RACHID120HH
01-13-2008, 09:29 PM
اللحية
لَعَلَّ أَوَلَ ما يجدُرُ مُلاحَظَتُهَ _ بِصَدِدِ التحقيق في أمرِ اللحية _ و إدخالُهُ في الحسبان تَذَكُّرُ أنَّ حَلْق اللحي هو عادةٌ انتقلت إلى عالمنا الإسلامي إثر الاحتلال الغربيِ لبلاد المسلمين عَقِبَ الحرب العالمية الأولى ، أيامَ ابتدأت المفاهيمُ غيرُ الأسلامية تغزو مجتمعاتنا ، ثم تَسرَّبت إ ليه تقاليد و عاداتٌ ليست من تقاليد المسلمينَ و لا من عاداتهمْ ، فهي إذاً غيرُ لإسلامية ، حتى ولاعربية ، بل و لا شرقية ، و كان من أبرز الظواهر المتسربة إلينا من تلك العادات و التقاليد تقتصرُ اللحي أو حَلْقُهَا .
و يشهد لحداثة هذه الظاهرةِ ، أن كثيراً من أجدادنا القريبى العهد منا كانوا متلحين ، مما يدُلُّ على أصالةِ هذهِ العادةِ الإسلاميَّيِة الصِّرفَةِ في قلوبِهِمْ .
فإذا نحن أدخلنا بالحُسْبَانِ فوقَ هذا كُلِّه أنه ورد في اللحية أحاديث صحيحةٌ و آثارٌ صريحةٌ ، أدركنا أنَّ الحِفَاظَ عليها حفاظٌ على نموذجية المظهر الإسلامي عموماً ،و علمنا يقيناً أنَّ ذلك كلَّههو عاداتُ موروثةٌ عن السَّلف مند رسول الله صَلَى الله عليه و سِلم و صحابته الكرام ثم مَن تبعهم بإحسان ، و حتى أيامنا هذه .(1 )
1 ـ حَدُّ اللحية لغةً و شرعاً
قال المجدُ الفَيْروز آبادىُّ في (( القاموس المحيط )) :
الِّلحية : بالكسرِ ، شعْرُ الخدَّيْن و الذَّقنِ (2 ) .
وقال الشيخ أحمد الدِّهْلَوىُّ : حدُّ اللحية طُولاً : من العَنْفَقة ـ أى من الشعر النابت على الشفة الَّسفلى مع شعر الذقن ـ إلى الشعر النابت تحت الذقن ، وَ عَرْضاً ، من شعر الخَدَّيْنِ ـ و هما العارضان ـ أي : من جانبي الوجه مع شعر الصِّدْغَينْ إلى ما تحتَ الحَنَكِ الأسفلِ من الشعر هذا كله لِحْيَة (3 ) .
و قال الشيخَ عَبْدُ السَّتارِ الدِّهْلَوىُّ : فإذا فهمتَ ما جاء بِكُتُبِ اللُّغَةِ العربية عرفت حينئذٍ أن جميع شعر الوجه مما ينبت على الذقن و تحت اللحيين و ما على الخدين و العارضين يقال له لحية ، ما عدا الشارب ( 4) .
2 ـ الأحاديث الواردة في إعفاء اللحية ( 5)
أ ـ عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صَلَى الله وسلِم : (( خالفوا المشركين ، احْفُوا الشَّوارب وأَوفوا اللِّحى )) (6 ) .
ب ـ عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صَلَى الله عليه وسلِم : (( جُزُّوا الشوارب وأرخوا اللحى ، خالفوا المجوس ))(7 ) .
ج ـ عن عائشة قالت : قال رسول الله صَلَى الله عليه و سِلم (( قُصُّوا سِبَالكم (8 )، َوَو فِّرُوا عثانينكم ( 9 ) وخالفوا أهل الكتاب ))
د ـ عن عائشة قالت : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( عَشْرٌ من الفطرة : قصُّ الشارب ، وإعفاء اللحية . . . )) ( 10 ) .
وغير ذلك من أحاديث (11).
3 ـ أدلة تحريم حلق اللحية
أولا : تغييرُ خَلْقِِ الله :
قال اللّه تعالى في حق الشيطان : ] لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ َلأَ تَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضاً ( 118 ) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَنَ الأَنْعَمِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيَِرُنًّ خَلْقَ اللَّه وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَنَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خُسِرَانََا مُّبِينََا [ { النساء : 118 ، 119 } ، فَهذا نصٌّ صريحٌ في أن تغيير خلق الله دُون إذنٍ منه تعالى إطاعةٌ لأمر الشيطان ، وعصيانٌ للرحمن جل جلاله ، فَلاَ جَرَمَ أنْ لَعَنَ رسولُ الله صَلَي الله عليه وسِلم المُغَيَّراتِ خلقَ الله لِلْحُسْنِ كما في قوله صَلَي الله عليه وسِلم :(( لعن الله الواشماتِ ، والمستوشماتِ ، والنَّامصاتِ ، والمتفلِّجَاتِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ الله )) (12 ) وليس مِن شَكٍّ فى دخول حلق اللحية للحُسْنِ في اللعنِ المذكور بجامع الاشتراك في العلة والسبب كما لا يخفى (13 ) .
وقال الشيخ التِّهَانويُّ في تفسيره المسمى (( بيان القرآن )) :
إن حلق اللحية داخل في هذا التعبير (14) .
ثمَّ علَّقَ التَّهانَوِيَُ على الحديث السابق قائلاً :
فثبت أن تغيير خَلق الله سَبَبٌ لِلَّعنَةِ ، وأنَّ ما نهى عنه رسول الله صَلَى الله عليه وسلِم هومنهيٌّ عند ااه تعالى ، كما فى قوله تعالى : ] وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ [ { الحشر : 7 } . وهذا ظاهرٌ جداً (3) .
وقال الإمام وليُّ الله الدهلوي (4) :
وقصُّها ـ أي اللحيى ـ سنة المجوس ، وفيه تغيير خلق الله (5) .
وقال الشيخ عثمان بن عبد القادر الصافي (1) :
فمن ذا الذي يجرؤ على الزعم أن اللحية ليست من خلق الله ؟ بل هي ظاهرة كونية تدخل ضمن نطاق البنية البشرية للإنسان ، كما سلف ذِكْرُهُ . . وعليه فلا مجالَ للمراء في أنَّ حَلْقها هو تبديلٌ لخلق الله ، فيكون معْنِيَّاً في الآية الكريمة { السابقة } وداخلاً في عُمومها .
ثانياً : مخالفة أمر النبيِّ صَلَى الله عليه وسلِم :
وهو قوله صَلَى الله عليه وسلِم : (( أوفوا . . . )) و (( ارخوا . . . )) و (( وفِّروا )) و (( اعفوا )) . . وهي كلها أوامرُ صريحةٌ ، والأمرُ في أصةل الفقه يُفيدُ الوجوب إلا إذا جاءت قرينةٌ تَصْرِفُ اللفظَ عن ظاهره ( 2 ) ؛ ولا قرينةَ هنا تصرفُ ، بل القرائن كلها تؤكد الوجوبَ وتُثْبِتُهُ ـ كما سيأتي ـ ومنه تعلم أن حَلْقَ اللحية مخالفةٌ صريحةٌ لأمرِ رسول الله صَلَى الله عليه وسلِم .
أما القرائنُ المؤكدةُ للتحريمِ فهي :
ثالثاً: التشبه بالكفار :
لِمَا ثبت عن النبي صَلَى الله عليه وسلِم : (( خالفوا المشركين )) و(( خالفوا المجوس )) و(( خالفوا أهل الكتاب . . . )) و . . .
قال شيخُنا في الإجازة العلامةُ أبو محمد بديع الدين الراشدي السِّنديُّ :
وقد أخبر الصادقُ المصدوقُ صَلَى الله عليه وسلِم أن حلق اللحى من عادات المشركين ، فيجبُ على المسلمين الذين آمنوا بالله ورسولِه صَلَى الله عليه وسلِم وصدَّقُوه المخالفةُ لهم وعدمُ التشبه بهم ، فإنه ورد في ذلك وعيد شديدٌ عنه صَلَى الله عليه وسلِم بلفظ : (( من تشبه بقوم فهو منهم )) ( 1 ) . وقال العلامةُ التوربِشْتي : قصُّ اللحية كان من صنع الأعاجم وهو اليوم شعار كثير من المشركين كالإفرنج والهنود ومَنْ لا خَلاق له في الدين من الفِرَقَ الكافرةِ ، طَهَّرَ الله حَوْزَةَ الدين منهم.( 2 )
رابعاً : التشبه بالنساء :
فإنه لايخفى أن في حلق الرجل لِحْيَتَهُ التي مَيَّزَهُ الله بها عن المرأة أكبر تشبه بها ، والمتشبهُ من الرجال بالنساء ملعونٌ على لِسَان رسول الله صَلَى الله عليه وسلِم ( 3 ) ، وقد عَدَّ الفقيهُ ابنُ حجرٍ الهَيْتَمِيُّ هذا التشبُّهَ من الكبائر ( 4 ) .
وقال الشيخ أبو حامد الغزالي :
وبها ـ أي اللحية ـ يتميز الرجال عن النساء ( 3 ) .
وقال ابنُ الْقَيَمِمِ رحمه الله :
وأما شَعْرُ اللحية ففيه منافعُ ، منها : الزينة والوقار والهيبة ، ولهذا لا يُرى على الصيبان والنساء من الهيبة والوقار ما يُرى على ذوي اللحى ، ومنها : التمييز بين الرجال والنساء (1) .
وقال العلامة الكَاندَهْلَوِيُّ :
ولا يرتاب مرتابٌ في أن التشبهَ الكاملَ بالنساء يحصلُ بحلق اللحية ، وهذا التشبه فوق باللباس وغيره ، لأن لحيةَ الرجل هي الفارقُ الأولُ والمميز الأكبر بين الرجل والمرأة كما هو مشاهدٌ ومعلومٌ للجميعِ ، لا ينكرُه إلا مَنْ أراد أن يَخْدَعَ نَفْسَهُ وَيَتَّبعَ هواهُ وَيَتَخَنَّثَ بعد ما أنعم الله عليه بصورة الرجل الحسنة المفطورة له ( 2 ) .
خامساً : مخالفة الفطرة :
أصلُ الفطرة : الخِلْقَةُ المبتدأة ، ومنه : فاطرُ السماواتِ والأرض ( 3 ) .
وقال ابن الأثير :
الفطرة : أي السنة ، يعني سنن الأنبياء عليهم السلام التي أُمرنا أن نَقْتدِيَ بهم فيها ( 4 ) .
وقال الإمام السُّيُوطِىُّ :
وأحسن ما قيل في تفسير الفطرة أنها السُّنَّة القديمةُ التى اختارها الأنبياءُ واتفقت عليها الشرائِعُ ، فكأنها أمرٌ جِبِلِّيُّ فُطِروا عليه ( 5 ) .
وكونُ إعفاءِ اللحية أحدَ خصال الفطرة ، يدل على أنَّ العرب سَلِمَتْ فِطْرَتُهُمْ في هذه الجزئية ، فكان ما هم عليه من الإعفاء لِلِحاهُم ، من الدين الذي ورثوه عن أبيهم إبراهيم عليه السلام ( 3 ) .
سادساً : مخالفة هدي الأنبياء والصالحين :
قال العلآمة الشنقيطي عند تفسير قوله تعالى (( قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرَءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى )) { طه : 94 } ـ ما ملخصه ( 1 ) :
هذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ على لزومِ إعفاءِ اللحية ، فهى دليلٌ قرآنىٌ على إعفاءِ اللحية وعدم حلقها ، فإذا عرفت أن هارون كان موفورَ شعرِ لحيته بدليل قوله لأخيه : ] لاَتَأْخُذُ بِلِحْيَتِي [ لآنه لو كان حَالقاً لما أراد أَخُوهُ الأخْذَ بلحيَتِهِ ، تبينَ لك من ذلك بإيضَاحٍ أنَّ إعفاءَ اللحية سَمْتٌ من السِّمتِ الذي أمَرَنَا به القرآنُ العظيمُ وأنه كان سمت الرُّسُلِ الكرامِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم . . .
وقد كان من صِفَةِ رسول الله صَلَى الله عليه وسلِم كثاثةُ اللحِيةِ وكثافَتُها ( 2 ) . وقال شيخُنا الأستاذُ بديع الدين الراشدي ما ملخصه :
وفي صحيح مسلم من حديث جابرِ بنِ سَمُرَةَ أن النبي صَلَى الله عليه وسلِم كان كثيرَ شعر اللحية وقد ثبت عن الخلفاء الراشدين المهديين وغيرهم من الصحابة والتابعين أنهم كانوا ذوي لحىً كبيرة ، فكان أبو بكر الصديق كثَّ اللحية ، كما فى (( قوت القلوب )) ( 4 / 9 ) ، وكان عمرُ كثيرَ اللحية ، كما في (( الإصابة )) ( 2/ 511 ) ، وكان عثمانُ كبيرَ اللحية ، كما في (( الإصابة )) ( 2 / 355 ) ، وفي طبقات ابن سعد ( 3/ 58 ) من طريق الواقدي ( 1 ) : كان كبيرَ اللحية وعظيمَها ، وروى ابنُ سعد في (( الطبقات )) أيضاً ( 3 / 25 ) عن الشعبى ِّقال : رأيت عليّاً رضي الله عنه ، فكان عريضَ اللحية ، وقد أَخَذَتْ ما بين منكبيه ، وَمِثْلُهُ في (( تاريخ الخلفاء )) ( 129 ) ، فهؤلاء أعقل الأمة كلِّها بإجماع علمائها ثُم بعدهم الأَتْباع ما لا أُحْصِي منهم ( 2 ) .
4 ـ أقول الأئمة في حلق اللحية
صَرَّحَ جمهورُ الفقهاءِ بتحريمِ حَلْقِ اللحيةِ ، وَنَصَّ بعظُهم على الكراهة ، وهي عندهم تطلق كثيراً على المُحَرَّمات ، لأن المتقدمين يُعَبِّرُونَ بالكراهة عن التحريم ، كما نُقل ذلك عنهم في كتب أَصولِ الفِقْهِ ( 3 ) .
1 ـ قال العلامةُ ابنُ حَزْمٍ الأندلسىُّ :
واتفقوا ـ أي الأئمة ـ على أنَّ حَلْقَ اللحيةِ مُثْلَةٌ ( 4 ) لا تجوز (5 ) .
2 ـ قال شيخُ الإسلام ابنُ تَيْمِيَّةَ : ويَحْرُم حلقُ اللحيةِ ( 6 ) .
3 ـ قال ابنُ عابدين ـ من أعيان الحنفية ـ ما نصه : ويحرم على الرجل قطع لحيته ـ أي حلقها ( 7 ) .
4 ـ وقال العدويُّ ـ من أعيان المالكية ـ ما نصه :
نُقِلَ عن مالك كراهة حلق ما تحت الحنك ، حتى قال : إنه مِنْ فِعْلِ المجوس . . . كما يحرم إزالة شعر اللحية ( 1 ) .
وقال ابنُ عَبْدِ البَرِّ في (( التمهيد )) : ويحرم حلق اللحية ، ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال ( 2 ) .
5 ـ وقال الشيخ أحمد بن قاسم العبادي ـ من أعيان الشافعية ـما نصه :
قال ابن الرِفْعة في (( حاشية الكفاية )) : إن الإمام الشافعي قد نصَّ في (( الأم )) على تحريم حلق اللحية ، وكذلك نصَّ الزَّرْكَشِيُّ والحُلَيْميُّ في (( شُعَب الإيمان )) وأستاذُه القَفَّالُ الشاشيُّ في (( محاسن الشريعة )) على تحريم حلق اللحية ( 3 ) .
6 ـ وقال السَّفَّارِينيُّ ـ من أعيان الحنابلة ـ ما نصه : المعتمد في المذهب ، حُرمَةُ حَلْقِ اللحية ( 4 ) .
7 ـ وقد أفتى كثيرٌ من العلماء المعارضين بحرمة حلق اللحية منهم :
عبد الجليل عيسى ، علي محفوظ ، عبد العزيز بن باز ، ناصر الدين الألباني ، محمد سلطان المعصوميُّ ، أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي ، أبو ببكر الجزائري ، الكاندهلوي ، عبد الرحمن بن قاسم ، إسماعيل الأنصاري ، وغيرهم كثيرون .
5 ـ هل يأخذُ المسلم من لحيته ؟ ؟
اختلف العلماءُ في هذا اختلافاً ليس محلُّه هذه الرسالة المختصرة ، لكنني أقول بإيجاز :
عُمدة المجيزين هو ما يُروى عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده : أن النبي صَلَى الله عليه وسلِم كان يأخُذُ من لحيته من عرضها وطولها ، وهو حديث أخرجه الترمذيُّ ( 2763 ) والبيهقيُّ في (( شُعب الإيمان )) ( 266 ق ) وأبو الشيخ في (( أخلاق النبي )) ( 306 ) وابن الجَوْزِيُّ في (( العلل المتناهية )) ( 1142 ) فهل ثبتَ هذا ؟
قال ابنُ الجَوْزِيِّ بعد إيراده إياه :
هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله صَلَى الله عليه وسلِم ، والمتهم به عمر بن هارون البلخي ، قال العقيلى : لايُعْرَفْ إلاَّ بِهِ ( 1 ) ، قال يحيى : كذاب ، وقال النِّسائي : متروك ، وقال البُخاريُّ : لاأعرف لِعُمَرَبِن هارُنَ البَلْخِيِّ حديثاً لا أصل له إلا هذا ، وقال ابنُ حِبَّان : يَروي عن الثقات المعضلاتِ ويَدَّعي شُيوخاً لم يرهم ( 2 ) .
وقد ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا حجَّ أو اعتمر قبض على لحيته فما فَضَل أخَذَه ( 3 ) واختلف العلماء في فهمه بين مُخَصِّصٍ للأخذ في الحج أو العمرة ، أو مُعَمِّم له في الأيام كلها ، أو مانعٍ على الإطلاق ! ! وما أَجْمَلَ قولَ الشيخ إسماعيل الأنصاري مُعلقاً على أثر ابن عمر :
الحجة في روايته ، لا في رأيه ، ولا شك أن قول الرسول صَلَى الله عليه وسلِم وفعله أحق وأولى بالاتباع من قول غيره كائناً من كان ( 1 ) .
ـ فوائد طبية لإِعفاء اللحية
إن هذا الشعر ، تجري فيه مفرزات دهنية من الجسد يلين بها الجلد ، ويبقى نَضِراً فيه حيويةُ الحياةِ وطراوتُها ، كالأرض المُخْضَلَّةِ المبتلة النابتة بالعشب الأخضر الذي يعاوده الماء بالسقي ، فهي به حية ، وحلقُ اللحية يُفَوِّتُ هذه الوظائفَ الإِفرازية على الوجه ، فيبدو قاحلاً يابساً (2) .
وخلاصة القول :
أن المؤمنَ يجبُ عليه أن يجعلَ دائماً الآخرةَ أمامَ عينيه ، ولا ينخدعَ بمظاهر هذه الدنيا الفاتنةِ الفانية ، فإنَّ حياتَها قصيرةٌ جدّاً ـ وكلٌ من هذه الدار إلى دار القرار ، وهناك وقوفٌ بين يدي العزيز الجبار ، فيحاسَبُ عن كل ما فعله ( 3 ) .
وهذا آخر الكلام حول اللحية ، فالحمد لله على التمام ، والصلاة والسلام على رسوله سيد الأنام ، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام .
لَعَلَّ أَوَلَ ما يجدُرُ مُلاحَظَتُهَ _ بِصَدِدِ التحقيق في أمرِ اللحية _ و إدخالُهُ في الحسبان تَذَكُّرُ أنَّ حَلْق اللحي هو عادةٌ انتقلت إلى عالمنا الإسلامي إثر الاحتلال الغربيِ لبلاد المسلمين عَقِبَ الحرب العالمية الأولى ، أيامَ ابتدأت المفاهيمُ غيرُ الأسلامية تغزو مجتمعاتنا ، ثم تَسرَّبت إ ليه تقاليد و عاداتٌ ليست من تقاليد المسلمينَ و لا من عاداتهمْ ، فهي إذاً غيرُ لإسلامية ، حتى ولاعربية ، بل و لا شرقية ، و كان من أبرز الظواهر المتسربة إلينا من تلك العادات و التقاليد تقتصرُ اللحي أو حَلْقُهَا .
و يشهد لحداثة هذه الظاهرةِ ، أن كثيراً من أجدادنا القريبى العهد منا كانوا متلحين ، مما يدُلُّ على أصالةِ هذهِ العادةِ الإسلاميَّيِة الصِّرفَةِ في قلوبِهِمْ .
فإذا نحن أدخلنا بالحُسْبَانِ فوقَ هذا كُلِّه أنه ورد في اللحية أحاديث صحيحةٌ و آثارٌ صريحةٌ ، أدركنا أنَّ الحِفَاظَ عليها حفاظٌ على نموذجية المظهر الإسلامي عموماً ،و علمنا يقيناً أنَّ ذلك كلَّههو عاداتُ موروثةٌ عن السَّلف مند رسول الله صَلَى الله عليه و سِلم و صحابته الكرام ثم مَن تبعهم بإحسان ، و حتى أيامنا هذه .(1 )
1 ـ حَدُّ اللحية لغةً و شرعاً
قال المجدُ الفَيْروز آبادىُّ في (( القاموس المحيط )) :
الِّلحية : بالكسرِ ، شعْرُ الخدَّيْن و الذَّقنِ (2 ) .
وقال الشيخ أحمد الدِّهْلَوىُّ : حدُّ اللحية طُولاً : من العَنْفَقة ـ أى من الشعر النابت على الشفة الَّسفلى مع شعر الذقن ـ إلى الشعر النابت تحت الذقن ، وَ عَرْضاً ، من شعر الخَدَّيْنِ ـ و هما العارضان ـ أي : من جانبي الوجه مع شعر الصِّدْغَينْ إلى ما تحتَ الحَنَكِ الأسفلِ من الشعر هذا كله لِحْيَة (3 ) .
و قال الشيخَ عَبْدُ السَّتارِ الدِّهْلَوىُّ : فإذا فهمتَ ما جاء بِكُتُبِ اللُّغَةِ العربية عرفت حينئذٍ أن جميع شعر الوجه مما ينبت على الذقن و تحت اللحيين و ما على الخدين و العارضين يقال له لحية ، ما عدا الشارب ( 4) .
2 ـ الأحاديث الواردة في إعفاء اللحية ( 5)
أ ـ عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صَلَى الله وسلِم : (( خالفوا المشركين ، احْفُوا الشَّوارب وأَوفوا اللِّحى )) (6 ) .
ب ـ عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صَلَى الله عليه وسلِم : (( جُزُّوا الشوارب وأرخوا اللحى ، خالفوا المجوس ))(7 ) .
ج ـ عن عائشة قالت : قال رسول الله صَلَى الله عليه و سِلم (( قُصُّوا سِبَالكم (8 )، َوَو فِّرُوا عثانينكم ( 9 ) وخالفوا أهل الكتاب ))
د ـ عن عائشة قالت : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( عَشْرٌ من الفطرة : قصُّ الشارب ، وإعفاء اللحية . . . )) ( 10 ) .
وغير ذلك من أحاديث (11).
3 ـ أدلة تحريم حلق اللحية
أولا : تغييرُ خَلْقِِ الله :
قال اللّه تعالى في حق الشيطان : ] لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ َلأَ تَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضاً ( 118 ) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَنَ الأَنْعَمِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيَِرُنًّ خَلْقَ اللَّه وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَنَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خُسِرَانََا مُّبِينََا [ { النساء : 118 ، 119 } ، فَهذا نصٌّ صريحٌ في أن تغيير خلق الله دُون إذنٍ منه تعالى إطاعةٌ لأمر الشيطان ، وعصيانٌ للرحمن جل جلاله ، فَلاَ جَرَمَ أنْ لَعَنَ رسولُ الله صَلَي الله عليه وسِلم المُغَيَّراتِ خلقَ الله لِلْحُسْنِ كما في قوله صَلَي الله عليه وسِلم :(( لعن الله الواشماتِ ، والمستوشماتِ ، والنَّامصاتِ ، والمتفلِّجَاتِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ الله )) (12 ) وليس مِن شَكٍّ فى دخول حلق اللحية للحُسْنِ في اللعنِ المذكور بجامع الاشتراك في العلة والسبب كما لا يخفى (13 ) .
وقال الشيخ التِّهَانويُّ في تفسيره المسمى (( بيان القرآن )) :
إن حلق اللحية داخل في هذا التعبير (14) .
ثمَّ علَّقَ التَّهانَوِيَُ على الحديث السابق قائلاً :
فثبت أن تغيير خَلق الله سَبَبٌ لِلَّعنَةِ ، وأنَّ ما نهى عنه رسول الله صَلَى الله عليه وسلِم هومنهيٌّ عند ااه تعالى ، كما فى قوله تعالى : ] وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ [ { الحشر : 7 } . وهذا ظاهرٌ جداً (3) .
وقال الإمام وليُّ الله الدهلوي (4) :
وقصُّها ـ أي اللحيى ـ سنة المجوس ، وفيه تغيير خلق الله (5) .
وقال الشيخ عثمان بن عبد القادر الصافي (1) :
فمن ذا الذي يجرؤ على الزعم أن اللحية ليست من خلق الله ؟ بل هي ظاهرة كونية تدخل ضمن نطاق البنية البشرية للإنسان ، كما سلف ذِكْرُهُ . . وعليه فلا مجالَ للمراء في أنَّ حَلْقها هو تبديلٌ لخلق الله ، فيكون معْنِيَّاً في الآية الكريمة { السابقة } وداخلاً في عُمومها .
ثانياً : مخالفة أمر النبيِّ صَلَى الله عليه وسلِم :
وهو قوله صَلَى الله عليه وسلِم : (( أوفوا . . . )) و (( ارخوا . . . )) و (( وفِّروا )) و (( اعفوا )) . . وهي كلها أوامرُ صريحةٌ ، والأمرُ في أصةل الفقه يُفيدُ الوجوب إلا إذا جاءت قرينةٌ تَصْرِفُ اللفظَ عن ظاهره ( 2 ) ؛ ولا قرينةَ هنا تصرفُ ، بل القرائن كلها تؤكد الوجوبَ وتُثْبِتُهُ ـ كما سيأتي ـ ومنه تعلم أن حَلْقَ اللحية مخالفةٌ صريحةٌ لأمرِ رسول الله صَلَى الله عليه وسلِم .
أما القرائنُ المؤكدةُ للتحريمِ فهي :
ثالثاً: التشبه بالكفار :
لِمَا ثبت عن النبي صَلَى الله عليه وسلِم : (( خالفوا المشركين )) و(( خالفوا المجوس )) و(( خالفوا أهل الكتاب . . . )) و . . .
قال شيخُنا في الإجازة العلامةُ أبو محمد بديع الدين الراشدي السِّنديُّ :
وقد أخبر الصادقُ المصدوقُ صَلَى الله عليه وسلِم أن حلق اللحى من عادات المشركين ، فيجبُ على المسلمين الذين آمنوا بالله ورسولِه صَلَى الله عليه وسلِم وصدَّقُوه المخالفةُ لهم وعدمُ التشبه بهم ، فإنه ورد في ذلك وعيد شديدٌ عنه صَلَى الله عليه وسلِم بلفظ : (( من تشبه بقوم فهو منهم )) ( 1 ) . وقال العلامةُ التوربِشْتي : قصُّ اللحية كان من صنع الأعاجم وهو اليوم شعار كثير من المشركين كالإفرنج والهنود ومَنْ لا خَلاق له في الدين من الفِرَقَ الكافرةِ ، طَهَّرَ الله حَوْزَةَ الدين منهم.( 2 )
رابعاً : التشبه بالنساء :
فإنه لايخفى أن في حلق الرجل لِحْيَتَهُ التي مَيَّزَهُ الله بها عن المرأة أكبر تشبه بها ، والمتشبهُ من الرجال بالنساء ملعونٌ على لِسَان رسول الله صَلَى الله عليه وسلِم ( 3 ) ، وقد عَدَّ الفقيهُ ابنُ حجرٍ الهَيْتَمِيُّ هذا التشبُّهَ من الكبائر ( 4 ) .
وقال الشيخ أبو حامد الغزالي :
وبها ـ أي اللحية ـ يتميز الرجال عن النساء ( 3 ) .
وقال ابنُ الْقَيَمِمِ رحمه الله :
وأما شَعْرُ اللحية ففيه منافعُ ، منها : الزينة والوقار والهيبة ، ولهذا لا يُرى على الصيبان والنساء من الهيبة والوقار ما يُرى على ذوي اللحى ، ومنها : التمييز بين الرجال والنساء (1) .
وقال العلامة الكَاندَهْلَوِيُّ :
ولا يرتاب مرتابٌ في أن التشبهَ الكاملَ بالنساء يحصلُ بحلق اللحية ، وهذا التشبه فوق باللباس وغيره ، لأن لحيةَ الرجل هي الفارقُ الأولُ والمميز الأكبر بين الرجل والمرأة كما هو مشاهدٌ ومعلومٌ للجميعِ ، لا ينكرُه إلا مَنْ أراد أن يَخْدَعَ نَفْسَهُ وَيَتَّبعَ هواهُ وَيَتَخَنَّثَ بعد ما أنعم الله عليه بصورة الرجل الحسنة المفطورة له ( 2 ) .
خامساً : مخالفة الفطرة :
أصلُ الفطرة : الخِلْقَةُ المبتدأة ، ومنه : فاطرُ السماواتِ والأرض ( 3 ) .
وقال ابن الأثير :
الفطرة : أي السنة ، يعني سنن الأنبياء عليهم السلام التي أُمرنا أن نَقْتدِيَ بهم فيها ( 4 ) .
وقال الإمام السُّيُوطِىُّ :
وأحسن ما قيل في تفسير الفطرة أنها السُّنَّة القديمةُ التى اختارها الأنبياءُ واتفقت عليها الشرائِعُ ، فكأنها أمرٌ جِبِلِّيُّ فُطِروا عليه ( 5 ) .
وكونُ إعفاءِ اللحية أحدَ خصال الفطرة ، يدل على أنَّ العرب سَلِمَتْ فِطْرَتُهُمْ في هذه الجزئية ، فكان ما هم عليه من الإعفاء لِلِحاهُم ، من الدين الذي ورثوه عن أبيهم إبراهيم عليه السلام ( 3 ) .
سادساً : مخالفة هدي الأنبياء والصالحين :
قال العلآمة الشنقيطي عند تفسير قوله تعالى (( قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرَءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى )) { طه : 94 } ـ ما ملخصه ( 1 ) :
هذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ على لزومِ إعفاءِ اللحية ، فهى دليلٌ قرآنىٌ على إعفاءِ اللحية وعدم حلقها ، فإذا عرفت أن هارون كان موفورَ شعرِ لحيته بدليل قوله لأخيه : ] لاَتَأْخُذُ بِلِحْيَتِي [ لآنه لو كان حَالقاً لما أراد أَخُوهُ الأخْذَ بلحيَتِهِ ، تبينَ لك من ذلك بإيضَاحٍ أنَّ إعفاءَ اللحية سَمْتٌ من السِّمتِ الذي أمَرَنَا به القرآنُ العظيمُ وأنه كان سمت الرُّسُلِ الكرامِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم . . .
وقد كان من صِفَةِ رسول الله صَلَى الله عليه وسلِم كثاثةُ اللحِيةِ وكثافَتُها ( 2 ) . وقال شيخُنا الأستاذُ بديع الدين الراشدي ما ملخصه :
وفي صحيح مسلم من حديث جابرِ بنِ سَمُرَةَ أن النبي صَلَى الله عليه وسلِم كان كثيرَ شعر اللحية وقد ثبت عن الخلفاء الراشدين المهديين وغيرهم من الصحابة والتابعين أنهم كانوا ذوي لحىً كبيرة ، فكان أبو بكر الصديق كثَّ اللحية ، كما فى (( قوت القلوب )) ( 4 / 9 ) ، وكان عمرُ كثيرَ اللحية ، كما في (( الإصابة )) ( 2/ 511 ) ، وكان عثمانُ كبيرَ اللحية ، كما في (( الإصابة )) ( 2 / 355 ) ، وفي طبقات ابن سعد ( 3/ 58 ) من طريق الواقدي ( 1 ) : كان كبيرَ اللحية وعظيمَها ، وروى ابنُ سعد في (( الطبقات )) أيضاً ( 3 / 25 ) عن الشعبى ِّقال : رأيت عليّاً رضي الله عنه ، فكان عريضَ اللحية ، وقد أَخَذَتْ ما بين منكبيه ، وَمِثْلُهُ في (( تاريخ الخلفاء )) ( 129 ) ، فهؤلاء أعقل الأمة كلِّها بإجماع علمائها ثُم بعدهم الأَتْباع ما لا أُحْصِي منهم ( 2 ) .
4 ـ أقول الأئمة في حلق اللحية
صَرَّحَ جمهورُ الفقهاءِ بتحريمِ حَلْقِ اللحيةِ ، وَنَصَّ بعظُهم على الكراهة ، وهي عندهم تطلق كثيراً على المُحَرَّمات ، لأن المتقدمين يُعَبِّرُونَ بالكراهة عن التحريم ، كما نُقل ذلك عنهم في كتب أَصولِ الفِقْهِ ( 3 ) .
1 ـ قال العلامةُ ابنُ حَزْمٍ الأندلسىُّ :
واتفقوا ـ أي الأئمة ـ على أنَّ حَلْقَ اللحيةِ مُثْلَةٌ ( 4 ) لا تجوز (5 ) .
2 ـ قال شيخُ الإسلام ابنُ تَيْمِيَّةَ : ويَحْرُم حلقُ اللحيةِ ( 6 ) .
3 ـ قال ابنُ عابدين ـ من أعيان الحنفية ـ ما نصه : ويحرم على الرجل قطع لحيته ـ أي حلقها ( 7 ) .
4 ـ وقال العدويُّ ـ من أعيان المالكية ـ ما نصه :
نُقِلَ عن مالك كراهة حلق ما تحت الحنك ، حتى قال : إنه مِنْ فِعْلِ المجوس . . . كما يحرم إزالة شعر اللحية ( 1 ) .
وقال ابنُ عَبْدِ البَرِّ في (( التمهيد )) : ويحرم حلق اللحية ، ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال ( 2 ) .
5 ـ وقال الشيخ أحمد بن قاسم العبادي ـ من أعيان الشافعية ـما نصه :
قال ابن الرِفْعة في (( حاشية الكفاية )) : إن الإمام الشافعي قد نصَّ في (( الأم )) على تحريم حلق اللحية ، وكذلك نصَّ الزَّرْكَشِيُّ والحُلَيْميُّ في (( شُعَب الإيمان )) وأستاذُه القَفَّالُ الشاشيُّ في (( محاسن الشريعة )) على تحريم حلق اللحية ( 3 ) .
6 ـ وقال السَّفَّارِينيُّ ـ من أعيان الحنابلة ـ ما نصه : المعتمد في المذهب ، حُرمَةُ حَلْقِ اللحية ( 4 ) .
7 ـ وقد أفتى كثيرٌ من العلماء المعارضين بحرمة حلق اللحية منهم :
عبد الجليل عيسى ، علي محفوظ ، عبد العزيز بن باز ، ناصر الدين الألباني ، محمد سلطان المعصوميُّ ، أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي ، أبو ببكر الجزائري ، الكاندهلوي ، عبد الرحمن بن قاسم ، إسماعيل الأنصاري ، وغيرهم كثيرون .
5 ـ هل يأخذُ المسلم من لحيته ؟ ؟
اختلف العلماءُ في هذا اختلافاً ليس محلُّه هذه الرسالة المختصرة ، لكنني أقول بإيجاز :
عُمدة المجيزين هو ما يُروى عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده : أن النبي صَلَى الله عليه وسلِم كان يأخُذُ من لحيته من عرضها وطولها ، وهو حديث أخرجه الترمذيُّ ( 2763 ) والبيهقيُّ في (( شُعب الإيمان )) ( 266 ق ) وأبو الشيخ في (( أخلاق النبي )) ( 306 ) وابن الجَوْزِيُّ في (( العلل المتناهية )) ( 1142 ) فهل ثبتَ هذا ؟
قال ابنُ الجَوْزِيِّ بعد إيراده إياه :
هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله صَلَى الله عليه وسلِم ، والمتهم به عمر بن هارون البلخي ، قال العقيلى : لايُعْرَفْ إلاَّ بِهِ ( 1 ) ، قال يحيى : كذاب ، وقال النِّسائي : متروك ، وقال البُخاريُّ : لاأعرف لِعُمَرَبِن هارُنَ البَلْخِيِّ حديثاً لا أصل له إلا هذا ، وقال ابنُ حِبَّان : يَروي عن الثقات المعضلاتِ ويَدَّعي شُيوخاً لم يرهم ( 2 ) .
وقد ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا حجَّ أو اعتمر قبض على لحيته فما فَضَل أخَذَه ( 3 ) واختلف العلماء في فهمه بين مُخَصِّصٍ للأخذ في الحج أو العمرة ، أو مُعَمِّم له في الأيام كلها ، أو مانعٍ على الإطلاق ! ! وما أَجْمَلَ قولَ الشيخ إسماعيل الأنصاري مُعلقاً على أثر ابن عمر :
الحجة في روايته ، لا في رأيه ، ولا شك أن قول الرسول صَلَى الله عليه وسلِم وفعله أحق وأولى بالاتباع من قول غيره كائناً من كان ( 1 ) .
ـ فوائد طبية لإِعفاء اللحية
إن هذا الشعر ، تجري فيه مفرزات دهنية من الجسد يلين بها الجلد ، ويبقى نَضِراً فيه حيويةُ الحياةِ وطراوتُها ، كالأرض المُخْضَلَّةِ المبتلة النابتة بالعشب الأخضر الذي يعاوده الماء بالسقي ، فهي به حية ، وحلقُ اللحية يُفَوِّتُ هذه الوظائفَ الإِفرازية على الوجه ، فيبدو قاحلاً يابساً (2) .
وخلاصة القول :
أن المؤمنَ يجبُ عليه أن يجعلَ دائماً الآخرةَ أمامَ عينيه ، ولا ينخدعَ بمظاهر هذه الدنيا الفاتنةِ الفانية ، فإنَّ حياتَها قصيرةٌ جدّاً ـ وكلٌ من هذه الدار إلى دار القرار ، وهناك وقوفٌ بين يدي العزيز الجبار ، فيحاسَبُ عن كل ما فعله ( 3 ) .
وهذا آخر الكلام حول اللحية ، فالحمد لله على التمام ، والصلاة والسلام على رسوله سيد الأنام ، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام .
