tantawy
02-16-2008, 08:37 AM
قرأت رواية (أولاد حارتنا) للأستاذ نجيب محفوظ منذ أكثر من ثلاثين سنة ، وكانت وقتها تُوزع سرا بين طلاب الجامعة مصورة عن نسخة لبنانية ، وقد شعرت وقتها – في سن الشباب – بغضب شديد لهذا المساس الفاضح بالدين وبقدسية الله تبارك وتعالى وارتجفت لبعض العبارات والمواقف التي تمس الأنبياء عليهم السلام ، وحمدت الله أن قيد لمصر من يقف أمام نشر هذه الرواية ، وكان الشيخ محمد الغزالي والشيخ سيد سابق في طليعة من تصدى لنشرها في وقت كانت الثقافة الاشتراكية بمسحة شيوعية هي الغالبة وإليها كان ينتسب معظم "المثقفين".
لقد نشرت أخيرا الرواية في مصر وحققت مبيعات عالية في معرض القاهرة الأخير للكتاب ، ويوجب هذا إعادة مناقشة هذه الرواية بشكل حر وبصدر يتسع للرأي والرأي الآخر.
تقوم الرواية على فكرة غاية في الرمزية المباشرة – والتي تقلل من القيمة الفنية لها – وتعمد إلى تصوير صراع مفتعل بين "العلم" و"الدين" وهو الصراع الذي ينتهي في الرواية بانتصار العلم وموت الدين (على أقل تقدير) ، وهذه النتيجة الساذجة هي التي قدرتها لجنة الأكاديمية السويدية التي منحت نجيب محفوظ جائزة نوبل ، حيث قالت اللجنة في خطاب منح الجائزة في معرض ثنائها على نجيب محفوظ (لقد كانت رواية أولاد الجبلاوي مفاجأة كبرى ، فهي تحكي تاريخ البشرية الروحي ، قدمها في 114 فصلا بعدد سور القرآن ، وقد صور فيها بشكل واضح الرموز الكبرى للديانات اليهودية والمسيحية والإسلام ، وإن كانت متنكرة في أشخاص يواجهون مواقف مشحونة بالتوتر ، وإلى جانب هؤلاء شخصية تمثل العلم الحديث ، شخصية ممتلئة مهارة وخليط من الحب والمتفجرات وهي الشخصية التي تصبح مسئولة فيما بعد عن موت الدين أو موت الإله).
لقد حاول نجيب محفوظ مرارا أن يتنصل من المعاني المباشرة الواضحة التي تنضح بها الرواية ، حتى قال في إحدى لقاءاته المنشورة في الأهرام (أولاد حارتنا عمل حرمته الظروف من النقد، هذا عمل سياسي في المقام الأول... والمقصودون بالعمل فهموا معناه... لذلك الأرجح أنهم كانوا وراء تحويل الأمر إلى الناحية الدينية لكي أقع في شر أعمالي) ولكن وضوح الرواية ورموز أبطالها وأحداثها لا يسعف من يؤيد هذا الإدعاء بحال من الأحوال.
فالرواية تدور أحداثها في حارة تمثل هذه الدنيا ، وكبير الحارة وأصلها هو الجبلاوي الذي يمثل الدين (أو الله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ) وهو صاحب الشروط العشر (كالوصايا العشر) ولسبب غامض وغير منطقي (كغموض الدين) يفضل الجبلاوي أدهم (آدم) على إدريس (إبليس) فيظهر إدريس عصيانه فيطرده الجبلاوي من دار كرامته وعزه. وينتقم إدريس من طرده فيزين لأدهم فضوله للمعرفة (الشجرة المحرمة) وتساعده زوجته فيطردهما الجبلاوي ، فيخرجان من دار كرامته آسفين نادمين.
وفي رمزية سافرة ، تمضي الرواية لتتبع خطى أنياء الله الكرام ، فها هو أدهم وزوجته يساعدان قدري ( قابيل ) الذي ما يلبث أن ينقلب على أخيه همام (هابيل) فيقتله ، ثم تصف الرواية اضطهاد ناظر الوقف (فرعون) لبني حمدان (بني إسرائيل) إلا أن زوجة ناظر الوقف تتبنى طفلا من بني حمدان هو جبل (موسى عليه السلام) ويتمرد جبل على الناظر ويقتل أحد رجال الناظر دون قصد فيهرب ويترك الحارة ، فيجد فتاتين لا تستطيعان مزاحمة الرجال فسقى لهما ثم يزوجه أبوهما إحداهما مكافأة له ثم يقوم بتعليمه التعامل مع الثعابين ، ويقرر الجبلاوي الذي كان قد جعل بينه وبين أهل الحارة حجابا ، يقرر فجأة الظهور مرة أخرى فيتجلى لجبل في فضاء قصره ويقول له (لا تخف) ويرغب جبل في رؤية جده الجبلاوي ولكنه يمتنع ويقول له (لن تراني ، ما دام الظلام) ولكنه يأمره أن ينقذ بني حمدان من الاضطهاد وأن يواجه ناظر الوقف ...... إلى آخر أحداث تحاكي قصة خروج موسى عليه السلام ببني إسرائيل من مصر ، ثم يأتي إلى الحارة رفاعة (عيسى عليه السلام) طيبا وديعا مسالما ويأبى أن يعاقب ياسمين (مريم المجدلية) على خطيئتها ويجتهد في نشر المحبة بين بني حمدان ولكنهم يرفضونه بعد أن قست قلوبهم فيتوجه لباقي أهل الحارة بدعوته .... وأحداث طويله تؤدي إلى مصرع رفاعة ، لكن الجبلاوي يرفع جثته ويدفنها في حديقة القصر، ثم يظهر قاسم ( محمد صلى الله عليه وسلم ) الذي ولد يتيما وكفله عمه زكريا ( أبو طالب ) وكان يرعى غنما لأرملة في الأربعين هي قمر (خديجة رضي الله عنها) فتحبه وتعجب به وترسل له خادمتها تشجعه على الزواج منها.. ويعجب به كل أهل الحارة لصدقه وأمانته ، ولكن فجأة يظهر له قنديل (جبريل عليه السلام) خادم الجبلاوي ليخبره بتكليف الجبلاوي له بإقامة العدل بين كل أهل الحارة دون تمييز ... وبعد حياة حافلة وأحداث ضخمة يموت قاسم فتعم الفتنة وتنتشر الفوضى ... ويتساءل أهل الحارة بحسرة عن الجبلاوي الذي يرى ويسمع كل هذه الفوضى وكل هذه المظالم دون أن يتدخل ... وفجأة يظهر عرفة (العلم الحديث) لا يعرف أهل الحارة له أبا ( فالعلم لا جنس له ولا دين) ويشتغل بالسحر فيمتلك نواصي القوة ، ويستغيث أهل الحارة بالجبلاوي الذى لم يروه يوما ولكنه لا يجيبهم ، ويقرر عرفة اقتحام قصر الجبلاوي ، ويتسلل إليه ليلا ويقتل الخادم الأمين للجبلاوي ، ولكن في الصباح ينتشر الخبر بموت الجبلاوي نفسه (نهاية الدين أو الذات الإلهية) حزنا على خادمه الأمين. ولكن عرفه – بدلا من أن يهش لنهاية الجبلاوي - يندم على تلك الجريمة لأنه اكتشف أهمية وجود الجبلاوي لأهل الحارة حيث كان تأثيره بالغا في توجيه أولاد الحارة الطيبين وجعلهم على استعداد للتضحية من أجل تنفيذ توجيهاته لخير وسعادة الحارة ، ويتمكن عرفة من صنع قنبلة حارقة يقاوم بها الظالمين ولكن ناظر الوقف (الحكومة) يكتشف علاقته بمصرع الجبلاوي فتهدده وتبتزه حتى يضطره للعمل معه فيصنع له المزيد من القنابل التي يستخدمها الناظر في السيطرة على أهل الحارة واستعبادهم ، ويندم عرفه على أن سحره انقلب عليه وكان السبب في هذا الاستعباد ثم ينزل عليه الخبر الصاعق من خادمة الجبلاوي أن سيدها مات وهو راضٍ عن عرفه ، فيهرب بالكراسة التي دون فيها رموز سحره ويلحق به رجال الناظر (كأنهم مسالح الدجال) فيقتلونه ولكن بعد أن ينجح أخوه حنش في أخذها ليبدأ بدوره تكوين جماعة جديدة تؤمن بالسحر وتجهز نفسها ليوم الخلاص.
آسف على الإطالة في تلخيص مجريات الرواية ، ولكن هذا من أجل توضيح الرمزية المباشرة التي لا يختلف عليها منصفان ، ورموز الرواية تطفح بالمعاني المباشرة ويمكن تلخيصها في أبطال وأحداث الرواية على النحو التالي:
الشخصية .. ---- >>> ... التفسير
الجبلاوي .. ---- >>> ... الله عز و جل، و ذلك بسبب صفات الجبلاوي الأزلية، و أخذاً من الجَبْل (بتسكين الباء) أي الخلق.
الحارة .. ---- >>> ... العالم او الكون
أدهم .. ---- >>> ... آدم، التشابه الواضح بين لفظ الاسمين، و كون أدهم الابن الصغير المفضل للجبلاوي، ولادته من أم سمراء (التراب)، و واقعة طرده هو وزوجته بعد مكيدة إدريس له.
إدريس .. ---- >>> ... إبليس، التشابه بين الاسمين، و فكرة تكبره و كراهيته لأدهم، و خروجه من زمرة الأبناء المفضلين بتمرده على أبيه.
جبل .. ---- >>> ... موسى عليه السلام ، مأخوذ من حديث القرآن عن تجلي الله تعالى لموسى على جبل الطور وكلامه معه.
رفاعة .. ---- >>> ... المسيح عليه السلام، وأنه لم يمت و لم يُصلب و إنما رُفع إلى السماء ، ولهذا اسمه رفاعة.
قاسم .. ---- >>> ... محمد صلى الله عليه وسلم، و ذلك من كنية الرسول (أبي القاسم)، و منه أنه جاء من أفقر حي فأعلى شأن قومه، و كان له أصحاب، و تزوج نساء كثيرات.
قمر .. ---- >>> ... خديجة رضي الله عنها ، تعرض نفسها ليتزوجها قاسم وهي الأرملة المرموقة في الأربعين من عمرها.
صادق .. ---- >>> ... أبو بكر الصديق، و ذلك من اسمه و صحبته لقاسم، و خلافته له بعد موته.
عرفه عرفه من المعرفة أو العلم، و هو يرمز للعلم في الرواية، فليس جبلياً، أو رفاعياً، أو قاسمياً/ ليس يهودياً، مسيحياً، أو مسلماً. و ينسبه كل فريق إليهم، و هو قاتل الجبلاوي.
الحدث .. ---- >>> ... المكان رمزه
ولادة أدهم من أم سمراء .. ---- >>> ... خلق آدم من الطين.
تمرد إدريس .. ---- >>> ... تمرد إبليس على الله و رفضه السجود.
إطلاع أدهم على الحجرة حيث الوصية .. ---- >>> ... الأكل من الشجرة المحرمة.
قتل قدري لأخيه .. ---- >>> ... قصة قابيل و هابيل.
حديث جبل و الجبلاوي .. ---- >>> ... حديث الله و موسى.
موت رفاعة و الاختلاف فيه .. ---- >>> ... واقعة تعذيب المسيح و الاختلاف حول صلبه .
تحول رفاق رفاعة إلى حكام .. ---- >>> ... بناء القديس بطرس للكنيسة.
خروج قاسم من الحي .. ---- >>> ... الهجرة من مكة إلى المدينة .
المعركة الأولى بالنبابيت .. ---- >>> ... غزوة بدر.
وراثة صادق لقاسم .. ---- >>> ... خلافة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم.
جهل نسب عرفة .. ---- >>> ... العلم لا جنسية له و لا دين.
موت الجبلاوي .. ---- >>> ... موت الإله أو نهاية الدين.
تسمي كل حي من أحياء الحارة باسم الأبرز فيه .. ---- >>> ... الإختلاف بين أبناء الديانات التوحيدية الثلاث.
قصر الجبلاوي .. ---- >>> ... الجنة.
هذا السرد وهذه العلاقات لا تدع مجالا للشك في معنى الرواية وهدفها مهما حاول العلمانيون صرف معناها إلى اتجاهات أخرى ، فالرمزية المباشرة لا تسعفهم في هذا التملص ولا ينسجم معها قول محمد سلماوي مثلا (إن العمل الفني يتسع لكل التفسيرات فهو غير المقال الصحفي ومن يطالع عملا أدبيا يتناوله من خلال تجربته ورؤيته(.
إن نشر الرواية بعد وفاة نجيب محفوظ وانتشارها في مصر بعد حظرها قرابة الخمسين عاما يستوجب بيان هذه المعاني الفاسدة في الرواية وأنها كانت نتاج مرحلة زمنية غلب فيها التفسير الشيوعي للتاريخ وللرسالات السماوية ، وليست مصادفة أن يظهر بعد الرواية بوقت قصير نص الميثاق الوطني لعبد الناصر ، والذي كتبه وصاغه محمد حسنين هيكل وهو نفسه الذي نشر الرواية أول مرة في الأهرام عام 1959 ، ونرى في ذلك الميثاق عبارته المشهورة (إن رسالات السماء كلها فى جوهرها كانت ثورات إنسانية استهدفت شرف الإنسان وسعادته) .. وهذا بالضبط الإطار الذي ترى فيه الرواية الأديان السماوية ، أنها ثورات انسانية لا علاقة لها بحقيقة أنها من الله تبارك وتعالى.
لقد أفضى نجيب محفوظ إلى ربه ، وأسأل الله تعالى أن يغفر له ولعلنا نذكر له أنه أصر على عدم نشر الرواية في حياته إلا بعد موافقة الأزهر الشريف ، وكنا نرجو أن يتبرأ من هذه الرواية وألا يقف متذبذبا أمامها كالابن غير الشرعي لا يستطيع أن يتبناه ولا يملك أن ينكره. وعلى كل حال فإن موقفه الرافض لنشرها قد ألب عليه العلمانيين فاتهموه بالجبن والتخاذل وأنه قد خان أدبه. بل إنهم حتى لم يعجبهم تقديم رموز اسلامية للرواية عند نشرها واعتبروها صكوك غفران مرفوضة. ولا نعتقد أن نجيب محفوظ جامل الفكر الثوري أيام عبد الناصر أو أنه تعمد إهانة الدين فسيرة الرجل لا تنسجم مع هذا التفسير بل إن مواقفه المناهضة للاستبداد في ( ثرثرة على النيل ) و(ميرامار) تلغي هذا التأول من أصله ، ولكن يبقى ولا شك فساد الفكرة التي بنيت عليها الرواية وتصادمها الصريح مع الدين.
إن حظر نشر الرواية كان في زمن حوصر فيه الدين ، وتراجعت دعوته ومع ذلك وقف بعض مشايخ الأزهر وقفة جادة وبشجاعة عظيمة وغيرة على مقدساتنا واستطاعوا أن يمنعوا نشرها ، وبعد حوالي خمسين سنة تنشر الرواية ولا حس ولا خبر من الأزهر الشريف ، فقد غُيب الأزهر و تقلص دوره وفاعليته وحتى مجرد الكلام لم يصدر عنه.
من المفارقات الواضحة في نشر الرواية اأن الذي قدم لها اسلاميون في قيمة أحمد كمال أبو المجد ومحمد عمارة ، ولا أدري لماذا تم هذا ، ولا تشفع عبارت الأستاذ أبو المجد وقوله أنه فهم (شخصية عرفة بأنها رمز للعلم المجرد، وليست رمزاً لعالم بعينه، كما فهم شخصية الجبلاوي على انها تعبير رمزي عن الدين وليست بحال من الأحوال تشخيصاً رمزياً للخالق سبحانه وهو امر يتنزه عنه الأستاذ نجيب محفوظ ولا يقتضيه أي اعتبار ادبي فضلاً عن ان يستسيغه او يقبله. ) ولو صح فهم الأستاذ أبو المجد فهل يسوغ عنده تصوير نهاية الدين وهزيمته وموته على يد العلم المجرد ؟
والأعجب قوله في شهادته للرواية (وأدعو الله تعالى ان تتسع عقولنا وقلوبنا لمزيد من حرية الكتاب والأدباء وسائر المفكرين في التعبير عن آرائهم، وإطلاق مواهبهم، بالصيغ الأدبية التي يختارونها، دون حجر او وصاية او مسارعة الى الاتهام وإساءة الظن، حتى لا «تكتم الشهادة» بيننا وتموت، وحتى لا تتجمد الأفكار على اطراف الألسنة والأقلام، فتحرم الجماعة من زاد ثقافي وعلمي تحتاج إليه، وهي تشق طريقها للانبعاث والنهضة وسط زحام حضاري وثقافي لا سابقة له في التاريخ.)
ولا أدري أي سوء ظن يقصده وأي نهضة ترتجى من مثل هذه الرواية ؟
إن ما يخشاه الأستاذ أبو المجد من "كتم الشهادة" هو بعينه ما يكتمه علماء الدين الآن عندما يسكتون عن التعرض لهذه الرواية وإن ما يخشاه الأستاذ أبو المجد من المسارعة للاتهام وسوء الظن هو في الحقيقة بالضبط ما يحدث الآن لمن تسول له نفسه أن يتعرض لهذه الرواية وينقدها ، إذ تشهر في وجهه تهم الإرهاب والرجعية والتحجر ، وكأن الدفاع عن قدسية الدين وهيبته صارت سبة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إن حارتنا التي نشأنا فيها لم نر فيها إلا احترام الإسلام واحترام من يدعون إليه ، وبرغم وقوع المعاصي والمخالفات من أهل حارتنا إلا أنهم يختلفون في علاقتهم بالدين وإيمانهم به عن أهل حارة نجيب محفوظ.
لقد نشرت أخيرا الرواية في مصر وحققت مبيعات عالية في معرض القاهرة الأخير للكتاب ، ويوجب هذا إعادة مناقشة هذه الرواية بشكل حر وبصدر يتسع للرأي والرأي الآخر.
تقوم الرواية على فكرة غاية في الرمزية المباشرة – والتي تقلل من القيمة الفنية لها – وتعمد إلى تصوير صراع مفتعل بين "العلم" و"الدين" وهو الصراع الذي ينتهي في الرواية بانتصار العلم وموت الدين (على أقل تقدير) ، وهذه النتيجة الساذجة هي التي قدرتها لجنة الأكاديمية السويدية التي منحت نجيب محفوظ جائزة نوبل ، حيث قالت اللجنة في خطاب منح الجائزة في معرض ثنائها على نجيب محفوظ (لقد كانت رواية أولاد الجبلاوي مفاجأة كبرى ، فهي تحكي تاريخ البشرية الروحي ، قدمها في 114 فصلا بعدد سور القرآن ، وقد صور فيها بشكل واضح الرموز الكبرى للديانات اليهودية والمسيحية والإسلام ، وإن كانت متنكرة في أشخاص يواجهون مواقف مشحونة بالتوتر ، وإلى جانب هؤلاء شخصية تمثل العلم الحديث ، شخصية ممتلئة مهارة وخليط من الحب والمتفجرات وهي الشخصية التي تصبح مسئولة فيما بعد عن موت الدين أو موت الإله).
لقد حاول نجيب محفوظ مرارا أن يتنصل من المعاني المباشرة الواضحة التي تنضح بها الرواية ، حتى قال في إحدى لقاءاته المنشورة في الأهرام (أولاد حارتنا عمل حرمته الظروف من النقد، هذا عمل سياسي في المقام الأول... والمقصودون بالعمل فهموا معناه... لذلك الأرجح أنهم كانوا وراء تحويل الأمر إلى الناحية الدينية لكي أقع في شر أعمالي) ولكن وضوح الرواية ورموز أبطالها وأحداثها لا يسعف من يؤيد هذا الإدعاء بحال من الأحوال.
فالرواية تدور أحداثها في حارة تمثل هذه الدنيا ، وكبير الحارة وأصلها هو الجبلاوي الذي يمثل الدين (أو الله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ) وهو صاحب الشروط العشر (كالوصايا العشر) ولسبب غامض وغير منطقي (كغموض الدين) يفضل الجبلاوي أدهم (آدم) على إدريس (إبليس) فيظهر إدريس عصيانه فيطرده الجبلاوي من دار كرامته وعزه. وينتقم إدريس من طرده فيزين لأدهم فضوله للمعرفة (الشجرة المحرمة) وتساعده زوجته فيطردهما الجبلاوي ، فيخرجان من دار كرامته آسفين نادمين.
وفي رمزية سافرة ، تمضي الرواية لتتبع خطى أنياء الله الكرام ، فها هو أدهم وزوجته يساعدان قدري ( قابيل ) الذي ما يلبث أن ينقلب على أخيه همام (هابيل) فيقتله ، ثم تصف الرواية اضطهاد ناظر الوقف (فرعون) لبني حمدان (بني إسرائيل) إلا أن زوجة ناظر الوقف تتبنى طفلا من بني حمدان هو جبل (موسى عليه السلام) ويتمرد جبل على الناظر ويقتل أحد رجال الناظر دون قصد فيهرب ويترك الحارة ، فيجد فتاتين لا تستطيعان مزاحمة الرجال فسقى لهما ثم يزوجه أبوهما إحداهما مكافأة له ثم يقوم بتعليمه التعامل مع الثعابين ، ويقرر الجبلاوي الذي كان قد جعل بينه وبين أهل الحارة حجابا ، يقرر فجأة الظهور مرة أخرى فيتجلى لجبل في فضاء قصره ويقول له (لا تخف) ويرغب جبل في رؤية جده الجبلاوي ولكنه يمتنع ويقول له (لن تراني ، ما دام الظلام) ولكنه يأمره أن ينقذ بني حمدان من الاضطهاد وأن يواجه ناظر الوقف ...... إلى آخر أحداث تحاكي قصة خروج موسى عليه السلام ببني إسرائيل من مصر ، ثم يأتي إلى الحارة رفاعة (عيسى عليه السلام) طيبا وديعا مسالما ويأبى أن يعاقب ياسمين (مريم المجدلية) على خطيئتها ويجتهد في نشر المحبة بين بني حمدان ولكنهم يرفضونه بعد أن قست قلوبهم فيتوجه لباقي أهل الحارة بدعوته .... وأحداث طويله تؤدي إلى مصرع رفاعة ، لكن الجبلاوي يرفع جثته ويدفنها في حديقة القصر، ثم يظهر قاسم ( محمد صلى الله عليه وسلم ) الذي ولد يتيما وكفله عمه زكريا ( أبو طالب ) وكان يرعى غنما لأرملة في الأربعين هي قمر (خديجة رضي الله عنها) فتحبه وتعجب به وترسل له خادمتها تشجعه على الزواج منها.. ويعجب به كل أهل الحارة لصدقه وأمانته ، ولكن فجأة يظهر له قنديل (جبريل عليه السلام) خادم الجبلاوي ليخبره بتكليف الجبلاوي له بإقامة العدل بين كل أهل الحارة دون تمييز ... وبعد حياة حافلة وأحداث ضخمة يموت قاسم فتعم الفتنة وتنتشر الفوضى ... ويتساءل أهل الحارة بحسرة عن الجبلاوي الذي يرى ويسمع كل هذه الفوضى وكل هذه المظالم دون أن يتدخل ... وفجأة يظهر عرفة (العلم الحديث) لا يعرف أهل الحارة له أبا ( فالعلم لا جنس له ولا دين) ويشتغل بالسحر فيمتلك نواصي القوة ، ويستغيث أهل الحارة بالجبلاوي الذى لم يروه يوما ولكنه لا يجيبهم ، ويقرر عرفة اقتحام قصر الجبلاوي ، ويتسلل إليه ليلا ويقتل الخادم الأمين للجبلاوي ، ولكن في الصباح ينتشر الخبر بموت الجبلاوي نفسه (نهاية الدين أو الذات الإلهية) حزنا على خادمه الأمين. ولكن عرفه – بدلا من أن يهش لنهاية الجبلاوي - يندم على تلك الجريمة لأنه اكتشف أهمية وجود الجبلاوي لأهل الحارة حيث كان تأثيره بالغا في توجيه أولاد الحارة الطيبين وجعلهم على استعداد للتضحية من أجل تنفيذ توجيهاته لخير وسعادة الحارة ، ويتمكن عرفة من صنع قنبلة حارقة يقاوم بها الظالمين ولكن ناظر الوقف (الحكومة) يكتشف علاقته بمصرع الجبلاوي فتهدده وتبتزه حتى يضطره للعمل معه فيصنع له المزيد من القنابل التي يستخدمها الناظر في السيطرة على أهل الحارة واستعبادهم ، ويندم عرفه على أن سحره انقلب عليه وكان السبب في هذا الاستعباد ثم ينزل عليه الخبر الصاعق من خادمة الجبلاوي أن سيدها مات وهو راضٍ عن عرفه ، فيهرب بالكراسة التي دون فيها رموز سحره ويلحق به رجال الناظر (كأنهم مسالح الدجال) فيقتلونه ولكن بعد أن ينجح أخوه حنش في أخذها ليبدأ بدوره تكوين جماعة جديدة تؤمن بالسحر وتجهز نفسها ليوم الخلاص.
آسف على الإطالة في تلخيص مجريات الرواية ، ولكن هذا من أجل توضيح الرمزية المباشرة التي لا يختلف عليها منصفان ، ورموز الرواية تطفح بالمعاني المباشرة ويمكن تلخيصها في أبطال وأحداث الرواية على النحو التالي:
الشخصية .. ---- >>> ... التفسير
الجبلاوي .. ---- >>> ... الله عز و جل، و ذلك بسبب صفات الجبلاوي الأزلية، و أخذاً من الجَبْل (بتسكين الباء) أي الخلق.
الحارة .. ---- >>> ... العالم او الكون
أدهم .. ---- >>> ... آدم، التشابه الواضح بين لفظ الاسمين، و كون أدهم الابن الصغير المفضل للجبلاوي، ولادته من أم سمراء (التراب)، و واقعة طرده هو وزوجته بعد مكيدة إدريس له.
إدريس .. ---- >>> ... إبليس، التشابه بين الاسمين، و فكرة تكبره و كراهيته لأدهم، و خروجه من زمرة الأبناء المفضلين بتمرده على أبيه.
جبل .. ---- >>> ... موسى عليه السلام ، مأخوذ من حديث القرآن عن تجلي الله تعالى لموسى على جبل الطور وكلامه معه.
رفاعة .. ---- >>> ... المسيح عليه السلام، وأنه لم يمت و لم يُصلب و إنما رُفع إلى السماء ، ولهذا اسمه رفاعة.
قاسم .. ---- >>> ... محمد صلى الله عليه وسلم، و ذلك من كنية الرسول (أبي القاسم)، و منه أنه جاء من أفقر حي فأعلى شأن قومه، و كان له أصحاب، و تزوج نساء كثيرات.
قمر .. ---- >>> ... خديجة رضي الله عنها ، تعرض نفسها ليتزوجها قاسم وهي الأرملة المرموقة في الأربعين من عمرها.
صادق .. ---- >>> ... أبو بكر الصديق، و ذلك من اسمه و صحبته لقاسم، و خلافته له بعد موته.
عرفه عرفه من المعرفة أو العلم، و هو يرمز للعلم في الرواية، فليس جبلياً، أو رفاعياً، أو قاسمياً/ ليس يهودياً، مسيحياً، أو مسلماً. و ينسبه كل فريق إليهم، و هو قاتل الجبلاوي.
الحدث .. ---- >>> ... المكان رمزه
ولادة أدهم من أم سمراء .. ---- >>> ... خلق آدم من الطين.
تمرد إدريس .. ---- >>> ... تمرد إبليس على الله و رفضه السجود.
إطلاع أدهم على الحجرة حيث الوصية .. ---- >>> ... الأكل من الشجرة المحرمة.
قتل قدري لأخيه .. ---- >>> ... قصة قابيل و هابيل.
حديث جبل و الجبلاوي .. ---- >>> ... حديث الله و موسى.
موت رفاعة و الاختلاف فيه .. ---- >>> ... واقعة تعذيب المسيح و الاختلاف حول صلبه .
تحول رفاق رفاعة إلى حكام .. ---- >>> ... بناء القديس بطرس للكنيسة.
خروج قاسم من الحي .. ---- >>> ... الهجرة من مكة إلى المدينة .
المعركة الأولى بالنبابيت .. ---- >>> ... غزوة بدر.
وراثة صادق لقاسم .. ---- >>> ... خلافة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم.
جهل نسب عرفة .. ---- >>> ... العلم لا جنسية له و لا دين.
موت الجبلاوي .. ---- >>> ... موت الإله أو نهاية الدين.
تسمي كل حي من أحياء الحارة باسم الأبرز فيه .. ---- >>> ... الإختلاف بين أبناء الديانات التوحيدية الثلاث.
قصر الجبلاوي .. ---- >>> ... الجنة.
هذا السرد وهذه العلاقات لا تدع مجالا للشك في معنى الرواية وهدفها مهما حاول العلمانيون صرف معناها إلى اتجاهات أخرى ، فالرمزية المباشرة لا تسعفهم في هذا التملص ولا ينسجم معها قول محمد سلماوي مثلا (إن العمل الفني يتسع لكل التفسيرات فهو غير المقال الصحفي ومن يطالع عملا أدبيا يتناوله من خلال تجربته ورؤيته(.
إن نشر الرواية بعد وفاة نجيب محفوظ وانتشارها في مصر بعد حظرها قرابة الخمسين عاما يستوجب بيان هذه المعاني الفاسدة في الرواية وأنها كانت نتاج مرحلة زمنية غلب فيها التفسير الشيوعي للتاريخ وللرسالات السماوية ، وليست مصادفة أن يظهر بعد الرواية بوقت قصير نص الميثاق الوطني لعبد الناصر ، والذي كتبه وصاغه محمد حسنين هيكل وهو نفسه الذي نشر الرواية أول مرة في الأهرام عام 1959 ، ونرى في ذلك الميثاق عبارته المشهورة (إن رسالات السماء كلها فى جوهرها كانت ثورات إنسانية استهدفت شرف الإنسان وسعادته) .. وهذا بالضبط الإطار الذي ترى فيه الرواية الأديان السماوية ، أنها ثورات انسانية لا علاقة لها بحقيقة أنها من الله تبارك وتعالى.
لقد أفضى نجيب محفوظ إلى ربه ، وأسأل الله تعالى أن يغفر له ولعلنا نذكر له أنه أصر على عدم نشر الرواية في حياته إلا بعد موافقة الأزهر الشريف ، وكنا نرجو أن يتبرأ من هذه الرواية وألا يقف متذبذبا أمامها كالابن غير الشرعي لا يستطيع أن يتبناه ولا يملك أن ينكره. وعلى كل حال فإن موقفه الرافض لنشرها قد ألب عليه العلمانيين فاتهموه بالجبن والتخاذل وأنه قد خان أدبه. بل إنهم حتى لم يعجبهم تقديم رموز اسلامية للرواية عند نشرها واعتبروها صكوك غفران مرفوضة. ولا نعتقد أن نجيب محفوظ جامل الفكر الثوري أيام عبد الناصر أو أنه تعمد إهانة الدين فسيرة الرجل لا تنسجم مع هذا التفسير بل إن مواقفه المناهضة للاستبداد في ( ثرثرة على النيل ) و(ميرامار) تلغي هذا التأول من أصله ، ولكن يبقى ولا شك فساد الفكرة التي بنيت عليها الرواية وتصادمها الصريح مع الدين.
إن حظر نشر الرواية كان في زمن حوصر فيه الدين ، وتراجعت دعوته ومع ذلك وقف بعض مشايخ الأزهر وقفة جادة وبشجاعة عظيمة وغيرة على مقدساتنا واستطاعوا أن يمنعوا نشرها ، وبعد حوالي خمسين سنة تنشر الرواية ولا حس ولا خبر من الأزهر الشريف ، فقد غُيب الأزهر و تقلص دوره وفاعليته وحتى مجرد الكلام لم يصدر عنه.
من المفارقات الواضحة في نشر الرواية اأن الذي قدم لها اسلاميون في قيمة أحمد كمال أبو المجد ومحمد عمارة ، ولا أدري لماذا تم هذا ، ولا تشفع عبارت الأستاذ أبو المجد وقوله أنه فهم (شخصية عرفة بأنها رمز للعلم المجرد، وليست رمزاً لعالم بعينه، كما فهم شخصية الجبلاوي على انها تعبير رمزي عن الدين وليست بحال من الأحوال تشخيصاً رمزياً للخالق سبحانه وهو امر يتنزه عنه الأستاذ نجيب محفوظ ولا يقتضيه أي اعتبار ادبي فضلاً عن ان يستسيغه او يقبله. ) ولو صح فهم الأستاذ أبو المجد فهل يسوغ عنده تصوير نهاية الدين وهزيمته وموته على يد العلم المجرد ؟
والأعجب قوله في شهادته للرواية (وأدعو الله تعالى ان تتسع عقولنا وقلوبنا لمزيد من حرية الكتاب والأدباء وسائر المفكرين في التعبير عن آرائهم، وإطلاق مواهبهم، بالصيغ الأدبية التي يختارونها، دون حجر او وصاية او مسارعة الى الاتهام وإساءة الظن، حتى لا «تكتم الشهادة» بيننا وتموت، وحتى لا تتجمد الأفكار على اطراف الألسنة والأقلام، فتحرم الجماعة من زاد ثقافي وعلمي تحتاج إليه، وهي تشق طريقها للانبعاث والنهضة وسط زحام حضاري وثقافي لا سابقة له في التاريخ.)
ولا أدري أي سوء ظن يقصده وأي نهضة ترتجى من مثل هذه الرواية ؟
إن ما يخشاه الأستاذ أبو المجد من "كتم الشهادة" هو بعينه ما يكتمه علماء الدين الآن عندما يسكتون عن التعرض لهذه الرواية وإن ما يخشاه الأستاذ أبو المجد من المسارعة للاتهام وسوء الظن هو في الحقيقة بالضبط ما يحدث الآن لمن تسول له نفسه أن يتعرض لهذه الرواية وينقدها ، إذ تشهر في وجهه تهم الإرهاب والرجعية والتحجر ، وكأن الدفاع عن قدسية الدين وهيبته صارت سبة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إن حارتنا التي نشأنا فيها لم نر فيها إلا احترام الإسلام واحترام من يدعون إليه ، وبرغم وقوع المعاصي والمخالفات من أهل حارتنا إلا أنهم يختلفون في علاقتهم بالدين وإيمانهم به عن أهل حارة نجيب محفوظ.
