Abouyahya
02-08-2006, 03:15 PM
بقايا تَشَيُع منسي في احتفالات المغاربة بـــ «عيشورا»: حين يتحول الحسين بن علي إلى «بابا عيشور»
ترد ابنة الشاوية ضاحكة على سؤال «لماذا تحتفل النساء بمناسبة عاشوراء؟»، مرددة «عيشوري عيشوري دليت عليك شعوري»، قبل أن تردف ترديدها الأول بعبارة ثانية تستمدها من خزانة ذاكرتها أثناء احتفالها مع البنات في أحد دواوير منطقة الشاوية «الليلة العواشر الحنا والتقاشر»، وتضيف جملة أخرى «عيشور آبن حماس راه طاح البارود راه طاح النحاس»، سبق لها أن رددتها دون أن تعرف المقصود بكلماتها. يبيح القانون النسائي المرحلي باعتباره قانونا احتفاليا، مغادرة المرأة للمنزل والخروج إلى الفضاء العمومي الذي تحوله إلى ساحة للرقص والغناء والبناء المسرحي لدواخل الذات المؤنثة، وتوجه المرأة إلى مثيلتها من النساء نداء المشاركة في احتفالات عاشوراء الشعبية «الليلة العواشر آلالة... ما علينا حكام آلالة»، حيث ستمارس تحرير خطابها وجسدها من الرقابة الذكورية «الليلة عيشورا آلالة.. حتى لعيد الميلود ويحكموا الرجال آلالة»، احتفاء بأب أسطوري تسميه النساء المغربيات «بابا عيشور».
احتفال النساء بــ «بابا عيشور»
تقدم ابنة منطقة الشاوية التي عرفت حكم الدولة البورغوراطية ذات الأصول الشيعية، بعد هذه الوجبة الافتتاحية برنامجَ الاحتفال النسائي بعاشوراء قائلة «يوم ثاني عيد الأضحى بعد تناول وجبة «الكرعين»، تخزن الفتيات العظم ويلبسنه لباس العريس، ويستمررن في الاحتفاظ بذلك العريس إلى حدود اليوم التاسع من شهر محرم أو ليلة العافية». لا يتفق «رشيد» مع هذا الكلام «ماشي العظم ديال الكرعين»، ثم يتطوع لتقديم التصويب المطلوب «عظم ديال الكتف». ليس المهم عظم «الكرعين» أو عظم الكتف، المهم بالنسبة لهذه الشاوية أن الفتيات يشيعن في اليوم العاشر («عاشوراء») جثمان ذلك الشخص الخيالي الذي تطلق عليه «العريس»، من خلال التمثيل المسرحي لموكب جنازته وطقوس دفنه . تُطابِق ابنة الشاوية كلمة «عيشورا» مع «العواشر» في عبارة «الليلة العواشر آلالة.. ما علينا لحكام آلالة»، التي كانت ترددها صحبة الفتيات والنساء أثناء الاحتفالات الشعبية بمناسبة «عاشوراء» على الطريقة المغربية، وتضيف أنها كانت تصاحبهن في تجوالهن بين الأزقة وهن يرددن خارج بيوت أهلهن «الليلة عيشورا آلالة ما علينا الحكام آلالة» إلى وقت متأخر من الليل دون حسيب أو رقيب. وتشير إلى أنهن كن يواجهن الرجال بهذا الخطاب الذي يرفعن فيه حكم الرجل الذي يرجئنه إلى «عيد الميلود»، ويتحررن من تلقي مفعول سلطته القهرية التي تحول دون إطلاق سراح خطاباتهن ومكبوتات أجسادهن بهذه المناسبة. تسترسل ابنة الشاوية في شرحها لاحتفالات النساء بعاشوراء «انطلاقا من ثاني يوم بعد عيد الأضحى، تخرج النساء وخاصة الفتيات إلى الفضاء العمومي للرقص والغناء، ويحافظن على هذا الإيقاع حتى اليوم العاشر من محرم. وتستدرك قائلة إن الحفل الراقص يتحول في اليوم العاشر إلى مأثم! ويلتحق الرجال للفرجة على النساء أثناء إعادة تمثيلهم لطقس دفن «العريس»، والنواح على الفقيد الذي غدر به في عز شبابه «تيبكيو عليه حيت مات عزري»، تصمت للحظة ثم تضيف «مات مغدور»!
«شكون هو بابا عيشور؟»
تقول الخريجة الجامعية القادمة من أعماق الشاوية حيث ما زالت تلح الآثار البورغواطية وأصولها الشيعية «يمثل (العظم) جثمان الحسين بن علي الذي قتل في كربلاء، ولم يقدم له الناس يد العون وتركوه أعزل في الحصار الذي فرضه عليه أعداؤه»! ويعزز «سي محمد» من جهته حكمها قائلا «يحيي المغاربة في احتفالاتهم الشعبية ذكرى مقتل الحسين بن علي في واقعة كربلاء دون أن يدركوا السياق وتاريخية ذلك الحدث الذي انشطر فيه المسلمون وانقسموا على ذاتهم». تتوقف عند «حق بنات بابا عيشور» في أموال الناس «الدريات تيدورو ببابا عيشور وتيطلبوا بيه باش يعطيهم الناس الفلوس»، وتخصص هذه الكلمة الأخيرة قائلة وهي تضحك «فلوس بابا عيشور». وأما بالنسبة لــ«سي محمد» فإن الفتيات يتجولن بالجثمان في الشوارع والأزقة لــ«يتسلمن ضريبة مقتل الحسين وعدم نصرته في واقعة كربلاء»، ويذهب إلى أن ذلك «العطاء» يشكل فعلا يندرج في إطار تبرئة الذمة والتكفير عن الذنب! يذهب بعيدا في هذا التأويل في اللحظة التي يقول فيها «اعتبر المغاربة عيشورا رأسا للسنة ونهاية للحول وتعاملوا معه على أنه توقيت تزكية أموالهم من خلال إخراج العواشر التي يعشرون بها من خلال استخلاص العشر من تجارتهم وأموالهم»، ثم ينتقل إلى الحديث عن «تعميم المغاربة للعواشر على جميع المناسبات الدينية»، ويفصل في جرد هذه المناسبات «رمضان وعيد الكبير والمولد». يسطر «سي محمد» على الانتقال من الواقعة التاريخية إلى الطقس الشعبي، مشيرا إلى أن «عيشورا» تمثل في نظره «ما تبقى من احتفالات الدول الشيعية التي حكمت المغرب تاريخيا»، ثم يقدم مثال الدولة الإدريسية والدولة البورغواطية، قبل أن يوضح قراءته قائلا بأن «عيشورا» هي «احتفالات شيعية تم تحريفها عن سياقها وإدماجها في مجال شعبي انفصل عن سياقه التاريخي». ويرى أن الرجال يعيدون في «ليلة العافية أو شعالة» تمثيل ساحة القتال حيث هاجم الأمويون الشيعة وأشعلوا النيران، وهو ما يعتبره «إعادة استحضار لوقائع محاصرة الشيعة في كربلاء وقطع مياه الشرب عنهم». ينفتح في هذه النقطة على طقس المياه الذي يسميه المغاربة ب«زمزم» أو «حرب الماء» في صبيحة اليوم العاشر من محرم. ويطلق أحد أبناء الجنوب الشرقي على هذا الطقس المائي تسمية «كفيح الما»، ويعلق عليه قائلا «الشيعة تيموتو بالعطش والسنة شاط عليهم الما حتى بداو يلعبو بيه»! ثم ينتقل مباشرة إلى «زيارة المقابر في اليوم العاشر وسقي القبور بالماء» في محاولة لإطفاء عطش الموتى الذين قطع عنهم الماء. تعود ابنة الشاوية من جهتها إلى استرجاع عبارة «گديدة گديدة ملوية عل العواد... بابا عيشور مشى يصلي داه الواد» من خزائن ذاكرتها، في إشارة منها إلى طقس «عشاء تأبين بابا عيشور»، الذي تهيئ فيه النساء المغربيات «الذيالة» بعد أن احتفظن بها من أضحية العيد. وبالتالي فليس من المستغرب أن تحول نساء المغرب يوم «عاشوراء» في تقويمهن الشعبي إلى تسمية للشهر الذي يتحول من محرم إلى«عيشور»، فهن لا يعملن بشهر محرم، ولا شهر صفر الذي يطلقن عليه «شاع عيشور» لأنه «يُشَــيِـع» سابقه!.
بين صوم السنة واحتفالات الشيعة
يحب «سي محمد» أن ينطلق في مناقشة احتفالات المغاربة بعاشوراء مما جاء في السنة حيث ورد في كتب الحديث «أن الرسول قال إن اليهود يصومون هذا اليوم (العاشر من شهر محرم)، فسألهم لماذا تصومونه؟ فقالوا له «هذا هو اليوم الذي أنجى الله فيه موسى من فرعون»، فقال الرسول «نحن أولى بموسى منكم»، ويختم روايته قائلا «فصامه»، ثم يعلق على ما رواه من منطوق الحديث النبوي «سيقول أهل السنة إن الرسول أمرنا أن نصوم فيه وأن الاحتفالات الشعبية بدعة». وهي السنة التي تعمل بها «سعيدة» المحجبة في اللحظة التي تصرح فيها قائلة «تنصوم في يوم عاشوراء وهداك الشي لاخر تيديروه الأميين»، وأما عبد الصمد فيرى أن «الدراري الصغار تيصومو في عشرة محرم وتيصوب ليهم بواتهم اللعب باش يتلاهاو وما يحسوش بالجوع»، وبالتالي لا توجد في نظره أية علاقة بين هذه «السنة» وتلك «العادات القبيحة» التي يمارسها المغاربة بمناسبة عاشوراء عندما يعيد الأطفال والفتيان تمثيل المعارك. يترك «سيمحمد» رواية الحديث النبوي ورأي أهل السنة، لينتقل إلى احتفالات الشيعة الذين يحيون «العاشر من محرم الذي هو تاريخ مقتل الحسين بن علي في واقعة كربلاء»، ويضيف قائلا «يحيي الشيعة هذه الذكرى حزنا على الحسين بن علي الذي يسمونه سيد الشهداء وعريس الشهداء»، ثم ينوع على ما سبق أن أدلى به «يحيي الشيعة في المشرق ذكرى مقتل الحسين من خلال إعادة تمثيل واقعة كربلاء وممارسة طقوس الحزن وجلد الذات». يعتبر هذا المثقف المهتم بدلالات الممارسات الدينية أن «واقعة كربلاء تمثل حدثا خطيرا اختلطت فيه السياسة والصراع حول السلطة بالدين»، قبل أن ينتقل إلى التسطير على ذكاء الثقافة الشعبية المغربية التي تناست الحدث التاريخي لتكتفي منه بالرموز المعزولة عن السياقات التاريخية والعقدية «احنا المغاربة تنشعلوا فيه الشعالة وتنديرو فيه زمزم وتيغنيو فيه البنات على بابا عيشور»، والجمع بين المتناقضات حيث يخلط المغاربة في احتفالاتهم الشعبية بذكرى عاشوراء بين موقف الشيعة وموقف السنة من واقعة كربلاء، فتمتزج الأفراح بالأحزان «يتداخل الفرح السني بالحزن الشيعي». يشير ابن الجنوب الشرقي من جهته إلى أن «العيالات تيبقاو هما وولادهم بوسخهم وحوايجهم من فاتح محرم إلى اليوم العاشر منه» لأنهن يمتنعن بهذه المناسبة عن الاستحمام وتغيير الملابس حزنا على مقتل الحسين وسبي نساء آل البيت والتنكيل بهن. ولا يختلف «سي محمد» مع هذا التفسير الذي يرده إلى سياقه التاريخي قائلا «سبيت نساء الحسين بن علي اللواتي هن للإشارة نساء آل البيت، وقطع رأس الحسين بن علي وسلم إلى الخليفة الأموي اليزيد بن معاوية»، وهو ما يشكل في رأيه «انتقام الأمويين من آل البيت لما وقع لهم قبل إسلامهم». عاشوراء الآن تحول «بابا عيشور» في الاحتفالات إلى ما يشبه «بابا نويل» خاصة أن المناسبة تعرف اقتناء الآباء للألعاب وتقديمها للأولاد والبنات بهذه المناسبة «السعيدة» التي تستدعي إدخال الفرحة إلى قلوب الصغار والصغيرات. يقول «سي محمد» في هذا السياق «تيشريو الناس للدراري الكوابس والمكاحل، وتيشريو لبنات الطعارج والمونيكات»، وبذلك فإن الانفتاح على الغرب واحتفالاته قد أدى -في نظره- إلى تعزيز «عاشوراء» ببعد جديد انضاف إليها.
ترد ابنة الشاوية ضاحكة على سؤال «لماذا تحتفل النساء بمناسبة عاشوراء؟»، مرددة «عيشوري عيشوري دليت عليك شعوري»، قبل أن تردف ترديدها الأول بعبارة ثانية تستمدها من خزانة ذاكرتها أثناء احتفالها مع البنات في أحد دواوير منطقة الشاوية «الليلة العواشر الحنا والتقاشر»، وتضيف جملة أخرى «عيشور آبن حماس راه طاح البارود راه طاح النحاس»، سبق لها أن رددتها دون أن تعرف المقصود بكلماتها. يبيح القانون النسائي المرحلي باعتباره قانونا احتفاليا، مغادرة المرأة للمنزل والخروج إلى الفضاء العمومي الذي تحوله إلى ساحة للرقص والغناء والبناء المسرحي لدواخل الذات المؤنثة، وتوجه المرأة إلى مثيلتها من النساء نداء المشاركة في احتفالات عاشوراء الشعبية «الليلة العواشر آلالة... ما علينا حكام آلالة»، حيث ستمارس تحرير خطابها وجسدها من الرقابة الذكورية «الليلة عيشورا آلالة.. حتى لعيد الميلود ويحكموا الرجال آلالة»، احتفاء بأب أسطوري تسميه النساء المغربيات «بابا عيشور».
احتفال النساء بــ «بابا عيشور»
تقدم ابنة منطقة الشاوية التي عرفت حكم الدولة البورغوراطية ذات الأصول الشيعية، بعد هذه الوجبة الافتتاحية برنامجَ الاحتفال النسائي بعاشوراء قائلة «يوم ثاني عيد الأضحى بعد تناول وجبة «الكرعين»، تخزن الفتيات العظم ويلبسنه لباس العريس، ويستمررن في الاحتفاظ بذلك العريس إلى حدود اليوم التاسع من شهر محرم أو ليلة العافية». لا يتفق «رشيد» مع هذا الكلام «ماشي العظم ديال الكرعين»، ثم يتطوع لتقديم التصويب المطلوب «عظم ديال الكتف». ليس المهم عظم «الكرعين» أو عظم الكتف، المهم بالنسبة لهذه الشاوية أن الفتيات يشيعن في اليوم العاشر («عاشوراء») جثمان ذلك الشخص الخيالي الذي تطلق عليه «العريس»، من خلال التمثيل المسرحي لموكب جنازته وطقوس دفنه . تُطابِق ابنة الشاوية كلمة «عيشورا» مع «العواشر» في عبارة «الليلة العواشر آلالة.. ما علينا لحكام آلالة»، التي كانت ترددها صحبة الفتيات والنساء أثناء الاحتفالات الشعبية بمناسبة «عاشوراء» على الطريقة المغربية، وتضيف أنها كانت تصاحبهن في تجوالهن بين الأزقة وهن يرددن خارج بيوت أهلهن «الليلة عيشورا آلالة ما علينا الحكام آلالة» إلى وقت متأخر من الليل دون حسيب أو رقيب. وتشير إلى أنهن كن يواجهن الرجال بهذا الخطاب الذي يرفعن فيه حكم الرجل الذي يرجئنه إلى «عيد الميلود»، ويتحررن من تلقي مفعول سلطته القهرية التي تحول دون إطلاق سراح خطاباتهن ومكبوتات أجسادهن بهذه المناسبة. تسترسل ابنة الشاوية في شرحها لاحتفالات النساء بعاشوراء «انطلاقا من ثاني يوم بعد عيد الأضحى، تخرج النساء وخاصة الفتيات إلى الفضاء العمومي للرقص والغناء، ويحافظن على هذا الإيقاع حتى اليوم العاشر من محرم. وتستدرك قائلة إن الحفل الراقص يتحول في اليوم العاشر إلى مأثم! ويلتحق الرجال للفرجة على النساء أثناء إعادة تمثيلهم لطقس دفن «العريس»، والنواح على الفقيد الذي غدر به في عز شبابه «تيبكيو عليه حيت مات عزري»، تصمت للحظة ثم تضيف «مات مغدور»!
«شكون هو بابا عيشور؟»
تقول الخريجة الجامعية القادمة من أعماق الشاوية حيث ما زالت تلح الآثار البورغواطية وأصولها الشيعية «يمثل (العظم) جثمان الحسين بن علي الذي قتل في كربلاء، ولم يقدم له الناس يد العون وتركوه أعزل في الحصار الذي فرضه عليه أعداؤه»! ويعزز «سي محمد» من جهته حكمها قائلا «يحيي المغاربة في احتفالاتهم الشعبية ذكرى مقتل الحسين بن علي في واقعة كربلاء دون أن يدركوا السياق وتاريخية ذلك الحدث الذي انشطر فيه المسلمون وانقسموا على ذاتهم». تتوقف عند «حق بنات بابا عيشور» في أموال الناس «الدريات تيدورو ببابا عيشور وتيطلبوا بيه باش يعطيهم الناس الفلوس»، وتخصص هذه الكلمة الأخيرة قائلة وهي تضحك «فلوس بابا عيشور». وأما بالنسبة لــ«سي محمد» فإن الفتيات يتجولن بالجثمان في الشوارع والأزقة لــ«يتسلمن ضريبة مقتل الحسين وعدم نصرته في واقعة كربلاء»، ويذهب إلى أن ذلك «العطاء» يشكل فعلا يندرج في إطار تبرئة الذمة والتكفير عن الذنب! يذهب بعيدا في هذا التأويل في اللحظة التي يقول فيها «اعتبر المغاربة عيشورا رأسا للسنة ونهاية للحول وتعاملوا معه على أنه توقيت تزكية أموالهم من خلال إخراج العواشر التي يعشرون بها من خلال استخلاص العشر من تجارتهم وأموالهم»، ثم ينتقل إلى الحديث عن «تعميم المغاربة للعواشر على جميع المناسبات الدينية»، ويفصل في جرد هذه المناسبات «رمضان وعيد الكبير والمولد». يسطر «سي محمد» على الانتقال من الواقعة التاريخية إلى الطقس الشعبي، مشيرا إلى أن «عيشورا» تمثل في نظره «ما تبقى من احتفالات الدول الشيعية التي حكمت المغرب تاريخيا»، ثم يقدم مثال الدولة الإدريسية والدولة البورغواطية، قبل أن يوضح قراءته قائلا بأن «عيشورا» هي «احتفالات شيعية تم تحريفها عن سياقها وإدماجها في مجال شعبي انفصل عن سياقه التاريخي». ويرى أن الرجال يعيدون في «ليلة العافية أو شعالة» تمثيل ساحة القتال حيث هاجم الأمويون الشيعة وأشعلوا النيران، وهو ما يعتبره «إعادة استحضار لوقائع محاصرة الشيعة في كربلاء وقطع مياه الشرب عنهم». ينفتح في هذه النقطة على طقس المياه الذي يسميه المغاربة ب«زمزم» أو «حرب الماء» في صبيحة اليوم العاشر من محرم. ويطلق أحد أبناء الجنوب الشرقي على هذا الطقس المائي تسمية «كفيح الما»، ويعلق عليه قائلا «الشيعة تيموتو بالعطش والسنة شاط عليهم الما حتى بداو يلعبو بيه»! ثم ينتقل مباشرة إلى «زيارة المقابر في اليوم العاشر وسقي القبور بالماء» في محاولة لإطفاء عطش الموتى الذين قطع عنهم الماء. تعود ابنة الشاوية من جهتها إلى استرجاع عبارة «گديدة گديدة ملوية عل العواد... بابا عيشور مشى يصلي داه الواد» من خزائن ذاكرتها، في إشارة منها إلى طقس «عشاء تأبين بابا عيشور»، الذي تهيئ فيه النساء المغربيات «الذيالة» بعد أن احتفظن بها من أضحية العيد. وبالتالي فليس من المستغرب أن تحول نساء المغرب يوم «عاشوراء» في تقويمهن الشعبي إلى تسمية للشهر الذي يتحول من محرم إلى«عيشور»، فهن لا يعملن بشهر محرم، ولا شهر صفر الذي يطلقن عليه «شاع عيشور» لأنه «يُشَــيِـع» سابقه!.
بين صوم السنة واحتفالات الشيعة
يحب «سي محمد» أن ينطلق في مناقشة احتفالات المغاربة بعاشوراء مما جاء في السنة حيث ورد في كتب الحديث «أن الرسول قال إن اليهود يصومون هذا اليوم (العاشر من شهر محرم)، فسألهم لماذا تصومونه؟ فقالوا له «هذا هو اليوم الذي أنجى الله فيه موسى من فرعون»، فقال الرسول «نحن أولى بموسى منكم»، ويختم روايته قائلا «فصامه»، ثم يعلق على ما رواه من منطوق الحديث النبوي «سيقول أهل السنة إن الرسول أمرنا أن نصوم فيه وأن الاحتفالات الشعبية بدعة». وهي السنة التي تعمل بها «سعيدة» المحجبة في اللحظة التي تصرح فيها قائلة «تنصوم في يوم عاشوراء وهداك الشي لاخر تيديروه الأميين»، وأما عبد الصمد فيرى أن «الدراري الصغار تيصومو في عشرة محرم وتيصوب ليهم بواتهم اللعب باش يتلاهاو وما يحسوش بالجوع»، وبالتالي لا توجد في نظره أية علاقة بين هذه «السنة» وتلك «العادات القبيحة» التي يمارسها المغاربة بمناسبة عاشوراء عندما يعيد الأطفال والفتيان تمثيل المعارك. يترك «سيمحمد» رواية الحديث النبوي ورأي أهل السنة، لينتقل إلى احتفالات الشيعة الذين يحيون «العاشر من محرم الذي هو تاريخ مقتل الحسين بن علي في واقعة كربلاء»، ويضيف قائلا «يحيي الشيعة هذه الذكرى حزنا على الحسين بن علي الذي يسمونه سيد الشهداء وعريس الشهداء»، ثم ينوع على ما سبق أن أدلى به «يحيي الشيعة في المشرق ذكرى مقتل الحسين من خلال إعادة تمثيل واقعة كربلاء وممارسة طقوس الحزن وجلد الذات». يعتبر هذا المثقف المهتم بدلالات الممارسات الدينية أن «واقعة كربلاء تمثل حدثا خطيرا اختلطت فيه السياسة والصراع حول السلطة بالدين»، قبل أن ينتقل إلى التسطير على ذكاء الثقافة الشعبية المغربية التي تناست الحدث التاريخي لتكتفي منه بالرموز المعزولة عن السياقات التاريخية والعقدية «احنا المغاربة تنشعلوا فيه الشعالة وتنديرو فيه زمزم وتيغنيو فيه البنات على بابا عيشور»، والجمع بين المتناقضات حيث يخلط المغاربة في احتفالاتهم الشعبية بذكرى عاشوراء بين موقف الشيعة وموقف السنة من واقعة كربلاء، فتمتزج الأفراح بالأحزان «يتداخل الفرح السني بالحزن الشيعي». يشير ابن الجنوب الشرقي من جهته إلى أن «العيالات تيبقاو هما وولادهم بوسخهم وحوايجهم من فاتح محرم إلى اليوم العاشر منه» لأنهن يمتنعن بهذه المناسبة عن الاستحمام وتغيير الملابس حزنا على مقتل الحسين وسبي نساء آل البيت والتنكيل بهن. ولا يختلف «سي محمد» مع هذا التفسير الذي يرده إلى سياقه التاريخي قائلا «سبيت نساء الحسين بن علي اللواتي هن للإشارة نساء آل البيت، وقطع رأس الحسين بن علي وسلم إلى الخليفة الأموي اليزيد بن معاوية»، وهو ما يشكل في رأيه «انتقام الأمويين من آل البيت لما وقع لهم قبل إسلامهم». عاشوراء الآن تحول «بابا عيشور» في الاحتفالات إلى ما يشبه «بابا نويل» خاصة أن المناسبة تعرف اقتناء الآباء للألعاب وتقديمها للأولاد والبنات بهذه المناسبة «السعيدة» التي تستدعي إدخال الفرحة إلى قلوب الصغار والصغيرات. يقول «سي محمد» في هذا السياق «تيشريو الناس للدراري الكوابس والمكاحل، وتيشريو لبنات الطعارج والمونيكات»، وبذلك فإن الانفتاح على الغرب واحتفالاته قد أدى -في نظره- إلى تعزيز «عاشوراء» ببعد جديد انضاف إليها.



