برامج

حلق الذكر بين الإسلام الثقافي و المبدعين .. [الأرشيف] - برامج نت

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حلق الذكر بين الإسلام الثقافي و المبدعين ..


فارس الايمان
12-10-2005, 12:28 PM
من أبجدية الإيمان الاجتماع على ذكر الله. قوم من الدعاة الورّاقين يعلنونها حربا على كل مجلس يقعد فيه المسلمون لذكر الله، أو لتلاوة القرآن. يرون كل ذلك بدعة محدثة وضلالة في النار لمجرد أن جماعات من المومنين على مر الأعصار عرفوا بذكر الله، لكنهم سموا صوفية فباءت أعمالهم بسوء ظن الوراقين وحروبِهم لمّا باء الاسم بِسيِّئ السمعة.

أما أهل الإسلام الثقافيفالمتحلقون للذكر عندهم بطالون، وحق لهم أن يظنوا بالقاعدين لذكر الخمول سوءا لِمَا يرون من دراويشَ أخذوا كلمة التوحيد يجلسون إليها وعليها ويطرحون واجب العمل من ألواحهم بينما الأمة جائعة عارية تابعة خاضعة، لو قطعت عنها أمريكا القمح الأمريكي لَعَزَّ الغذاء في الأسواق العالمية ولماتت جوعا.

بين الإسلام الثقافي الأجوف وثرثرة الوراقين السفاكة تضيع الحقائق الجوهرية للدين.

من يقعد في حلقات الذكر آناء الليل وأطراف النهار يعولُه غيره فهو عاجز كاسل باخل، نعوذ بالله من العجز والكسل والبخل ورفاقها الانهزامية. وإن ضرورة الجهاد والسلوك الجهادي تعني فيما تعني النهوض لجهاد بناء الأمة، اقتصادِها وصناعتِها وتعليمِها وسياستِها وتنظيمِها وإحقاقِ الحقوقِ فيها

كانت حِلقُ الذكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثابتة ثبوت كتائب الجهاد، مقدسة قدسيَّتَها. فلما انفرط عقد الأمة، واختصم السلطان والقرآن، وأخذت عرى الإسلام تنتقض عُروةً عروةً غشي حلق الذكر بعضُ الخمول، لكنها بقيت على العموم رُكنا نيِّراً عاش فيه الصالحون يناجون ربهم ويستروحون الرحمة الموعودة للذاكرين في الحِلق.

في الحديث المشهور الذي رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة: إن لله ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم! فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا الحديث. وفيه كيف ترفع الملائكة خبر الذاكرين. إلى المولى العلي العليم وهو أعلم بهم، وكيف يسائلهم الحق جل وعلا في شأن عباده الذاكرين. أي احتفال هذا وأي شرف أن تسعى الملائكة في الأرض في طلبة عزيرة فلا يجدون حاجتهم إلا عند الجالسين للذكر! وأي شرف أن يخاطب الخالق عز وجل ملائكته خطابا طويلا في شأن الذاكرين! لا شك أنهم المحبوبون المفرِّدون المستهترون بذكر الله وحب الله. طوبى! ثم طوبى! ثم طوبى لمن صدق وعمل ثم احتسب!

قال المعترض: المقصود بحلق الذكر حلقُ العلم والوعظ لا تلك التي نردد فيها لا إله إلا الله ونصلي فيها على رسول الله. دعونا فما لبلداء الأبجديات دواء! حِلق العلم والوعظ مجالس للذكر لا شك في ذلك. لكن الجلوس لذكر الكلمة الطيبة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تحقيق مباشر لمعاني حلق الذكر.

روى مسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري أن معاوية خرج على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا جَلسنا نذكر الله! قال آللهِ ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا آللهِ ما أجلسنا غيره! قال: أما إني لم أستحلفْكم تُهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقلَّ عنه حديثا مني. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: آللهِ ما أجلسكم إلا ذلك! قالوا: آللهِ ما أجلسنا إلا ذلك! قال: أما إني لم أستحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة.

يا ورّاقين يا بطّالين كرهتم سنة عظيمة، فما مجالسكم التي تتباهى فيها الأنانيات بشوارد النصوص ومقفلات الجَدَل من مجالس طيبـي الأنفاس التي يُباهي بها الله ملائكته ليريَهم أن هذا الخلقَ المستخلَف في الأرض الذي طعن فيه الملائكة مخافة أن يفسد في الأرض ويسفك الدماء خَلْقٌ يُمجد الله ويوحده ويسبح بحمده رغم ما هو مثقل به من شهوات باطنية، ورغم ما يتطلبه معاشه من شغل، ورغم ما أمامه وحواليه من عقبات!

تقعدون فلا تذكرون الله إلا قليلا مذبذبين. أنساكم ذكرُ أنفسكم، وعرضُها في أبهى الصور وأزينِ الفصاحة ليعبدكم الأتباع والرعاع، ذكر الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة. رواه أبو داود والحاكم بإسناد صحيح.

تفوح مجالس الجدل وتبديع المسلمين بَدَلَ تعليمهم والرفق بهم بما تفوح. وبمثل ريح الجنة تفوح مجالس الذاكرين الصادقين. أخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر.

وكيف لا تكون حِلقُ الذكر جنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تبارك وتعالى يتلون كتاب الله عز وجل ويتدارسونه بينهم (في رواية لرزين: ويذكرون الله) إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. رواه أبو داود عن أبي هريرة بسند صحيح.

يرى أصحاب البصائر المنوَّرة دائما الرحمةَ تنزل على الذاكرين كما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد روى الإمام أحمد في الزهد عن ثابت قال: كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمر النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا. فقال: ما كنتم تقولون؟ قلنا: نذكر الله. قال: إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها. ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر معهم. وذلك قوله تعالى لحبيبه: )واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه(.(سورة الكهف، الآية: 28)