من الانبار
03-05-2006, 12:53 PM
اكبر كذبة في التاريخ كذبها الاحتلال الامريكي
اعادة تدمير العراق
كان تدمير الاقتصاد العراقي والإجهاز على كل مقومات القوة فيه وشطب قدرته في الاعتماد على قدراته الذاتية أحد أهم أسس إستراتيجية واشنطن الشاملة تجاه العراق، وكان الهدف من وراء ذلك كله واضحاً وهو منع ذلك البلد من بناء قوته العسكرية الضاربة وإرهاق شعبه ومواطنيه ليقبلوا بالخيارات السياسية التي ستفرض عليهم ودفع الحكومة العراقية للتفريط بثروتها النفطية وبأسوأ الشروط من أجل تأمين لقمة الغذاء لمواطنيها،وكلنا يذكر المعادلة البائسة التي فرضتها واشنطن على العراق في أروقة مجلس الأمن ونعني بها : ( النفط مقابل الغذاء والدواء!!).
كانت الرؤية واضحة جلية في عقول شياطين واشنطن التي ترسم السياسات الأمريكية في العراق وهي تقوم على اقتصاد مدمر ومواطن مرهق تحاصره الأزمات واعتمادية مطلقة على الخارج في كل مستلزمات الحياة، وميزانية تقوم على استجداء المعونات من الغير والقبول بشروطها، كان الحصار الاقتصادي الذي فـرض على العـراق في الفـترة بين ( 1990- 2003 ) هو بداية حلقات ذلك المخطط الرهيب وذروة حقده، ولم يسبق لبلد في العالم أن تعرض لمثل ذلك الحصار الظالم الذي يحرم شعباً بأكمله من مقومات الحياة بحجة معاناة شعبه، وجاء هذا الحصار ليستكمل جريمة حرب مدمرة شنت على العراق عام 1991 لم تستهدف قدراته العسكرية كما هو متعارف عليه في الحروب ولكن لتصب حممها على المصانع والجسور ومحطات توليد الطاقة وذلك تحقيقاً للتهديد الذي أطلقه جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي آنذاك وهو: ( سنرجع العراق إلى ما قبل عصر الثورة الصناعية)، ولم تتوقف الضربات الجوية والغارات التي تستهدف المرافق الاقتصادية طيلة أعوام الحصار تلك من أجل الوصول بالعراق إل حالة من الضعف وعدم القدرة على الصمود تجعله يسقط في براثن الاحتلال كالثمرة الناضجة في عام2003.
وبعد الاحتلال بدأت مرحلة جديدة من استهداف الاقتصاد العراقي توجهت بالدرجة الأساسية للقضاء على ما تبقى من بنى إنتاجية في ميداني الزراعة والصناعة، فقد فتحت أبواب الاستيراد على مصراعيها ليصبح العراق مكباً لنفايات البضائع، ورفعت الرسوم الجمركية بالكامل، وفقد قطاعي الزراعة والصناعة كل ما كان يقدم لهما من دعم وحماية، وتعرضت العديد من المصانع للتدمير والنهب المنظم تحت سمع وبصر قوات الاحتلال، وما تبقى من حطام تلك المنشآت أصبح عاجزاً عن العمل أو ليشتغل بجزء يسير من طاقته الإنتاجية، ومع فتح الأسواق أمام البضاعة المستوردة لم يعد أي من تلك المصانع أن يمتلك هامشاً للمنافسة والاستمرار، وبالطبع فإن الحالة كانت أسوأ بكثير في المصانع الصغيرة والمتوسطة التي يمتلكها القطاع الخاص والتي تعد فقيرة في تقنياتها وقدراتها المالية والإنتاجية، ولم تتمكن تلك المصانع من الصمود والبقاء على قيد الحياة أمام طوفان البضائع من كل المناشئ الذي غمر الأسواق المحلية، وهكذا لفظت الصناعة العراقية أنفاسها أو في سبيلها لذلك.
وكان الوضع أسوأ من ذلك في القطاع الزراعي فقد رفعت وزارة الزراعة وبأوامر من بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق المحتل كل أنواع الدعم عن المزارع العراقي، ولم يعد بإمكانه أن يحصل على البذور والأسمدة والمبيدات الرخيصة المدعومة من الدولة، وصارت هذه المستلزمات الزراعية الضرورية باهظة الثمن فضلاً عن الأنواع الرديئة والفاسدة التي امتلأت بها الأسواق كما امتلأت بكل أنواع المنتجات الزراعية المستوردة من البلدان المجاورة والتي صار سعرها أرخص من سعر المنتج المحلي، وبسبب نقص مكافحة الآفات الزراعية وارتفاع أسعار المبيدات تفاقمت تلك الآفات بشكل غير مسبوق في تاريخ العراق الحديث، ولعل ما حدث لشجرة النخيل ( رمز الثروة الزراعية في العراق وعنوان الاكتفاء الغذائي في ذلك البلد على مر التاريخ ) خير شاهد على الدمار الذي أصاب الزراعة في بلاد الرافدين بعد الاحتلال، فلقد انتشرت حشرة ( حشرة الدوباس ) بشكل خطير في بساتين النخيل بكافة أنـحاء العراق متسببة في تراجع الإنتاج إلى ما يقارب ثلث مستوياته قبل الاحتلال، هجر العديد من الفلاحين أراضيهم بعد أن أصبح استمرارهم في زراعتها عملية لا تؤدي سوى إلى الإفلاس وبعد أن تفاقمت الآفات والمشكلات البيئية بشكل صاروا عاجزين عن مواجهتها وأصبحت تكلفة الإنتاج الزراعي خيالية بالنسبة إلى ما يتوقعونه من مدخولات، وهكذا نجح الاحتلال وسياساته المدمرة في إصابة الزراعة العراقية، وأصبح المواطن العراقي مرتهناً في لقمة غذائه إلى الاستيراد وصارت الكفاية الغذائية والاعتماد عل الذات شعاراًً بعيد المنال بعد أن زادت نسبة الاعتماد على الخارج فيما يتعلق بالمواد الغذائية أو ما يطلق عليها عادة الفجوة الغذائية ( ما يزيد على 80% مما يستهلكه المواطن العراقي كما تشير لذلك إحصائيات غير حكومية موثقة )، ولو أردنا أن نتعرف على القيمة النقدية لتلك الفجوة لقلنا أنها تتراوح بين ( ثمانية إلى عشرة مليارات دولار سنوياً ) وهي معرضة للزيادة مع زيادة عدد السكان وتفسير هذه الحالة من الناحية العملية هو أن العراق قد يجد نفسه خلال سنوات قليلة قادمة إلى دفع الشطر الأكبر من إيراداته النفطية ثمناً لتمويل مستورداته الغذائية.
لقد كانت ( عملية إعادة إعمار العراق ) عبارة عن كذبة كبيرة أطلقها الاحتلال الأميركي، وهذه الكذبة لم تجد من يصدقها لا في العراق ولا في الولايات المتحدة ذاتها، فها هي الأيام تكشف عن قيام بول بريمر بسرقة ما يقارب الـ ( 900 مليون دولار ) من تلك الأموال الموهومة وها هو الواقع العراقي بكل تفاصيله البائسة يفضح حقيقة عملية الإعمار تلك.
ولعل المفارقة المثيرة للسخرية تتمثل في إعلان الإدارة الأميركية في مطلع عام 2006 أنها تخلت عن عملية إعمار العراق، والسؤال الذي لا بد أن يطرحه العالم اجمع الآن هو (متى بدأت هذه العملية بالفعل لكي تتوقف الآن ؟؟ )، إذا كنا قد وصفنا هذا الإعمار الخيالي بأنه أكبر كذبة فإن (منظمة الشفافية الدولية) لم تتردد في وصف العملية ذاتها وما يكتنفها من فساد وفضائح بأنها ( أكبر فضيحة في التاريخ ) وذلك في تقريرها السنوي الذي تداولته وسائل الإعلام في العالم كله ونشر في معظم الصحف العربية منذ ما يقارب العام.
قرار رفع أسعار البنزين الذي اتخذته الحكومة العراقية نهاية عام 2005 وأثار المزيد من الاحتجاجات والاعتراضات الداخلية حاولت الحكومة تقديم ذرائع مختلفة له في بادئ الأمر، لكنها اعترفت فيما بعد بأنه جاء بناء على نصيحة صندوق النقد الدولي، ثم جاءت أنباء لاحقة تشير إلى أن الصندوق يتجه لتقديم قرض وصف بأنه ( تاريخي ) لدى بعض وسائل الإعلام الغربية واتضح أنه يزيد على الستمائة مليون دولار، هذه المعطيات مجتمعة تؤكد بأن واشنطن قررت إدخال العراق تحت مظلة صندوق النقد الدولي مما يعني مزيداً من الديون وفوائد الديون ومعها أيضاً مزيداً من الاشتراطات والنصائح، هذا التطور له دلالاته الهامة التي لا بد من التمعن فيها، وأول هذه الدلالات تتمثل في عودة العراق للوقوع في دائرة الاستدانة الدولية رغم كل مزاعم الولايات المتحدة والدول الدائنة بأنها أعفت العراق من ديونه، وبالطبع يمكن لنا أن نتوقع بأن تشكل نسبة خدمة الديون الحصة الأعظم من الناتج الإجمالي في العراق وهذا يقود عملياً إلى مصادرة أية فرصة في حدوث تحسن اقتصادي حقيقي.
أما ثاني هذه الدلالات فيمكن استنتاجها من ( حزم الإصلاحات ) التي يطالب بها صندوق النقد الدولي الخاضع لتوجيهات واشنطن بالكامل كما هو معروف، فهذه الحزم تركز عادة على رفع الدعم الذي تقدمه الدول عادة لمواطنيها لتخفيف معاناتهم المعاشية وتحمل جزء من فاتورة الاحتياجات الأساسية لهم كالغذاء والطاقة والخدمات العامة الأخرى التي تقدمها تلك الدول بأسعار مدعومة عادة، كما إن نصائح صندوق النقد والبنك الدوليين تركز عادة على ( تقليص الدور الحكومي في الاقتصاد، وتقليص عدد الموظفين الحكوميين، وفتح الأسواق أمام البضائع الخارجية، ووقف أي دعم حكومي للصناعة أو الزراعة المحليين )، هذه هي بنود الوصفة المعتادة لهذه المؤسسات التي توصف عادة بأنها (عدوة الفقراء) لأن هذه الشريحة هي التي تدفع بالفعل ثمن نصائحها ، يمكن لنا أن نتوقع أن يتم رفع الدعم عن أسعار المشتقات النفطية في العراق خلال فترة قصيرة، وأن يتم وضع تسعيرة لخدمات الماء والكهرباء والتليفون التي يحصل عليها المواطن العراقي حالياً بصورة شبه مجانية، كما يتوقع إلغاء البطاقة التموينية التي تم بالفعل تقليص مفرداتها وشطب بعض بنودها، وليس من المستبعد أن يجد الآلاف من الموظفين العراقيين أنفسهم وقد أصبحوا عاطلين بعد أن يتم الاستغناء عن خدماتهم، وبالطبع فإن معاناة الطبقة الفقيرة ستتضاعف وتصل إلى حدود لا تطاق وبما ينذر بثورة عارمة تضيف عنصراً من التأزم للأوضاع الفوضوية القائمة حالياً، والسؤال الذي يطرح نفسه هو : هل الحكومة العراقية جاهلة بمثل هذه النتائج المعروفة سلفاً، وهل واشنطن التي تزعم أنها تسعى لضبط الأوضاع العراقية لا تـُقـِدر فعلاً ما ستؤول إليه الأمور لو طبقت مثل هذه الإجراءات ؟؟
هنالك عدة إجابات على مثل هذه التساؤلات، فربما تعول الحكومة العراقية على التدرج لجعل المواطن العراقي يرضخ للأمر الواقع ويتقبل هذه الإجراءات ولو على مضض، أو ربما كان تلهفها للحصول على أموال القروض من المنظمات الدولية هو السبب الذي ينسيها نتائج فعلتها، أما واشنطن فإن أهدافها الحقيقة في العراق تتسم بالغموض والتناقض في كثير من الأحيان، كما إن الكثير من سياساتها يتسم بغباء فعلي رغم أن البعض يعتقد إن إحداث الفوضى في العراق هو أحد أهداف إستراتيجية واشنطن في بلادنا حتى لو كانت حكومة عميلة للأمريكان هي التي تدفع ثمن هذه الفوضى، وأنه ليس بعيد من يضع تلك الإستراتيجية التدمير والإفقار والتكبيل بالقيود ومصادرة فرصة النهوض المستقبلي هي العناوين العريضة لسياسة واشنطن تجاه الاقتصاد العراقي، لكن هذه السياسة ليست سوى فرع لإستراتيجية بائسة خائبة توشك أن تمنى بالهزيمة والفشل، وإذا كان الجانب الاقتصادي هو الفرع أو الذيل لهذه الإستراتيجية الخبيثة فإن الاحتلال والتواجد العسكري هو أصله أو رأسه، وإذا ما تم قطع الرأس فلا أحد يتوقع للذيل أن يستمر بالحياة
اعادة تدمير العراق
كان تدمير الاقتصاد العراقي والإجهاز على كل مقومات القوة فيه وشطب قدرته في الاعتماد على قدراته الذاتية أحد أهم أسس إستراتيجية واشنطن الشاملة تجاه العراق، وكان الهدف من وراء ذلك كله واضحاً وهو منع ذلك البلد من بناء قوته العسكرية الضاربة وإرهاق شعبه ومواطنيه ليقبلوا بالخيارات السياسية التي ستفرض عليهم ودفع الحكومة العراقية للتفريط بثروتها النفطية وبأسوأ الشروط من أجل تأمين لقمة الغذاء لمواطنيها،وكلنا يذكر المعادلة البائسة التي فرضتها واشنطن على العراق في أروقة مجلس الأمن ونعني بها : ( النفط مقابل الغذاء والدواء!!).
كانت الرؤية واضحة جلية في عقول شياطين واشنطن التي ترسم السياسات الأمريكية في العراق وهي تقوم على اقتصاد مدمر ومواطن مرهق تحاصره الأزمات واعتمادية مطلقة على الخارج في كل مستلزمات الحياة، وميزانية تقوم على استجداء المعونات من الغير والقبول بشروطها، كان الحصار الاقتصادي الذي فـرض على العـراق في الفـترة بين ( 1990- 2003 ) هو بداية حلقات ذلك المخطط الرهيب وذروة حقده، ولم يسبق لبلد في العالم أن تعرض لمثل ذلك الحصار الظالم الذي يحرم شعباً بأكمله من مقومات الحياة بحجة معاناة شعبه، وجاء هذا الحصار ليستكمل جريمة حرب مدمرة شنت على العراق عام 1991 لم تستهدف قدراته العسكرية كما هو متعارف عليه في الحروب ولكن لتصب حممها على المصانع والجسور ومحطات توليد الطاقة وذلك تحقيقاً للتهديد الذي أطلقه جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي آنذاك وهو: ( سنرجع العراق إلى ما قبل عصر الثورة الصناعية)، ولم تتوقف الضربات الجوية والغارات التي تستهدف المرافق الاقتصادية طيلة أعوام الحصار تلك من أجل الوصول بالعراق إل حالة من الضعف وعدم القدرة على الصمود تجعله يسقط في براثن الاحتلال كالثمرة الناضجة في عام2003.
وبعد الاحتلال بدأت مرحلة جديدة من استهداف الاقتصاد العراقي توجهت بالدرجة الأساسية للقضاء على ما تبقى من بنى إنتاجية في ميداني الزراعة والصناعة، فقد فتحت أبواب الاستيراد على مصراعيها ليصبح العراق مكباً لنفايات البضائع، ورفعت الرسوم الجمركية بالكامل، وفقد قطاعي الزراعة والصناعة كل ما كان يقدم لهما من دعم وحماية، وتعرضت العديد من المصانع للتدمير والنهب المنظم تحت سمع وبصر قوات الاحتلال، وما تبقى من حطام تلك المنشآت أصبح عاجزاً عن العمل أو ليشتغل بجزء يسير من طاقته الإنتاجية، ومع فتح الأسواق أمام البضاعة المستوردة لم يعد أي من تلك المصانع أن يمتلك هامشاً للمنافسة والاستمرار، وبالطبع فإن الحالة كانت أسوأ بكثير في المصانع الصغيرة والمتوسطة التي يمتلكها القطاع الخاص والتي تعد فقيرة في تقنياتها وقدراتها المالية والإنتاجية، ولم تتمكن تلك المصانع من الصمود والبقاء على قيد الحياة أمام طوفان البضائع من كل المناشئ الذي غمر الأسواق المحلية، وهكذا لفظت الصناعة العراقية أنفاسها أو في سبيلها لذلك.
وكان الوضع أسوأ من ذلك في القطاع الزراعي فقد رفعت وزارة الزراعة وبأوامر من بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق المحتل كل أنواع الدعم عن المزارع العراقي، ولم يعد بإمكانه أن يحصل على البذور والأسمدة والمبيدات الرخيصة المدعومة من الدولة، وصارت هذه المستلزمات الزراعية الضرورية باهظة الثمن فضلاً عن الأنواع الرديئة والفاسدة التي امتلأت بها الأسواق كما امتلأت بكل أنواع المنتجات الزراعية المستوردة من البلدان المجاورة والتي صار سعرها أرخص من سعر المنتج المحلي، وبسبب نقص مكافحة الآفات الزراعية وارتفاع أسعار المبيدات تفاقمت تلك الآفات بشكل غير مسبوق في تاريخ العراق الحديث، ولعل ما حدث لشجرة النخيل ( رمز الثروة الزراعية في العراق وعنوان الاكتفاء الغذائي في ذلك البلد على مر التاريخ ) خير شاهد على الدمار الذي أصاب الزراعة في بلاد الرافدين بعد الاحتلال، فلقد انتشرت حشرة ( حشرة الدوباس ) بشكل خطير في بساتين النخيل بكافة أنـحاء العراق متسببة في تراجع الإنتاج إلى ما يقارب ثلث مستوياته قبل الاحتلال، هجر العديد من الفلاحين أراضيهم بعد أن أصبح استمرارهم في زراعتها عملية لا تؤدي سوى إلى الإفلاس وبعد أن تفاقمت الآفات والمشكلات البيئية بشكل صاروا عاجزين عن مواجهتها وأصبحت تكلفة الإنتاج الزراعي خيالية بالنسبة إلى ما يتوقعونه من مدخولات، وهكذا نجح الاحتلال وسياساته المدمرة في إصابة الزراعة العراقية، وأصبح المواطن العراقي مرتهناً في لقمة غذائه إلى الاستيراد وصارت الكفاية الغذائية والاعتماد عل الذات شعاراًً بعيد المنال بعد أن زادت نسبة الاعتماد على الخارج فيما يتعلق بالمواد الغذائية أو ما يطلق عليها عادة الفجوة الغذائية ( ما يزيد على 80% مما يستهلكه المواطن العراقي كما تشير لذلك إحصائيات غير حكومية موثقة )، ولو أردنا أن نتعرف على القيمة النقدية لتلك الفجوة لقلنا أنها تتراوح بين ( ثمانية إلى عشرة مليارات دولار سنوياً ) وهي معرضة للزيادة مع زيادة عدد السكان وتفسير هذه الحالة من الناحية العملية هو أن العراق قد يجد نفسه خلال سنوات قليلة قادمة إلى دفع الشطر الأكبر من إيراداته النفطية ثمناً لتمويل مستورداته الغذائية.
لقد كانت ( عملية إعادة إعمار العراق ) عبارة عن كذبة كبيرة أطلقها الاحتلال الأميركي، وهذه الكذبة لم تجد من يصدقها لا في العراق ولا في الولايات المتحدة ذاتها، فها هي الأيام تكشف عن قيام بول بريمر بسرقة ما يقارب الـ ( 900 مليون دولار ) من تلك الأموال الموهومة وها هو الواقع العراقي بكل تفاصيله البائسة يفضح حقيقة عملية الإعمار تلك.
ولعل المفارقة المثيرة للسخرية تتمثل في إعلان الإدارة الأميركية في مطلع عام 2006 أنها تخلت عن عملية إعمار العراق، والسؤال الذي لا بد أن يطرحه العالم اجمع الآن هو (متى بدأت هذه العملية بالفعل لكي تتوقف الآن ؟؟ )، إذا كنا قد وصفنا هذا الإعمار الخيالي بأنه أكبر كذبة فإن (منظمة الشفافية الدولية) لم تتردد في وصف العملية ذاتها وما يكتنفها من فساد وفضائح بأنها ( أكبر فضيحة في التاريخ ) وذلك في تقريرها السنوي الذي تداولته وسائل الإعلام في العالم كله ونشر في معظم الصحف العربية منذ ما يقارب العام.
قرار رفع أسعار البنزين الذي اتخذته الحكومة العراقية نهاية عام 2005 وأثار المزيد من الاحتجاجات والاعتراضات الداخلية حاولت الحكومة تقديم ذرائع مختلفة له في بادئ الأمر، لكنها اعترفت فيما بعد بأنه جاء بناء على نصيحة صندوق النقد الدولي، ثم جاءت أنباء لاحقة تشير إلى أن الصندوق يتجه لتقديم قرض وصف بأنه ( تاريخي ) لدى بعض وسائل الإعلام الغربية واتضح أنه يزيد على الستمائة مليون دولار، هذه المعطيات مجتمعة تؤكد بأن واشنطن قررت إدخال العراق تحت مظلة صندوق النقد الدولي مما يعني مزيداً من الديون وفوائد الديون ومعها أيضاً مزيداً من الاشتراطات والنصائح، هذا التطور له دلالاته الهامة التي لا بد من التمعن فيها، وأول هذه الدلالات تتمثل في عودة العراق للوقوع في دائرة الاستدانة الدولية رغم كل مزاعم الولايات المتحدة والدول الدائنة بأنها أعفت العراق من ديونه، وبالطبع يمكن لنا أن نتوقع بأن تشكل نسبة خدمة الديون الحصة الأعظم من الناتج الإجمالي في العراق وهذا يقود عملياً إلى مصادرة أية فرصة في حدوث تحسن اقتصادي حقيقي.
أما ثاني هذه الدلالات فيمكن استنتاجها من ( حزم الإصلاحات ) التي يطالب بها صندوق النقد الدولي الخاضع لتوجيهات واشنطن بالكامل كما هو معروف، فهذه الحزم تركز عادة على رفع الدعم الذي تقدمه الدول عادة لمواطنيها لتخفيف معاناتهم المعاشية وتحمل جزء من فاتورة الاحتياجات الأساسية لهم كالغذاء والطاقة والخدمات العامة الأخرى التي تقدمها تلك الدول بأسعار مدعومة عادة، كما إن نصائح صندوق النقد والبنك الدوليين تركز عادة على ( تقليص الدور الحكومي في الاقتصاد، وتقليص عدد الموظفين الحكوميين، وفتح الأسواق أمام البضائع الخارجية، ووقف أي دعم حكومي للصناعة أو الزراعة المحليين )، هذه هي بنود الوصفة المعتادة لهذه المؤسسات التي توصف عادة بأنها (عدوة الفقراء) لأن هذه الشريحة هي التي تدفع بالفعل ثمن نصائحها ، يمكن لنا أن نتوقع أن يتم رفع الدعم عن أسعار المشتقات النفطية في العراق خلال فترة قصيرة، وأن يتم وضع تسعيرة لخدمات الماء والكهرباء والتليفون التي يحصل عليها المواطن العراقي حالياً بصورة شبه مجانية، كما يتوقع إلغاء البطاقة التموينية التي تم بالفعل تقليص مفرداتها وشطب بعض بنودها، وليس من المستبعد أن يجد الآلاف من الموظفين العراقيين أنفسهم وقد أصبحوا عاطلين بعد أن يتم الاستغناء عن خدماتهم، وبالطبع فإن معاناة الطبقة الفقيرة ستتضاعف وتصل إلى حدود لا تطاق وبما ينذر بثورة عارمة تضيف عنصراً من التأزم للأوضاع الفوضوية القائمة حالياً، والسؤال الذي يطرح نفسه هو : هل الحكومة العراقية جاهلة بمثل هذه النتائج المعروفة سلفاً، وهل واشنطن التي تزعم أنها تسعى لضبط الأوضاع العراقية لا تـُقـِدر فعلاً ما ستؤول إليه الأمور لو طبقت مثل هذه الإجراءات ؟؟
هنالك عدة إجابات على مثل هذه التساؤلات، فربما تعول الحكومة العراقية على التدرج لجعل المواطن العراقي يرضخ للأمر الواقع ويتقبل هذه الإجراءات ولو على مضض، أو ربما كان تلهفها للحصول على أموال القروض من المنظمات الدولية هو السبب الذي ينسيها نتائج فعلتها، أما واشنطن فإن أهدافها الحقيقة في العراق تتسم بالغموض والتناقض في كثير من الأحيان، كما إن الكثير من سياساتها يتسم بغباء فعلي رغم أن البعض يعتقد إن إحداث الفوضى في العراق هو أحد أهداف إستراتيجية واشنطن في بلادنا حتى لو كانت حكومة عميلة للأمريكان هي التي تدفع ثمن هذه الفوضى، وأنه ليس بعيد من يضع تلك الإستراتيجية التدمير والإفقار والتكبيل بالقيود ومصادرة فرصة النهوض المستقبلي هي العناوين العريضة لسياسة واشنطن تجاه الاقتصاد العراقي، لكن هذه السياسة ليست سوى فرع لإستراتيجية بائسة خائبة توشك أن تمنى بالهزيمة والفشل، وإذا كان الجانب الاقتصادي هو الفرع أو الذيل لهذه الإستراتيجية الخبيثة فإن الاحتلال والتواجد العسكري هو أصله أو رأسه، وإذا ما تم قطع الرأس فلا أحد يتوقع للذيل أن يستمر بالحياة
