برامج

قصة ... لاتنتهى ... [الأرشيف] - برامج نت

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة ... لاتنتهى ...


Samir Aser
01-23-2006, 10:46 AM
قصة ... لاتنتهى

سار نحو البيت الكبير ذى الطوابق الأربعة ووقف قليلا يتأمل الحديقة المُتْربة ويملأ رئتيه برائحة التمر حنا ؛ ثم دفع الباب برفق ودخل . تجلس أمه كعادتها فى زاوية من زوايا الصالة الكبيرة ، تمسك بمسبحتها الطويلة ، بجوارها جهاز الراديو العتيق ، تنبعث منه آيات الذكر الحكيم مرتلة بصوت عال . قامت أخته الكبرى روحية تحتضنه بحنان ؛ وتحلّق حوله صبيان وبنات أخواته يرمقونه فى صمت . جلس إلى جوار أمه وربت على كتفها فى رفق ، فتنهدت بعمق .
- بس بس.... فيه ايه ؟
- أبوك .
- تااااااااااااااانى ... تانى يا أمى .
- من يومين نايم ، لا بياكل ولا بيشرب ولا عايز يتكلم .
مد يده وأغلق الراديو ؛ فصاحت به أمه :
- سيب القرآن .
- طيب طيب... دلوقتى .
انفتحت أخته الكبرى :
- آهى كده على طول... عاملة البيت مأتم ؛ ومحرّجه ع العيال ينزلوا هنا ؛ وكل ما الراجل يتكلِّم كلمة ؛ تقول له اسمع القرآن أحسن... انت إللى هتقوله هتعيده ، احنا حفظنا قصة حياتك صَمْ ... أهو سكت خالص ، علشان تستريحى...
أسكتها بإشارة من يده ؛ وقام بهدوء ليفتح باب غرفة أبيه عن آخره . ألقى نظرة اشفاق غامضة نحو أبيه الذى نام على جانبه مولياً وجهه نحو الحائط . تقدم بهدوء وجلس على المقعد بجوار الفراش وأخرج علبة سجائره ؛ وتناول منها سيجارة ؛ جعل يديرها بين أصابعه ويبتسم ؛ ثم أشعلها ونفث دخانها فى صمت .
تنحنح العجوز وسعل وتململ فى فراشه ثم استدار بصعوبة وبطء واعتدل قاعدا :
- مين ؟
- أنا يا با .
- انت جيت يا أحمد... حمدالله على السلامة يابنى .
- الله يسلمك... خد سيجارة ... مش هتاخد منى سيجارة ؟
؛ ومد يده نحو والده بسيجارة ؛ ومد العجوز يده المرتعشة مفرودة الأصابع تبحث عن السيجارة :
- أمك فين ؟
- ماتخافش ... خد اشرب .
يمسك العجوز بالسيجارة ويديرها بين أصابعه ؛ يشعل لأبيه السيجارة ؛ ليأخذ العجوز نفساً عميقاً نافثاً الدخان من منخريه ؛ يسعل ويدمدم :
- هيه دى سجاير دى... فين البلايرز والبَحّارى بتاع زمان ... يالله ؛ ربنا يقطع سَجَرِتها واللى عملها .
وتسلل الأطفال إلى داخل الحجرة ، وجلس كل واحد منهما كيفما اتفق .
- قل لى يابا... انت شربت السجاير وانت عندك كام سنه ؟
لمعت عينى العجوز :
- يااااااااااه ... من زمان قوى ... وأنا عندى تمانتاشر سنة ... كانت ببلاش بنستلمها فى الكامب.
قال أحد الأطفال :
- فى كامب الطِّيره .
فرد عليه الآخر :
- لأ.. فى كامب العزيزية .
ويتساءل آخر :
- هوه جدو كان بيشتغل عند الإنجليز ليه ؟
فيرد عليه آخر :
- هوه كان فيه شغل إلاّ عندهم ؛ وبعدين همه كانوا بيحاربوا هتلر ، وقالوا لجدو لو
مااشتغلتش معانا هناخدك أسير لغاية لمّا الحرب تخلص .
- قل لى يابا ... هيه المسافة بينّا وبين فلسطين كام بالظبط ؟
أشرق وجه العجوز :
- كان القطار بيطلع من القنطرة شرق العِشا ، يوصل اللّد الفجر ؛ وبعدين حيفا على الساعة عشرة الصبح .
قال أحد الأطفال للآخر :
- جدو اتولد فى حيفا .
فوكزه الآخر :
- بس احنا مصريين يا خويا .
ويسترسل العجوز بلهجة خاصة :
- أنا كنت فورمان على اليهود فى فلسطين ؛ كنت رَيِّس عليهم ؛ الكابتن الإنجليزى قال لى : ( يو فورمان )، كانت الحرب شغّاله وكُنّا بنعمل اتناشر ألف صفيحة بنزين فى اليوم علشان الطيارات والدبابات ؛ الصّاج يُخُش على السير أبو بَكَرات من هنا ، يطلع فى الآخر صفيحة مدهونة مليانه بنزين ؛ وكل واحد له شُغله ؛ وأنا واقف لهم زى الصقر ( بانشر شوب .... بانشر ) ؛ اليهود ولاد الكلب يقولولى : يامصرى فََوِّت الصفيحة المخرومة ؛ احنا بنشتغل بالألف .
يصمت العجوز قليلا ثم يسترسل بلهجه فلسطينيه :
- قرّب يازَلَميييييييييى ... قرب يا زلمييييييييييى ؛ عشرة بِقِريييييش.. خمستاااشر بقريييييش .. عشرييين بقِرِييييشْ .
- أيوه البرتقان كان بِبَلاش... قل لى يابا انت بتحلق دقنك ازّاى من غير مراية .
رفع العجوز يده :
- هات... هات الموس وأنا أوريك .
يضع أحمد طرف الملاءة على صدر العجوز ، ويمسك العجوز بالموسى ذى الشفرة الواحدة بأصابعه الطويلة النحيلة ؛ وبطريقة خاصة محترفة يتحسس ذقنه بأنامل يده الخالية وببراعة يقوم بإزالة لحيته النابتة رويداً رويداً ؛ وقد تعلقت به عيون الصغار تراقبه فى اهتمام .
- الله.... ايه الحلاوة دى ياعم الشباب... أيوه كده .
- كان الزَّمُور بتاع الغارة لما يضرب.. الكلاب تهوهو ، والقطط تنونو ، والعيال تعيط .. كنت بشوف الطيارين جوه الطيّارات ؛ وأنا على جبل الكَرْمِل ؛
ويقاطعه صغير :
- ماش دا ياجدو الجبل إللى ضربت فيه اليهود .
ويقهقه العجوز ضاحكا :
- أنا كنت صُغَّير ؛ وطلعت وادى العشاق فوق.... ياسلااااااااااااااااام ... تبقى قاعد وتزيح بإيدك فروع الشجر علشان تِكَلِّم إللى جنبك .
- ضربتهم ازّاى يا جدو.... ضربتهم ازّاى .
وينظر العجوز فى اتجاه أحمد :
- كنت جاهل وقعدت مع أصحابى نشرب.... الدنيا لفِّت بيه ياواد ياأحمد.. اليهود ولاد الكلب كل واحد ماسك واحده وواخد راحته ع الآخر ؛ دمّى فار ؛ قمت قايم شادد فرع شجرة لبلوب وطِحْت فيهم ضرب ؛ إللى ياخد خبطه يقوم يجرى زى الفُرِِّيرَه وهو بيصرخ : ايييييمااااااااااااا ؛ ايييييمااااااااااااااااااااا ....المصرى سِكِر... المصرى سِكِر .
وابتسم أحمد فى مكر :
- كان لك أصحاب فلسطينيين يابا .
- ياسلااااااااام ... يوسف ....دا كان ولد .... مره أنا ويوسف ومحمد الصعيدى وابن خالى سُهيل رحنا نتفرج على فيلم لص بغداد فى سينما أمفتياتر ...
- لأ ياجدو فى سينما آرمون...
- آى والله صحيح فى سينما آرمون ؛ ويومها اتخانقنا واحنا طالعين م السِيما مع اليهود... جُبَنه ولاد كلب ... كنا فى حَيِّهم ؛ والواد محمد الصعيدى قالّنا : واد انت وهوه كل واحد يحط ضهره فى ضهر أخوه ؛ إللى أشوفه جاى عليّه أتعزم وأقوله ( باكاشا أدون ) واديلو يالبُنيه فى وشه... ورقعناهم حتة علقة... وهربنا منهم .
- تعرفوا ياولاد جَدّكم كان بطل وكان فتوه ؛ مره اتراهن انه يمشى على ايديه على بلاج حيفا ؛ وجابه من أوله لآخره .
لمعت عينى العجوز وتألقت حدقتاه وقام مترنحاً ؛ ووقف أمام الصغار يفرد ساعديه جانبا ويضغط بهما للخلف ؛ ثم يركع يلمس بهما الأرض ويعود يرفعهما لأعلى ؛ واختل توازنه لبرهه ؛ فبادر أحمد ومد يده ليعاونه فدفع يده :
- عيب... عيب ياأحمد... أبوك لسه شديد .
؛ ثم رفع صوته وهو يتوجه خارج غرفته :
- ياوليّه.... يا أم أحمد... مافيش لُقمه حلوه كِده .
فردت بلهجة متبرمة :
- لمّا تِستَحمّى الأول ؛ وتغير هدومك .
فالتفت ناحية ابنه :
-شايف... شايف ؟ ! .
ثم بلهجة طفولية آمره :
- طب هاتيلى غيار نضيف وجلابيه .
ومضى من فوره نحو الحمّام . وشرعت روحية فى تغيير ملاءات السرير :
- ربنا يخليك لينا ياخويا ومايحرمناش من طَلّتك علينا ...بينى وبينك هُمّه الاتنين أصعب من بعض.... ماانت عارف .
- أمك غلبانه ياروحية... كبرت هيه الأخرى... ماعادش عندها مرارة .
وخرج من الغرفة يتبعه الصغار ؛ يتأمل أمّه وهى تعد الطعام للعجوز :
- ازيك يا أم أحمد .
- الحمد لله يابنى .... أبوك صعب قوى ... مابيبطلش طلبات ؛ شاى ، قهوة ، سجاير ؛ وأنا مابطقش ريحتها .
- معلش استحمليه .
وينتهى العجوز ؛ ويخرج فرحاً مستبشراً :
- مين يعادينا نفنيه ؛ فى أراضينا هاأو ... أو ... أو .
وتزوم الأم :
- بلاش هيصه ؛ الأكل أَهُه .
- ياباااااااااااااااى عليكى .
ويتحلق الصغار حول العجوز ؛
- الكابتن الانجليزى قاللى : يو فورمان.......
ويمضى العجوز مسترسلا فى قصة دائرية لا نهاية لها ؛ ولاتنتهى أسئلة الصغار وتعليقاتهم وضحكاتهم ، وقهقهات العجوز المُرْهَقَة ؛ وبينما ظهرت الراحة على وجه أحمد وروحية ؛ يبدو التبرم والملل على وجه الأم زامة شفتيها تُنحِيها جانبا من آن لآخر فى استياء واضح .
- طيب ... أنا هاتِّكل على الله .
- ماهو بدرى يابنى .
- معلش عندى شغل كتير مستنينى .
ويقبّل رأس العجوز ؛ وينحنى ليُقبّل يد أمه هامساً :
- اتوصّى بأبويا .... استحملى شويه .
- أنا صابرة طول عمرى .
تحتضنه أخته مُقبّلة وجنتيه بقبلات رنّانة .
- سلامو عليكو .
ويمضى نحو الباب ؛ وقبل أن يخطو خطوات قليله مبتعداً ؛ يترامى إلى أذنيه صوت أمه الصارم :
- يالله يا واد انت وهوه كل واحد يروّح ؛ قوموا ذاكروا بقه ؛ مانتوا عارفين الحكايات دى ؛ ولاّ هيه تسالى ؛ يالله ياروحية ؛ خُدى عيالك واطلعى فوق زمان جوزك جاى .
ويرتفع عاليا صوت الشيخ / محمد رفعت الملائكى مرتلا أيات الذكر الحكيم
يبتسم ؛ ويتناول سيجارة ؛ يديرها بين أصابعه ؛ ويشعلها ؛ ثم يمضى فى طريقه .


سمير عصر

khaled qes
01-23-2006, 11:06 AM
مُبدع ياسمورة
ومين لسه فاكر محمد رفعت فى الزمان ده
أفكارى شوشتها من أول محمدرفعت للكامب لحيفا
ويوسف وسهيل وحسستنى أنى بشوف ناجى العلى
وبسمع محمود درويش فى حارة اليهود بالقاهرة
وفجأة صحيت فى أبوقير على البحر
ودخلت شبرا الخيمة على برلين
وعلى رأى مش عارف أسمه أيه
مين أنا عايز أعرف مين أنا ؟؟

ahmed awaad
01-23-2006, 11:10 AM
جزاكم الله خيرا و الله حميله هذه القصه
كل الكبار فى السن كده

Samir Aser
01-23-2006, 11:45 AM
مُبدع ياسمورة
ومين لسه فاكر محمد رفعت فى الزمان ده
أفكارى شوشتها من أول محمدرفعت للكامب لحيفا
ويوسف وسهيل وحسستنى أنى بشوف ناجى العلى
وبسمع محمود درويش فى حارة اليهود بالقاهرة
وفجأة صحيت فى أبوقير على البحر
ودخلت شبرا الخيمة على برلين
وعلى رأى مش عارف أسمه أيه
مين أنا عايز أعرف مين أنا ؟؟

بتخضنى والله .... بأقلق .... وبتجيبنى على ملا وشى من آخر الدنيا .

ممنون لك من قلبى لقلبك .

Samir Aser
01-23-2006, 11:47 AM
جزاكم الله خيرا و الله حميله هذه القصه
كل الكبار فى السن كده

مااتحرمش منك يادكتور أحمد ......... يديمها ربنا عليّه نعمة

khaled qes
01-23-2006, 11:48 AM
بتخضنى والله .... بأقلق .... وبتجيبنى على ملا وشى من آخر الدنيا .

ممنون لك من قلبى لقلبك .

هههههههههههه
سلامتك من الخضة
ده أنتى اللى قاطع نفسى
من ملاحقة مواضيعك

oumaima
01-23-2006, 05:20 PM
مشكور على القصة الرائعة

mohamadalmoayad
01-23-2006, 06:41 PM
أعتقد أنك مللت من كثرة سماعك لإشادتى بتماسك أسلوبك وترابط أفكارك و.........إلخ من هذه الدباجة التى نستقيها من نقد الكتاب للمواهب الشاب...أٌول لك شىء أخر


سيبك من كل اللى فات

انت حكاية يا ولد..والله حكاية

Samir Aser
07-27-2006, 05:53 PM
ومازالت القصة ....................... لاتنتهى .

sef-ali
07-27-2006, 11:50 PM
يسلم تمك وأيدك كمان يا دكتور

رواية بجد ولا احلها رواية

ربنا يخليك لينا يا طيب



ابو السيوف باشااا





.

mody_lifemaker
08-15-2006, 01:46 PM
http://img115.imageshack.us/img115/7356/finalculture3uu9.jpg

ةىةةىةىةىةىة
10-14-2007, 03:28 PM
جميلة جدا جدا

kantosh
06-12-2008, 11:06 AM
جزاك الله خيرا قصة رائعه

سلوى نجيب الزهيرى
06-15-2008, 08:32 PM
اشكرك كثيرا على قصتك التى تعبر عن واقع حالى