zindin zidan
03-28-2008, 08:13 PM
تحية طيبة وبعد ...
بالبداية اود ان اتقدم لهذا العمل للاخوة بمنتديات برامج نت ...
هو عبارة عن مقالة سياسية لنزار قباني وتعتبر من مقالته السياسية النادرة ..
اترككم للاستمتاع بقراءة المقال
وصفة عربية .. لكتابة مقالة سياسية ...
((1))
الكتابة السياسية في هذه الايام تشبه التزحلق على شفرة الحلاقة ..
اذا انحرفت الى اليمين فانت مذبوح...
واذا انحرفت الى اليسار فانت مذبوح..
واذا سرت على الصراط المستقيم فانت مذبوح ...الكاتب العربي يقف فوق جزيرة تصغر مساحتها كل يوم..
بحيث اذا استمرت الحال على ما هي عليه ,فان الماء سيبتلع الجزيرة .. ومن هم فوق الجزيرة ...
اذا بقينا على هذه الحال .. فسوف تغرق الكتابة ..
وسوف تنقرض الكتابة ...
((2))
ليست خارطة الوطن العربي وحدها هي التي تضيق علينا ...
ولكن خريطة الكلمة بدأت ايضا تضيق ...
فعندما تصبح الكلمة زنزانة طولها متر .. وعرضها متر ...وارتفاعها متر ...
فانك لا تستطيع ان تنام الا واقفا ..ولا ان تكتب الا واقفا ...ولا ان تموت الا واقفا ...
((3))
ضاقت مساحة اللغة العربية حتى صارت اصغر من حبة الاسبرين ....
عندما بدأنا نكتب في الاربيعينيات ,كانت الأبجدية تتألف من ثمانية وعشرون حرفا .
ثم ..مع الأيام بدأت الأبجدية ( تكش) وتتقلص مثلما يتقلص قميص الصوف الموضوع في غسالة كهربائية ..
كل يوم يسحبون حرفا من حروف الأبجدية ..
كل يوم يسرقون منا فعلاً او اسماً او فاعلا او مضافا اليه ...
كل يوم يسحبون منا قطرة حبر ... او قطرة دم ... حتى أصبنا بفقر الدم مزمن ..
وفقر حبر مزمن ...
((4))
طينوا كل النوافذ التي كنا نرى منها اللون الازرق ..
نسينا ان هناك لوناً أسمه الازرق .. قتلوا فينا ذاكرة اللون ..
استأصلوا حناجرنا فلم نعد فقادرين على النباح ..
وقلعوا جيمع اضراسنا فلم نعد قادرين على العض ...
فرضوا على اللغة العربية نظام الاحكام العرفية ... ومنعونا من استخدام حروف النداء .. وحروف الاستغاثة ..
واشارا التعجب والاستفهام ....
وأعطوا القصيدة حبوب منع الحمل ... فصارت القصيدة عاقراً ..وأعطوا الكتاب حقنة مضادة للرجولة ..فصار عنينا ....
((5))
اذن ... ماذا يفعل الكاتب العربي ليستبقي رأسه في مكانه !!!
ما هي أفضل طريقة لكتابة جملة عربية مفيدة ... في هذا الوطن المدجج بالرعب حتى أسنانه ...
ما هي أفضل طريقة للتفاهم مع مسدس .. او لممارسة الحب مع قنبلة موقوتة .؟!
ما هي أسلم طريقة للمرور على هذا السلك المعدني الممتد بين الهاوية وبين الهاوية .؟ما هو الموضوع الذي اذا
عالجته ,لا تذهب بعده لزيارة جد من اجدادك الذين ماتوا الاول للهجرة ؟؟
الموضوع الوحيد الذي يمكنك الاقتراب منه ..دون أن تروح في داهية-كما يقول اخواننا المصريون -هو أن تكتب عن جبنة ( البقرة الضاحكة ) ..
ان جبنة البقرة الضاحكة هي الموضع السياسي النموذجي الذي يمكنك أن تقترب منه واانت مغمض العينين ..
فالانظمة لا اعتراض عليها من حيث المبدأ على الجبنة ولا اعتراض لها على البقر...
ولا سيما على البقر الذي يضحك ...
ونحن بقر يضحك ..
لا لأنه بقر سعيد .. ومترف .. وبورجوازي ... كالأبقار السويسرية التي تتغذى جيدا ...
وتنام جيدا ... وتاكل على انغام الموسيقى ... وتخضع للفحص الطبي كل يوم ...ويصرفون الدواء لها مجاناً...
والكتاب المدرسي مجانا...وتنال راتبا تقاعديا محترما في شيخوختها ...
((6))
كل يوم يتراجع البحر.. وتتقدم الصحراء..
وكل يوم يتناقص الياسمين .. ويتزايد عدد رجال البوليس ....
انني لا أتذكر حقبة زمنية تحددت فيها خيارات أمام الكاتب ..كما تحددت في هذه الأيام , ولا أتذكر زماناَ ضاقت فيه الأفاق , وتعذرت فيه الرؤيا كهذا الزمان ...
من أي باب عربي ندخل ؟!
كل الأبواب أمامنا مكهربة ... اذا لمسناها تحولنا الى رماد ...
وكل المواضيع العربية .. حقول من الصبار اذا اصطدمنا بها سال دمنا أنهارا ...
أكثر المسؤولين العرب لا يقبلون المزاح .. ولا يقبلون النكتة ...
واذا تصادف أن حدثت معجزة وضحكوا .. فان ضحكتهم كضحكة ساحرات شكسبير ..تبدأعلى شكل ضجكة .. ثم تنتهي بالرعد والمطر والصواعق ...
ليس هناك تيرمو متر يمكن به قياس مزاج المسؤول العربي ...فاذا ضحك ,فهذا يعني أن زمن البكاء قادم ... واذا انفجرت شفتاه فأنت لا تعرف اذا كان سيقبلك ... او سيأكلك ...
أتذكر أنني في الاربعينيات كنت ألعب باللغة كما يلعب الطفل بطيارة ورقية ... أطلقها في السماء كطاووس ملون ...أوجهها الى الشرق مرة والى الغرب مرة ... وأحركها في اتجاه الرياح تارة .. وفي الاتجاه المعاكس للريح مرة اخرى .. وأفلتها من خيطها حتى تصطدم بأسوار الشمس ...
في الثمانيات صادروا كل طائراتي الورقية الجميلة ...
وقطعوا خيطانها ومنعوني من اللعب في الهواء الطلق ...
((7))
في الاربعينيات كانت اللغة حديقة عامة يتجول الكاتب في رحابها كما يشاء ,وينط , ويسبح ويصرخ ويضحك ...
في الثمانيات أمموا اللغة .. ووضعوها تحت الحراسة ...
في الأربعينيات كنا نكتب ونحن جالسون على طاولة لها اربع أرجل ...
اليوم نكتب ونحن مقرفصون كما تفعل الدجاجة عندما تبيض ....
لا طبيبي يشرف علينا أثناء ولادتنا ... ولا ممرضة تقيس درجة حرارتنا ..ولا اقارب مسموح لهم بزيارتنا ...
ولا نشرة تطمئن الناس عن نتيجة الولادة ...ولا طبيعة المولود .. هل هو ذكر أم انثى !!
هل هو أرنب أم ضفدعة؟؟! هل هو قصيدة شعر أم بسكليت....
((8))
في الاربعينيات كنا نكتب وأمامنا فنجان قهوة .. اليوم نكتب وأمامنا صيدلية ..
زجاجة الفاليوم هنا .. وحبوب الضغط هناك ...
ومسكنات لايقاف هجمة (الميغرين) ,,,
وفيتامين (بي)و(سي)و (دي)لرفع المعنويات ومكافحة الكآبة
و(تحاميل) .. لتحمل نشرة الأخبار .. وغلاظات هذا العصر العربي
لقد أخذت الصيدلية مكان المكتبة في حياة الكاتب ...
والمراجع التي يعتمد عليها صارت مراجع طبية وجراحية أكثر منها مراجع أدبية وفلسفية ..حتى صار الدكتور مايكل دبغي ,جراح القلب العالمي نجما عالم الأدب .. وأهم من الجاحظ ..وابن المقفع ..وطاغور ...
الكاتب العربي اليوم صار يراقب ضغط دمه أكثر مما يراقب حكرة الحياة , وصار يقيس ضربات قلبه .. قبل أن يقيس ضربات قلب العالم...
وصار يعرف عن مرض الكآبة والشيزوفرنيا أكثر مما يعرف عن هاملت .. وعن مسرح بريخت ..
في الاربعينيات .. كنت أكتب القصيدة فأشعر انني غيرت هندسة العالم ... وهندسة الانسان ...
في الثمانيات أشعر انه لا أحد يستطيع ان يغير أحد أن الوطن أصبح مصفحا ضد الحب والتسامح ...
في الاربعينيات كان مزول كتاب شعر الى السوق يعادل نزول المطر أو مجيئ الربيع ...
في الثمانيات أصبح اقتناء جهاز استيريوا .. أهم من اقتناء كتابي مقدمة بن خلدون ... والأعمال الشعرية الكاملة ..
((9))
في الأربعينيات كنا نخترق السماوات العربية كالعصافير .. وننقر من أشجار القمر كالعصافير ..
كان الحلم ممكنا .. والطيران ممكنا.. والهبوط على أرض الحرية ممكنا ...
في الثمانيات تعتذر كل المطارات عن استقبالنا ..ويطفئون مدرج الهبوط ..
يرفضنا برج المراقبة (مراقبة المطبوعات ومراقبة الكلمات )ويطلب الينا الهبوط في مطار آخر غير عربي...
((10))
انهم يتعاملون مع الأديب كأنه اختطف طائرة ..
وكلما اقترب من مطار مدينة عربية منعوه من الهبوط ...
لأن مدرجات الهبوط في المطارات العربية ليست مهيأة لاستقبال طائرات الحرية...
((11))
هل رأى أحد منكم الحرية ؟؟!
انني لا أعرف أين هي . ولكنني قرأت في احدى الجرائد اليومية وفي الصفحة الخاصة بالاشياء المفقودة الاعلان التالي :
((فتاة في العاشرة من عمرها ,سوداء الشعر سوداء العينين .
((مربوعة القامة ,تلبس ثوبا مدرسيا أزرق , وتضع في عنقها ..
((سلسالا ذهبيا كتبت عليه عبارة ما شاء الله..
(( فالرجاء ممن يعثر عليها الاتصال بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية ..
((أجره وثوابه عند الله ..لأن الفتاة يتيمة الأبوين ..))
وبالرغم من مرور خمس وثلاثين سنة على هذا الاعلان الذي نشرته كل الصحف العربية فان الفتاة لم تظهر..
ولم يتقدم أحد بأي معلومات تلقي الضوء على حادثة الخطف ...
الاشاعات كثيرة ..
والأقوال متضاربة ..
ولكن الشهود الذين يعرفون الفتاة,قالوا أنها اختطفت من شارع عربي .. في وسط عاصمة عربية ... في وسط دولة عربية , في وسط امة عربية وأن الشيئ الوحيد الذي عثرت عليه الشرطة القضائية ...
هو السلسال الذهبي الذي يحمل عبارة ما شاء الله ...
((12))
هل رأى أحد منكم نجمة في سماء الوطن العربي اسمها الحرية !...؟
اذا كان أحد منكم قد شاهدها بالعين المجردة .. او بالمنظار المكبر فليدلني عليها ..وله عندي جائزة عظيمة ..
الحرية ليلة قدر ...
والغريب أنهم في السويد والدانمارك وفنلندا يستطيعون بسهولة أن يروا ليلة القدر ...
أما انا العربي, المسلم المؤمن بالله والرسول واليوم الأخر .. فلا أستطيع ان أراها ...
لماذا أيها السادة ؟؟؟
لما يكون حظ ابن ستوكهولم .. أحسن من حظ ابن القباني ؟؟؟..
لماذا ؟؟؟
---------------------
بالبداية اود ان اتقدم لهذا العمل للاخوة بمنتديات برامج نت ...
هو عبارة عن مقالة سياسية لنزار قباني وتعتبر من مقالته السياسية النادرة ..
اترككم للاستمتاع بقراءة المقال
وصفة عربية .. لكتابة مقالة سياسية ...
((1))
الكتابة السياسية في هذه الايام تشبه التزحلق على شفرة الحلاقة ..
اذا انحرفت الى اليمين فانت مذبوح...
واذا انحرفت الى اليسار فانت مذبوح..
واذا سرت على الصراط المستقيم فانت مذبوح ...الكاتب العربي يقف فوق جزيرة تصغر مساحتها كل يوم..
بحيث اذا استمرت الحال على ما هي عليه ,فان الماء سيبتلع الجزيرة .. ومن هم فوق الجزيرة ...
اذا بقينا على هذه الحال .. فسوف تغرق الكتابة ..
وسوف تنقرض الكتابة ...
((2))
ليست خارطة الوطن العربي وحدها هي التي تضيق علينا ...
ولكن خريطة الكلمة بدأت ايضا تضيق ...
فعندما تصبح الكلمة زنزانة طولها متر .. وعرضها متر ...وارتفاعها متر ...
فانك لا تستطيع ان تنام الا واقفا ..ولا ان تكتب الا واقفا ...ولا ان تموت الا واقفا ...
((3))
ضاقت مساحة اللغة العربية حتى صارت اصغر من حبة الاسبرين ....
عندما بدأنا نكتب في الاربيعينيات ,كانت الأبجدية تتألف من ثمانية وعشرون حرفا .
ثم ..مع الأيام بدأت الأبجدية ( تكش) وتتقلص مثلما يتقلص قميص الصوف الموضوع في غسالة كهربائية ..
كل يوم يسحبون حرفا من حروف الأبجدية ..
كل يوم يسرقون منا فعلاً او اسماً او فاعلا او مضافا اليه ...
كل يوم يسحبون منا قطرة حبر ... او قطرة دم ... حتى أصبنا بفقر الدم مزمن ..
وفقر حبر مزمن ...
((4))
طينوا كل النوافذ التي كنا نرى منها اللون الازرق ..
نسينا ان هناك لوناً أسمه الازرق .. قتلوا فينا ذاكرة اللون ..
استأصلوا حناجرنا فلم نعد فقادرين على النباح ..
وقلعوا جيمع اضراسنا فلم نعد قادرين على العض ...
فرضوا على اللغة العربية نظام الاحكام العرفية ... ومنعونا من استخدام حروف النداء .. وحروف الاستغاثة ..
واشارا التعجب والاستفهام ....
وأعطوا القصيدة حبوب منع الحمل ... فصارت القصيدة عاقراً ..وأعطوا الكتاب حقنة مضادة للرجولة ..فصار عنينا ....
((5))
اذن ... ماذا يفعل الكاتب العربي ليستبقي رأسه في مكانه !!!
ما هي أفضل طريقة لكتابة جملة عربية مفيدة ... في هذا الوطن المدجج بالرعب حتى أسنانه ...
ما هي أفضل طريقة للتفاهم مع مسدس .. او لممارسة الحب مع قنبلة موقوتة .؟!
ما هي أسلم طريقة للمرور على هذا السلك المعدني الممتد بين الهاوية وبين الهاوية .؟ما هو الموضوع الذي اذا
عالجته ,لا تذهب بعده لزيارة جد من اجدادك الذين ماتوا الاول للهجرة ؟؟
الموضوع الوحيد الذي يمكنك الاقتراب منه ..دون أن تروح في داهية-كما يقول اخواننا المصريون -هو أن تكتب عن جبنة ( البقرة الضاحكة ) ..
ان جبنة البقرة الضاحكة هي الموضع السياسي النموذجي الذي يمكنك أن تقترب منه واانت مغمض العينين ..
فالانظمة لا اعتراض عليها من حيث المبدأ على الجبنة ولا اعتراض لها على البقر...
ولا سيما على البقر الذي يضحك ...
ونحن بقر يضحك ..
لا لأنه بقر سعيد .. ومترف .. وبورجوازي ... كالأبقار السويسرية التي تتغذى جيدا ...
وتنام جيدا ... وتاكل على انغام الموسيقى ... وتخضع للفحص الطبي كل يوم ...ويصرفون الدواء لها مجاناً...
والكتاب المدرسي مجانا...وتنال راتبا تقاعديا محترما في شيخوختها ...
((6))
كل يوم يتراجع البحر.. وتتقدم الصحراء..
وكل يوم يتناقص الياسمين .. ويتزايد عدد رجال البوليس ....
انني لا أتذكر حقبة زمنية تحددت فيها خيارات أمام الكاتب ..كما تحددت في هذه الأيام , ولا أتذكر زماناَ ضاقت فيه الأفاق , وتعذرت فيه الرؤيا كهذا الزمان ...
من أي باب عربي ندخل ؟!
كل الأبواب أمامنا مكهربة ... اذا لمسناها تحولنا الى رماد ...
وكل المواضيع العربية .. حقول من الصبار اذا اصطدمنا بها سال دمنا أنهارا ...
أكثر المسؤولين العرب لا يقبلون المزاح .. ولا يقبلون النكتة ...
واذا تصادف أن حدثت معجزة وضحكوا .. فان ضحكتهم كضحكة ساحرات شكسبير ..تبدأعلى شكل ضجكة .. ثم تنتهي بالرعد والمطر والصواعق ...
ليس هناك تيرمو متر يمكن به قياس مزاج المسؤول العربي ...فاذا ضحك ,فهذا يعني أن زمن البكاء قادم ... واذا انفجرت شفتاه فأنت لا تعرف اذا كان سيقبلك ... او سيأكلك ...
أتذكر أنني في الاربعينيات كنت ألعب باللغة كما يلعب الطفل بطيارة ورقية ... أطلقها في السماء كطاووس ملون ...أوجهها الى الشرق مرة والى الغرب مرة ... وأحركها في اتجاه الرياح تارة .. وفي الاتجاه المعاكس للريح مرة اخرى .. وأفلتها من خيطها حتى تصطدم بأسوار الشمس ...
في الثمانيات صادروا كل طائراتي الورقية الجميلة ...
وقطعوا خيطانها ومنعوني من اللعب في الهواء الطلق ...
((7))
في الاربعينيات كانت اللغة حديقة عامة يتجول الكاتب في رحابها كما يشاء ,وينط , ويسبح ويصرخ ويضحك ...
في الثمانيات أمموا اللغة .. ووضعوها تحت الحراسة ...
في الأربعينيات كنا نكتب ونحن جالسون على طاولة لها اربع أرجل ...
اليوم نكتب ونحن مقرفصون كما تفعل الدجاجة عندما تبيض ....
لا طبيبي يشرف علينا أثناء ولادتنا ... ولا ممرضة تقيس درجة حرارتنا ..ولا اقارب مسموح لهم بزيارتنا ...
ولا نشرة تطمئن الناس عن نتيجة الولادة ...ولا طبيعة المولود .. هل هو ذكر أم انثى !!
هل هو أرنب أم ضفدعة؟؟! هل هو قصيدة شعر أم بسكليت....
((8))
في الاربعينيات كنا نكتب وأمامنا فنجان قهوة .. اليوم نكتب وأمامنا صيدلية ..
زجاجة الفاليوم هنا .. وحبوب الضغط هناك ...
ومسكنات لايقاف هجمة (الميغرين) ,,,
وفيتامين (بي)و(سي)و (دي)لرفع المعنويات ومكافحة الكآبة
و(تحاميل) .. لتحمل نشرة الأخبار .. وغلاظات هذا العصر العربي
لقد أخذت الصيدلية مكان المكتبة في حياة الكاتب ...
والمراجع التي يعتمد عليها صارت مراجع طبية وجراحية أكثر منها مراجع أدبية وفلسفية ..حتى صار الدكتور مايكل دبغي ,جراح القلب العالمي نجما عالم الأدب .. وأهم من الجاحظ ..وابن المقفع ..وطاغور ...
الكاتب العربي اليوم صار يراقب ضغط دمه أكثر مما يراقب حكرة الحياة , وصار يقيس ضربات قلبه .. قبل أن يقيس ضربات قلب العالم...
وصار يعرف عن مرض الكآبة والشيزوفرنيا أكثر مما يعرف عن هاملت .. وعن مسرح بريخت ..
في الاربعينيات .. كنت أكتب القصيدة فأشعر انني غيرت هندسة العالم ... وهندسة الانسان ...
في الثمانيات أشعر انه لا أحد يستطيع ان يغير أحد أن الوطن أصبح مصفحا ضد الحب والتسامح ...
في الاربعينيات كان مزول كتاب شعر الى السوق يعادل نزول المطر أو مجيئ الربيع ...
في الثمانيات أصبح اقتناء جهاز استيريوا .. أهم من اقتناء كتابي مقدمة بن خلدون ... والأعمال الشعرية الكاملة ..
((9))
في الأربعينيات كنا نخترق السماوات العربية كالعصافير .. وننقر من أشجار القمر كالعصافير ..
كان الحلم ممكنا .. والطيران ممكنا.. والهبوط على أرض الحرية ممكنا ...
في الثمانيات تعتذر كل المطارات عن استقبالنا ..ويطفئون مدرج الهبوط ..
يرفضنا برج المراقبة (مراقبة المطبوعات ومراقبة الكلمات )ويطلب الينا الهبوط في مطار آخر غير عربي...
((10))
انهم يتعاملون مع الأديب كأنه اختطف طائرة ..
وكلما اقترب من مطار مدينة عربية منعوه من الهبوط ...
لأن مدرجات الهبوط في المطارات العربية ليست مهيأة لاستقبال طائرات الحرية...
((11))
هل رأى أحد منكم الحرية ؟؟!
انني لا أعرف أين هي . ولكنني قرأت في احدى الجرائد اليومية وفي الصفحة الخاصة بالاشياء المفقودة الاعلان التالي :
((فتاة في العاشرة من عمرها ,سوداء الشعر سوداء العينين .
((مربوعة القامة ,تلبس ثوبا مدرسيا أزرق , وتضع في عنقها ..
((سلسالا ذهبيا كتبت عليه عبارة ما شاء الله..
(( فالرجاء ممن يعثر عليها الاتصال بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية ..
((أجره وثوابه عند الله ..لأن الفتاة يتيمة الأبوين ..))
وبالرغم من مرور خمس وثلاثين سنة على هذا الاعلان الذي نشرته كل الصحف العربية فان الفتاة لم تظهر..
ولم يتقدم أحد بأي معلومات تلقي الضوء على حادثة الخطف ...
الاشاعات كثيرة ..
والأقوال متضاربة ..
ولكن الشهود الذين يعرفون الفتاة,قالوا أنها اختطفت من شارع عربي .. في وسط عاصمة عربية ... في وسط دولة عربية , في وسط امة عربية وأن الشيئ الوحيد الذي عثرت عليه الشرطة القضائية ...
هو السلسال الذهبي الذي يحمل عبارة ما شاء الله ...
((12))
هل رأى أحد منكم نجمة في سماء الوطن العربي اسمها الحرية !...؟
اذا كان أحد منكم قد شاهدها بالعين المجردة .. او بالمنظار المكبر فليدلني عليها ..وله عندي جائزة عظيمة ..
الحرية ليلة قدر ...
والغريب أنهم في السويد والدانمارك وفنلندا يستطيعون بسهولة أن يروا ليلة القدر ...
أما انا العربي, المسلم المؤمن بالله والرسول واليوم الأخر .. فلا أستطيع ان أراها ...
لماذا أيها السادة ؟؟؟
لما يكون حظ ابن ستوكهولم .. أحسن من حظ ابن القباني ؟؟؟..
لماذا ؟؟؟
---------------------



