bihi
11-17-2005, 10:38 AM
قال كبير تلامذة أبي الحسن الشاذلي أبو العباس المُرسي رضي الله عنه: "دخلت على الشيخ أبي الحسن وفي نفسي أنْ آكلَ الخَشِنَ وألبَسَ الخَشِنَ، فقال لي الشيخ: يا أبا العباس! اعرف الله وكن كيف شئت".(1)
ودخل مرة على الشيخ أبي الحسن فقيرٌ زاهد عليه لباسٌ من شعر، وعلى الشيخ لباس نظيف. فلما فرغ الشيخ من كلامه دنا الزاهد منه وأمسك بلباسه وقال: يا سيدي! ما عُبِدَ اللهُ بمثل هذا اللباس الذي عليك! فأمسك الشيخ بلباسه، وكان الشيخ ضريرا ، فوجد فيه خشونة فقال: ولا عُبِدَ اللهُ بمثل اللباس الذي عليك! لباسي يقول: أنا غَنِيٌّ عنكم فلا تعطوني! ولباسك يقول: أنا فقير إليكم فأعطوني.
ويلطف الشيخ ابن عطاء الله، وهو كبير تلامذة أبي العباس المرسي، العبارة فيقول: "لا تفهم رحمك الله أنَّا نَعيب بهذا القول من لبس زِيَّ الفقراء، بل قصدنا أنه لا يلزم كلَّ من له نصيبٌ مما للقوم أن يلبس ملابس الفقراء، فلا حرج على اللابس ولا على غير اللابس إذا كانَا مُحْسِنَيْنِ".(2)
قلت: كانت خُطْوةً مهمة خطاها الشاذلي وأساتذة مدرسته من بعده للخروج بالتربية الصوفية من الانغلاق والانزواء والتقشف. لذلك كان يُوصي الأتباع بملازمة المظهر العام في اللباس وبملازمة الحرفة والأشغال اليومية العادية من حيث كان مِنَ المشايخ، ولا يزالون بالأسف، من يشترط على المريد الخروجَ من المجتمع والتجرد المادي من الدنيا وتكاليف البيت. هنا تُعَلِّمُ طريقة الشكر أن القلبَ إذا تجرد عن الدنيا، وتجردُهُ من حجاب حبِّها شرط في السلوك، فلا يضر بل ينفع السعي المطمئن فيها رعيا لحقوق العباد وشكراً لِنعم المولى جل وعلا.
قال ابن عطاء الله الحكيم رحمه الله: "وأما لبس اللباس اللين، وأكل الطعام الشهي، وشُرْبُ الماء البارد، فليس القصد إليه بالذي يُوجِبُ العتب من الله تعالى إذا كان معه الشكر لله.
"وقد قال الشيخ أبو الحسن: يا بُنَيَّ! بَرِّدْ الماء، فإنك إذا شربت الماء السَّخِنَ فقلت: "الحمد لله" قلتها بِكَزَازَةٍ. وإذا شربت الماء البارد وقلت: "الحمد لله" استجاب كلُّ عضو منك بالحمد لله".(3)
وكان أبو الحسن رحمه الله يحُثُّ على الحرفة والكد على العيال ويقول: "من فعل ذلك وقام بفرائض ربه عز وجل فقد كمُلت مجاهدته".
هذه خطوة مهمة من دُنْيا التقَشُّف الإرادي والزهادة ومقاتَلة النفس. لخَّصَ الشيخ رحمه الله المجاهدة تلخيصا حين أرجعها إلى وفاء العبد بفرائض الرب جل وعلا مع العمل المنتج النافع لعيال الله في الأرض وعيال نفسه.
ويوصي أبو العباس المُرسي باتخاذ أسباب الكسب والحرفة لكيلا يبقى المرء طفيليا أو كالطفيلي، عالةً على الناس كما يفعل بعض المتزهدة وبعض حاملي المسبحات الغليظة. قال أبو العباس: "عليكم بالتسبب، ولْيَجْعَلْ أحدكم مَكُّوكَه سُبْحتَه، أو قادومَهُ سبحتَه، أو تحريك أصابعه في الخياطـة أو الضَّفْـر سبحته".
و صدق الله عز و جل : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق...)
(1) لطائف المنن ص 291.
(2) المصدر السابق ص 292.
(3) المصدر السابق نفس الصفحة.
ودخل مرة على الشيخ أبي الحسن فقيرٌ زاهد عليه لباسٌ من شعر، وعلى الشيخ لباس نظيف. فلما فرغ الشيخ من كلامه دنا الزاهد منه وأمسك بلباسه وقال: يا سيدي! ما عُبِدَ اللهُ بمثل هذا اللباس الذي عليك! فأمسك الشيخ بلباسه، وكان الشيخ ضريرا ، فوجد فيه خشونة فقال: ولا عُبِدَ اللهُ بمثل اللباس الذي عليك! لباسي يقول: أنا غَنِيٌّ عنكم فلا تعطوني! ولباسك يقول: أنا فقير إليكم فأعطوني.
ويلطف الشيخ ابن عطاء الله، وهو كبير تلامذة أبي العباس المرسي، العبارة فيقول: "لا تفهم رحمك الله أنَّا نَعيب بهذا القول من لبس زِيَّ الفقراء، بل قصدنا أنه لا يلزم كلَّ من له نصيبٌ مما للقوم أن يلبس ملابس الفقراء، فلا حرج على اللابس ولا على غير اللابس إذا كانَا مُحْسِنَيْنِ".(2)
قلت: كانت خُطْوةً مهمة خطاها الشاذلي وأساتذة مدرسته من بعده للخروج بالتربية الصوفية من الانغلاق والانزواء والتقشف. لذلك كان يُوصي الأتباع بملازمة المظهر العام في اللباس وبملازمة الحرفة والأشغال اليومية العادية من حيث كان مِنَ المشايخ، ولا يزالون بالأسف، من يشترط على المريد الخروجَ من المجتمع والتجرد المادي من الدنيا وتكاليف البيت. هنا تُعَلِّمُ طريقة الشكر أن القلبَ إذا تجرد عن الدنيا، وتجردُهُ من حجاب حبِّها شرط في السلوك، فلا يضر بل ينفع السعي المطمئن فيها رعيا لحقوق العباد وشكراً لِنعم المولى جل وعلا.
قال ابن عطاء الله الحكيم رحمه الله: "وأما لبس اللباس اللين، وأكل الطعام الشهي، وشُرْبُ الماء البارد، فليس القصد إليه بالذي يُوجِبُ العتب من الله تعالى إذا كان معه الشكر لله.
"وقد قال الشيخ أبو الحسن: يا بُنَيَّ! بَرِّدْ الماء، فإنك إذا شربت الماء السَّخِنَ فقلت: "الحمد لله" قلتها بِكَزَازَةٍ. وإذا شربت الماء البارد وقلت: "الحمد لله" استجاب كلُّ عضو منك بالحمد لله".(3)
وكان أبو الحسن رحمه الله يحُثُّ على الحرفة والكد على العيال ويقول: "من فعل ذلك وقام بفرائض ربه عز وجل فقد كمُلت مجاهدته".
هذه خطوة مهمة من دُنْيا التقَشُّف الإرادي والزهادة ومقاتَلة النفس. لخَّصَ الشيخ رحمه الله المجاهدة تلخيصا حين أرجعها إلى وفاء العبد بفرائض الرب جل وعلا مع العمل المنتج النافع لعيال الله في الأرض وعيال نفسه.
ويوصي أبو العباس المُرسي باتخاذ أسباب الكسب والحرفة لكيلا يبقى المرء طفيليا أو كالطفيلي، عالةً على الناس كما يفعل بعض المتزهدة وبعض حاملي المسبحات الغليظة. قال أبو العباس: "عليكم بالتسبب، ولْيَجْعَلْ أحدكم مَكُّوكَه سُبْحتَه، أو قادومَهُ سبحتَه، أو تحريك أصابعه في الخياطـة أو الضَّفْـر سبحته".
و صدق الله عز و جل : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق...)
(1) لطائف المنن ص 291.
(2) المصدر السابق ص 292.
(3) المصدر السابق نفس الصفحة.
