cestmoi
07-03-2007, 11:57 PM
زيارة إلى فتاة مريضة
مشروع العودة
هنا حيث انسى كل شيء عن الحديث ومشكلاته..هنا حيث أصير أتكلم لفترة محدودة..وحيث أبعثر أنفاسي تحت عتبات البيوت.
هنا لا علاقة له بذكريات لم تعرني اهتماما وذابت وسط الزحام، وبين لوازم الحياة ومستقبل قريب..
هنا أتذكر شيئا، بل اشياء حقيقية تربطني بها المشاريع..أشياء عديمة الجدوى بالنسبة لزاهد في الحياة..هنا علي أن أنسى طموحي وأملي..أنسى الوعود والذكرى وأنسى كل الأشياء..ما عدا المشروع الكبير..مشروع العودة.
أنا بالباب أنتظر..أمد إبهامي للجرس..ومن عتبة الباب ألمح القادم..فهل أدخل ؟ ..أحملق في البهو وارفع عيني عن السجادة وجهاز تسجيل..لا داعي لأن تحضري شايا او شيئا ن هذا القبيل، فالوقت لا يسمح لهذا الترف..أسبح بشبابي داخل العينين وأستغرب ما شاء لي أن أستغرب..برغم وجود العديد من الطموحات فالجو مضطرب.
برغم تقنيات الكمبيوتر والقمر الصناعي والتقدم في الاتصالات،فإن الجهاز النفسي ما زال موضعا خطرا نجهل عنه الكثير..وفي هذه الأثناء نرى المواجهة بين التعب والراحة..بين الاستشعار عن بعد والبراكين..بين القمر الساكن وأكلة لحوم البشر..بين التقدم العلمي الذي لا يرحم والعواطف التي لا تمزح.
طال وقت الصمت وأنا جالس القرفصاء أمامك لا أعلم شيئا..تتحدثين كثيرا لكن شفتيك منغلقتان ..أحاول الاستماع وانت تتكلمين وتتكلمين..بيد اني لا افقه من حديثك شيئا..لكن شعور ما يؤكد ان الخطاب حزين والبلاغ تراجيدي..من هنا افتح فمي لأتكلم : - هناك فرح يملأك عندما ترين نفسك اكثر قوة وأفضل عافية..هناك جهود تستطيعين بذلها عندما تكونين مسرورة. لكن اين هو باب السرور ؟
أصبح رأسك ثقيلا، إنه يثقل أكثر فأكثر..تأكدي من مفعول القلق، إنه مفعول متمهل ولكنه دائم ومؤكد.
إن الألم الغامض يبقى مدعاة للرعب، والاضطراب الأخلاقي والاعتقاد بعدم الشفاء ينتهيان الى أمراض مزمنة وهموم مقلقة. لماذا يجب ان تنسى ؟ كيف حدث ذلك؟ لماذا أثارت موت القريبة حزنك ؟ وماذا عن جمال؟ هل هناك دواعي لحزنك وأرقك هذا ؟ هل أنت واثقة من حزنك ؟ ترى أكانت العمة الراحة تحب ان تراك من أجلها معذبة وبغيابها ضائعة..وبدموعك وتوسلاتك ناقمة وغائبة ؟ أيكون ارتباطك العاطفي بالقلب ام بالعقل ؟ أحضري دفترك الخاص.. نعم هو ذا..افتحيه واقرئي شيئا مما كتبه جمال..هل قرأت شيئا ذكرك بشيء كنت قد قرأتيه بعينيه ؟ ما المنطق في ان نصير عبيدا لشعور حسبناه شعورا.. ونمسك بأذياله خائبين ؟
لن تستطيعي ان تكلمي عمتك التي رحلت ؟ لماذا؟ لأنها ببساطة رحلت الى دار البقاء وتركتك في دار الفناء..ودعتك وهي تقول : لا شيء يستحق الرثاء إلا أن نعذب أنفسنا هنا وهناك..إلا ان نموت كمدا ونترك الأفراح داخل محافظنا تنتظر من يطلبها..
ماذا لو ارتبطت بجمال مدة تقوم على الإخلاص والمودة وما شئت من المصطلحات الأدبية وتواعدتم وقررتم ثم نفذتم..وبعد ذلك توفي جمال؟ ستموتين كمدا وأنت ترين الحلم يتبدد كالسحاب لكن لا..ما دام حلما فليبق حلما وغيابه كبقائه لأنه سراب داخلي سرعان ما يزول إذا اعتبرناه سرابا.. لن يترك سوى ذكرى عزيزة وخواطر ذابلة تموت عند الإهمال.
إن من مميزات النفس الإنسانية إنها تغير وتجذب وتمنع وتربط الأشياء والناس بما ترغب..من مميزات الإنسان إنه إذا رغب ي التسلط على نفسه عليه ان يبلغ ما يريد رغم جميع مظاهر الضعف التي توهمه انه لن يصل الى تحقيق رغباته..كلما فكر بضعفه عليه ان يكرر: استطيع السيطرة على نفسي تماما رغم كل ما يرمي الى تحويلي عن عزمي يوحي الي بعدم الاستطاعة..، إنني أملك المؤهلات اللازمة للسيطرة على ميولي، وتبت إرادتي هذه بقوة، وتزداد يوما بعد يوم : أنا سيد نفسي، وعندما أفكر بذلك تتغير شخصيتي الى الأفضل.
الوقت الملائم تستطيعين إيجاده إذا فكرت به، ويجب ان تنظري الى الفكرة الأساسية للسيطرة على النفس كأنه طرف خيط يقود الى تحقيق السيطرة. وإذا قلت : "إنني أريد ان احصل على مزيد من القوة، لكني لا أستطيع" تزداد رغبتك في التدهور ولن يكون احتفاظك برغبتك الصحية حاضرا في نفسك.. بل تنحسر وتنحسر. امسكي طرف الخيط بقوة، وطرف الخيط مشروعك في السيطرة على نفسك.
بعيدا عن الرقابة
الانفعال عادة تشكل دفقا مباشرا للمهالك وقيدا متينا للطمأنينة اللازمة للعمل بفعالية كاملة ونشاط متدفق، تخيلي نفسك وقد التقت عيناك بنظرة قاسية نافذة، او مهددة بالعقاب، نظرك سيبقى هادئا متمكنا –بفعل رباطة الجأش- ولا يثير أي مشهد لهفته مهما كان عنيفا او مؤذيا.
إن الضجة المزعجة، وصوت الجرس، وصرير الحديد، وكل شيء يسقط، كل هذا لا يثير فيك أي ارتجاف.. بكلمة مختصرة تجنبي أي إهدار للحمية العصبية واحتفظي بالاتزان والرصانة والهدوء.
تخيلي ان عمتك ماتت..وأن "جمال" ابتعد عنك..تصوري كيف تصبحين إذا تخلقت بما ذكرت أنفا..عندما تتخيلين ذلك سترددين : " أنا هادئة تماما..أنا لا أشعر بالمؤثرات الحسية، إنها لا تؤثر في .. أنا هادئة، مرتاحة البال، وغير مضطربة.. وسأبقى هكذا مهما حصل".
عندما يريد المرء ان يتغلب على عادة، أو الاطمئنان واكتساب الهدوء النفسي، لا يتذكر بالضرورة المحاولات غير المثمرة والتجارب المخفقة..يجب أن لا يصل الى حد اغتيال الغريمة وطعن الشجاعة، وإذا تعثر المرء في مسيرته الحيائية ولم يحصل على نتائج مرضية.. فلا يعني أن تجاربه ومحاولاته كانت فاشلة بل إنها تركت آثارها. وهناك عبارة لا زالت تتردد في خيالي، ردديها معي : "تزداد قواي أكثر فأكثر..أشعر أني متزنة..أنا هادئة مطمئنة..أعصابي من فولاذ وستبقى هادئة مهما حدث..أنام كل ليلة نوما مرتاحا..أتنفس بحرية..وتتناول أعضائي غذائها بصورة متساوية منتظمة بفعل الدورة الدموية المنضبطة..أقرأ الذكريات بوعي أنها مضت.. ذكريات تركتها ضائعة في أزقة تارودانت..إن لي دماغا مفكرا ونفسا نيرة وأنا متينة".
الإنسان عندما يجتاحه انحطاط مدمر، ويفاجأ بانحراف المزاج أو بألم منغص، يجد في الأفكار التفاؤلية أفضل دواء..لأنها تلغي كل تشويش نفسي وجسدي.
"أنا مريضة" أفيق من غيبتي على كلمتك القصيرة وأتمتم : "نعم أنت على وشك الشفاء". إذا تركت نفسك تنقاد وراء الأفكار السوداوية ويستولي الرعب عليك، فعند ذلك فقط يبدأ الخطر، ولذلك وجب عليك، بدلا من الخنوع أمام هذه الأفكار، أن تسعي قبل كل شيء الى تهدئتها وصرفها.. ثم تنعشي نفسك بأفكار تبعث في نفسك وفي جسمك حياة..مخيلتك دعيها تسبح في مشاهد مبهجة دون أي جهد للإرادة او إشغال النفس.. واذكري ان النوم يوفر للجسد حيوية ونفسية وجسمانية.
ضعف الأعصاب ينتج غالبا من الشعور بالرعب الذي لا يفترق عن الانحطاط الذهني والعصبي التابع لفترة الإفراط والعياء وخيبة الأمل والضيق، فتنطبع هذه الصور على اللاوعي وتفسد التفكير، وتجعله يستسلم للأفكار السوداوية.
منتصف المسافة الى التحرر
الحزن والحذر والخوف والغيرة والتشاؤم اليائس قبل كل شيء تشوش النفس بغير رحمة إذا ركنت إليها، أما الغضب فيتحكم دائما بالكلام والعمل تحكما مضرا.
وكأنك تحملين هموم الدنيا بأسرها او لعلك تستعيرين حزن الأقوياء لتزداد تراكما عندك. يمتاز الإنسان عند هاته الأحوال بالتحدي في وجه مختلف العقبات التي تعترض تحويل أفكاره ورغباته وعواطفه، فالطبيعة بكل وجوهها تنحني أمام الإرادة، فإذا بالمعدن المدفون الصدئ يصبح ذهبا لامعا، والمياه المتدفقة طاقة وقوة جبارة، وإذا بالعقل يصنع من فلذات الحديد والفولاذ قاطرات وبواخر لن تأخذه الى مكان آخر، إنما تقرب البعيد وتسهل الصعب، وإذا بتلك الأفكار السوداوية تحوم في الفضاء مختلطة مع باقي الأوهام.. فالمخيلة نفسها تلقي على شاشة الفكر أضواء جديدة ورسوما عجيبة تجعل من الحزن أملا ومن الاندهاش استقلالا وحرية..ويكون الإنسان بذلك، وهو داخل القطار الطويل، قد بلغ نصف المسافة.
بيد أن الكائن البشري، مهما ازداد تأثير تفكيره، يظل عاجزا عن إخضاع تركيبته النفسية، ويبقى خاضعا هو نفسه لتأثير تسلسل أفكار، وتطلبات ميوله وتأثيراته.. والعواطف التي يشعر بولادتها في نفسه اليوم وتموت في اليوم التالي ..والنكبات التي تقوس التفكير وتجعل من موت قريب خسارة لا تعوض..كلنا نعرف نقاط ضعفنا وعدم كما لنا وكثرة عيوبنا..استرق النظر الى أصابعك المتشابكة وأكمل : نعرف كثرة عيوبنا، وإذا عرفنا كيف نغيرها..استطعنا ان نتجنب الصدمة، لكن إذا وجدنا أنفسنا مقيدين مترددين، تعساء ..هل نقف مكتوفي الأيدي، خاضعين لمصيرنا المظلم ؟
أخذت من وقتك الكثير..شكرا على الشاي..سأتركك الآن مع المشاريع وطرق الاستقلال والإرادة..
وعندما صرت خارج المنزل أخذت طول الشارع اشتغل فيه مشيا وذهني مشغول بأمور كثيرة يحار المرء عند بابها ولا يلبث إلا أن يفسرها التفسير الذي يحب أن يعرفها به ..وتغرق الأفكار وسط أصوات الصغار والباعة المتجولين وضجيج وسائل المواصلات.. وتصبح كسحاب في السماء أو كدخان عادم السيارات سرعان ما يتحلل ويصير هواء.
بدر
rabadr16@hotmail.com
مشروع العودة
هنا حيث انسى كل شيء عن الحديث ومشكلاته..هنا حيث أصير أتكلم لفترة محدودة..وحيث أبعثر أنفاسي تحت عتبات البيوت.
هنا لا علاقة له بذكريات لم تعرني اهتماما وذابت وسط الزحام، وبين لوازم الحياة ومستقبل قريب..
هنا أتذكر شيئا، بل اشياء حقيقية تربطني بها المشاريع..أشياء عديمة الجدوى بالنسبة لزاهد في الحياة..هنا علي أن أنسى طموحي وأملي..أنسى الوعود والذكرى وأنسى كل الأشياء..ما عدا المشروع الكبير..مشروع العودة.
أنا بالباب أنتظر..أمد إبهامي للجرس..ومن عتبة الباب ألمح القادم..فهل أدخل ؟ ..أحملق في البهو وارفع عيني عن السجادة وجهاز تسجيل..لا داعي لأن تحضري شايا او شيئا ن هذا القبيل، فالوقت لا يسمح لهذا الترف..أسبح بشبابي داخل العينين وأستغرب ما شاء لي أن أستغرب..برغم وجود العديد من الطموحات فالجو مضطرب.
برغم تقنيات الكمبيوتر والقمر الصناعي والتقدم في الاتصالات،فإن الجهاز النفسي ما زال موضعا خطرا نجهل عنه الكثير..وفي هذه الأثناء نرى المواجهة بين التعب والراحة..بين الاستشعار عن بعد والبراكين..بين القمر الساكن وأكلة لحوم البشر..بين التقدم العلمي الذي لا يرحم والعواطف التي لا تمزح.
طال وقت الصمت وأنا جالس القرفصاء أمامك لا أعلم شيئا..تتحدثين كثيرا لكن شفتيك منغلقتان ..أحاول الاستماع وانت تتكلمين وتتكلمين..بيد اني لا افقه من حديثك شيئا..لكن شعور ما يؤكد ان الخطاب حزين والبلاغ تراجيدي..من هنا افتح فمي لأتكلم : - هناك فرح يملأك عندما ترين نفسك اكثر قوة وأفضل عافية..هناك جهود تستطيعين بذلها عندما تكونين مسرورة. لكن اين هو باب السرور ؟
أصبح رأسك ثقيلا، إنه يثقل أكثر فأكثر..تأكدي من مفعول القلق، إنه مفعول متمهل ولكنه دائم ومؤكد.
إن الألم الغامض يبقى مدعاة للرعب، والاضطراب الأخلاقي والاعتقاد بعدم الشفاء ينتهيان الى أمراض مزمنة وهموم مقلقة. لماذا يجب ان تنسى ؟ كيف حدث ذلك؟ لماذا أثارت موت القريبة حزنك ؟ وماذا عن جمال؟ هل هناك دواعي لحزنك وأرقك هذا ؟ هل أنت واثقة من حزنك ؟ ترى أكانت العمة الراحة تحب ان تراك من أجلها معذبة وبغيابها ضائعة..وبدموعك وتوسلاتك ناقمة وغائبة ؟ أيكون ارتباطك العاطفي بالقلب ام بالعقل ؟ أحضري دفترك الخاص.. نعم هو ذا..افتحيه واقرئي شيئا مما كتبه جمال..هل قرأت شيئا ذكرك بشيء كنت قد قرأتيه بعينيه ؟ ما المنطق في ان نصير عبيدا لشعور حسبناه شعورا.. ونمسك بأذياله خائبين ؟
لن تستطيعي ان تكلمي عمتك التي رحلت ؟ لماذا؟ لأنها ببساطة رحلت الى دار البقاء وتركتك في دار الفناء..ودعتك وهي تقول : لا شيء يستحق الرثاء إلا أن نعذب أنفسنا هنا وهناك..إلا ان نموت كمدا ونترك الأفراح داخل محافظنا تنتظر من يطلبها..
ماذا لو ارتبطت بجمال مدة تقوم على الإخلاص والمودة وما شئت من المصطلحات الأدبية وتواعدتم وقررتم ثم نفذتم..وبعد ذلك توفي جمال؟ ستموتين كمدا وأنت ترين الحلم يتبدد كالسحاب لكن لا..ما دام حلما فليبق حلما وغيابه كبقائه لأنه سراب داخلي سرعان ما يزول إذا اعتبرناه سرابا.. لن يترك سوى ذكرى عزيزة وخواطر ذابلة تموت عند الإهمال.
إن من مميزات النفس الإنسانية إنها تغير وتجذب وتمنع وتربط الأشياء والناس بما ترغب..من مميزات الإنسان إنه إذا رغب ي التسلط على نفسه عليه ان يبلغ ما يريد رغم جميع مظاهر الضعف التي توهمه انه لن يصل الى تحقيق رغباته..كلما فكر بضعفه عليه ان يكرر: استطيع السيطرة على نفسي تماما رغم كل ما يرمي الى تحويلي عن عزمي يوحي الي بعدم الاستطاعة..، إنني أملك المؤهلات اللازمة للسيطرة على ميولي، وتبت إرادتي هذه بقوة، وتزداد يوما بعد يوم : أنا سيد نفسي، وعندما أفكر بذلك تتغير شخصيتي الى الأفضل.
الوقت الملائم تستطيعين إيجاده إذا فكرت به، ويجب ان تنظري الى الفكرة الأساسية للسيطرة على النفس كأنه طرف خيط يقود الى تحقيق السيطرة. وإذا قلت : "إنني أريد ان احصل على مزيد من القوة، لكني لا أستطيع" تزداد رغبتك في التدهور ولن يكون احتفاظك برغبتك الصحية حاضرا في نفسك.. بل تنحسر وتنحسر. امسكي طرف الخيط بقوة، وطرف الخيط مشروعك في السيطرة على نفسك.
بعيدا عن الرقابة
الانفعال عادة تشكل دفقا مباشرا للمهالك وقيدا متينا للطمأنينة اللازمة للعمل بفعالية كاملة ونشاط متدفق، تخيلي نفسك وقد التقت عيناك بنظرة قاسية نافذة، او مهددة بالعقاب، نظرك سيبقى هادئا متمكنا –بفعل رباطة الجأش- ولا يثير أي مشهد لهفته مهما كان عنيفا او مؤذيا.
إن الضجة المزعجة، وصوت الجرس، وصرير الحديد، وكل شيء يسقط، كل هذا لا يثير فيك أي ارتجاف.. بكلمة مختصرة تجنبي أي إهدار للحمية العصبية واحتفظي بالاتزان والرصانة والهدوء.
تخيلي ان عمتك ماتت..وأن "جمال" ابتعد عنك..تصوري كيف تصبحين إذا تخلقت بما ذكرت أنفا..عندما تتخيلين ذلك سترددين : " أنا هادئة تماما..أنا لا أشعر بالمؤثرات الحسية، إنها لا تؤثر في .. أنا هادئة، مرتاحة البال، وغير مضطربة.. وسأبقى هكذا مهما حصل".
عندما يريد المرء ان يتغلب على عادة، أو الاطمئنان واكتساب الهدوء النفسي، لا يتذكر بالضرورة المحاولات غير المثمرة والتجارب المخفقة..يجب أن لا يصل الى حد اغتيال الغريمة وطعن الشجاعة، وإذا تعثر المرء في مسيرته الحيائية ولم يحصل على نتائج مرضية.. فلا يعني أن تجاربه ومحاولاته كانت فاشلة بل إنها تركت آثارها. وهناك عبارة لا زالت تتردد في خيالي، ردديها معي : "تزداد قواي أكثر فأكثر..أشعر أني متزنة..أنا هادئة مطمئنة..أعصابي من فولاذ وستبقى هادئة مهما حدث..أنام كل ليلة نوما مرتاحا..أتنفس بحرية..وتتناول أعضائي غذائها بصورة متساوية منتظمة بفعل الدورة الدموية المنضبطة..أقرأ الذكريات بوعي أنها مضت.. ذكريات تركتها ضائعة في أزقة تارودانت..إن لي دماغا مفكرا ونفسا نيرة وأنا متينة".
الإنسان عندما يجتاحه انحطاط مدمر، ويفاجأ بانحراف المزاج أو بألم منغص، يجد في الأفكار التفاؤلية أفضل دواء..لأنها تلغي كل تشويش نفسي وجسدي.
"أنا مريضة" أفيق من غيبتي على كلمتك القصيرة وأتمتم : "نعم أنت على وشك الشفاء". إذا تركت نفسك تنقاد وراء الأفكار السوداوية ويستولي الرعب عليك، فعند ذلك فقط يبدأ الخطر، ولذلك وجب عليك، بدلا من الخنوع أمام هذه الأفكار، أن تسعي قبل كل شيء الى تهدئتها وصرفها.. ثم تنعشي نفسك بأفكار تبعث في نفسك وفي جسمك حياة..مخيلتك دعيها تسبح في مشاهد مبهجة دون أي جهد للإرادة او إشغال النفس.. واذكري ان النوم يوفر للجسد حيوية ونفسية وجسمانية.
ضعف الأعصاب ينتج غالبا من الشعور بالرعب الذي لا يفترق عن الانحطاط الذهني والعصبي التابع لفترة الإفراط والعياء وخيبة الأمل والضيق، فتنطبع هذه الصور على اللاوعي وتفسد التفكير، وتجعله يستسلم للأفكار السوداوية.
منتصف المسافة الى التحرر
الحزن والحذر والخوف والغيرة والتشاؤم اليائس قبل كل شيء تشوش النفس بغير رحمة إذا ركنت إليها، أما الغضب فيتحكم دائما بالكلام والعمل تحكما مضرا.
وكأنك تحملين هموم الدنيا بأسرها او لعلك تستعيرين حزن الأقوياء لتزداد تراكما عندك. يمتاز الإنسان عند هاته الأحوال بالتحدي في وجه مختلف العقبات التي تعترض تحويل أفكاره ورغباته وعواطفه، فالطبيعة بكل وجوهها تنحني أمام الإرادة، فإذا بالمعدن المدفون الصدئ يصبح ذهبا لامعا، والمياه المتدفقة طاقة وقوة جبارة، وإذا بالعقل يصنع من فلذات الحديد والفولاذ قاطرات وبواخر لن تأخذه الى مكان آخر، إنما تقرب البعيد وتسهل الصعب، وإذا بتلك الأفكار السوداوية تحوم في الفضاء مختلطة مع باقي الأوهام.. فالمخيلة نفسها تلقي على شاشة الفكر أضواء جديدة ورسوما عجيبة تجعل من الحزن أملا ومن الاندهاش استقلالا وحرية..ويكون الإنسان بذلك، وهو داخل القطار الطويل، قد بلغ نصف المسافة.
بيد أن الكائن البشري، مهما ازداد تأثير تفكيره، يظل عاجزا عن إخضاع تركيبته النفسية، ويبقى خاضعا هو نفسه لتأثير تسلسل أفكار، وتطلبات ميوله وتأثيراته.. والعواطف التي يشعر بولادتها في نفسه اليوم وتموت في اليوم التالي ..والنكبات التي تقوس التفكير وتجعل من موت قريب خسارة لا تعوض..كلنا نعرف نقاط ضعفنا وعدم كما لنا وكثرة عيوبنا..استرق النظر الى أصابعك المتشابكة وأكمل : نعرف كثرة عيوبنا، وإذا عرفنا كيف نغيرها..استطعنا ان نتجنب الصدمة، لكن إذا وجدنا أنفسنا مقيدين مترددين، تعساء ..هل نقف مكتوفي الأيدي، خاضعين لمصيرنا المظلم ؟
أخذت من وقتك الكثير..شكرا على الشاي..سأتركك الآن مع المشاريع وطرق الاستقلال والإرادة..
وعندما صرت خارج المنزل أخذت طول الشارع اشتغل فيه مشيا وذهني مشغول بأمور كثيرة يحار المرء عند بابها ولا يلبث إلا أن يفسرها التفسير الذي يحب أن يعرفها به ..وتغرق الأفكار وسط أصوات الصغار والباعة المتجولين وضجيج وسائل المواصلات.. وتصبح كسحاب في السماء أو كدخان عادم السيارات سرعان ما يتحلل ويصير هواء.
بدر
rabadr16@hotmail.com
