wocho
01-02-2006, 12:11 PM
أرجو دكر المصدر عند النقل
"أن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين"الأمير عبد الكريم الخطابي(ملف كامل)
هذا الرجل قد ظلم تاريخه وقد قرأت من العجائب مرة قولاً لماوتسي تونغ (الذي يعتبر من أشهر منظري حرب العصابات) يقول عن الخطابي : أنه من أعظم أساتذته العسكريين في حرب العصابات !! في حين لا يسمع به معظم أبنائنا اليوم!
كثير من أبناء الأمة لا يعرفون هدا البطل المسلم ويجعلون بعض الشخصيات السينمائية الغربية مثلهم الأعلى متناسين أن هناك أبطال أعظم بكثير من تلك الترهات التي تعرضها السينما الأمريكية تمهيدا لمسخ الهوية وتسطيح الوعي .
فمن هو عبد الكريم الخطابي?? و ما الدي جعله شهيرا الى هدا الحد..??
http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/01/images/pic19.jpg
كانت منطقة النفوذ الأسباني حسب اتفاقية (1322هـ = 1904م) مع فرنسا تشمل القسم الشمالي من مراكش، التي تنقسم إلى كتلتين: شرقية وتعرف بالريف، وغربية وتعرف بالجبالة، وتكاد بعض جبال الريف تتصل بمنقطة الساحل. وتتميز مناطقها الجبلية بوعورة المسالك وشدة انحدارها، غير أنها أقل خصبا من منطقة الجبالة. وتمتد بلاد الريف بمحاذاة الساحل مسافة 120ميلا وعرض 25 ميلا، وتسكنها قبائل ينتمي معظمها إلى أصل بربري، أهمها قبيلة بني ورياغل التي ينتمي إليها الأمير الخطابي.
وعندما بدأ الأسبان ينفذون سياسة توسعية في مراكش، صادفوا معارضة قوية داخل أسبانيا نفسها بسبب الهزائم التي تعرضوا لها على يد الأمريكيين في الفليبين وكوبا، فعارض الرأي العام الأسباني المغامرات العسكرية الاستعمارية، إلا أن المؤيدين احتجوا بأن احتلال مراكش ضروري لتأمين الموانئ الأسبانية الجنوبية، وضَمَّ رجال الدين صوتهم إلى العسكريين.
وكان الأسبان يعرفون شدة مقاومة أهل الريف لتوسعهم، فاكتفوا في البداية بالسيطرة على سبتة ومليلة، ثم اتجهوا بعد ذلك إلى احتلال معظم الموانئ الساحلية المحيطة بمنطقة نفوذهم، وكانت خطتهم تقوم على أن تتقدم القوات الأسبانية عبر منطقة الجبالة لاحتلال مدينة تطوان، التي اتُّفق على أن تكون عاصمة للمنطقة الأسبانية، لكن ظهر في الجبالة زعيم قوي هو "أحمد بن محمد الريسوني" الذي حمل لواء المقاومة منذ سنة (1330هـ = 1911م) حتى تولاها منه الأمير الخطابي.
وقد اصطدم الريسوني بالأسبان عندما احتلوا ميناء أصيلة الذي كان يعتمد عليه في استيراد الأسلحة، وبعدها ساروا إلى احتلال مدينة تطوان، فوقعت مصادمات بينهم انتهت بصلح اتفق فيه على أن تكون الجبال والمناطق الداخلية للريسوني، والساحل للأسبان، غير أن الأسبان نقضوا العهد، وطاردوه، وتوغلوا في بلاد الجبالة بخسائر فادحة، واستطاعوا أن يحتلوا مدينة شفشاون أهم مدينة في تلك البلاد في (صفر 1339هـ = أكتوبر 1920م).
الأمير الخطابي
كانت الثورة الثانية ضد الأسبان هي ثورة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، زعيم قبيلة بني ورياغل، أكبر قبائل البربر في بلاد الريف، وقد وُلد الأمير سنة (1299هـ = 1881م) في بلدة أغادير، لأب يتولى زعامة قبيلته، فحفظ القرآن الكريم صغيرا، ثم أرسله أبوه إلى جامع القرويين بمدينة فاس لدراسة العلوم العربية الدينية، ثم التحق بجامعة سلمنكا بأسبانيا، فحصل منها على درجة الدكتوراه في الحقوق، وبذلك جمع بين الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة وبعض النواحي من الثقافة الأوروبية، ثم عُين قاضيا بمدينة مليلة التي كانت خاضعة لأسبانيا، وأثر فيه عندما كان قاضيا مشهد ضابط أسباني يضرب عربيا بالسوط في شوارع مليلة، ويستغيث ولا يغاث، عندها رأى الوجه القبيح للاستعمار، وأدرك أن الكرامة والحرية أثمن من الحياة.
وكان الأسبان قد عرضوا على والد الأمير أن يتولى منصب نائب السلطان في تطوان التي تحت الحماية الأسبانية، وأن يقتصر الوجود العسكري الأسباني على المدن، إلا أنه اشترط أن تكون مدة الحماية محددة فلم ينفذ هذا العرض.
وبعد سيطرة أسبانيا على مدينة شفشاون وإخضاع منطقة الجبال، استطاعت أن تركز جهودها وقواتها في بلاد الريف، وأعلنت الحماية على شمال المغرب، فرفض الأب الخضوع للأسبان، وأعلن معارضته للاستعمار، ورفض تقديم الولاء للجنرال الأسباني غوردانا؛ فما كان من الجنرال إلا أن عزل الخطابي عن قضاء مليلة، واعتقله قرابة العام، ثم أطلق سراحه، ووضعه تحت المراقبة، وفشلت إحدى محاولات الخطابي في الهرب من سجنه، فأصيب بعرج خفيف لازمه طوال حياته، ثم غادر مليلة ولحق بوالده في أغادير، وفي هذه الأثناء توفي والده سنة (1339هـ = 1920م) فانتقلت الزعامة إلى الابن.
تلقى الأمير عبد الكريم دروسه الابتدائية والثانوية في مليلة، ثم التحق بجامعة القرويين –أقدم جامعة في العالم- بفاس، ثم تخرج مدرساً بمليلة، وعمل محرراً في بعض الصحف اليومية ثم عين قاضياً بعد ذلك، حيث بدأ خطره يشتد على الإسبان، حتى أنهم قبضوا عليه في عام 1915م بتهمة الميل للعثمانيين والعمل على الدفاع عن الخلافة وإلهاب الشعور الإسلامي (ضد الصليبيين الجدد)، وقدموه للمحاكمة أمام مجلس حربي عسكري، ظهرت فيه شجاعة الأمير الفائقة وثقته المطلقة بهذا الدين الذي يعتنق.
التفَتَ إليه الجنرل (اي اسبورو) رئيس المجلس العسكري قائلاً: هل تعمل حقاً ضد الحلفاء؟ فقال: نعم. فسأله: وما هو سبب ذلك؟ يقول الأمير عبد الكريم: فقلتُ له: لأن الدولة العثمانية دخلت الحرب باعتبارها دولة الخلافة الإسلامية، وهي تقف بجانب ألمانيا واستوريا [النمسا]، وأنا مسلم مراكشي والخليفة نادى بالجهاد ضد الحلفاء لتحرير بلادنا التي تحتلها فرنسا وإسبانيا. فقال له الجنرال: وما هي علاقتك بالخلافة؟ فأجابه: إنها خلافة المسلمين كلهم في مشارق الأرض ومغاربها، ولذلك فأنا معهم لنحارب الحلفاء... فضحك الجنرال ثم قال له: أنا أعلم أنك رجل نبيل ومن أسرة نبيلة معروفة،ولكن ألا تعلم أن دولة إسبانيا ملتزمة الحياد، وأنت قاضي القضاة في منطقة الحماية؟ فقال له الأمير عبد الكريم: هذا لا يمنعني من القيام بواجبي، وأنا أرى كثيراً من ضباطكم يتعاملون مع الألمان الموجودين هنا لتغذية الحرب ضد فرنسا بجانب تركيا، ثم إذا كانت الوظيفة تمنعني من القيام بالواجب الوطني فأنا مستقيل من هذه الوظيفة منذ الآن لأتفرغ للقيام بالواجب المحتم علي...
وزج بالأمير عبد الكريم في السجن، وبدأ كفاحه الدامي ضد الإسبان الواغلين، الذين اعتبروا اعتقاله «رهينة» عن والده، الذي بدأ كفاحه ضد الإسبان في الريف المراكشي، وحاول البطل المجاهد الهروب من السجن، فقام في الساعة الحادية عشرة ليلاً بالقفز من أعلى برج في القلعة إلى الأرض بواسطة حبل معلق على طرف حديدي مربوط به فتدلى مع الحبل. ولكن الحبل لم يصل إلى الأرض فبقي فترة من الزمن معلقاً في الفضاء، ثم رأى أن يقفز المسافة الباقية، وكانت الريح شديدة عاتية ، فسقط على رجله اليسرى نتيجة اختلال توازنه من شدة الريح، فكسرت ساقه وشج رأسه وخرج مفصل يده عن موضعه.
وأعيد هذه المرة إلى سجنين سجن القيد وسجن المرض، وعلم والد الأمير عبد القادر بالأمر في الوقت الذي كان يستعد لشن هجوم كبير على الإسبان، فكتب إلى القائد الإسباني يقول له: لا تعتقدوا أن اعتقال ولدي ووجوده عندكم في السجن يمنعني من العمل ضدكم، فهو وأنا وجميع أفراد العائلة مستعدون دائماً لمواجهة الظالمين بما يستحقون.
وعندما دخل بعض الضباط على الأمير السجين وطلب إليه أن يقنع والده بالكف عن محاربة الإسبان، وهدده بنقله إلى سجن «ملقة» وهو سجن المجرمين، التفت إليه الأمير قائلاً: إنني لا أستطيع أن آمر والدي بشيء! بل هو الذي يأمرني وأنا مطيع له في كل شيء، وأنا مستعد للذهاب إلى سجنكم في ملقة، وأنتم ظالمون على كل حال، ولا تنتظروا مني شيئاً غير هذا...
ولما فات على الإسبان الغرض من سجنه خلوا سبيله بعد ذلك. ودرات بين الإسبان وأهل الريف بقيادة والد الأمير عبد الكريم عدة معارك، وكان الجيش الإسباني يحتل شرق الريف وغربه، والفرنسيون يحتلون جنوب الريف، وتوفي والد الأمير قبل أن يسيِّر الإسبان جيشاً كبيراً من الشرق، بمدافعه وطائراته، يزحف غرباً نحو أرض الريف، ولم يترك شبراً من الأرض إلا قام بتحصينه وبناء القلاع فيه، وتقدم الأمير عبد الكريم بخمسة آلاف من المجاهدين لمقابلة خمسة وعشرين ألف جندي مجهزين بالعتاد والذخيرة، ومن روائهم مؤخرة وحاميات...
المعركة
"ليس هذا أسطورة ولكنه حقيقة"
وجهت "الهيئة العليا" الريفية إلى الإسبان إخطاراً بالانسحاب من البلاد المحتلة وعرضاً عليهم بالتفاهم في موضوع المصالح الإسبانية في الريف مع ملاحظة مرفقة قدمت للإسبان تقول إن هذا العرض سيلغى إذا رفضته إسبانيا ولن يقبل في المستقبل حتى لو عادت إسبانيا فقبلته!
وبلغت هذه العروض إلى الجنرال سلفستري فرفضها بعجرفة قائلاً: إن إسبانيا لها من القوة ما يمكنها من الذهاب إلى حيث تشاء ولقد صممت على دخول بني ورياغل (قبيلة الخطابي.م) وإخضاعهم. سأظل على صهوة جوادي مدة شهر حتى أسقيه من ينبوع أغادير وأنظف حذائي في بني ورياغل عروس الريف وهاأنا ذا ذاهب بجوادي لأشرب الشاي المنعنع في أغادير أراد عبد الكريم أم لم يرد جميع العبد الكريميين في العالم"!
هذا الجنرال المجرب المغرور ذهب بعد ذلك بالفعل إلى أغادير ولكنه لم يعد ولم يشرب الشاي فقد أبيد جيشه وقتل هو في المعركة في قرية "أنوال" التي أذهلت العالم بأسره وبرهن فيها عبد الكريم أنه من أكبر رجال الحرب في تاريخ العسكرية البشرية فقد تمكن من استثمار كل شيء من التخطيط للمعركة والدخول فيها بفعالية بعدد رجاله القليل وعدتهم التي لا تذكر إزاء الخصم واستغل أيضاًً معرفته بنفسية الخصم ليقوده إلى سلسلة من الخطوات الخاطئة وليس غرضنا في هذا المقال القصير الوصف التفصيلي لوقائع حرب الريف ولكننا نكتفي بأن نقول أن ملك إسبانيا ألفونسو الثالث عشر حين وصلته أخبار الهزيمة الفادحة التي أسفرت عن خمسة وعشرين ألف قتيل إسباني وألفي مفقود وتسعمائة أسير قال: لقد سقط عرشي! وبالفعل لقد سقط بعد قليل.
أما السياسي البريطاني الشهير لويد جورج فقال: "في أنوال سقط الاستعمار الأوروبي"
منذ البداية وإلى النهاية لم يكن الخطابي رجلاً عنصرياً او ينظر إلى العدو نظرته إلى بهائم لا تستحق الحياة كما كانت نظرة الاستعمار إلى الشعوب التي احتل بلادها فقد كان بكل صدق يأسف للشباب الإسباني الذي قادته حكومته إلى الذبح في الحرب الاستعمارية ولقد سجلت معاملة الخطابي لأسراه من جنرالات الأعداء وجنودهم آيات من الإنسانية تعيدنا إلى إنسانية صلاح الدين مع أسرى الصليبيين وما كان الخطابي ليسمح بالإجهاز على جريح رغم أن خصومه ما كانوا ليتورعون عن الغدر بالرسل الذين كان يرسلهم إليهم.
وتقدم الجيش الإسباني بقيادة الجنرال سلفستري، فاحتل بلدة أنوال، ثم تقدمت فصيلة منه واحتلت المركز الحصين أبسران، وركز المجاهدون هجوماً معاكساً شديداً استردوا فيه المركز وأفنوا الحامية، وغنموا كل مافيه، فأقسم الجنرال العلج ليبيدن جيش الحفاة العصارة، صيادي الأسماك!
واستظل المجاهدون للمعركة القاصية براية محمد صلى الله عليه وسلم، وطافت في أذهانهم بطولات بدر... خمسة آلاف مجاهد في مقابلة خمسة وعشرين ألف جندي في معركة استمرت خمسة أيام كاملة من عام 1921، تسفر عن إبادة الجيش الكبير على أيدي الفئة المؤمنة (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة والله مع الصابرين). إننا ننطلع بشوق إلى اليوم الذي تأخذ فيه مذكرات الأمير الخطابي طريقها للنشر، لنعلم من تفاصيل هذه المعركة ما لم نعلم... حيث تمكن الريفيون من سحق الجيوش الإسبانية وكانت حصيلة الإسبان أكثر من 15 ألف قتيل و570 أسير بالإضافة إلى مقتل قائدهم الجنرال سلفستر. وغنم الريفيون من تلك المعركة 500 مدفع من مختلف الصناعات و30000 بندقية و1000000 خرطوشة وسيارات وشاحنات ومواد أخرى(5). هذا بالإضافة إلى استرجاع 130 موقعا من المواقع التي احتلتها إسبانيا. أما إسبانيا فقد سقطت حكومتها، وقامت محلها حكومة أخذت على عاتقها تجهيز مائة ألف جندي لتطبق بهم على «أجدير» بلدة الأمير عبد الكريم، من عدة جهات... ولكن فات جميع دول الاستعمار في العالم أن الشرارة التي انقدحت في النفس المسلمة الغافلة فأيقظتها لن تخبو بعد اليوم أبداً، وأن الذي انتصر عليهم اليوم ليسوا أولئك النفر القليل... ,ولكن هذا الإسلام العظيم،
وكانت خطة هجومه في أنوال أن يهاجم الريفيون الأسبان في وقت واحد في جميع المواقع؛ بحيث يصعب عليهم إغاثة بعضهم البعض، كما وزع عددا كبيرا من رجاله في أماكن يمكنهم من خلالها اصطياد الجنود الفارينولم ينتبه الخطابي إلى ما أدركه من نصر حاسم؛ إذ لو تابع القتال لما وجد أمامه قوة ولدخل حصن مليلة دون مقاومة تُذكر، ولأنهى الوجود الأسباني في بلاد الريف، غير أنه توقف ظنا منه أن للأسبان قوة، وقد هيأ التوقف للأسبان الفرصة لحشد ستين ألف مقاتل، وقاموا بهجوم معاكس في (10محرم 1340هـ = 12 سبتمبر 1921م)، فاستعادوا بعض ما فقدوه، وبلغ مجموع القوات الأسبانية في ذلك العام ببلاد الريف أكثر من 150 ألف مقاتل، ورغم ذلك أصبح وجود الأسبان مقصورًا على مدينة تطوان والموانئ وبعض الحصون في الجبالة.
وبعد هذه الهزيمة سادت الاضطرابات في إسبانيا وتساقطت الحكومات وزادت المطالبات في صفوف الشعب الإسباني بالانسحاب من الريف وفي عام 1923م قام المارشال بريمودي ريفيرا بانقلاب عسكري أعلنت على أثره الأحكام العرفية وألغيت الحريات العامة وتحول النظام إلى نظام ديكتاتوري عسكري. وجاء الديكتاتور بنفسه إلى الريف محاولاً في البداية أن يتفاوض مع الأمير الخطابي ولكن الضباط عارضوه فاضطر إلى أن يقود الجيش بنفسه في معركة دامت مائة وعشرين يوماً مع الأمير محمد وانتهت بهزيمة مدوية فاقت سابقتها وسقط فيها خمسون ألف جندي إسباني وكتبت جريدة الماتان الفرنسية نقلاً عن مراسلها الميداني: جثث الإسبان بعشرات الألوف.
هكذا وفي نهاية عام 1924م كانت إسبانيا قد أخلت الريف وكان الخطابي قد نال إعجاب العالم وصرح الديكتاتور الإسباني في ذلك الوقت للجنرال الفرنسي دوشمبرا: "إن القضية الريفية تكلفنا أكثر مما في وسعنا وطاقتنا. وقد انسحبنا الآن إلى الساحل بالقرب من سبتة. أما الريف فلن تطأه أقدامنا".
وأدرك الأسبان عجزهم الكامل عن مقاومة دولة الريف الناشئة، وقوبلت هذه النتيجة بدهشة كبيرة من الدوائر الاستعمارية التي لم تكن مطمئنة لحركة الخطابي وعلى رأسها فرنسا التي كانت تتوقع أن يتمكن الأسبان يوما ما من القضاء على هذه الحركة، أما الخطابي فكان يحرض على تجنب الاصطدام بالفرنسيين حتى لا يفتح على نفسه جبهتين للقتال في وقت واحد، إلا أن الأوضاع بين الاثنين كانت تنذر بوقوع اشتباكات قريبة.
والمعروف أن فرنسا كانت تخشى من حركة الخطابي أن تكون عاملا مشجعا للثورات في شمال أفريقية، ويرى البعض أن مصالح الرأسمالية التي استثمرت أموالها في بناء ميناء الدار البيضاء الضخم وفي مشروعات أخرى في منطقة ساحل الأطلسي استحسنت بقاء منطقة الريف مضطربة حتى يصعب استخدام الطريق الموصل بين فاس وطنجة، الذي يحول تجارة مراكش إلى ذلك الميناء، واستقرار الأوضاع في الريف سيؤثر سلبا على مصالحها، يضاف إلى ذلك أن الخطابي حرص على دعوة الشركات الأجنبية لاستغلال موارد الريف الطبيعية خاصة البريطانية؛ وهو ما يعني أن تقترب المصالح الرأسمالية البريطانية من المصالح الفرنسية، وتصبح دولة الريف في حالة من الأمان الدولي في ظل التنافس بين هذه المصالح؛ لذلك يقال: إن بعض الأسلحة البريطانية المتطورة في ذلك الوقت بدأت تتدفق على دولة الريف عبر ميناء الحسيمات.
كما أن قيام جمهورية قوية في الريف يدفع المغاربة دفعا إلى الثورة على الفرنسيين، ورفض الحماية الفرنسية؛ لذلك كرهت فرنسا قيام دولة المغاربة مستقلة، وأرسلت تعزيزات عسكرية على الجبهة الشمالية لها في مراكش، وتحينت الفرصة للاصطدام بها والقتال معها، وفشلت محاولات الخطابي للتفاهم مع الفرنسيين للتوصل إلى اتفاق ينظم العلاقة بينهما، فبعث أخاه إلى باريس، وبعث موفدا له إلى السلطات الفرنسية في فاس، لكنهما لم يتوصلا إلى شيء.
وأخيراً أرسل المارشال ليوطي قائد قوات فرنسا في المغرب لحكومته يحذرها من محمد عبد الكريم الخطابي "إن الريف أصبح لأول مرة تحت قيادة زعيم واحد هو عبد الكريم، وأخشى أن يصبح أمير الريف بطل الاستقلال بل إن صوره في كل مكان بشمال أفريقيا وآسيا الصغرى. إن الريفيين يستعدون علناً لفرض التغيير دون إرادتنا فهم يشقون الطرق ويمدون خطوط التليفون ويقيمون مواقع للمدافع الميكانيكية وإذا لم نعزز قواتنا فإن وجودنا في كفة القدر"
وهكذا وبعد أن كاد الوجود الإسباني يمحى نهائياً من منطقة الريف وجد الخطابي نفسه مضطراً لفتح جبهة جديدة مع فرنسا.
"أن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين"الأمير عبد الكريم الخطابي(ملف كامل)
هذا الرجل قد ظلم تاريخه وقد قرأت من العجائب مرة قولاً لماوتسي تونغ (الذي يعتبر من أشهر منظري حرب العصابات) يقول عن الخطابي : أنه من أعظم أساتذته العسكريين في حرب العصابات !! في حين لا يسمع به معظم أبنائنا اليوم!
كثير من أبناء الأمة لا يعرفون هدا البطل المسلم ويجعلون بعض الشخصيات السينمائية الغربية مثلهم الأعلى متناسين أن هناك أبطال أعظم بكثير من تلك الترهات التي تعرضها السينما الأمريكية تمهيدا لمسخ الهوية وتسطيح الوعي .
فمن هو عبد الكريم الخطابي?? و ما الدي جعله شهيرا الى هدا الحد..??
http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/01/images/pic19.jpg
كانت منطقة النفوذ الأسباني حسب اتفاقية (1322هـ = 1904م) مع فرنسا تشمل القسم الشمالي من مراكش، التي تنقسم إلى كتلتين: شرقية وتعرف بالريف، وغربية وتعرف بالجبالة، وتكاد بعض جبال الريف تتصل بمنقطة الساحل. وتتميز مناطقها الجبلية بوعورة المسالك وشدة انحدارها، غير أنها أقل خصبا من منطقة الجبالة. وتمتد بلاد الريف بمحاذاة الساحل مسافة 120ميلا وعرض 25 ميلا، وتسكنها قبائل ينتمي معظمها إلى أصل بربري، أهمها قبيلة بني ورياغل التي ينتمي إليها الأمير الخطابي.
وعندما بدأ الأسبان ينفذون سياسة توسعية في مراكش، صادفوا معارضة قوية داخل أسبانيا نفسها بسبب الهزائم التي تعرضوا لها على يد الأمريكيين في الفليبين وكوبا، فعارض الرأي العام الأسباني المغامرات العسكرية الاستعمارية، إلا أن المؤيدين احتجوا بأن احتلال مراكش ضروري لتأمين الموانئ الأسبانية الجنوبية، وضَمَّ رجال الدين صوتهم إلى العسكريين.
وكان الأسبان يعرفون شدة مقاومة أهل الريف لتوسعهم، فاكتفوا في البداية بالسيطرة على سبتة ومليلة، ثم اتجهوا بعد ذلك إلى احتلال معظم الموانئ الساحلية المحيطة بمنطقة نفوذهم، وكانت خطتهم تقوم على أن تتقدم القوات الأسبانية عبر منطقة الجبالة لاحتلال مدينة تطوان، التي اتُّفق على أن تكون عاصمة للمنطقة الأسبانية، لكن ظهر في الجبالة زعيم قوي هو "أحمد بن محمد الريسوني" الذي حمل لواء المقاومة منذ سنة (1330هـ = 1911م) حتى تولاها منه الأمير الخطابي.
وقد اصطدم الريسوني بالأسبان عندما احتلوا ميناء أصيلة الذي كان يعتمد عليه في استيراد الأسلحة، وبعدها ساروا إلى احتلال مدينة تطوان، فوقعت مصادمات بينهم انتهت بصلح اتفق فيه على أن تكون الجبال والمناطق الداخلية للريسوني، والساحل للأسبان، غير أن الأسبان نقضوا العهد، وطاردوه، وتوغلوا في بلاد الجبالة بخسائر فادحة، واستطاعوا أن يحتلوا مدينة شفشاون أهم مدينة في تلك البلاد في (صفر 1339هـ = أكتوبر 1920م).
الأمير الخطابي
كانت الثورة الثانية ضد الأسبان هي ثورة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، زعيم قبيلة بني ورياغل، أكبر قبائل البربر في بلاد الريف، وقد وُلد الأمير سنة (1299هـ = 1881م) في بلدة أغادير، لأب يتولى زعامة قبيلته، فحفظ القرآن الكريم صغيرا، ثم أرسله أبوه إلى جامع القرويين بمدينة فاس لدراسة العلوم العربية الدينية، ثم التحق بجامعة سلمنكا بأسبانيا، فحصل منها على درجة الدكتوراه في الحقوق، وبذلك جمع بين الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة وبعض النواحي من الثقافة الأوروبية، ثم عُين قاضيا بمدينة مليلة التي كانت خاضعة لأسبانيا، وأثر فيه عندما كان قاضيا مشهد ضابط أسباني يضرب عربيا بالسوط في شوارع مليلة، ويستغيث ولا يغاث، عندها رأى الوجه القبيح للاستعمار، وأدرك أن الكرامة والحرية أثمن من الحياة.
وكان الأسبان قد عرضوا على والد الأمير أن يتولى منصب نائب السلطان في تطوان التي تحت الحماية الأسبانية، وأن يقتصر الوجود العسكري الأسباني على المدن، إلا أنه اشترط أن تكون مدة الحماية محددة فلم ينفذ هذا العرض.
وبعد سيطرة أسبانيا على مدينة شفشاون وإخضاع منطقة الجبال، استطاعت أن تركز جهودها وقواتها في بلاد الريف، وأعلنت الحماية على شمال المغرب، فرفض الأب الخضوع للأسبان، وأعلن معارضته للاستعمار، ورفض تقديم الولاء للجنرال الأسباني غوردانا؛ فما كان من الجنرال إلا أن عزل الخطابي عن قضاء مليلة، واعتقله قرابة العام، ثم أطلق سراحه، ووضعه تحت المراقبة، وفشلت إحدى محاولات الخطابي في الهرب من سجنه، فأصيب بعرج خفيف لازمه طوال حياته، ثم غادر مليلة ولحق بوالده في أغادير، وفي هذه الأثناء توفي والده سنة (1339هـ = 1920م) فانتقلت الزعامة إلى الابن.
تلقى الأمير عبد الكريم دروسه الابتدائية والثانوية في مليلة، ثم التحق بجامعة القرويين –أقدم جامعة في العالم- بفاس، ثم تخرج مدرساً بمليلة، وعمل محرراً في بعض الصحف اليومية ثم عين قاضياً بعد ذلك، حيث بدأ خطره يشتد على الإسبان، حتى أنهم قبضوا عليه في عام 1915م بتهمة الميل للعثمانيين والعمل على الدفاع عن الخلافة وإلهاب الشعور الإسلامي (ضد الصليبيين الجدد)، وقدموه للمحاكمة أمام مجلس حربي عسكري، ظهرت فيه شجاعة الأمير الفائقة وثقته المطلقة بهذا الدين الذي يعتنق.
التفَتَ إليه الجنرل (اي اسبورو) رئيس المجلس العسكري قائلاً: هل تعمل حقاً ضد الحلفاء؟ فقال: نعم. فسأله: وما هو سبب ذلك؟ يقول الأمير عبد الكريم: فقلتُ له: لأن الدولة العثمانية دخلت الحرب باعتبارها دولة الخلافة الإسلامية، وهي تقف بجانب ألمانيا واستوريا [النمسا]، وأنا مسلم مراكشي والخليفة نادى بالجهاد ضد الحلفاء لتحرير بلادنا التي تحتلها فرنسا وإسبانيا. فقال له الجنرال: وما هي علاقتك بالخلافة؟ فأجابه: إنها خلافة المسلمين كلهم في مشارق الأرض ومغاربها، ولذلك فأنا معهم لنحارب الحلفاء... فضحك الجنرال ثم قال له: أنا أعلم أنك رجل نبيل ومن أسرة نبيلة معروفة،ولكن ألا تعلم أن دولة إسبانيا ملتزمة الحياد، وأنت قاضي القضاة في منطقة الحماية؟ فقال له الأمير عبد الكريم: هذا لا يمنعني من القيام بواجبي، وأنا أرى كثيراً من ضباطكم يتعاملون مع الألمان الموجودين هنا لتغذية الحرب ضد فرنسا بجانب تركيا، ثم إذا كانت الوظيفة تمنعني من القيام بالواجب الوطني فأنا مستقيل من هذه الوظيفة منذ الآن لأتفرغ للقيام بالواجب المحتم علي...
وزج بالأمير عبد الكريم في السجن، وبدأ كفاحه الدامي ضد الإسبان الواغلين، الذين اعتبروا اعتقاله «رهينة» عن والده، الذي بدأ كفاحه ضد الإسبان في الريف المراكشي، وحاول البطل المجاهد الهروب من السجن، فقام في الساعة الحادية عشرة ليلاً بالقفز من أعلى برج في القلعة إلى الأرض بواسطة حبل معلق على طرف حديدي مربوط به فتدلى مع الحبل. ولكن الحبل لم يصل إلى الأرض فبقي فترة من الزمن معلقاً في الفضاء، ثم رأى أن يقفز المسافة الباقية، وكانت الريح شديدة عاتية ، فسقط على رجله اليسرى نتيجة اختلال توازنه من شدة الريح، فكسرت ساقه وشج رأسه وخرج مفصل يده عن موضعه.
وأعيد هذه المرة إلى سجنين سجن القيد وسجن المرض، وعلم والد الأمير عبد القادر بالأمر في الوقت الذي كان يستعد لشن هجوم كبير على الإسبان، فكتب إلى القائد الإسباني يقول له: لا تعتقدوا أن اعتقال ولدي ووجوده عندكم في السجن يمنعني من العمل ضدكم، فهو وأنا وجميع أفراد العائلة مستعدون دائماً لمواجهة الظالمين بما يستحقون.
وعندما دخل بعض الضباط على الأمير السجين وطلب إليه أن يقنع والده بالكف عن محاربة الإسبان، وهدده بنقله إلى سجن «ملقة» وهو سجن المجرمين، التفت إليه الأمير قائلاً: إنني لا أستطيع أن آمر والدي بشيء! بل هو الذي يأمرني وأنا مطيع له في كل شيء، وأنا مستعد للذهاب إلى سجنكم في ملقة، وأنتم ظالمون على كل حال، ولا تنتظروا مني شيئاً غير هذا...
ولما فات على الإسبان الغرض من سجنه خلوا سبيله بعد ذلك. ودرات بين الإسبان وأهل الريف بقيادة والد الأمير عبد الكريم عدة معارك، وكان الجيش الإسباني يحتل شرق الريف وغربه، والفرنسيون يحتلون جنوب الريف، وتوفي والد الأمير قبل أن يسيِّر الإسبان جيشاً كبيراً من الشرق، بمدافعه وطائراته، يزحف غرباً نحو أرض الريف، ولم يترك شبراً من الأرض إلا قام بتحصينه وبناء القلاع فيه، وتقدم الأمير عبد الكريم بخمسة آلاف من المجاهدين لمقابلة خمسة وعشرين ألف جندي مجهزين بالعتاد والذخيرة، ومن روائهم مؤخرة وحاميات...
المعركة
"ليس هذا أسطورة ولكنه حقيقة"
وجهت "الهيئة العليا" الريفية إلى الإسبان إخطاراً بالانسحاب من البلاد المحتلة وعرضاً عليهم بالتفاهم في موضوع المصالح الإسبانية في الريف مع ملاحظة مرفقة قدمت للإسبان تقول إن هذا العرض سيلغى إذا رفضته إسبانيا ولن يقبل في المستقبل حتى لو عادت إسبانيا فقبلته!
وبلغت هذه العروض إلى الجنرال سلفستري فرفضها بعجرفة قائلاً: إن إسبانيا لها من القوة ما يمكنها من الذهاب إلى حيث تشاء ولقد صممت على دخول بني ورياغل (قبيلة الخطابي.م) وإخضاعهم. سأظل على صهوة جوادي مدة شهر حتى أسقيه من ينبوع أغادير وأنظف حذائي في بني ورياغل عروس الريف وهاأنا ذا ذاهب بجوادي لأشرب الشاي المنعنع في أغادير أراد عبد الكريم أم لم يرد جميع العبد الكريميين في العالم"!
هذا الجنرال المجرب المغرور ذهب بعد ذلك بالفعل إلى أغادير ولكنه لم يعد ولم يشرب الشاي فقد أبيد جيشه وقتل هو في المعركة في قرية "أنوال" التي أذهلت العالم بأسره وبرهن فيها عبد الكريم أنه من أكبر رجال الحرب في تاريخ العسكرية البشرية فقد تمكن من استثمار كل شيء من التخطيط للمعركة والدخول فيها بفعالية بعدد رجاله القليل وعدتهم التي لا تذكر إزاء الخصم واستغل أيضاًً معرفته بنفسية الخصم ليقوده إلى سلسلة من الخطوات الخاطئة وليس غرضنا في هذا المقال القصير الوصف التفصيلي لوقائع حرب الريف ولكننا نكتفي بأن نقول أن ملك إسبانيا ألفونسو الثالث عشر حين وصلته أخبار الهزيمة الفادحة التي أسفرت عن خمسة وعشرين ألف قتيل إسباني وألفي مفقود وتسعمائة أسير قال: لقد سقط عرشي! وبالفعل لقد سقط بعد قليل.
أما السياسي البريطاني الشهير لويد جورج فقال: "في أنوال سقط الاستعمار الأوروبي"
منذ البداية وإلى النهاية لم يكن الخطابي رجلاً عنصرياً او ينظر إلى العدو نظرته إلى بهائم لا تستحق الحياة كما كانت نظرة الاستعمار إلى الشعوب التي احتل بلادها فقد كان بكل صدق يأسف للشباب الإسباني الذي قادته حكومته إلى الذبح في الحرب الاستعمارية ولقد سجلت معاملة الخطابي لأسراه من جنرالات الأعداء وجنودهم آيات من الإنسانية تعيدنا إلى إنسانية صلاح الدين مع أسرى الصليبيين وما كان الخطابي ليسمح بالإجهاز على جريح رغم أن خصومه ما كانوا ليتورعون عن الغدر بالرسل الذين كان يرسلهم إليهم.
وتقدم الجيش الإسباني بقيادة الجنرال سلفستري، فاحتل بلدة أنوال، ثم تقدمت فصيلة منه واحتلت المركز الحصين أبسران، وركز المجاهدون هجوماً معاكساً شديداً استردوا فيه المركز وأفنوا الحامية، وغنموا كل مافيه، فأقسم الجنرال العلج ليبيدن جيش الحفاة العصارة، صيادي الأسماك!
واستظل المجاهدون للمعركة القاصية براية محمد صلى الله عليه وسلم، وطافت في أذهانهم بطولات بدر... خمسة آلاف مجاهد في مقابلة خمسة وعشرين ألف جندي في معركة استمرت خمسة أيام كاملة من عام 1921، تسفر عن إبادة الجيش الكبير على أيدي الفئة المؤمنة (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة والله مع الصابرين). إننا ننطلع بشوق إلى اليوم الذي تأخذ فيه مذكرات الأمير الخطابي طريقها للنشر، لنعلم من تفاصيل هذه المعركة ما لم نعلم... حيث تمكن الريفيون من سحق الجيوش الإسبانية وكانت حصيلة الإسبان أكثر من 15 ألف قتيل و570 أسير بالإضافة إلى مقتل قائدهم الجنرال سلفستر. وغنم الريفيون من تلك المعركة 500 مدفع من مختلف الصناعات و30000 بندقية و1000000 خرطوشة وسيارات وشاحنات ومواد أخرى(5). هذا بالإضافة إلى استرجاع 130 موقعا من المواقع التي احتلتها إسبانيا. أما إسبانيا فقد سقطت حكومتها، وقامت محلها حكومة أخذت على عاتقها تجهيز مائة ألف جندي لتطبق بهم على «أجدير» بلدة الأمير عبد الكريم، من عدة جهات... ولكن فات جميع دول الاستعمار في العالم أن الشرارة التي انقدحت في النفس المسلمة الغافلة فأيقظتها لن تخبو بعد اليوم أبداً، وأن الذي انتصر عليهم اليوم ليسوا أولئك النفر القليل... ,ولكن هذا الإسلام العظيم،
وكانت خطة هجومه في أنوال أن يهاجم الريفيون الأسبان في وقت واحد في جميع المواقع؛ بحيث يصعب عليهم إغاثة بعضهم البعض، كما وزع عددا كبيرا من رجاله في أماكن يمكنهم من خلالها اصطياد الجنود الفارينولم ينتبه الخطابي إلى ما أدركه من نصر حاسم؛ إذ لو تابع القتال لما وجد أمامه قوة ولدخل حصن مليلة دون مقاومة تُذكر، ولأنهى الوجود الأسباني في بلاد الريف، غير أنه توقف ظنا منه أن للأسبان قوة، وقد هيأ التوقف للأسبان الفرصة لحشد ستين ألف مقاتل، وقاموا بهجوم معاكس في (10محرم 1340هـ = 12 سبتمبر 1921م)، فاستعادوا بعض ما فقدوه، وبلغ مجموع القوات الأسبانية في ذلك العام ببلاد الريف أكثر من 150 ألف مقاتل، ورغم ذلك أصبح وجود الأسبان مقصورًا على مدينة تطوان والموانئ وبعض الحصون في الجبالة.
وبعد هذه الهزيمة سادت الاضطرابات في إسبانيا وتساقطت الحكومات وزادت المطالبات في صفوف الشعب الإسباني بالانسحاب من الريف وفي عام 1923م قام المارشال بريمودي ريفيرا بانقلاب عسكري أعلنت على أثره الأحكام العرفية وألغيت الحريات العامة وتحول النظام إلى نظام ديكتاتوري عسكري. وجاء الديكتاتور بنفسه إلى الريف محاولاً في البداية أن يتفاوض مع الأمير الخطابي ولكن الضباط عارضوه فاضطر إلى أن يقود الجيش بنفسه في معركة دامت مائة وعشرين يوماً مع الأمير محمد وانتهت بهزيمة مدوية فاقت سابقتها وسقط فيها خمسون ألف جندي إسباني وكتبت جريدة الماتان الفرنسية نقلاً عن مراسلها الميداني: جثث الإسبان بعشرات الألوف.
هكذا وفي نهاية عام 1924م كانت إسبانيا قد أخلت الريف وكان الخطابي قد نال إعجاب العالم وصرح الديكتاتور الإسباني في ذلك الوقت للجنرال الفرنسي دوشمبرا: "إن القضية الريفية تكلفنا أكثر مما في وسعنا وطاقتنا. وقد انسحبنا الآن إلى الساحل بالقرب من سبتة. أما الريف فلن تطأه أقدامنا".
وأدرك الأسبان عجزهم الكامل عن مقاومة دولة الريف الناشئة، وقوبلت هذه النتيجة بدهشة كبيرة من الدوائر الاستعمارية التي لم تكن مطمئنة لحركة الخطابي وعلى رأسها فرنسا التي كانت تتوقع أن يتمكن الأسبان يوما ما من القضاء على هذه الحركة، أما الخطابي فكان يحرض على تجنب الاصطدام بالفرنسيين حتى لا يفتح على نفسه جبهتين للقتال في وقت واحد، إلا أن الأوضاع بين الاثنين كانت تنذر بوقوع اشتباكات قريبة.
والمعروف أن فرنسا كانت تخشى من حركة الخطابي أن تكون عاملا مشجعا للثورات في شمال أفريقية، ويرى البعض أن مصالح الرأسمالية التي استثمرت أموالها في بناء ميناء الدار البيضاء الضخم وفي مشروعات أخرى في منطقة ساحل الأطلسي استحسنت بقاء منطقة الريف مضطربة حتى يصعب استخدام الطريق الموصل بين فاس وطنجة، الذي يحول تجارة مراكش إلى ذلك الميناء، واستقرار الأوضاع في الريف سيؤثر سلبا على مصالحها، يضاف إلى ذلك أن الخطابي حرص على دعوة الشركات الأجنبية لاستغلال موارد الريف الطبيعية خاصة البريطانية؛ وهو ما يعني أن تقترب المصالح الرأسمالية البريطانية من المصالح الفرنسية، وتصبح دولة الريف في حالة من الأمان الدولي في ظل التنافس بين هذه المصالح؛ لذلك يقال: إن بعض الأسلحة البريطانية المتطورة في ذلك الوقت بدأت تتدفق على دولة الريف عبر ميناء الحسيمات.
كما أن قيام جمهورية قوية في الريف يدفع المغاربة دفعا إلى الثورة على الفرنسيين، ورفض الحماية الفرنسية؛ لذلك كرهت فرنسا قيام دولة المغاربة مستقلة، وأرسلت تعزيزات عسكرية على الجبهة الشمالية لها في مراكش، وتحينت الفرصة للاصطدام بها والقتال معها، وفشلت محاولات الخطابي للتفاهم مع الفرنسيين للتوصل إلى اتفاق ينظم العلاقة بينهما، فبعث أخاه إلى باريس، وبعث موفدا له إلى السلطات الفرنسية في فاس، لكنهما لم يتوصلا إلى شيء.
وأخيراً أرسل المارشال ليوطي قائد قوات فرنسا في المغرب لحكومته يحذرها من محمد عبد الكريم الخطابي "إن الريف أصبح لأول مرة تحت قيادة زعيم واحد هو عبد الكريم، وأخشى أن يصبح أمير الريف بطل الاستقلال بل إن صوره في كل مكان بشمال أفريقيا وآسيا الصغرى. إن الريفيين يستعدون علناً لفرض التغيير دون إرادتنا فهم يشقون الطرق ويمدون خطوط التليفون ويقيمون مواقع للمدافع الميكانيكية وإذا لم نعزز قواتنا فإن وجودنا في كفة القدر"
وهكذا وبعد أن كاد الوجود الإسباني يمحى نهائياً من منطقة الريف وجد الخطابي نفسه مضطراً لفتح جبهة جديدة مع فرنسا.



