثل نجد أن كلمة " ثُمَّ اسْتَوَى " تَرِد على الدوام في الآيات الكريمة ذات العلاقة بعد نشوء الكون وتسويته ومن ثم تقسيمه إلى سبع سماوات وخلق الحياة لغرض بيان أن مرحلة استواء الله عز وجلّ إلى العرش تلي مرحلة نشوء الكون ، ومن ذلك نستنتج أن السبب في ذكر كلمة " السَّمَاوَات " بحال الجمع ، يراد منه البيان والتوضيح من أن استواء الله عز وجلّ إلى العرش لم يحدث إلا بعد الكمال التام لنشوء الكون وتقسيمه إلى سبع مجموعات كونية ومن ثم خلق الحياة ( اقرأ معنى كلمة السماء والسماوات ) ، وبالمثل فالمعنى من قوله تعالى " يُدَبِّرُ الْأَمْرَ " أي يُدير شئون خلقه في جميع السماوات والأرض " يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ " (29) الرحمن ، بعد أن قسمها ونظمها وخلق عليها الحياة ووضع الميزان لقوله تعالى " إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ "(36) التوبة ، يبقى الخلق في طوع الله عز وجلّ وسلطانه إلى أن يأذن له جلّ شأنه أن يُصرف ، فَيَنصرف عند قيام الساعة ليعود كما كان قبل خلقه كقوله تعالى " يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ "(104) الأنبياء ، وليصبح والعدم سواء .
بالرجوع إلى ما سبق بيانه عن المادة وكيفيّة نشوئها ، اتضح أن العنصر الأصيل منها والقائم عليها في الوجود لا يتمثل في طاقتها الموجبة لحظة تحولها إلى مادة ( اقرأ باب مصدر المادة الكونية ) ، إنما يكمن في ذات الدهر الذي يقوم على احتوائها ومن ثم تحويلها إلى ما هي عليه كمادة ملموسة ، كما تَبين أن المادة تزول عندما يرفع الله عز وجلّ عنها تأثير الدهر ، لتتعادل وما هو مضاد لها من طاقة ، ثم لتزول ولتعود إلى حال العدم الذي كانت عليه قبل نشوئها ، لكن الدهر باقٍ ولا يتأثر أو يزول كما تزول المادة كونه من ذات الله عز وجلّ ، وكونه الأصل الذي أحدث وجودها أول مرّة ومن ثم احتوى مكوناتها في بعديّ الزمان والمكان ( الزمان والمكان من خصائص الدهر ) ، لذا نستنتج مما سبق أن الدهر هو العنصر الأصيل في نشوء مادة الدار الأولى ، ومن بعدها نشوء مادة الدار الآخرة ، لسبب أن التغيير بين الدارين قد يكون على نوعية الطاقة المحتواة من كل مادة وبعدها الزمني دون المكان ، كما تَبين أن مُلك الله عز وجل لا يقتصر على ذات المادة ، بل يشمل مُلكه جلّ شأنه الأصل منها المتمثل في ذات الدهر وما ينتج عنه من شقيّ المكان والزمان في كِلا حالتيّ النشء ( الدار الأولى ، والدار الآخرة ) بالإضافة إلى طاقتها المحتواة ، وبالمثل نجد أن زوال المادة وتفكك طاقتها ومن ثم صرفها عند قيام الساعة لا يُغير من ملك الله عز وجلّ في شيء لسبب أن المادة نشء مؤقت وغير أصيل ، ولسبب أن سلطان الله عز وجلّ لا يقوم على نشوء المادة المؤقتة ، إنما على الأصل منها المتمثل في ذات الدهر الذي أوجدها أول مرّة ومن ثم أبقاها على ما هي عليه بمشيئة الله عز وجلّ ، ومن قبله مُلك الله عز وجلّ للسماء العُلا ، وقوله تعالى " قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ "(86) المؤمنون ، به بيان يُميز الفرق بين مُلك الله عز وجلّ لذات السماوات والأرض ، وبين عظيم سلطانه الأزلي المتمثل في كلمة " الْعَرْشِ الْعَظِيمِ " ، التي تُضيف في معناها إلى مُلك الله عز وجلّ في أصل نشوء المادة ومن قبلها مُلك الله عز وجلّ للسماء العُلا لقوله تعالى " سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ "(82) الزخرف ، أمّا بخصوص ما ورد عن قيام الساعة وصرف المادة الكونية تمهيدا لنشوء الدار الآخرة في قوله تعالى " وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ( بعد ذهاب المادة وخلو الكون منها ) يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "(75) الزمر ، فبه بيان يُظهر أن ملكوت الرحمن الأزلي بنشوء السماء العُلا من بعد زوال المادة في قوله تعالى " وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ "(16) الحاقة ، أي صُرفت جميع المادة وأصبح الكون خاليا منها ، وقوله تعالى " وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ( السماء العُلا ) وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ "(17) الحاقة ، لبيان ثبات سلطان الله عز وجلّ فيما يخص مكان النشء ، وما سينتج عنه من تغيير وخلق جديد للدار الآخرة التي هي الأخرى من ملكوت الله عز وجلّ ، بالإضافة إلى مُلك الله عز وجل للنشء الأزلي المتمثل في خلق السماء العُلا بما فيها من نشء الملائكة والأنفس والروح ، والتي يُرد إليها جميع أشكال النشء المادي في الحياة الدنيا ومن بعدها الدار الآخرة ، والتي لا يَحكمها زمان ولا مكان ، لذا فمُلك الرحمن المتمثل في كلمة " الْعَرْشِ " يشمل الأصل من النشء المادي في الحالتين كلتيهما ، بالإضافة إلى خاصيَّة مُلك الله عز وجلّ المتمثلة في السماء العُلا بمن فيها .
عرش الناس
نود في بادئ الأمر أن نُعرف تعريفا بسيطاً عن الشروط والأحكام التي تقوم عليها ممالك الناس في الحياة الدنيا لبيان الفرق بين ما تعارفوا عليه من معنى عام لكلمة عرش ، ولإظهار أسباب التشابه بين لفظ الكلمة وما ورد من آيات بيّنات في القرآن الكريم عن مُلك الرحمن جلّ شأنه للسماء العُلا وللوجود القائم ومن بعده الدار الآخرة .
كلمة " الْعَرْش " تعني في المفهوم العام بين الناس أنه مقعد أو كراسٍ يجلس عليه الملك في المناسبات الرسمية كرمز يُظهر سلطته على قومه ، وقد اعتاد الملوك والسلاطين في الماضي والحاضر أن يتخذوا لهم كراسي مميزة وثمينة يضعونها في مكانٍ مرتفع عن مقاعد العامّة كرمز إلى سموّ مكانة من يجلس عليه ( المسمى مجازاً بالعرش ) ، كما لا يجوز أن يجلس على ذلك العرش إلا من عُيّن ملكا على قومه ، لكن هذا لا يعني أن السلطة الفعلية مصدرها ذات الكُرسي أو أنه يَمنح الشخص الجالس عليه صفة المُلك ، كما لا تنبع السلطة من مكوناته أو من مادته ، فإذا ما جلس عليه أحد خلسة مثلا ... ! فإن سلطة المملكة لا تنتقل إليه فيصبح ملكاً أو سلطاناً في حينه .
هناك عوامل أخرى مهمة ومكمله للسلطة تُضيف إلى مكانة المملكة والعرش أهمها وجود الناس ، بمعنى أنه لا يجوز لأحد أن يعتلى عرشاً دون وجود أحد من الرعيّة ، وهل يصّح لأحد أن يضع كُرسياً في الصحراء مثلاً فيعتليه عرشا مكونا مملكة دون ناس ! ، لذا يصبح من الطبيعي أن تقوم الممالك بين الناس على شرطين أساسيين لا تكتمل دونهما ، أولهما السلطة التي تجمع بين الثراء المالي والمكانة الاجتماعية للشخص المُنصب على قومه ملكاً ، بالإضافة لوجود نظام دولة ، وهذان العاملان رئيسيان في سلطة المَلِك المتمثلة بدورها في رمز كرسي العرش ، والشرط الثاني هو وجود عدد كافٍ من العامة لإدارتهم ضمن تلك المملكة ، وبالمثل فكُلما زاد عدد أفراد الناس من أي مملكة وازدادت رقعة الأرض التي تتبع لها ، ارتفعت بالتالي مكانة المَلِك وعَظم شأنه بين الأمم ، والعكس صحيح.
يتبع موضوع اسرار الكون في الاجزاء القادمه بإذن الله
منقول من مصدر
اختكم:) sandy2006



