مشاهدة النسخة كاملة : الصحافة المصرية.. بين عهد الإنتداب البريطاني وقيام الثورة المصرية عام 1952
zizoandonly
04-27-2007, 08:05 PM
لما كانت النهضة الأدبية الحديثة التي عمت العالم العربي منذ مطلع القرن التاسع عشر نتيجة اللقاء بين الشرق والغرب، إثر حملة "نابليون" على مصر، كذلك كان مولد الصحافة العربية وليد إتصال الغربيين ببلاد المشرق العربي. فالفن الصحافي، كما نعرفه اليوم، إنما نشأ وترعرع في أحضان الحضارة الغربية، وكان الغربيون هم الذين ابتدعوه وحسّنوه وجاءوا به الى الشرق.
وسنتناول في بحثنا هذا، الصحافة المصرية في مختلف المراحل التاريخية التي عايشتها، وكان لها كبير الأثر في نشأتها وتطورها.
الوضع القانوني للصحافة المصرية في مراحل نشأتها الأولى
كان الوضع عشية تسلّم "توفيق" السلطة من الخديوي "إسماعيل" عام 1879 متوتراً. فالأزمة المالية إستفحلت وازداد التدخل الأجنبي وانقسم الجيش، ونمت الحركة الوطنية لتصل الى ثورة عرابي باشا، ثم الى الإحتلال الإنكليزي. وكان ضعف "توفيق" نقطة إنطلاق لسلسلة من الأحداث: تسمية رئيس وزراء متسلّط (رياض) قام بنفي جمال الدين الأفغاني، وحلّ مجلس النواب، وأعاد نظام الرقابة الفرنسية الإنكليزية على الميزانية المصرية، وأصدر قانون الصحافة عام 1881. فقبل هذا التاريخ لم تكن مصر تملك تشريعاً خاصاً بها، باعتبارها جزء من السلطنة العثمانية كانت خاضعة للقوانين السائدة في الإمبراطورية.
وتبعاً لهذا القانون، لم تكن الطباعة حرّة، فلم تلغَ الإلتزامات التي كانت ترد في القانون العثماني بحيث بقي فتح المطبعة أو نشر الجريدة خاضعاً لإذن إداري مسبق، والى كفالة مرتفعة تتراوح بين 50 و100 ليرة مصرية.
خلف "البارودي" "رياض" في رئاسة الوزارة وسمّى "عرابي باشا" وزيراً للدفاع، وتوقعت الصحافة إلغاء قانون 1881، لكن حصل العكس. فازدادت الحواجز والقيود وتتابعت التحذيرات التي تلقاها الصحفيون وخاصةً اللبنانيين، مما أدى الى إختفاء "الأحوال" ثم "الأهرام" والى تعليق "المحروسة" لمدة 3 أشهر، وبالمقابل الى إزدياد عدد الجرائد الموالية للحكومة.
.
يتبع
اكرم كوردي
04-27-2007, 10:06 PM
شكرا على الموضوع الرائع و المعلومات المفيدة
بارك الله فيك
zizoandonly
04-28-2007, 10:30 PM
العام 1882 شهد بداية الإحتلال البريطاني، فوجد البريطانيون في البداية بفضل قانون 1881 سلطة هائلة تخوّلهم وضح حد لوجود أية جريدة تظهر نوعاً من الإستقلالية. وعندما حلّ الهدوء سنة 1894 تغاضت الحكومة البريطانية عن تطبيق هذا القانون وعرفت الصحافة فترة من الحرية المؤقتة.
وهذا لا يعني أن الحاكم البريطاني "كرومر" كان لا يتدخل أبداً في شؤون الصحافة، إنما كان يلجأ من وقت لآخر لمحاربة الصحف المعارضة. فمكاتب البريد كانت تتأخر قصداً عن توزيع الجرائد المعارضة على المشتركين،
وكان يشتري رضا الجرائد بالأموال، وأحياناً بإعطائها المعلومات وحصرها بها دون غيرها، الأمر الذي زرع بذور الشقاق بين الصحافة التي انقسمت الى مؤيدة ومعارضة.
وبما أن الصحافة المصرية لم تعد خاضعة لقانون 1881، فالتجاوزات لم تتأخر عن الظهور. نتج عن ذلك إحداث تغييرات سنة 1904 لبعض تنظيمات القانون الجزائي، التي أخذت بعين الإعتبار الإحتجاجات التي ارتفعت في كل الأمكنة ضد تجاوزات الصحافة. فأضافت الى القانون الجزائي مواداً تميل الى كبح هذه التجاوزات بقسوة عن طريق فرض عقوبات قاسية على الصحفيين الذين كانوا يعيشون على الإبتزاز والتحايل.
ورغم هذه العقوبات، فإن التجاوزات إستمرت في الظهور، وهذا حدا بالحكومة سنة 1909 الى تطبيق قانون 1881 بشدة، خاصةً بعدما تشكلت سنة 1907 عدة أحزاب سياسية: الحزب الوطني، حزب الأمة.. مما يعني أن الشعور الوطني بدأ يستيقظ والشعب بدأ يهتم بالسياسة عن كثب.
وبسبب قرار المحكمة هذا، تعالت الأصوات المحتجة، لكن عبثاً. فخلال نفس السنة طُبّق القانون على جريدة "اللواء" الناطقة بإسم الحزب الوطني، حيث حُكم على رئيس التحرير بالسجن لمدة 3 أشهر. وكي يتسنى للحكومة معاقبة الصحفيين المعارضين، قررت إحالة قضايا الصحافة الى محكمة الجنايات. ومع إعلان الحرب العالمية الأولى، وُضعت مصر تحت الإنتداب البريطاني، وطُبقت الرقابة بقسوة. ولدى نهاية الحرب وتوقيع الهدنة وإعلان مبادئ "ولسون" ونهوض الشعور الوطني، أخذت أهمية الصحافة تزداد.
الصحافة المصرية بين عرابي وكرومر
شهد الربع الأخير من القرن التاسع عشر ميلادي من تاريخ مصر، صراعاً دولياً حول فرض السيطرة عليها بين تيارات متعددة بل ومتضاربة في كثير من الأحيان. لقد كان هناك النفوذ العثماني الذي بدأ تياره في الإنحسار، وإن بقي يستمد قوته من طبيعة العلاقة بين مصر والدولة العثمانية، إعتماداً على أن السلطان العثماني هو صاحب الولاية الشرعية على مصر. وكانت هناك الوطنية المصرية التي بلغت ذروتها خلال الثورة العرابية، والتيارات الأوروبية التي كان لها إتجاهان رئيسيان تتزعم الأول بريطانيا والثاني فرنسا. وقد سعت جميع العناصر الى إصدار صحف تعبّر عن آرائها وتدافع عن مصالحها تجاه القضايا والأحداث، حتى أصبحت الصحف هي أول نشاط جماهيري منظّم لهذه العناصر. وتطور الأمر بعد ذلك لتقوم الأحزاب المصرية منطلقة من صحافتها، أي أن التكوين الرسمي والقانوني للأحزاب المصرية قد سبقه قيام صحافة حزبية، لهذا فإنه كان يوجد في مصر قبل قيام الأحزاب، صحف وطنية تصدّت للإحتلال البريطاني وعارضته. كما كانت هناك صحف مؤيدة للإحتلال، أعانتها السلطات البريطانية على التصدي للتيارات الوطنية التي حملت لواءها الصحف الأخرى. كما ظهرت الصحف ذات الميول الفرنسية، والتي كانت تتفق وتختلف مع الصحف الوطنية بالقدر الذي يخدم معارضتها للسياسة البريطانية في المنطقة خدمةً لمصالح فرنسا، كما كانت هناك تيارات صحفية مؤيدة للسلطان العثماني.
وليس معنى ذلك أن جميع الصحف المصرية في ذلك الوقت كانت تدخل ضمن هذه التقسيمات. فقد كانت هناك أيضاً صحف ليس لها لون محدّد وتتقلب بين أكثر من إتجاه حتى بهت لونها وصعُب تمييزه، أو أنها استطاعت في كثير من الأحيان أن تخفي حقيقة إتجاهاتها مستترة بستار الحياد والموضوعية. كما أن ذلك أيضاً لا يعني أن كل صحيفة إلتزمت بخط معين لم تحد عنه واستمرت ثابتة على موقف واحد، فقد غيّرت بعض الصحف من مبادئها التي أعلنتها. وربما كان أبرز مثال على ذلك هو جريدة "المؤيد"، فقد كان صاحبها الشيخ "علي يوسف" من ألّد أعداء الإحتلال البريطاني، ومن أصدق المخلصين للخديوي، ثم ما لبث أن انقلب على صاحبه وأصبح من المؤيدين للإحتلال.
والذي ضاعف من خطورة الصحافة في هذه الفترة، أنها كانت تتمتع بقدر واسع من الحرية وسعة الإنتشار. ويرى بعض الباحثين أن الحرية التي تمتعت بها الصحافة المصرية خلال هذه الفترة كانت ظاهرية منحها لها حاكم مصر الفعلي في ذلك الوقت اللورد "كرومر"، الذي كان يدعم "المقطم" ويأمر بتزويدها بجميع الأخبار والأسرار. بينما صبر على الصحافة المناوئة، وأفسح لها صدره باعتبارها صحافة عزلاء فقيرة ليس من خطر فعلي منها، خاصةً أن قانون العقوبات كان يقف لها بالمرصاد.
وخلال فترة الإحتلال البريطاني لمصر، كانت الصحافة المصرية قد نضجت بعد أن أكملت من عمرها ما يزيد على نصف قرن. وبعد أن بدأت تأخذ بأساليب الصحافة والطباعة الحديثة، أخذت تلعب دوراً هاماً ورئيسياً في الأحداث السياسية.
يتبع
العقرب 0
05-09-2007, 06:17 PM
http://www.alsowr.com/get-5-2007-4t6b4mkb.gif (http://www.alsowr.com)
حميد المنيحي2
05-18-2007, 04:54 PM
شكرا على الموضوع الرائع
ينقل الى قسم الصحافة
ننتظر المزيد من مشاركاتك الفعالة
zizoandonly
05-19-2007, 07:09 PM
وبدأ تاريخ الصحافة في مصر عندما أصدر "محمد علي" والي مصر أمره سنة 1827 بإصدار "جرنال الخديوي". وقد كان في الواقع يهدف الى إصدار نشرة خاصة ليطلع على شؤون البلاد وماليتها. ولكنه لم يلبث أن لمس حاجة الشعب للإطلاع على أعمال الحكومة، فأمر بتوسيع نطاق "جرنال الخديوي" الذي تحوّل الى صحيفة "الوقائع المصرية" إعتباراً من عام 1828، وكانت تُوزّع على من يسدد الإشتراك من موظفي الحكومة. وتلا ذلك ظهور "الجريدة العسكرية" عام 1833. وتعتبر صحف تلك الفترة بمثابة نشرات رسمية حيث وُلدت صحافة مصر في كنف الحكام ونمت بسلطانهم وخضعت لتوجيهاتهم الى أن ظهرت الصحافة الشعبية في عهد سعيد باشا (1854- 1863) الذي سعى الى التقرب من قلوب المصريين عندما باعدت سياسته وتصرفاته بينه وبين السلطان، بعدما كان هذا الأخير قد أوفد السلطان الى مصر "إسكندر شلهوب" ليصدر صحيفة "السلطنة" عام 1857 من أجل لفت أنظار المصريين الى الباب العالي.
وقبل أن تختفي "السلطنة" كانت جرائد الرأي قد ظهرت في مصر. ثم كان عصر "إسماعيل" عصر نهضة شاملة نتيجة فوزه بثمرة البعثات العلمية التي كان "محمد علي" قد أوفدها. وأوحى "إسماعيل" المولع بتقليد الأوروبيين الى "أبو السعود" بإصدار صحيفة "وادي النيل" سنة 1866، وهو نفس العام الذي أُنشأ فيه مجلس شورى النواب لتكون مدافعة عنه ضد جريدة "الجوائب" التي كانت تصدر بالقسطنطنية. ثم صدرت مجلة "نزهة الأفكار" لِ "إبراهيم المويلحي" سنة 1869 لتكون باكورة صحافة مصرية المنهج، ولكن الخديوي "إسماعيل" لم يلبث أن ألغاها، وعاد ليشجع النهضة التي حمل لواءها السوريون واللبنانيون الذي هاجروا الى مصر هرباً من تعسف السلطان "عبد الحميد". وقد إتسمت هذه النهضة بالنشاط الصحفي والمسرحي، وازدهرت بذلك في مصر الصحف الشعبية التي كان من بينها صحف مصرية خالصة، وأخرى تولتها الأقلام والعقول التي نزحت من الشام مثل "الأهرام"، وإن جمع بينها روح الإصلاح وإعداد البلاد الشرقية لإستقبال النهضة الأوروبية.
zizoandonly
05-19-2007, 07:10 PM
وشهدت سنة 1877 الحرب التركية الروسية التي كان لها أثر في تطور الصحافة المصرية، بحيث عمدت الى سرد أحداث الحرب والى الخوض في الأمور السياسية. ثم كان تشجيع "جمال الدين الأفغاني" لتلاميذه على إحتراف الصحافة، وكان من بينهم "أديب إسحق" و"يعقوب صنوع". فأصدر الأول جريدة "مصر" سنة 1877 وجريدة "التجارة" بالإسكندرية سنة 1879. وأصدر الثاني جريدة "أبو نظارة زرقاء" سنة 1877. وكان لحركة "الأفغاني" الصحفية ولتلاميذه أكبر الأثر في تنبيه الأذهان الى أصول المسائل وتعويد الناس الجرأة على إنتقاد الحكام وإظهار مكائد الأجانب وأطماعهم، بالإضافة الى تكوين جيل من الكتّاب قادر على تناول كل الأفكار بلغة جديدة.
وازدادت أهمية الصحافة المصرية في هذه الفترة عندما تشبّع الناس بآراء كتّابها وبدأوا يقتبسون منهم ويرددون عنهم، وهذا ما دعا "كرومر" الى إعتبار صحافة هذه الفترة مسؤولة عن تخلخل حالة الرضا والطاعة.
كما تولّت الصحف الدفاع عن الحركة الدستورية مما حدا بالخديوي "إسماعيل" الى إغلاق جريدة "نزهة الأفكار".
وعندما تولى الخديوي "توفيق" السلطة، واجهت الصحافة المصرية نكسة تمثلت في رفضه للإصلاحات الدستورية، رغماً أنه كان من مؤيديها، وبالأخص عندما أمر بنفي "جمال الدين الأفغاني"، وبدأ ما يمكن تسميته بعهد إرهاب الصحف. فأُغلقت "مصر الفتاة" و"مصر" و"التجارة"، وهرب "يعقوب صنوع" من مصر. وتحولت جريدة "الوقائع المصرية" الى جريدة رأي وأصبحت جريدة يومية حكومية رأس تحريرها الشيخ "محمد عبده".
ولجأ "يعقوب صنوع" بعد هربه الى إصدار صحيفته في الخارج وتهريبها الى مصر. وتصدت الحكومة لمنع دخولها هي وباقي الصحف المصرية التي كانت تُحرّر وتُطبع خارج مصر مثل جريدتي "النحلة" و"الشرق".
ولم تلبث الحركة العرابية أن ظهرت محاولةً الإستعانة بالصحف لدعوة الناس الى نصرتها، حتى أن الخديوي "توفيق" لم يجد أمامه من وسيلة لمواجهتها سوى إصدار صحف تدافع عنه وتواجه الحركة العرابية. فأوحى بإصدار صحيفة "البرهان" التي تولى تحريرها الشيخ "حمزة فتح الله" سنة 1881، والذي أصدر بعد ذلك صحيفة "الإعتدال"
كما لجأت الحكومة في ذلك الوقت الى إصدار قانون المطبوعات الشهير، ومهّدت الصحف الرجعية لهذا التشريع الذي كان بمثابة طعنة موجّهة الى الصحافة المصرية حيث أدى الى زيادة أعباء الصحف المالية، مما اضطر الكثير منها الى الإنزواء.
يتبع