الداعية الوسـطي
04-26-2007, 10:23 PM
متى يكون مأمورًا به ومتى يكون منهيًا عنه 1/2
الخلاف في الاسلام.. الحدود والآداب
د. مجدي سرور باسلوم
http://www.okaz.com.sa/okaz/images/new/Open-DblQ.gif الاختلاف الناشئ عن الهوى مضر ومرد لأنه ناتج لحب النفس والاعتداد بالذات من غير حق ولا هدى
على الرغم من إباحة الاسلام للخلاف الا انه ضيق دائرته كثيرا لأن منهجه يقوم على الاعتصام والتوافق
إذا وقع الاختلاف لا محالة فلابد من التزام الاداب التي التزم بها السلف الصالح
مخالفة أهل الايمان لأهل الكفر والشرك واجبة http://www.okaz.com.sa/okaz/images/new/Close-DblQ.gif
من المعلوم ان الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ومن ثم فعلينا قبل الخوض في أدب الاختلاف في الاسلام ان نعرف بالاختلاف وما يتصل به من مصطلحات كالخلاف وعلم الخلاف والجدل وعلم الجدل والشقاق. والاختلاف -لغة- هو عدم الاتفاق والتساوي والخلاف والمخالفة كذلك، ويمكن القول: ان الخلاف والاختلاف يراد به مطلق المغايرة في القول أو الرأي أو الحالة أو الهيئة أو الموقف، وعند الفقهاء الاختلاف أو الخلاف هو ما تعددت فيه آراء المجتهدين وأهل الرأي في المسائل التي لم يرد فيها دليل قطعي.يستعمل الاختلاف ايضا في القول المبني على دليل، لأن محل الاجتهاد المعتبر هو ما يتردد بين طرفين، ويظهر في كل واحد منهما قصد الشارع: الاثبات في أحدهما، والنفي في الآخر، والنوع الأول الذي يكون فيه الاختلاف خاليا فيه عن الدليل يسمى «علم الخلاف» والنوع الثاني يكون الباحث فيه مجتهدا أصوليا.
واذا كان الشقاق مرفوضا كله، فالاختلاف والجدل منه المقبول ومنه المردود فأما المقبول من الاختلاف فهو المضبوط بالضوابط الشرعية من الاجتهاد وصدق النية والتجرد، وهذا يثاب عليه الانسان حتى ولو وقع في الخطأ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فله أجر واحدة.
وأما الاختلاف غير المقبول فهو الناشئ عن الهوى المضل لا عن تحري قصد الشارع باتباع الأدلة، ولا يكون صادرا إلا عن أهل الأهواء، واذا دخل الهوى أدى الى المتشابه والأخذ به، حرصا على الغلبة والظهور باقامة العذر، ويؤدي بدوره الى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء، وهذه أشياء نهى عنها دين الاسلام السمح، حيث قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا). «ال عمران 103» وقد جاء الشرع الحكيم بحسم مادة الهوى بإطلاق، واذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم ينتج الا ما فيه اتباع الهوى وذلك فيه مخالفة للشرع، ومخالفة الشرع ليست من الشرع في شيء.
دوافع الخلاف
الدافع الذي يمليه الهوى، وفيه يكون الاختلاف وليد رغبات نفسية، لتحقيق غرض ذاتي أو أمر شخصي، وقد يكون الدافع على الاختلاف هو اظهار العلم والفهم، وهذا النوع من الدوافع مذموم شرعا، لأنه يؤدي الى ضياع الحقيقة، وعدم الوصول الى الصواب في المسألة المختلف فيها، أضف الى هذا ان الهوى مطية الكفر، والانحراف وفي هذا يقول الله جل وعلا: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون) «البقرة 87» وقال سبحانه: (قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين) «الانعام 56» وقال ايضا: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) «ص26»، وقال كذلك: (وإن كثيرًا ليضلون بأهوائهم بغير علم) «الانعام 119» ومجمل القول في الهوى انه مفسد لكل شيء (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن) «المؤمنون 71» ومن ثم فالاختلاف الناشئ عن الهوى مضر ومرد، اذ هو ناشئ عن حب النفس والاعتزاز بالذات من غير حق ولا هدى، ويمكن رد خلاف أهل الملل والنحل ودعاة البدع في دين الله عز وجل الى آفة الهوى.
وهناك دافع على الاختلاف يمليه الحق، وهو الذي لا يكون للنفس فيه حظ أو للهوى سلطان، وهو قائم على العلم والمنطق، وفرضه ودفع اليه الايمان، فمخالفة أهل الايمان لأهل الكفر والشرك والنفاق واجبة، ولا يمكن لمؤمن مسلم ان يتخلى عنها أو يدعو لازالتها لأن الاختلاف في هذه الحال سداه الايمان ولحمته الحق.
وهناك خلاف يتردد بين المدح والذم، وهو الاختلاف في الأمور الفرعية التي تتردد احكامها بين احتمالات متعددة يترجح بعضها على بعض، من مثل اختلاف العلماء في انتقاض الوضوء من الدم الخارج من الجرح، والقيء المتعمد، واختلافهم في قراءة القرآن خلف الامام.. وغيرها، وهذا النوع من الاختلاف مزلة الأقدام، اذ من الممكن ان يلتبس فيه الهوى بالتقوى والظن بالعلم، والمرجوح بالراجح، والمردود بالمقبول.
ولا سبيل الى تحاشي مزاليق هذا الاختلاف الا باتباع قواعد يحتكم اليها وضوابط منظمة وأداب مهيمنة، والا تحول الى شقاق ونزاع والله قال في كتابه وهو العليم الحكيم ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).
دائرة ضيقة
وعلى الرغم من اباحة الاسلام للخلاف في بعض الأمور، فإنه ضيق دائرته كثيرا، حيث ان منهج الاسلام يقوم على الاعتصام والتوافق وعدم الاختلاف، قال الله جل وعلا {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخوانا» آل عمران، فالرحمة تقتضي عدم الاختلاف، قال الله تعالى {... ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر..» البقرة 253، وقال النبي صلى الله عليه وسلم(انما هلكت بنو اسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم).
ولقد فهم السلف الصالح ذلك فحذروا من الاختلاف بكافة انواعه، وأكدوا على وجوب اجتنابه، يقول ابن مسعود رضي الله عنه(الخلاف شر).
ويكفي لمعرفة أضرار الاختلاف وخطورته ان نبي الله هارون عليه السلام عده أكبر خطرا وأشد ضررا من عبادة الأوثان، فحين صنع السامري لقومه عجلا، ودعاهم الى عبادته وقال لهم -كما جاء في القرآن- {هذا إلهكم وإله موسى«طه 88، ماذا فعل هارون؟ دعاهم بالموعظة والحكمة، فما استجابوا له، ولما رجع موسى غضبان أسفا، وشدد النكير على أخيه الذي لم يردهم عن غيهم وكفرهم، ماذا كان جواب هارون؟ قال{يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي اني خشيت أن تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قولي} طه 94، فجعل هارون عليه السلام من خوف الفرقة والاختلاف بين قومه عذرا له في عدم التشديد في الانكار.
وقد قسم السبكي رحمه الله في كتابه «الابهاج» الاختلاف على ثلاثة اقسام، فقال:الاختلاف على ثلاثة اقسام :-
احدها في الأصول، وهو الذي نص عليه القرآن، ولا شك انه بدعة وضلال، وقد يكون كفرا .
والثاني في الآراء والحروب وهو حرام ايضا، لما فيه من تضييع المصالح.
والثالث في الفروع كالاختلاف في الحل والحرمة ونحوهما والاتفاق في هذا -أي النوع الثالث- خير من الاختلاف.
فاذا وقع الاختلاف لا محالة، فلابد من التزام الآداب التي التزم بها السلف الصالح.
ومن الآداب التي التزموها انهم اذا وقع بينهم الخلاف -رغم محاولات تحاشيه- سارعوا الى رد الأمر المختلف فيه الى كتاب الله وسنة رسوله، وسرعان ما يرتفع الخلاف ممتثلين في ذلك قول الله جل وعز {واذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه الى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا» النساء 83، فهم يخضعون لحكم الله ورسوله ويسلمون التسليم التام، لأنهم يعلمون تمام العلم ويوقنون تمام اليقين انه {ما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم».
ومن الآداب ايضا: الالتزام بالتقوى وتجنب الهوى، وذلك من شأنه ان يجعل الحقيقة هدفا للمختلفين، حيث لا تهم اي منهم ان تظهر الحقيقة على لسانه او على لسان اخيه. ومنها: التزامهم بآداب الاسلام في انتقاء اطايب الكلام، وتجنب الالفاظ الجارحة بين المختلفين مع حسن استماع كل منهما للآخر، وتنزههم عن المماراة ما أمكن، والجدية في البحث والاستقصاء، بغية الوصول الى الحق والصواب.
ومنها: ان يجعل المختلفين اخوة الاسلام -وهي أصل من الأصول الاسلامية- نصب أعينهم، اذ لا قيام للاسلام بدونها، فهي فوق الخلاف او الوفاق في المسائل الاجتهادية.
ومنها: ان الخلاف لم يتطرق الى المسائل الاعتقادية، بل انحصر في الفروع، ومنها: ان نظرة السلف الصالح الى استدراكات غيرهم عليهم انها معونة، يقدمها المستدرك منهم لأخيه، وليست عيبا او نقدا، ومنها: انهم لم يكونوا يحملون احدا على ما ذهبوا اليه من آراء، ولذلك نقل عن أبي حنيفة انه قال ( هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر عليه أحدا عليه، ولا نقول: يجب على احد قبوله بكراهية، فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به).
فالكل متبع، فحين تصح السنة او يرد نص قطعي فلا مخالف واذا حدث فانه اختلاف في فهمهما، يسلم كل للآخر ما يفهمه، ما دام اللفظ يحتمله، ولا شيء من الأدلة الصحيحة عند الفريقين يعارضه.
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20061123/Con2006112365141.htm (http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20061123/Con2006112365141.htm)
الخلاف في الاسلام.. الحدود والآداب
د. مجدي سرور باسلوم
http://www.okaz.com.sa/okaz/images/new/Open-DblQ.gif الاختلاف الناشئ عن الهوى مضر ومرد لأنه ناتج لحب النفس والاعتداد بالذات من غير حق ولا هدى
على الرغم من إباحة الاسلام للخلاف الا انه ضيق دائرته كثيرا لأن منهجه يقوم على الاعتصام والتوافق
إذا وقع الاختلاف لا محالة فلابد من التزام الاداب التي التزم بها السلف الصالح
مخالفة أهل الايمان لأهل الكفر والشرك واجبة http://www.okaz.com.sa/okaz/images/new/Close-DblQ.gif
من المعلوم ان الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ومن ثم فعلينا قبل الخوض في أدب الاختلاف في الاسلام ان نعرف بالاختلاف وما يتصل به من مصطلحات كالخلاف وعلم الخلاف والجدل وعلم الجدل والشقاق. والاختلاف -لغة- هو عدم الاتفاق والتساوي والخلاف والمخالفة كذلك، ويمكن القول: ان الخلاف والاختلاف يراد به مطلق المغايرة في القول أو الرأي أو الحالة أو الهيئة أو الموقف، وعند الفقهاء الاختلاف أو الخلاف هو ما تعددت فيه آراء المجتهدين وأهل الرأي في المسائل التي لم يرد فيها دليل قطعي.يستعمل الاختلاف ايضا في القول المبني على دليل، لأن محل الاجتهاد المعتبر هو ما يتردد بين طرفين، ويظهر في كل واحد منهما قصد الشارع: الاثبات في أحدهما، والنفي في الآخر، والنوع الأول الذي يكون فيه الاختلاف خاليا فيه عن الدليل يسمى «علم الخلاف» والنوع الثاني يكون الباحث فيه مجتهدا أصوليا.
واذا كان الشقاق مرفوضا كله، فالاختلاف والجدل منه المقبول ومنه المردود فأما المقبول من الاختلاف فهو المضبوط بالضوابط الشرعية من الاجتهاد وصدق النية والتجرد، وهذا يثاب عليه الانسان حتى ولو وقع في الخطأ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فله أجر واحدة.
وأما الاختلاف غير المقبول فهو الناشئ عن الهوى المضل لا عن تحري قصد الشارع باتباع الأدلة، ولا يكون صادرا إلا عن أهل الأهواء، واذا دخل الهوى أدى الى المتشابه والأخذ به، حرصا على الغلبة والظهور باقامة العذر، ويؤدي بدوره الى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء، وهذه أشياء نهى عنها دين الاسلام السمح، حيث قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا). «ال عمران 103» وقد جاء الشرع الحكيم بحسم مادة الهوى بإطلاق، واذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم ينتج الا ما فيه اتباع الهوى وذلك فيه مخالفة للشرع، ومخالفة الشرع ليست من الشرع في شيء.
دوافع الخلاف
الدافع الذي يمليه الهوى، وفيه يكون الاختلاف وليد رغبات نفسية، لتحقيق غرض ذاتي أو أمر شخصي، وقد يكون الدافع على الاختلاف هو اظهار العلم والفهم، وهذا النوع من الدوافع مذموم شرعا، لأنه يؤدي الى ضياع الحقيقة، وعدم الوصول الى الصواب في المسألة المختلف فيها، أضف الى هذا ان الهوى مطية الكفر، والانحراف وفي هذا يقول الله جل وعلا: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون) «البقرة 87» وقال سبحانه: (قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين) «الانعام 56» وقال ايضا: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) «ص26»، وقال كذلك: (وإن كثيرًا ليضلون بأهوائهم بغير علم) «الانعام 119» ومجمل القول في الهوى انه مفسد لكل شيء (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن) «المؤمنون 71» ومن ثم فالاختلاف الناشئ عن الهوى مضر ومرد، اذ هو ناشئ عن حب النفس والاعتزاز بالذات من غير حق ولا هدى، ويمكن رد خلاف أهل الملل والنحل ودعاة البدع في دين الله عز وجل الى آفة الهوى.
وهناك دافع على الاختلاف يمليه الحق، وهو الذي لا يكون للنفس فيه حظ أو للهوى سلطان، وهو قائم على العلم والمنطق، وفرضه ودفع اليه الايمان، فمخالفة أهل الايمان لأهل الكفر والشرك والنفاق واجبة، ولا يمكن لمؤمن مسلم ان يتخلى عنها أو يدعو لازالتها لأن الاختلاف في هذه الحال سداه الايمان ولحمته الحق.
وهناك خلاف يتردد بين المدح والذم، وهو الاختلاف في الأمور الفرعية التي تتردد احكامها بين احتمالات متعددة يترجح بعضها على بعض، من مثل اختلاف العلماء في انتقاض الوضوء من الدم الخارج من الجرح، والقيء المتعمد، واختلافهم في قراءة القرآن خلف الامام.. وغيرها، وهذا النوع من الاختلاف مزلة الأقدام، اذ من الممكن ان يلتبس فيه الهوى بالتقوى والظن بالعلم، والمرجوح بالراجح، والمردود بالمقبول.
ولا سبيل الى تحاشي مزاليق هذا الاختلاف الا باتباع قواعد يحتكم اليها وضوابط منظمة وأداب مهيمنة، والا تحول الى شقاق ونزاع والله قال في كتابه وهو العليم الحكيم ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).
دائرة ضيقة
وعلى الرغم من اباحة الاسلام للخلاف في بعض الأمور، فإنه ضيق دائرته كثيرا، حيث ان منهج الاسلام يقوم على الاعتصام والتوافق وعدم الاختلاف، قال الله جل وعلا {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخوانا» آل عمران، فالرحمة تقتضي عدم الاختلاف، قال الله تعالى {... ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر..» البقرة 253، وقال النبي صلى الله عليه وسلم(انما هلكت بنو اسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم).
ولقد فهم السلف الصالح ذلك فحذروا من الاختلاف بكافة انواعه، وأكدوا على وجوب اجتنابه، يقول ابن مسعود رضي الله عنه(الخلاف شر).
ويكفي لمعرفة أضرار الاختلاف وخطورته ان نبي الله هارون عليه السلام عده أكبر خطرا وأشد ضررا من عبادة الأوثان، فحين صنع السامري لقومه عجلا، ودعاهم الى عبادته وقال لهم -كما جاء في القرآن- {هذا إلهكم وإله موسى«طه 88، ماذا فعل هارون؟ دعاهم بالموعظة والحكمة، فما استجابوا له، ولما رجع موسى غضبان أسفا، وشدد النكير على أخيه الذي لم يردهم عن غيهم وكفرهم، ماذا كان جواب هارون؟ قال{يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي اني خشيت أن تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قولي} طه 94، فجعل هارون عليه السلام من خوف الفرقة والاختلاف بين قومه عذرا له في عدم التشديد في الانكار.
وقد قسم السبكي رحمه الله في كتابه «الابهاج» الاختلاف على ثلاثة اقسام، فقال:الاختلاف على ثلاثة اقسام :-
احدها في الأصول، وهو الذي نص عليه القرآن، ولا شك انه بدعة وضلال، وقد يكون كفرا .
والثاني في الآراء والحروب وهو حرام ايضا، لما فيه من تضييع المصالح.
والثالث في الفروع كالاختلاف في الحل والحرمة ونحوهما والاتفاق في هذا -أي النوع الثالث- خير من الاختلاف.
فاذا وقع الاختلاف لا محالة، فلابد من التزام الآداب التي التزم بها السلف الصالح.
ومن الآداب التي التزموها انهم اذا وقع بينهم الخلاف -رغم محاولات تحاشيه- سارعوا الى رد الأمر المختلف فيه الى كتاب الله وسنة رسوله، وسرعان ما يرتفع الخلاف ممتثلين في ذلك قول الله جل وعز {واذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه الى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا» النساء 83، فهم يخضعون لحكم الله ورسوله ويسلمون التسليم التام، لأنهم يعلمون تمام العلم ويوقنون تمام اليقين انه {ما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم».
ومن الآداب ايضا: الالتزام بالتقوى وتجنب الهوى، وذلك من شأنه ان يجعل الحقيقة هدفا للمختلفين، حيث لا تهم اي منهم ان تظهر الحقيقة على لسانه او على لسان اخيه. ومنها: التزامهم بآداب الاسلام في انتقاء اطايب الكلام، وتجنب الالفاظ الجارحة بين المختلفين مع حسن استماع كل منهما للآخر، وتنزههم عن المماراة ما أمكن، والجدية في البحث والاستقصاء، بغية الوصول الى الحق والصواب.
ومنها: ان يجعل المختلفين اخوة الاسلام -وهي أصل من الأصول الاسلامية- نصب أعينهم، اذ لا قيام للاسلام بدونها، فهي فوق الخلاف او الوفاق في المسائل الاجتهادية.
ومنها: ان الخلاف لم يتطرق الى المسائل الاعتقادية، بل انحصر في الفروع، ومنها: ان نظرة السلف الصالح الى استدراكات غيرهم عليهم انها معونة، يقدمها المستدرك منهم لأخيه، وليست عيبا او نقدا، ومنها: انهم لم يكونوا يحملون احدا على ما ذهبوا اليه من آراء، ولذلك نقل عن أبي حنيفة انه قال ( هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر عليه أحدا عليه، ولا نقول: يجب على احد قبوله بكراهية، فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به).
فالكل متبع، فحين تصح السنة او يرد نص قطعي فلا مخالف واذا حدث فانه اختلاف في فهمهما، يسلم كل للآخر ما يفهمه، ما دام اللفظ يحتمله، ولا شيء من الأدلة الصحيحة عند الفريقين يعارضه.
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20061123/Con2006112365141.htm (http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20061123/Con2006112365141.htm)
