منتدى برامج نت | برامج نت | دليل المواقع | العاب فلاش | برامج | عيادة الطب | Free software
العاب افلام موقع منتديات

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين آلام الماضي و المرض ( قصة بأجزاء)


ورود حزينه
04-20-2007, 09:24 AM
كعادتها كل صباح .. تشرق الشمس لتداعب وجنتي متسللة عبر نافذتي المغلقة و ستائري المصنوعة من قماش الشيفون

منذ ما يقارب الثلاث سنوات لم تخلف موعدها .. و ظلت تزورني لتؤنس وحدتي الصباحية .. و تذكرني بأن الحياة لا تزال مستمرة خارج حدود غرفتي المغلقة

على غير العادة هناك ضجة كبيرة في الغرف المجاورة .. ترى ما السبب ؟؟!

آه لقد نسيت بأن الصيف قد أتى و بدأت عطلة الأطفال الصيفية و بت أسمع أصواتهم في الصباح و المساء يملئون المنزل بالضحكات و الأصوات الفرحة

... "هل تحبين زهر الليمون؟؟ " .. كيف لي أن أقول لا .. أنا لم أحب يوما زهر الليمون .. و لكن هذه الابتسامة المشعة ترغمني على الابتسام و الإيماء برأسي بنعومة و رقة ، أضاف القليل إلى فنجان السحلب و قدمه لي دون أن تبارح تلك الابتسامة شفاهه الرائعة ، متى سأتمكن من التعبير عن حبي لهذا الشخص ..


"أمي عزيزتي .. ألم تستيقظي حتى الآن .. " هذا صوت ابنتي سمية ..
- أنا مستيقظة عزيزتي و لكن يبدو أني سرحت قليلا
- خير إن شاء الله .. ما الذي يشغل بالك
- لا شيء حقيقة .. إنها مجرد ذكريات تأتي و تذهب لتواسيني
- هل هناك من خطب .. أتشعرين بأي ألم ..
- لا أيتها القلقة .. ليس هناك أي شيء .. كل القضية أني أحن إلى الأيام الخوالي
- أجل .. أجل .. لا بد أنها ذكرياتك مع أبي .. أخبريني هل كنتما عاشقين
ماذا بوسعي أن أخبرها .. أيتها المسكينة .. ترى ماذا ستكون ردت فعلك حين تعلمين الحقيقة .. والدك و أنا لم نكن يوما عاشقين أو حتى حبيبين .. لقد كنا مثالا حيا للحياة الروتينية المملة القاتلة
- لا تحرجيني أيتها الخبيثة .. ماذا كنت تريدين
- دوما تتهربين من الإجابة .. لقد جلبت لك الإفطار و كأس الحليب الطازج
- أشكرك عزيزتي أكاد أموت جوعا
- بالهناء و الشفاء .. سأعود بعد قليل و أتمنى أن لا أجد شيئا من هذا الطعام
كالعادة .. أرسم لها ابتسامة هادئة تطمئنها .. رغم إيقانها و علمها بمدى كذبي حين أرسم هذه الابتسامة و أنني بالكاد سأكل قطعة خبز و بعض الجبن و لكنها على الأقل ترد على ابتسامتي بابتسامة أكثر إشراقا و تدعني بسلام
قاربت الساعة الثانية عشر ظهرا .. يبدو أن الأطفال ليسوا في المنزل .. فالهدوء يعم المكان .. حاولت جاهدة أن أغادر سريري .. فقد مللت من هذا الرقاد .. و هذا الإعياء .. ولكن المشكلة أني سأواجه الكثير من الاعتراضات إن خطوت خطوة واحدة خارج غرفتي ..

فعلا كما توقعت بمجرد أن رأتني سمية أقف على قدمي أتت مسرعة الخطى تريد أن تصنع من نفسها عكازا لمساندة خطواتي المتعثرة .. كم هي طيبة .. إنها الوحيدة من بين أبنائي التي تكترث حقا لأمري .. و تخشى أن يصيبني مكروه
- لماذا غادرتي سريرك ؟؟ أتحتاجين لشيء ما ؟؟ لماذا لما تنادني أو تقرعي الجرس .. أرجوك لا تقولي بأنك ناديتني و لم أجبك .. صدقيني لم أسمع .. لقد كنت ..
- اصمتي رجاءا .. لقد مللت و أود أن أتمشى قليلا .. ألا يحق لي أن أغدر تلك الزنزانة المرفهة ..
- أمي .. ما الذي تقولينه .. ألا تعجبك غرفتك
- إنها رائعة و لكني مللت منها .. مللت من الصمت و الهدوء
- و لكنها أوامر الطبيب
- أنا المريضة و أنا أعلم ما الذي يريحني .. هذا الهدوء لا يعجبني ..
- حسنا كما تشائين و لكن أرجوك أن تجلسي على الأريكة
- أين أبناؤك ..؟
- إنهم في الحديقة ..
- حسنا سأذهب إليهم ..
- و لكن ..
- بدون لكن الجو ليس باردا و لا حارا .. لا زلنا في أوائل الصيف .. كما أني اشتقت إليهم و لضجتهم

هذه المرة قررت أن أكون أنا سيدة الموقف .. أن أدعها في حيرتها .. و خوفها .. رغم أني أشفق عليها من كل هذا .. و أن أنزل إلى الحديقة لأشعر بأني لا زلت على قيد الحياة


.... " أنت فاتنة .. حتى في أبسط مظاهرك تفتكين بي " منذ أيام و حال أبو الهول ليست كما هو معتاد ..

أبو الهول هو حبيبي السري .. لقد اضطررت أن ألقبه بهذا الاسم لأني أشعر بأنه لن ينطق أبدا .. و لكنه في هذه الأيام تغير جدا .. لقد بدأ يغازلني و يدللني .. و أنا في حيرة من أمري .. و أعامله بشكل طبيعي و كأن شيئا لم يتغير ربما لأنني لا أعرف ماذا علي أن أفعل

مشاعري اتجاه هذه الشاب .. نشأت منذ فترة طويلة .. حتى أني لا أعلم متى تماما بدأت أعشقه إلى هذا الحد .. بالرغم من جميع الخلافات الاجتماعية بيننا .. بالرغم من علمي المسبق بأني لا أمثل أيا من أحلامه .. فقد صنعت منه حلمي المستحيل .. و أملي الوحيد في هذه الحياة..كل هذا و هو لا يعلم أني لم أعد أستطيع العيش دونه
علاقتنا بدأت منذ فترة لا بأس بها .. فعليا لقد أصبحنا أكثر تعلقا ببعضنا من مجرد إخوة أو أصدقاء .. و كأننا نسختان جسديتان لذات الروح .. إلا أن فكرت الحب و الارتباط لم تطرح بيننا بل و لم تكن لتخطر على بال أحدنا.

داعبته قائلة .. " منذ متى تتقن فن الغزل و التحدث إلى الفتيات .. يبدو أنك مستمتع بدور الشاب المراهق .."
- صدقيني لم أتعلم هذا الكلام و أنا لا أهواه كما تعلمين .. و لكن لا بد لمن يعرفك أن يقول أكثر من هذا
- هههههه و هل استطعت أن أثير مشاعرك بهذه الطريقة
- ستعلمين قريبا .. ما صنعت .. أما الآن علي الذهاب للحاق بمحاضراتي
كعادته .. يذهب بغموض .. كما أسرني بغموض .. يودعني بابتسامته الرائعة ..و لكن هذه المرة .. أضاف غمزة مشاكسة و ذهب




يتبع

اكرم كوردي
04-20-2007, 10:14 AM
شكرا على القصة الجميلة
ننتظر الاجزاء الباقية بشغف
دمتي بخير

ورود حزينه
04-22-2007, 04:01 PM
" هل عدت إلى سرحانك يا حجة " .. محمود .. زوج ابنتي سمية .. إنه الولد الذي لم أنجبه .. رجل شهم و كريم .. خفيف الظل .. منفرج الأسارير على الدوام ..
هذا الرجل أحرجني بمدى طيبته و حبه لابنتي و لي من بعدها .. لقد طالب بأن أسكن في منزله منذ بدأ الهرم و المرض يتآكلاني .. الأمر الذي لم يقدم عليه ابني من لحمي و دمي

- محمود .. ألا تستطيع إلا أن تباغتني
- خالتي العزيزة .. أنا أجلس هنا منذ خمس دقائق أو أكثر .. ألقيت عليك التحية و لكنك لم تكوني هنا
- معك حق .. لقد بدأت الذكريات تسرقني من الواقع
- المهم أن تكون ذكريات سعيدة
- .......
- لا تجيبي أن متأكدة أنها سعيدة .. فعيناك تلمعان كيوم تزوجت سمية .. و يوم أنجبنا طفلتنا البكر و من بعدها التوأمان المشاغبان .. يبدو أن ذكرياتك مليئة بالحب
- أنت شقي جدا يا محمود
- ربما و لكن ألا يحق لي
- بل يحق لك ما لا يحق لغيرك
- إذن فقصي علي بعضا من ذكرياتك .. أرجوك خالتي ..
- يوما ما .. ستجدني كتابا بين يديك .. بكل الذكريات .. و كل ما كان من طموح و أحلام
- إذن أرجوك استعجلي قبل أن أضطر لاستخدام نظارات أكثر سماكة .. لقد أفقدتني ابنتك كل شبابي و أضعفت بصري
- ما الذي تقوله
- لا شيء حبيبتي .. لقد كنت أداعب خالتي ليس إلا
- و لكنك كنت تتحدث عني ..
- أنا دائم الحديث عنك .. ألست حبيبتي و أم أولادي
أعشق النظر إلى هذين الزوجين .. أشعر بأن أفضل عمل فعلته في حياتي .. هو السماح لسمية بالزواج من محمود برغم كل الاعتراضات التي واجهتها من أعمامها .. فهو حقا رجل بكل ما تحمل الرجولة من معان .. و يحبها جدا ..

- أكملا عتابكما لاحقا .. فقد تعبت .. هل لك أن تساعديني لأعود إلى غرفتي ..
- بالطبع يا ست الحبايب و لكن أولا اشربي كوبا من العصير .. و أقراص دوائك

الدواء .. أتمنى لو أكف عن تناوله .. من قال بأني أحتاج لزيادة في عمري .. أعتقد بأني أنهيت رسالتي في الحياة .. لقد تزوجت كما رغب الجميع و أنجبت أربعة أطفال .. كل منهم الآن مستقر في منزله و حياته الخاصة .. على درجة من التعليم و قدرات لا بأس بها يخوضون فيها معترك الحياة ..

... " يوما ما ستكونين أما رائعة .. أستطيع منذ الآن أن أتخيل شكل أطفالك .. و كيف ستربينهم"

آه ... معظم خيالاته تحولت إلى واقع .. كلماته لم تكن يوما أفكارا في الهواء .. دائما كانت تحاكي الواقع أو ترسم المستقبل و كأنه رآه مسبقا .. ترى لماذا لم يكن هو والد أطفالي .. أكان هذا أكثر مما يمكن للقدر أن يعطيني
لا أنكر بأن زوجي الراحل و والد أطفالي شخص جيد .. احتواني و لم يقصر يوما في حقي .. ساعدني على تربية أطفالنا على الفضيلة و مخافة الرحمن و كان لا يتوانى في توفير كل ما نحتاج إليه .. كان رجلا بحق .. يحظى باحترام كل من حوله .. و بحبهم أيضا ..

ولكني لم أتمكن يوما من حبه .. لقد ظل خيال حبيبي يأسرني و يغمر أطياف حياتي .. حاولت طويلا أن أحبه .. أو على الأقل أن أنسى حبيبي .. و لكن هيهات .. لم أتمكن يوما من فعل هذا ..
و ليس معنى هذا أني كنت أقلل من قيمة زوجي .. بل على العكس لطالما حاولت أن أكون الزوجة الصالحة المتوانية في خدمته و خدمة أبنائها .. أعطيتهم من روحي و قوتي دون أن أحفل بنفسي .. إلا أن المشاعر لم تكن يوما بيدي ، الآن لا يجوز لي ذكره إلا بالخير وأن أطلب له الرحمة .. لقد كان مظلوما و كنت معه .. و القدر هو من ظلمنا.

يوم وفاته أحسست بأن ركنا مهما في حياتي قد انهار .. لقد ذهب زوجي و سندي .. الحائط المتين الذي كنت أعتمد عليه .. و القلب الحنون الذي كان يحتملني .. و السقف الذي يحميني .. و لكني مع ذلك أحسست بنوع من الراحة .. فقد حصدت حريتي من جديد .. و سأنام قريرة العين أخيرا دون أن أشعر بتأنيب ضميري على خيانتي الشعورية.
... ... ... ... ...
نهار آخر و يوم آخر .. و وجبة الأقراص اليومية هي أول ما أتناوله في الصباح .. تختلف الأقراص في أشكالها و ألوانها و أحجامها كما أهدافها .. و لكنها تجتمع على صفة واحدة .. جميعها مزعجة.
... إنها فترة الامتحانات النهائية .. الجميع منهكون و مشغولون بهذه الامتحانات .. و أنا لا يشغل بالي إلا أمر واحد .. كيف يمكنني قضاء الإجازة الصيفية دون أن أره ... اعتدت على وجوده في حياتي كل يوم .. و كم كنت أمقت عطلة نهاية الأسبوع و أسعى لاختلاق أعمال و واجبات و أسباب وهمية لنلتق خارج الجامعة في هذه العطل .. أما الآن فماذا ستكون حجتي يا ترى
..." ماذا تنوين أن تفعلي خلال العطلة " صوته قطع أفكاري و لكن سؤال نابع من أفكاري .. ترى كيف علم بماذا أفكر
- لا أعلم حتى الآن ليس هناك خطط في بالي .. ماذا عنك؟؟!
- أنا أفكر في السفر إلى الريف
- لماذا؟؟! لم أكن أعلم أنك من الريف
- لست كذلك و لكن لي بعض أقارب والدتي يسكنون الريف .. أحب الذهاب لزيارتهم .. و الاستمتاع بجمال الريف و هدوءه
- معك حق علينا أن نبتعد قليلا عن ضجة المدينة
- ما رأيك لو ترافقينني
سؤال مباغت .. صدمة فعلية .. ترى ما الذي يفكر فيه
- أتمنى هذا و لكن كيف و أين سأقيم ؟؟ ثم و هو الأهم من يستطيع إقناع والدي بأمر كهذا
- أليس لديك أي أقارب في الريف
- لدي و لكنهم يقطنون الشمال و ليس هناك علاقة قوية بيننا و بينهم
- للأسف .. لن يكون الريف جميلا .. كيف للجمال أن يكتمل دون إطلالتك
لم أتمكن من الإجابة .. تركت حمرة خدي تجيبه و حملت أغراضي و غادرت .. بمجرد عودتي إلى المنزل لاحظت أمورا غريبة تحدث .. و كأن لدينا وليمة أو ضيوفا مهمين .. ترى ما الموضوع
طبعا والدتي هي أول من استقبلني بعد قططي المدللة .. أقبلت علي بوجهها البشوش الذي بدأت التجاعيد تشن هجومها نحوه .. لتزفني نبأً أسعدها و أضاعني .. هناك من هو آت لخطبتي الليلة ..حاولت المعارضة بحجة الدراسة و طموحي .. فلم أجد منها إلا إهمال كل ما أقول و ردت باختصار

" العريس المتقدم لك فرصة لن تتكرر .. إنه يعمل منذ أعوام في الخليج .. و قد استطاع في فترة عمله أن يشتري بيتا هنا و مزرعة و لديه رصيد جيد في البنك .. و ينوي العودة للاستقرار في البلاد خلال عام و هي فترة أكثر من كافية لك لكي تنهي دراستك .. كما أنه شاب مثقف و متعلم و ذو أخلاق رفيعه و لا أظن بأنه سيقف في وجه طموحك .. و لا تنسي أنك فتاة .. في النهاية المطبخ و الأولاد سيكونان شغلك الشاغل "

ألقت علي هذه القنبلة و ذهبت تكمل التحضيرات اللازمة للزيارة المشئومة , جاولت جاهدة أن أتأقلم مع الفكرة .. على أمل ألا أعجبه أو أجد به عيبا يمنعني من الارتباط به .

" أمي أخبريني .. كيف تم الارتباط بينك و بين والدي" .. سؤال ابنتي هو ما أرجع إلى بالي هذه الصور
اليوم أتذكر أيضا كيف التقيت به للمرة الأولى .. كنت مطالبة بعمل بحث ضخم؛ كنت أقضي يومي بين المكتبة و الأوراق .. أبحث هنا و أقرأ هناك .. و أدون الملاحظات و أبحث عن أفكار .. كل هذا جعل تفكيرا مشوشا عن أي شيء إلا بحثي .. كنت أمشي و أجلس و أرافق أصدقائي و تفكيري كله محصور في الخطوة القادمة أو المضمون التالي لأحد فصول بحثي ..

يتبع

ورود حزينه
04-27-2007, 08:25 AM
في نهاية كل أسبوع كنت أذهب إلى المكتبة لأقوم باستعارة بعض المراجع التي سأعمل عليها خلال العطلة .. و من ثم تقودني خطواتي عبر الأروقة و أنا أكاد لا أرى أمامي لكثرة ما أحمل من الكتب حتى تصل بي إلى الباب الرئيسي حيث ينتظرني سائق والدي .. عادة ما تخلو تلك الأروقة من الطلاب بعد الساعة الثانية ظهرا و بالتالي ما كنت أواجه صعوبات في الحركة .. لكن هذه المرة .. اصطدمت بأحد الطلاب الذي كان واقف و ظهره لي فلم يلحظ اقترابي .. سقطت أرضا و تناثرت من حولي الكتب و الأوراق و أغلب محتويات حقيبة يدي .. شعرت بالحمرة تصعد إلى وجنتي لأنني أوقعت الشاب أرضا
- "تبدين على عجلة من أمرك .. آسف إن كنت قد اعترضت طريقك " هذا ما قاله لي الشاب بينما كان يهم بمساعدتي و التقاط أشيائي المبعثرة
- " بل أنا من يجدر بها أن تعتذر .. فقد كنت أسير دون أن أنظر أمامي "
- "إذن لن أعتذر بشرط ألا تعتذري كذلك " .. و ابتسم
- " حسنا .. ربما .. نعم أظن ذلك أفضل " لا أدري لماذا تلعثمت هكذا .. و ازداد احمرار وجنتي
حتى لقاؤنا كان غريبا و ذو مفارقات .. كل شيء بيننا كان غريبا و مملوءا بالمفارقات .. رحلت يومها بعد أن شكرته على مساعدتي و لم أتذكر حتى أن أسأله عن اسمه .. طبعا انشغالي الكبير أنساني هذه الحادثة لفترة إلى أن انتهى بحثي و ذهبت إلى المكتبه أعيد ما تبقى لدي من كتب و مراجع

يومها وجدته في ذات المكان يقف و ظهره لي يبدو منهكا ببعض الحسابات على قصاصة ورق ذابلة .. اقتربت منه لأتأكد من شخصه محاولة ألا يراني .. رأيته و سحرت بابتسامته و هو يضع الورقة في جيبه و يتنفس الصعداء و تسمرت في مكاني أراقب ابتسامته و عيونه التي تنظر إلى الشمس بثقة دون أن يرف له جفن .. يبدو أني أخذت بابتسامته جدا لدرجة منعتني من ملاحظته و هو يلتفت إلي و يباغتني
- ها نحن نلتقي من جديد و في ذات المكان
- آه .. نعم .. مرحبا
- ماذا جرى لك لماذا كل هذا التلعثم
- آه لا شيء .. من يتلعثم
قهقه بنعومة و صوت منخفض و ابتسامة ساحرة أكثر ممن سبقتها
- لا أحد متلعثم كيف أنت
- الحمد لله بخير و أنت
- الحمد لله .. هلأ بدأتي تستعدين للامتحانات النهائية
- نعم تقريبا .. ماذا عنك
- ليس بعد .. أظن بأن أمامي متسعا من الوقت فلا زالت موادي الدراسيه بسيطه
- لماذا في أي سنة أنت
- في السنة الأولى ماذا عنك
- أنا في الثالثة
- مستحيل لقد ظننتك أصغر سنا مني
- هذه المرة لم تصدق توقعاتك ..
- معك حق .. حسنا علي الذهاب الآن أتريدين شيئا
- لا شكرا أنا ذاهبة أيضا إلى .. وداعا
- بل إلى اللقاء

انتهى حوارنا و التفت كل منا يكمل طريقه ثم تذكرت أني لم أعلم ما هو اسمه أو ماذا يدرس و لكن كبريائي منعني من الإلتفات و سؤاله فأكملت طريقي
الكبرياء .. لطالما كان سببا في ابتعادي عن الكثيرين و معرفتي بالقليل .. و قد يكون هذا الأمر مريحا أحيانا و لكنه ليس كذلك دوما

يكفيكي أحلاما .. هذه المرة أنا من أيقظت نفسي .. لقد بدأت أسرح كثيرا و طويلا و أعود إلى الماضي بسبب و بغير سبب .. تقريبا لم أعد أـعيش في الواقع أو في الحاضر أبدا .. الأمر الذي بد يقلق ابنتي جدا و لولا كلمات الطبيب التي طمأنتها لظنت بأني أعاني مرضا جديدا و لذبلت من شدة قلقها .. يا للمسكينة .. أظنها تعاني أمراضي أكثر مني و تتلوى في سريرها ليلا مخافة أن يحدث لي أمر ما إن غطت في النوم و لم تسمع ندائي.

نقرات خفيفة على بابي .. و صوت ابنتي الحبيبة .. " أمي هل أنت مستيقظة"
- نعم حبيبتي ادخلي
- مع من كنت تتحدثين ؟
- أنا .. إلا لا أحد لماذا
- لقد سمعت صوتك تكلمين أحدهم و لكني لم أفهم شيئا
- إنه خيالك يصور لك هذا الأمر .. مع من سأتحدث
- ربما ..
- ما الأمر .. أشعرا أن أمرا آخر يشغل تفكيرك .. هل من خطب
- في الحقيقة نعم لقد حدثني أخي نادر اليوم .. و هو يود ..
صمت و دموع و نظرات حزينة في عينيها .. و نار اشتعلت في قلبي لا أدري ما سببها
- ماذا يريد
- يريد أن تذهبي لتعيشي معه
- ماذا؟؟!! و منذ متى يهتم بهكذا أمر
- يقول بأنه أولى مني برعايتك و أنه يريد أن يهتم بك و يرعاك في منزله .. لكني لا أحتمل فكرة أن تغادري منزلي
و انكبت على صدري تبكي و تبكي حتى اختفى صوتها لشدة بكائها و أصبحت تشهق بطريقة مخيفة .. هدأتها و أخبرتها أني لا أريد الذهاب و أن عليها أن تطمئن فأنا لا أرتاح إلا في منزلها .. و بعد عدة محاولات هدأت و ارتاحت شكرتني و خرجت مسرعة لتخبر زوجها الذي كان يرفض رحيلي هو الآخر

رؤية ابنتي على هذه الحال أعادتني مباشرة إلى الماضي .. يوم وافق والدي على زواجي من زوجي الراحل ... و عج منزلنا بالضحك و المرح و الفرح أما أنا فقد انكببت على وسادتي أبكي و أبكي و أبكي .. يومها شعرت أن أبي قد قرر إعدامي دون محاكمة أو فرصة للدفاع عن نفسي ، والدي الذي لطالما اعتبرني طفلته المدللة و كان دوما يبحث عن سعادتي و سبل حمايتي لم يدرك أنه لأول مره كان يؤذيني أكثر مما يريحني .. و لأنه كان نقيبا في الجيش فلم يكن من الممكن مناقشة قراراته أو التمرد عليها ..و اضطررت للخضوع إلى الأمر الواقع

ورود حزينه
05-08-2007, 07:34 AM
كم كنت ضعيفة الشخصية مسلوبة الإرادة آن ذاك .. لقد كنت جبانة أمام صوته المرتفع و سلطته التي ليس فوقها سلطة في منزلنا أو حياتنا .. رضيت بالأمر الواقع .. و وافقت على قتل حبي و هو لا يزال في مهده .. الحب الذي ظننت بأني أقتله و لكن للأسف حياتي مع زوجي و ذاك البرود الذي كان يحمله أعطى فرصة لذاك الحب أن يكبر إلا أنه بقي حبيسا بين جدران قلبي

لقد قررت ألا أذهب و لكن سؤالا دار في خلدي و لم يبارح تفكيري أبدا .. لماذا الآن ؟! ما الذي تغير ؟ّ لماذا بعد كل سنين المرض طلب أن يحتضنني اليوم ؟ّ!
هذا السؤال و تلك الحرب التي دارت بين قلبي و عقلي جعلتني أتنازل عن قراري و أقبل الذهاب لمنزل ابني للزيارة و ليس للإقامة و إلا لجن جنون سمية.

نهاية الأسبوع كان الموعد، أتى ابني و زوجته و أولاده لاصطحابي ، شيء ما في عيني ابني حيرني ، دمعة تقاوم لألا تقفز من عينيه و تبلل لحيته التي أراها تنمو للمرة الأولى بالرغم من سنه الذي لا يمكن وصفه بالصغير أو المتوسط حتى . آثرت الصمت و الانتظار .. ربما خلال زيارتي أفهم ما لم أفهمه منذ سنوات خلت ، منذ توفي زوجي الراحل و انقلب حال ابني إلى هذا الحد
وصولي إلى منزل ابني جعلني أصاب بالدوار .. أنا لم أزر المنزل منذ سنوات و لكني لم أتخيل و لو للحظة أن أره على هذه الصورة .. خاصة حين نقارنها بالصورة السابقة للمنزل .. إن من يدخل إلى المنزل يشعره و كأنه في منزل داعية إسلامي و هو أمر يعجبني طبعا و لكن من الطبيعي أن أصاب بالدوار لأن الأحداث تتسارع و أنا لا أفهم شيئا حتى اللحظة .

- خالتي ، هنا ستكون غرفتك أتمنى أن تكوني مرتاحة معنا
- أشكرك عزيزتي ....
- أعلم باستغرابك و لا ألومك .. و سأحكي لك بإذن الله كل شيء .. و لكن ليس الآن
- سأنتظر و لكن .. أرجوك لا تتأخري علي
أحمد الله أنها تطوعت لتخبرني فلم أكن أعلم الطريقة المناسبة لسؤالها ، المشوار الأحداث الغريبة جعلتني أصاب بالإنهاك، الإنهاك يعني الذكريات .. و الماضي .. و الألم

غالبني النعاس فنمت دون أن أشعر و عند الفجر استيقظت على صوت ضوضاء ، إن كل أهل المنزل يتحركون في الخارج و جدال حاد يدور بين ابني و زوجته
- أقول لك ادخلي و أيقظيها و إلا سأدخل لأيقظها بنفسي
- أرجوك انتظر للغد ، لا بد بأنها تعبه كما أننا يجب أن نخبرها مسبقا لا أن نوقظها فجأة أخشى أن تذعر الوقت لا زال مبكرا
- لن تصاب بالذعر و إن ذعرت اقرئي لها المعوذات فتهدأ
- و لكن ..
- بدون لكن هل ستدخلين أم أدخل أنا
- حاضر، سأدخل

نقرات خفيفة على الباب و من ثم يفتح لتطل منه زوجة ابني إلهام
- صباح الخير خالتي ، هل أنت مستيقظة
- نعم عزيزتي
- أرجو أن لا نكون قد أزعجناك
- لا أبدا لقد نمت مبكرا .. و لكن لماذا أنتم مستيقظون الشمس لم تشرق بعد
- لقد استيقظنا للصلاة
- ... ، الصدمة أفقدتني كل قدرة على الكلام
- هل آتي لك بالماء للوضوء أم تفضلين الذهاب إلى الحمام
- لا سأذهب بنفسي
- سأساعدك
- لا لا داعي لذلك
- كما تشائين
هذا الأمر و كل الأمور الأخرى ليسو بالأشياء السلبية .. و لكن أن تظهر فجأة دون سابق إنذار - و من ابني الذي لم يكن هناك ملهى ليلي واحد لا بعرف اسمه و رقم بطاقة اعتماده - هذا هو الأمر المقلق

لا زالت الأحداث تتسارع .. و أنا أراقب .. أفضل ما في الأمر أني لست حبيسة غرفة كما في السابق .. هشام – ابني – مصر أن أكون معهم في جميع جلساتهم على اختلاف أوقاتها، الأمر الذي جعلني أتنقل من غرفة المعيشة إلى غرفة الطعام و غرفة الضيوف، لقد تغير فعلا و بشكل كبير و يبدو أن تغييره ليش ظاهريا فقط بل جوهريا أيضا ، و أكبر دليل على ذلك العلاقة الطيبة التي تجمعه بكل أبنائه عدى ابنته سوسن.
سوسن في مرحلة المراهقة اعتادت أن تنال حرية كبيرة و أن لا تحاسب على أي من تصرفاتها و يبدو أن التحول في شخصية والدها سلبتها تلك الحرية و ذاك الانطلاق، ربما كانت سمية أقرب أحفادي إلا قلبي فهي حفيدتي الأولى و أكثر أحفادي شبها بي ، كما أنها تربت في منزلي حتى بلغت الرابعه و كانت أحيانا تناديني أمي بدل جدتي.

BROKEN DAY
05-08-2007, 09:13 AM
يا إلهي كم أنت مبدعه ؛؛
بجد كتاباتك فوق الوصف ؛؛
تأخذنا إلى عالمك الراقي والجميل ؛؛
تمنيت بصدق أن أكون صاحب أعظم دور النشر وأرقى المجلات العالمية لسبب واحد ؛؛
لكي أنشر هذا الإبداع المتجدد ويراه الملايين ويأسر فؤادهم روائع إبداعك
دمت مبدعة يا ورود

ورود حزينه
05-08-2007, 05:08 PM
BROKEN DAY

رويدك أخي .. بهذه الطريقة سيصيبني الغرور

شكرا .. شكر لا يسعني وصفه لكلماتك المشجعه جدا

هذه القصة أخذت من طاقتي الكثير و لا زلت أعمل عليها أتمنى أن تنال اعجابك

ورود حزينه
05-08-2007, 05:12 PM
تمنيت أن أفعل شيئا ما لأقرب المسافة بين ابني و ابنته و لكنها رفضت التكلم معي و لم أجرؤ أن أكلمه.
يا لهذا الضعف الذي ما زال يتملكني حتى بعد كل هذه السنين .. ما زلت أسيرة الضعف .. لن أنسى أبدا كيف كنت ضعيفة و أخفيت عنه خبر خطبتي لما يزيد عن ستة أشهر.
كنا نتمشى سويا في الحديقة العامة .. يقرأ علي أبياتا من آخر قصيدة كتبها ، قصائده الناعمة كانت تداعب خيالي دائما - ما من كلمة قالها أمامي إلا و لا زالت معلقة على أسوار ذاكرتي و كأنها شهادات عز و افتخار - لن أنسى يوما كيف أغمضت عيني يومها و هو يعيد ذات البيت على مسامعي
ما زلت يا غريبة التكوين .. أعيش فيك أحلامي *** قد تصيرين يوما .. واقعي يا كل آمالي

لم يقاطع حلمي حينها إلا وداد رفيقة أختي .. اقتربت مني بوجهها ممتلئ الأسارير كثيف النمش و شعرها الأحمر يتراقص فوق كتفيها و هي تقفز أكثر مما تمشي .. اقتربت مسرعة و قالت بصوتها المبحوح " كيف استطعت أن تفعلي هذا بي"
- صدمة و رد : أنا ؟؟! ماذا فعلت
- كيف تقبلين بالعريس المتقدم لك و لا تعلنين الخبر على الملأ
- أنا .. ماذا .. من أخبرك .. ؟؟!!! علامات استفهام كثيرة علت وجهي و لكنها لم تكن أبدا بحجم الصدمة التي ظهرت على وجهه
- اليوم كلمت أختك و أخبرتني عنك و عن خطيبك
- مخطوبة ...!!!!! قالها و ظل يرددها .. مخطوبة !! .. مخطوبة !!
- ها .. لاحقا سأخبرك كل شيء يا وداد أما الآن علي أن أذهب لأكمل مراجعة البحث مع ذالك الشاب .. عن إذنك
ذهبت إلى حيث يجلس على المقعد الخشبي ينظر إلى السماء و لا زال يردد مخطوبة !! مخطوبة!! مخطوبة !! .. حاولت أن أحدثه فلم أعلم ماذا علي أن أقول و قبل أن تفوه ببنت شفه وقف و نظر إلي و قال لي وداعا و ذهب .. و أنا مسمرة في مكاني .. ظللت أراقبه و هو يغادر دون أن أحرك ساكنا حتى توارت حتى ظلاله عن ناظري و بدأت أصوات من في الحديقة تعيدني إلى الواقع ، لقد خسرته .. أكرهك يا وداد كم أمقتك .. ظللت أسب و ألعن وداد في طريقي إلى المنزل و لم أعي للحظة أني المخطئة و أن كذبتي لا بد لها من يوم تكشف به و تنتهي و أواجه حينها غضبه و سخطه و انتقامه .. و لكنه رحل دون أن يقول أي كلمة و لا زالت نبرة المصدومة المخدوعة الحزينة و الغاضبة ترد مخطوبة !! مخطوبة!! مخطوبة !! ترن في أذني و كأنه يصرخها في وجهي.

- لا أريد الذهاب .. دعيني و شأني أنا لا أحب هذه الفتاة و لا أريد صداقتها
- ولكن والدك ريد لك أن تصادقيها
- لوالدي أن يأمرني بأي شيء و لكن ليس له أن يتحكم في علاقاتي و من أصاحب و من لا .. أنا لا احبها أنا أكرهها افهميني
- يا ابنتي وداد فتاة ممتازة و متدينة و على خلق رفيع
- أنا لم أذمها و لكني لا أحبها .. نحن لا نتفق .. لا أريد صداقتها لا أريد
- لا حول و لا قوة إلا بالله .. ماذا أفعل يا إلاهي .. زوجي يريد و ابنتي تريد و أنا ضائعة بين إرادة كل منهما
تلك الأصوات و ذاك الصراخ رسم ابتسامة على وجهي بعكس كل ما هو متوقع ، إني أزداد حبا لسوسن يوما بعد يوم أكثر فأكثر ، و أرى فيها القوة التي كنت أفتقر إليها .. و لكني أشفق على والدتها .. المرأة الطيبة التي لا تريد أن ترفض لزوجها طلبا و لا تقوى على غصب أولادها على أي أمر

خرجت من الغرفة لكي أحل النزاع فوجدت سوسن داخل حجرتها تقفل على نفسها الباب و لا تفتح لأحد و زوجة ابني تنظر عبر النافذة و تتمتم بأدعية لم أفهم ما تريد الوصول إليه ، اقتربت منها و على ما يبدو فقد باغتها بقولي
- ما الذي حدث لماذا كل هذا الصراخ
- أوه .. خالتي هذه إنت .. هل تحتاجين لشيء
- لا يا ابنتي ولكني سمعت صوت سوسن تصرخ فأتيت أرى ما الأمر
- آه يا خالتي إنها ترفض الانصياع إلى أوامر والدها و أنا لا أعرف كيف أقنع والدها بأن يتركها و شأنها فهي ليست كأخوتها و لن تستطيع التأقلم مع هذا التغيير بذات السهولة لم أرد عليها و نظرت إليها مطولا فبادرتني القول
- ربما أعلم ما يدور في رأسك ..و الحمد لله أن نادر ذهب إلى صلاة الظهر و لن يعود إلى ما بعد صلاة العصر ، أظن بأن الوقت مناسب لأخبرك بما يحدث
عيوني و ذاك البريق الذي لمع فيهما كانا ردا شافيا بأني أتطلع شوقا لأعلم .. قادتني إلى الأريكة و ذهبت تحضر فنجان قهوة حتى تخبرني القصة
عادت إلهام بسرعة تحمل صينية القهوة و تفوح من حولها رائحة الهال الممزوجه بالقهوة الشرقية التي أعشق .. جلست و بدأت مباشرة في الكلام ..

" كما تعلمين فمنذ سنتين سافر نادر إلى بريطانيا لإنهاء بعض الأعمال الخاصة بشركة ، و قد سافر يومها برفقة سعيد شريكه و هو - أقصد سعيد – شخصية مخيفة لأنه ألعبان و معروف عنه كثرة خياناته الزوجية
في تلك الفترة كان سعيد يصاحب النساء الأجنبيات و يرافقهن إلى السري و يحكي عن بطولاته لنادر .. و كان نادر يعترض على تصرفاته و لكن بعد فترة أسره الفضول و أحب أن يجرب .. فساعده سعيد على ذلك و قام بممارسة الخيانة الزوجية أربع مرات و من بعدها عادوا إلى البلاد .. طبعا لم أعرف شيئا عن الموضوع و لكن كان نادر دائما صامتا خاصة حين نكون بمفردنا و أحسست بأنه يتهرب مني و لم أفهم أو أتوقع السبب .. بعد فترة كان من المفترض عمل فحوصات طبية لكل من في الشركة و فعلا تم الأمر و كانت المفاجأة حين أتت نتائج نادر بأنه مصاب بالإيدز .."
شهقة قوية صدرت مني رافقها صوت وقوع فنجان القهوة على الأرض و السجادة أمامي غارقة بالقهوة الساخنة .. و وجهي غارق بدموع الذعر على ولدي .. فأنقذتني إلهام سريعا قائلة
" حصل خير يا خالتي .. اطمئني نادر ليس مصابا دعيني أكمل لك القصة فيطمئن بالك " و انحنت تنظف السجادة من آثار القهوة و أكملت
" يومها لم يعرف ما عليه أن يفعل و لم أعرف شيئا عن القصة في حينه أصبح يهرب من المنزل لا يقترب مني أو من الأولاد و دار في خلدي أنه قد تزوج علي و حاولت طويلا استدراجه فلم أفلح .. و في إحدى المرات إنهار أمامي تماما و بدأ يستعطفني أن أسامحه و أغفر له خيانته و قص علي القصة تماما .. كان وقع القصة علي هائلا و لكن حب نادر في قلبي كان أكبر فأخبرته أن الله هو من يسامح و أن عليه طلب المغفرة و بالفعل بدأ نادر يتقرب من الله و يقرأ في كتابه العزيز و رويدا رويدا انقطع عن العالم الخارجي و أصبح التعبد و طلب المغفرة شغله الشاغل إلى أن طلبت منه في مرة أن نحاول علاج المرض فغضب و رفض و مع اصراري الشديد و تأنيبي له بأن ما حدث كان بسبب خيانته و لا شك و أن من حقي عليه أن يحاول العلاج .. "

يبدو أن إلهام استطاعت سماع دقات قلبي المتسارعه فطلبت مني أن أهدأ و أن نؤجل حديثنا فكان رفضي قاطعا و طالبتها أن تكمل القصة لأني أكاد أجن و أنا لا أعرف شيئا عن صحة ابني الآن فأردفت


" طوال المده لم نلحظ أن أيا من علامات المرض لم تظهر على نادر .. يبدو أن المشكله كانت أكبر من إدراكنا و بالفعل انصاع لرغبتي و ذهب إلى الطبيب و أنا معه .. و هنا أتت المفاجأة السارة بأن نادر ليس مصابا .. و لكنها أيضا أثارت حيرة غريبة فكيف أخطأ ذالك المعمل الشهير في النتائج .. عدنا و سألنا و أبرزو لنا التحاليل التي تثبت مرض نادر فقمنا بإعادة التحاليل و حينها طهرت نتائج مغايرة ..
لحسن الحظ التحاليل التي تمت في ذات التاريخ القديم كانت عشرة فقط لذا كان من الممكن إعادتها لذات العشرة أشخاص و من بينهم سعيد و هنا اتضح السبب .. فما حدث هو خلط بين نتائج عينات سعيد و عينات نادر و اتضح أن المريض هو سعيد .. و لكن و الحمد لله طبعا برغم علمه بأنه ليس مصابا بالمرض إلا أن علاقته بالله لم تنقطع و بدأت حياتنا تأخذ منحنا دينيا كما ترينها الآن "

هنا بدأت روحي تهدأ قليلا و بدأت أفهم و أربط الكثير من الأمور في رأسي ... و لكن التقلب في أعصابي جعلني أنهك فطلبت من إلهام أخذي إلا فراشي لأستريح قليلا .

استلقيت على فراشي أفكر .. كيف يمكنني أن أصلح ما فعلته وداد ؟؟ و كيف أشرح له الحقيقة ؟؟ و الأهم من هذا كيف أصل له لأفعل ما يجب فعله بعد أن أعرف ما هو ؟؟ .. الكثير من الأسئلة و لا حلول على الإطلاق .. أخشى أن أنتظر و أقابله في الجامعة فيحرجني أمام الطلاب و لا يكلمني .. أخشى أن أكلمه فيرفض مسامحتي و الاستماع لدفاعاتي الواهية .. أخشى أن أقف أمامه فأعجز عن الكلام و عن التبرير .. أخشى و أخشى .. و لا أدري ما علي أن أفعل

ورود حزينه
05-10-2007, 01:47 PM
منذ الصباح الباكر ارتديت ثيابي و أخبرت أمي بأني سأتأخر اليوم لأن لدي الكثير من المحاضرات و الأعمال التي يجب أن تنجز و أنه لا داعي لإرسال السائق لأخذي فسوف أعود مع بعض رفيقاتي إلى المنزل .. و خرجت مسرعة لدرجة أني نسيت أخذ معطفي و أنا لا أرتدي سوى تنوره بنية من قماش المخمل ذات كسرات مرتبة لا تكاد تصل إلى حدود ركبتي و قميصا صوفيا بلون المشمش الفتح الذي يكاد يصل إلى لون البطيخ و نحن في أواخر شهر تشرين الأول .. الأمر الذي ملأ شعري الأشقر الحريري بورق الشجر المتساقط و أسرى في جسدي رعشة قوية بسبب برودة الطقس
كل هذا لم يهمني فلم أكلف نفسي عناء العودة للمنزل لجلب معطفي رغم أنه لا يبعد عني إلا خطوات معدودة فقد كنت مستعجلة لأراه و أكلمه دون أن تكون لدي أي خطة أو مبررات و لو ملفقة أفسر بها ما حدث
الطريق من منزلنا إلى الحرم الجامعي قصير جدا و لكنه بدا لي بلا نهاية .. أسرعت خطاي حين بدأت ألمح السور الشمالي و لولا أني أخشى أن أنعت بالمجنونة لجريت إلى هناك و انا أترقب رؤيته بجانب شجرة الصنوبر ينتظرني كما هو معتاد .. و قلبي يخفق بسرعة هائلة .
رويدا رويدا بدأ قلبي يخفف من خفقانه و شعرت به و كأنه توقف .. إنه ليس هنا، إذن أين سأجده!!
بدأت أتجول في كافة أنحاء الجامعة أبحث عن أثر له أسأل كل من أعرفهم عل احدهم رآه .. و لكن بلا فائدة ، بدأت أفقد الأمل حتى سمعت صوتا يشبه صوته آت من خلف الشجيرات ..اقتربت قليلا فوجدته يفترش العشب و إلى جانبه فتاة بثوب مدرسي يصل إلى ركبتيها و تضع على كتفيها سترته الصوفية و تكاد ترتجف من البرد و هو ينظر إليها و يضحك .. اقتربت أكثر و ذهني شارد يسأل من هي فلم أنتبه إلى غصن جاف على الأرض عرقلني فسقطت لأجد نفسي في حجره و هو ينظر لي باستغراب و معه الفتاة اعتذرت بأدب و جلست أنظر إليها أنتظر أن يعرفني عليها ، و لكن المفاجأة أنه وقف و أخذ يدها و ذهب دون أن ينبس ببنت شفه. ذهلت من فعلته و ظللت جالسة في مكاني و بدأت الأمطار تنهمر و تملئ ثيابي دون أن أشعر بها و ببرودتها و سقطت مغشيا علي بعد أن تمكن البرد مني

استيقظت في اليوم التالي و أنا أسعل بشدة في سريري و أمي المسكينة نائمة على كرسي بجانبي و ساعة حائطنا تشير إلى تاريخ الأول من تشرين الثاني مما يعني أني أمضيت ثلاث أيام في فراشي دون أن أعي ذلك ، ازداد سعالي حدة فاستيقظت أمي و ما إن وجدت عيني مفتوحتين حتى انقضت علي تقبلني على وجنتي و كل وجهي و تحمد الله لأني استيقظت أخيرا ثم قفزت مسرعة إلى الخارج تنادي والدي و هي تهتف .. " لقد استيقظت أخيرا .. هبة بخير .. لقد استيقظت .. اتصل بالطبيب أرجوك " و ما هي إلا ثوان حتى عادت تحمل صينية عليها أشكال متنوعة من الطعام و حاولت مرارا حملي على تناول شيئا منها إلا أني لم أستطع و زاد سعالي بشكل ملحوظ
ثلاثة عشر يوما مرو علي و أنا أتلوى في فراشي .. لا أدري من آلام جسدي أم آلام قلبي .. و رويدا رويدا بدأت حالتي في التحسن و بدأت أستعد للعودة إلى الجامعه و كنت منهمكه بتعويض ما فات خاصة أن الإمتحانات اقتربت و فترة غيابي لم تكن بالقصيرة أبدا.

- جدتي جدتي .. استيقظي أرجوك .. أنا بحاجة إليك
صوت سوسن أيقظني من نومي .. نوم أشعر بأنه دام لسنوات .. حتى أني أشعر بجسيد مفككا من كثرة النوم
- سوسن خيرا إن شاء الله
- إنه والدي .. يريد إجباري على الذهاب معهم .. أرجوك اطلبي منه أن أبقى معك
- سوسن أنا إلى الآن لا أعلم السبب وراء خلافاتك مع والدك .. فهو لا يطلب أشياء صعبة
- يا جدتي خلافي معه ليس بسبب طلباته بل بسبب أسلوبها
طرقات على باب غرفتي .. و فتح الباب لأجد ابني الحبيب على الباب .. ما إن رأته سوسن حتى جلست على السرير إلى جانبي تمسح على شعري .. فيهيأ لأي شخص يدخل الغرفة لأنيي تعبة و هي جالسة تواسيني و هذا ما تراءى لنادر
- خيرا يا أمي أتعانين من خطب ما
- أنا ,,, (و قاطعتني سوسن بسرعة)
- لقد شعرت بتوعك بعد الغداء و لكنها الآن أفضل حالا
- سلامتك إن شاء الله .. يبدو أننا سنؤجل زيارتنا لبيت صديقي فلا يعقل أن نتركك وحدك و أنت متعبة
- لماذا التأجيل يا أبي .. سأبقى إلى جانب جدتي و أرعاها بامكانكم الذهاب
- بالغرم من علمي أنك لا تفعلين هذا حبا بجدتك و لكن لا خيار آخر أمامي .. فلا أريد أن أخلف بوعدي مع الرجل .. أمي هل تحتاجين لأاي شيء
- لا يا صغيري .. سوسن معي و هذا يكفي
- أمي لم أعد صغيري
- ستبقى بعيني صغيرا و إن أصبحت كهلا عجوزا
اقترب نادر من سرير و قبل يدي بحنان أسرى قشعريرة شديدة في جسدي و خرج .. عندها التفت لسوسن أطالعها بنظرة عتب لما فعلت .. فاحمرت وجنتاها و أشارت لي أن أنتظر و ذهبت تغلق باب الغرفة و عادت تجلس إلى جانبي تضع رأسها على صدري و تنهدت تنهيدة عميقا .. احتضنتها و بدأت أمرر يدي خلال شعرها الأسود بلون الليل و هنا بدأت بالكلام
- منذ زمن لم أتنشق رائحة الفل يا جدتي .. لطالما كنت أشعر بأن صدرك حديقة فل كبيرة .. مزهرة طوال العام
- تعلمين أني أعشق الفل منذ زمن و أحرص على الاحتفاظ بفله في أحد أزرار قميصي لأستنشق رائحتها على الدوام
- أنت لا تتغيرين يا جدتي .. ليت بقية الأشياء مثلك لا تتغير .. قالتها و دفنت رأسها في صدري فشعرت بدموع حارة تتحلل ثيابي .. و أدركت أنها ستتحدث عن والدها و ما آل إليه الأمر بينهما فضممتها بقوة و انتظرت أن تبدأ بالكلام

ورود حزينه
05-14-2007, 06:51 AM
أتمنى لو كان لي جدة ألجأ إليها في مثل هذه المواقف أشكو آلامي دون أن تفهم مما أعاني .. فحتى علاقتي بوالدتي لا تسمح لي أن أبثها همومي بأي شكل و علاقتي مع إخوتي ليست أفضل حالا .. كنت أكتم أوجاعي في قلبي و أحاول أن ألتفت إلى دراستي و أن أتهرب من أي واجب اجتماعي .. بل و أتهرب حتى من والدي و كل من يحاول الاطمئنان على صحتي

انكببت على الدراسة و كنت أستقبل واحدة من صديقاتي تأتيني بما فاتني من محاضرات و تشرح لي ما يستصعب علي فهمه وحدي ، حاولت كثيرا أن تفهم ما يحدث لي و لكني كنت أغلق في وجهها كل الأبواب فلا شيء لدي لأقوله و لا شيء بيدي لأفعله ..

بعد انتهاء الامتحانات شعرت بمأساتي الحقيقية .. فأنا الآن أعد من الخريجين لن أذهب إلى الجامعة إلا لاستكمال أوراقي و حضور حفل التخرج .. و بهذا تكون كل صلاتي به قد قطعت .. ماذا يمكنني أن أفعل .. الحقيقة لا شيء لقد استسلمت تماما و كتمت صراخي و بكائي في داخلي
بدأت التحضيرات سريعا بعد انتهاء حل التخرج لكي يزوجوني من ذاك الغريب الذي لم أره سوى بضع مرات و لم أتحدث معه مطلقا غير تلك المرة التي كنت أجلس بينه و بين أمي و أمه يتناقشون أين سنكن فطرح علي السؤال لأجيبه ببساطة " أنا لا أكترث"

لا أدري كيف استطاع أن يتغاضى عما قلته ، أو عن نبرة اللامبالاة التي أجبته بها .. هل اعتقد أني أترك له تولي زمام الأمور مهما كانت بسيطه أو خاصة .. لا أعلم و لم يكن يهمني حينها

تتابعت الأمور بسرعة و لم يبق أمامي إلا الذهاب إلى مواعيد حددتها والدتي و أختي الكبرى مع إحدى المزينات لتعتني "ببشرتي السوداء" كما تصفها أمي منذ بدأت الذهاب على الجامعي و طغى على وجهي بعض الاسمرار بسبب الشمس

في واحدة من تلك المواعيد رأيتها مرة أخرى .. لا يمكن أن تكون أخرى لابد من أنها هي لقد حفظت صورتها عن ظهر قلب و لكنها تبدو أكبر قليلا دون ثيابها المدرسية.. تسرح شعرها و تضحك بنعومة شديدة و استحياء .. وصل إلى مسامعي كلمات مثل " مبروك .. لا بد أن تدعونا إلى حفلة الخطبة "
يا إلهي هل هو ذاهب لخطبتها .. أحمد الله أن جلستي انتهت .. خرجت سريعا و عدت إلى المنزل دون إكمال المشاوير المتبقية .. أريد فقط أن أصل إلا سريري و أبكي .. عندما رأتني أمي اعتقدت بأني أبكي لأني لازلت معترضة على الزواج .. فاسمعتني وابلا من النصائح التي لا بد تخللها شيء من الشتاءم لأني لا أقدر ما أنعم الله به علي و لأني مصرة على تمردي و ان هذا خطأ أبي لأنه تركني أكمل دراستي و أعطاني حريتي في اتخاذ قرارات كثيرة .. هي تتكلم و أنا أكاد أموت من القهر .. تصرخ و عويلي في صدري لا ينتهي .. شعرت حينها أني ساقع مغشيا عليه فغادرت الصالة إلى غرفتي و هي لا زالت تتكلم و تلعن البنات و من يرغب بإنجاب البنات مع أنها لم تكن هكذا يوما فماذا حدث ؟

BROKEN DAY
05-22-2007, 03:43 PM
جميلة جدا جدا جدا
تسلم إيدك يا مبدعة المنتدى

اكرم كوردي
05-23-2007, 10:18 AM
يثبت الموضوع ....

ورود حزينه
05-28-2007, 11:18 AM
"يبدو أن الأم تعلم رغم كل شيء" قطعت هذه الجملة تفكيري لأنظر لسوسن بشيء من الخجل لأني لم أستمع لكلمة مما كانت تقول و بادلتني نظراتي بابتسامة خجلى و كأنها تشكرني لأني لم استمع إليها و استأذنت متحججة بأن لديها بعض الفروض الخاصة بالنادي الصيفي و ما علي إلا أن أناديها لتلبي أي شيء أريده.

استسلمت للنوم بمجرد خروجها و استسلمت معه للأحلام .. اعتدت أن أحلم به بين الفينة و الأخرى .. حلمت بيوم حضرت حفل زفاف تلك الصغيرة التي كانت في جامعتنا تشاطره الحديقة .. حديقة الجامعة " بل حديقتنا " أكثر مكان عايش قصة حبنا .. عرفتها منذ أول لحظة .. و سجلنا في ذاكرة أشجارها و أوراقها أعذب المشاعر.
جاءتني و زوجي دعوة من إحدى صديقات أمي لحضور حفل زفاف ابن أختها .. و لأني لم أكن أهتم لمثل تلك الأمور لم أسأل عن هوية العريسين و لم أفكر بالذهاب لولا اصرار أمي ، ذهبت مرغمة و غير آبهة بأي شيء.. قبل دخولنا إلى الصالة رأينا مجموعة من الشبان و الرجال ببدلاتهم الرسمية يرحبون بالضيوف ، رأيته معهم و إلى جانبه يقف والده يبتسمون بشكل رائع و الجميع يبارك لهم .. بدأ قلبي يذوب في داخلي ، كيف جار علي الزمن لهذه الدرجة لأحضر حفل زفافه ألا يكفيني الحياة الباردة التي أعيشها ، و هذا الطفل الذي بدأ يتحرك في أحشائي و لا أعلم كيف سأربيه و لا أحمل اتجاهه أو اتجاه زوجي و حياتي أية عاطفة؟! حاولت أن أتهرب بحجة شعوري بالدوار و الغثيان فأصرت أمي أنها أعراض طفيفة بسبب الحمل و المكان المزدحم و أنه لا يجوز أن نغادر قبل رؤية العروس و مباركة فرحها ..

جررت إلى مقعدي كما الذبيحة، كل دقيقة تمر تشعرني بالموت ألف مرة ، و كل سؤال يوجه إلي بصفتي على وشك الشعور بالأمومة كان خنجرا يغرز في صدري فلا أحد يغفل أن يسألني عن زوجي و سعادتي المفترضة بزواجي و طفلي المستقبلي

بعد نصف ساعة أعلنوا عن وصول العروس .. ربما كانت تلك اللحظة الوحيدة التي شعرت فيها بالفضول نحو هذه الجلبة و ركزت عيني تجاه الباب لأراها .. نعم لأراها هي نفسها بذلك الخجل الطفولي و الفستان الباهظ الثمن و رزم الورد الصغير و الملح و الأرز تتناثر فوق رأسها.. هل يعقل هذا .. ألم يجد غيرها ليتزوجها .. لا بد و أنه كان يعرفها من قبل أن يدرك أني شبه مخطوبة .. لقد استغل وقته جيدا و لم يسمح لنفسه أن يتالم بسببي .. و لكن ماذا أقول .. ألست أنا من ضعفت و لم أستطع اخباره بالحقيقة .. من حقه أن ينتقم .. و لكن انتقامه كان سريعا جدا

بقيت أصارع الأفكار في رأسي ، فلم ألاحظ شيئا مما يدور حولي، و الحمد لله أن الجميع انشغلوا بالعروس و الرقص و ما عادوا يحادثونني .. بعد ساعة تقريبا أعلنت المسئولة عن الموسيقى أن العريس و والد العروس سيدخلون إلى الصالة.. فتجمد بصري نحو الباب و لم أعر اهتماما لأمي التي تجلس إلى جانبي و تحدثني .. بل و بدأت دموعي تنساب و لا ضابط لها أو مانع .. لم أتخيل يوما أن تصل بي سخرية القدر لحضور عرسه و أن أراه عريسا يزف لغيري و أنا مطالبة للابتسام و المباركة و تمثيل السعادة بهذين الرأسين اللذين يوفقان بالحلال ، و هنا كنت المفاجأة! العريس ليس هو .. و لكنه يقف إلى جانبه .. و معه والده تلمع في عينيه دمعات السعادة .. عندها سمعت فتاتين في الطاولة المجاورة تتهامسان .. " يا لجمال مروان .. إنه أجمل من العريس .. أتمنى لو أنه يرمقني بنظرة .. محظوظة من سترتبط به " و الكثير من كلمات المديح، كلمات كنت أقولها لنفسي عنه و لكن الصدمة حين قالوا " من حق لبنى أن تكون فخورة بأخ مثله .. انظروا لها كيف تحتضنه و هو يبارك لها "إذن فلبنى (العروس) أخته الصغرى و ليست حبيبته كما ظننت ..!!
أكملت السهرة و أنا صامته و أمرر يدي على بطني المنتفخ بتوتر أتمنى على الوقت أن ينقضي لأعود لمنزلي و اترك كل هذا خلفي

مضت عدة أيام و أنا أعاني غثيانا شديدا لا أعرف له سببا .. و بعد فترة بدأت أشعر بآلام شديدة في معدتي و منطقة رحمي الأمر الذي أثار فزع زوجي فأسرع بي إلى المستشفى و هناك .. كان الإجهاض ينتظرني .. و لأول مرة شعرت بأمومتي .. و شعرت كم يعنيني هذا الطفل و كم أود الاحتفاظ به، عندما استيقظت من اثر المخدر انخرطت في بكاء عميق استمر لأيام .. كنت أبكي دون كلمات .. أبكي و اتحسس بطني الفارغه بعد أن كنت أشتكي من كبرها و ضيق ملابسي بسببها .. أضغط عليها و أجرحها بأظافري .. و أنا التي طالما كرهت حركة ذاك الطفل و ركلاته لجدار معدتي

سبحان الله .. كيف نشعر بقيمة الاشياء بعد فقدانها .. كيف استطاعت مشاعري الغاضبة .. و تمردي على زواجي أنسى أجمل شعور تشعر به الأنثى و طفلها يتكون في أحشائها و امومتها تنمو مع نموه


بعد مضي فترة على حادث اجهاضي بدأت أنظر للأمور بمنظور آخر ... فقررت أن أبدا بالسيطرة على روتين حياتي و ذلك بالخروج و مزاولة النشاطات الثقافية لأن زوجي يرفض فكرة عملي تماما.. انخرطت بهذه النشاطات لعام تقريبا و لم يكن زوجي يمانع بل لقد كان يترك السيارة و السائق تحت تصرفي معظم الوقت و كان الكثيرون يحسدونني لكثرة ما هو طيب و كريم و لا يحرمني من شيء و رويدا رويدا بدأت أكن له الاحترام و الود و حاولت أن أحبه و لكن مشاعر الحب في قلبي استنفذت تماما معه...

-السلام عليكم يا خالتي .. أوه يبدو أنها نائمة أتمنى ألا اكون قد أيقظتها
وصلت تلك الكلمات إلى مسامعي بصوت زوجة ابني و لكني لسبب ما لم أستطع أن أرد عليها .. و عدت للنوم ، عندما استيقظت فوجئت بسمية تنتحب فوق رأسي و زوجها إلى جانبها يواسيها و يحتضنها .. و نادر يطالبها بأن تدعو الله بدل كل هذا العويل و بقية أطفالي مع أزوجهم يحيطون بسريري .. حاولت التكلم و لكني لم أستطع أيضا .. حاولت أن أرفع رأسي ففوجئت بأسلاك و أنابيب تحيط بي و تعيق حركتي فلم أجد إلا التجوال بعيني بينهم و أنا لا أفهم شيئا و سمعت ابنتي ريم تنادي :" لقد استيقظت .. حمدا لله على سلامتك " و اقتربت تحتضنني بدموعها قبل يديها و سارع كمال – ابني – لمناداة الطبيب.
ترى متى عاد كمال من أمريكا؟؟ لا أعلم .. و كم لي و أنا في المستشفى ؟ أيضا لا أعلم .. أتى الطبيب و بمجرد حضوره اعترض على ذلك الحشد في غرفتي و طلب منهم أن يذهبوا إلى خلف الزجاج ليقوم بمعاينتي، فهمت بعدها أني كنت في غيبوبة طوال أسبوع و أني وصلت لمرحة الخطر لذا طلبوا استدعاء أبنائي و من يهمهم أمري لتوديعي.. الغريب في الأمر أن كل هذا لم يعنني بل كنت أنظر بإسهاب لطبيبي الشابو لعينيه المميزتين و التان أحفظهما عن ظهر قلب و كأني مراهقة معجبة بطبيبها و تنتظر أي ابتسامة منه ليدق قلبها بسرعة .. عاينني و أخذ القراءات من جميع الأجهزة المحيطة بي، ثم تحمد لي بسلامتي و خرج يحادث أبنائي و يطمئنهم أني أقترب من حالة الاستقرار و لكني لم اصل لها بعد و أن عليهم ألا يتجمعوا في غرفتي بل يمكنهم زيارتي منفردين و لفترة قصيرة حتى لا أرهق و الأفضل ألا أتكلم في هذه الفترة .. و أخذ يطمئن سمية بالأخص لأنها الأكثر تأثرا .. ثم عاد إلى الداخل ليعطي حقنة مخدر بعدها تمكنت من قراءة الاسم على ردائه الطبي ( دكتور عمر مروان ال...) كدت أشهق و لكن مفعول المخدر كان أسرع مني و فقدت وعيي ثانية لأغط في نوم عميق.

ورود حزينه
05-28-2007, 07:05 PM
- ماذا تريدين تسميته؟
فاجأني ذلك السؤال فأجبت...
- من هو ؟
- طفلك الأول
أصابتني الصدمة بالذهول و لم اجد جوابا و بقيت أنظر له باستغراب
بادلني النظرات ابتسامته الرائعه التي لطالما سلبتني كل مشاعري و أردف:
- أتمنى أن أسميه عمر .. أتخيله طبيبا ناجحا أو جراحا مشهورا .. كما أتمنى أن أنج طفلة جميلة كحبيبتي ..
أضاف غمزة و هو ينظر إلي ثم أكمل
- ربما أسميها حنين .. و أظن بأن هذا يكفي .. أما الطفلان الآخران فسأترك أمر تسميتهما لوالدتهما ... لحبيبتي .. ماذا عنك؟
- هههههه.. لم أستطع تمالك ضحكتي و قلت : عمر و حنين .. اسمان جميلان و ماذا ستفعل لو اعترضت الأم
- لقد أعجباها فلماذا تعترض .. أضاف جملته الأخيرة و هم واقفة و أخبرني بأنه تأخر على محاضرته و غمزني غمزة أخرى ثم ودعني بانحناءة من رأسه
ألن يتوقف ذلك الصفير .. ما أكاد أنام إلا و أنا مستيقظة مرة أخرى بسبب أصوات الآلات حولي كما أني أشعر بشيء غريب يسري في جسدي بدأ من كفي و يدور في ك خلايا .. لا بد من أنه المغذي..

دخلت الصيدلية لشراء بعض المقويات و الفيتامينات التي نصحتني بها طبيبتي المتابعة حملي.. و لأنني هذه المرة أخشى و بشدة أن أفقد هذا الطفل كنت حريصة على شرائها بنفسي.. كان الصيدلي المسئول منهمكا بتحضير جرعة لأحد الزبائن .. يقف خلف الخزانة الأدوية القصيرة و ظهره لي و يكلم السيد بلباقة و باللغة الإنجليزية .. استغللت الوقت بالنظر إلا تجهيزات الطفل البسيطة التي تتواجد في الصيدليات من شامبو و ألعاب بلاستيكية بسيطة و مصاصات بلاستيكية و غيرها و أعجبت بألوانها الملفتة و المحببة للأطفال و بذلك ما عدت أنظر لهما ... بعد عدة دقتئق وصل صوت دافئ جدا إلى مسامعي
- هل يمكنني خدمتك سيدتي؟
التفت و أنا أبتسم و سرعان ما حلت دمعة ساخنة محل ابتسامتي .. إنه هو .. يقف هناك و يبدو على محياه الصدمة أيضا

سرعان ما ابتلع صدمته و عادة له ابتسامته المحببة لقلبي و سمعت صوته يصلني بهدوء :
- كيف حالك .. لم أرك منذ زمن .. ولكنك لازلت كما أنت .. هبة كما أعرفها ..
لم ارد بل بدأت أبتسم له
تابع ينظر لي نظرة متفحصة .. ثم اردف
- كنت لأقول لك بأن وزنك قد ازداد و لكني أرجح أنك حامل أليس كذلك
اتسعت ابتسامتي ووضعت يدي على ذلك النتفاخ الرائع بكل فخر ..
اتسعت ابتسامتي ووضعت يدي على ذلك الانتفاخ الرائع بكل فخر ..

لقد أصبحت هذه عادتي المفضلة التباهي بالانتفاخ الذي يزداد يوما بعد يوم .. فكلما لامسته بأصابعي بدأت أنظر للآخرين زهوا و أنا أبتسم كأسعد امرأة في العالم .. و لسان حالي يقول انظروا إلي إني أحمل السعادة في داخلي و لن أنتظر طويلا حتى تأتي و تملأ حياتي

- هبة ما خطبك .. لماذا أنت صامته ؟
- آه آسفة كيف أنت ؟
- الحمدلله أنا بأفضل حال .. ههههه يالتلك الضحكة التي تذيبني معها .. كيف أنت ؟
- أنا بخير و الحمدلله .. صحيح مباك عرس لبنى
- لبنى .. و نظرة بلهاء .. آه تقصدين لبنى أختي ..
قاطعته " و هل من لبنى أخرى "
- لا و لكن مضى على عرسها سنة تقريبا أو يزيد فلم يخطر الأمر لي
- ههه معك حق كان يجب أن أبارك منذ زمن و لكني كنت مشغولة
ابتسم لي بدفء.. فأحسست بشيء ما يحترق في داخلي لذا طلبت منه كل ما أرغب به و ما لا أرغب به من أشياء و غادرت سريعا
بعد أن خرجت من الصيدلية سألت نفسي إن كان يضع خاتم زواج أو خطوبة و لكني لم أتذكر ذلك ..

كانت تلك آخر مرة رأيته فيها رغم أني كنت أفكر فيه رغما عني.

بعد ثلاثة أشهر حان موعد ولادتي .. كانت تلك أكثر اللحظات التي دعوة بها الله ليرحمني.. كنت وحدي والدتي مسافرة مع والدي لأداء فريضة الحج .. فاجأني المخاض في منتصف الليل فلم أستطع الاتصال بأي من أقاربي و بقيت وحدي في تلك الغرفة أصارع الألم و أشد و أشد و أتنفس بصعوبة حتى سمعت صوته .. يبكي و يصرخ بصوت عال .. فتوقفت عن الصراخ و احتضنت أطلب إليه أن يهدأ .. كانت تلك أولى لحظات أمومتي و لحظة سعادة نادرة لم أعشها منذ زمن ..
ولد نادر مغلفا بغشاء ما ... أظنه كيس الجنين أو شيء من هذا القبيل ..المهم أن هذا الأمر كان قليل الحدوث بل و نادرا أيضا و من هنا أتت تسميته .. نادر

بعد نادر تغيرت حياتي بشكل جذري بدأت أعشق الحياة .. و أشعر بحنان زوجي الذي يغمر به طفلي و يغمر به حياتي .. مع بداية حملي بطفلي الثاني عاهدت نفسي أن أتابع دون النظر إلى الماضي .. و الأهم أني لن أسمح لما سرق مني في الماضي أن يسلبني حاضري و غدي

- سيدتي كيف تشعرين الآن ؟!
- همممم من أنت ؟
- أنا طبيبك المعالج .. كيف تشعرين الآن؟!فتحت عيني لأراه .. إنه ذلك الشاب عمر مروان ... اسمه رنان و جميل
- نعم أشعر ببعض التحسن ماذا حدث لي
- ليس أمرا خطيرا .. إنه انخفاض مفاجئ في سكر الدم و لكن التقدم في العمر أدخلك في غيبوبة و لكننا استطعنا السيطرة على معدل السكر من جديد
- ألا يجدر بك الكذب حتى لا أشعر بالرعب فيعود سكر دمي للعبث معكم ؟؟
- من قال هذا الكلام.. أنا من أنصار إعلام المريض بحالته تماما ليدرك تصرفاته .. كما أنه ما من خبر سيء لأنك تخطيت مرحلة الخطر و الحمدلله و اليوم سننقلك لغرفة أخرى
- ما دمت بخير كما تدعي فلماذا تريد حبسي هنا لمزيد من الوقت
- حبسك؟! ألهذه الدرجة ضايقك وجودك معنا .. حسنا يمكنك العودة إلى المنزل و تركي محطم القلب
قال جملته الأخيرة مؤديا حركة مسرحية كمن طعن في قلبه ، لم أتمالك نفسي و ضحكة بشدة و أخبرته أني سأبقى فما من امرأة تستطيع إحراج شاب بهذه الوسامة
بما أن شهر أيلول قد بدأ فمعظم الأولاد عادوا إلى مدارسهم إلا سوسن التي ستبدأ عامها الجامعي الأول بعد شهر لذلك كانت متواجدة معي في المستشفى باستمرار و أبنائي يتناوبون على زيارتي على مدار اليوم ، و بما أن صحتي قد تحسنت فكمال سيعود اليوم إلى عمله و أسرته في أمريكا .. و ابنتي ريم عليها العودة أيضا إلى المملكة السعودية ليبدأ أولادها مدارسهم كذلك ، فعلا رب ضارة نافعة .. مرضي جمع أبنائي حولي منذ زمن لم نجتمع جميعا و كم كنت أتمنى ألا أكون طريحة الفراش أهتم بأبنائهم كما في السابق


جلبت سوسن آخر دواوين الشعر لبعض الكتاب المفضلين لي و بعض الشعراء اليافعين ذوي الأساليب المتميزة و أخذت تقرأ علي بعضا من الشعر و أحيانا تلقي الشعر بطريقة درامية أو مرحة بحسب ما يقتضي الوضع لكي تسليني.

وقفت أمام سريري تلقي علي قصيدة اسمها امرأة مفترسة و بدأت تختبأ خلف الستائر و تصر على أسنانها كلما انفعل الشعر و صب جام غضبه على محبوبته الخائنة، لم أنتبه و إياها لباب الغرفة و هو يفتح و يدخل منه الطبيب عمر .. – بالرغم من أنه أوكل أمر متبعتي لطبيب آخر حيث أنه مختص بغرفة الطوارئ و لكنه كان يقوم بزيارتي أحيانا و علمت أنه يقوم بذلك مع كل مرضاه – وقف لفترة يستمع لسوسن و عندما انتهت انحنت أمامي ثم جفلت حين سمعت صوته يديه تحييانها و هو يقول:
- يا للروعة إن لك أسلوبا رائعا
احمر وجه سوسن بطريقة واضحة فأجابت:
شكرا أظن أنك تريد فحص جدتي بالإذن
و خرجت مسرعة فضحك و التفت لي :
- يا لها من خجولة
- لقد فاجأتها
- صدقيني لم أقصد ذلك و لكني لم أشأ مقاطعتها و حقا استمتعت كثيرا بالاستماع إليها
- إنها فتاة مميزة
- لاحظت ذلك .. كيف أنت اليوم يا سيدتي
- دكتور .. ألم أطلب إليك أن تناديني باسمي أو بخالتي على الأقل .. أكره كلمة " سيدتي" إنها تبني حواجز و صلات باردة ما من داع لها
- و أنا طلبت أن تعتبريني أحد أبنائك لا أن تناديني بدكتور .. إذن نحن متعادلان
- أوه ألا تمل من لعب دور الرابح دوما
- منذ صغري أرفض الخسارة .. من يقبل الخسارة مرة يقبلها دائما
معك حق .. من يقبل الخسارة يوما يقبلها دائما .. و أنا مذ بدأتن سلسلة تنازلاتي و خسارتي لم أتوقف.. لن أنسى كيف خسرت في البداية حبي .. و خسرت احترام حبيبي بكذبي .. ثم خسرت السعادة يوم تنازلت عن حب زوجي و اكتفيت بحياة روتينية محترمة لا أثر فيها للشرار أو النبض .. ثم و ثم و ثم و أخيرا كيف خسرت ابني يوم قبلت أن أتركه لأهوائه حتى لا أخسر حبه فضاع و ضاع حبه و لكن الله كان أكبر من كل هذا و أعاده لي و له بدرس لن ينساه يوما
أفقت من أفكاري و أنا أرى الدكتور عمر و سوسن يقفان أمامي ينظران لي بغرابة لأني لا أرد عليهما و كأني لست هنا

ورود حزينه
05-28-2007, 07:06 PM
تحسنت صحتي بشكل ملحوظ و سمح لي بالعودة إلى منزلي على أن أقوم بعض المراجعات الدورية ، عند خروجي كانت هناك معركة محتدمة بين سمية و نادر على المنزل الذي سأذهب إليه.. لا أعلم من أين أتتني تلك القوة لأخبرهم أني لست ذاهبة إلى منزل أي منهم بل أرغب في زيارة بيت الشاطئ،كثرت اعتراضاتهم و لم أرغب في لاستماع إليهم فالتفت إلى سوسن لأطلب إليها توضيب أمتعتي من منزلهم و أن ترسلها مع السائق و لكنها لم تقبل بذلك و طلبت الذهاب معي و أمام إصرارها و رفضهم القاطع لذهابي وحدي سمح لها والدها بذلك .. في اليومين الأوليين كانت سلمى معنى توضب المنزل المهمل و جلبت الكثير من الأغراض و المؤن ثم اضطرت للرحيل من أجل أطفالها

جو البحر رائع .. يعيد للمرء ذكريات جميلة و قديمة .. يعيدها مع نسماته الباردة التي تلفح الوجه بكل مودة ، جلست أمام البحر أركز أبصاري على أمواجه المتلاحقة و أتذكر كل الأحداث السعيدة و التعيسة في حياتي أراجع الكثير و أفكر في الكثير وسط الهدوء، و لأن هذا ليس بموسم صيف كان تواجد أي أحد في تلك المنطقة ضربا من ضروب الخيال .

في المساء كانت المسكينة سوسن تصاب بالرعب الشديد نظرا لخلو المنطقة و لأن أدويتي كانت ترغمني على النوم دون أن أشعر بأي شيء أما هي فكانت تقضي نصف الليل جالسة مقابل غرفتي بعد أن تتأكد من إنارة أضواء المنزل بأكمله ثم تخلد إلى النوم إلى جانبي و هي ترتعش. حاولت إقناعها بالعودة إلى منزلها و لكنها رفضت الذهاب وحدها.

- جدتي هل أنت مستيقظة؟
- مممممممم
- جدتي .. جدتي .. استيقظي أرجوك
- سوسن .. كم الساعة؟
- إنها الخامسة و النصف
- ها .. و لماذا أنت مستيقظة؟! عودي إلى النوم
- لا .. لا أستطيع
- ماذا بك .. لماذا ترتعشين
- أحدهم في الخارج
- أوه عزيزتي لا بد بأنك تحلمين
- لا أنا لا أحلم انظري هناك أضواء في الأفق كما أني اسمع صوت محرك سيارة
- سيارة .. الآن و هنا .. لا أظن .. صغيرتي أنا تعبة عودي للنوم
استيقظت في الصباح .. فوجدت سوسن متكورة على إحدى الكراسي الوفيرة إلى جانب النافذة و يبدو أنها كانت تبكي و الأغرب أن بين يديها سكينة كبيرة، أيقظتها و أنا أحاول أن أفهم ما حدث لها لتنام بهذه الطريقة و لكنها لك تجب ... بعد ساعتين استيقظت و أخبرتني بما حدث في المساء و أنها كانت تترقب بجانب النافذة ثم غلبها النعاس

حاولت حملها على الخروج و تنشق الهواء و لكن الرعب كان قد تملكها .. خلال فترة بعد الظهيرة سمعنا صوت محرك سيارة في مكان قريب .. نظرت عبر النافذة فوجدت رجلا و معه سيدة يبدو عليهما أنهما كبيران بالسن و يصاحبهما فتاتان بعمر سوسن أو أكبر قليلا .. ترجلوا من السيارة ليدخلوا المنزل الأقرب لمنزلنا.. لم أرهم سابقا و كنت أعلم أن هذا المنزل كان معروضا للبيع و لم أعلم ما حدث له فأنا لم أزر المنطقة منذ أربع سنوات.

نظرات سوسن حينها كانت تفضح مشاعرها .. أحسست بها تريد أن تصرخ في وجهي ( هل لا زلت تعتقدين بأني أحلم )

بعد ساعة قررت الخروج لمعرفة السكان الجدد .. عند خروجي رايت في حديقة ذلك المنزل طفلا صغيرا يلعب برفقة كلب هائل الحجم .. هائلني و أرعبني منظر الكب و لم أعلم كيف لهذا الطفل الشجاعة ليلعب معه هكذا، بقيت أنظر له لبرهة حتى وجدت الطفل نائمة على ظهره و الكلب فوقه و صوت الصغير ينادي .. "ابعتد هذا يكفي أوه بوبي ابتعد قليلا .. أكاد أختنق " بالرغم من أن الصوت كان مصحوبا بضحكات واضحه و لكني قلقت و ذهبت سريعا إلى الطفل لأنقذه و لكن عوضا عن ذلك أنقذني هو بنهر كلبه الذس وقف في وجهي ينبح مدافعا عن سيده ضد سيدة غريبة تقترب منه مسرعة و ه تحمل عصا

يبدو أن الصوت كان مرتفعا فقد خرجت السيدة العجوز من المنزل و هي تتساءل عن سبب الصوت، تعرفت عليها و دعتني لشرب فنجان قهوة .. أثناء جلوسنا نحتسي القهوة سمعنا صوت باب المنزل الخارجي يفتح فقالت لي :
- يبدو أن زوجي قد وصل .. ثم ارتفع صوتها .. مروان لن تصدق لدينا ضيفة
خلال أقل من دقيقة دخل ذلك العجوز .. رأيته دون شعره الأبيض .. دون أسنانه الاصطناعية .. رأيته شابا لطيفا .. رأي حبيبي مروان
حين اقترب ليطرح السلام نظر إلي مطولا ثم قال بنبرة تساؤل
- هبة .. أهذه أنت حقا .. و حين لاحظ ابتسامتي أردف .. يا له من عالم صغير
لم تحاول زوجته السيدة مروة اخفاء غرابتها بل أخذت تنقل بصرها بيني و بينه
أخبرها أني كنت زميلته أيام الجامعه و أن آخر مرة رآني كنت حاملا و قد رآني كزبونة في صيدليته القديمة .. و أنه كان يحترمني جدا و لكن بالطبع لم يذكر له أننا كنا أحبابا

علمت منه أن عمله تحسن بشكل كبير خاصة بعد أن افتتح شركة أدوية مع صديق له و اصبحت الصيدلية سلسة من الصيدليات في أنهاء البلاد و شركته من الشركات المعروفة التي تتاجر بالأدوية .. أنجب بنتين و صبيا .. البنت هي الكبرى ( حنين) و هي والدة ذلك الطفل الجميل (براء) و هي مقيمة مع زوجها في هولندا ، أما المولود فكان الصبي .. عمر و هو خريج كلية آداب تخصص علم نفس و يخدم الآن في العسكرية .. و الثالثة الصغيرة سمر و هي طالبة في المدرسة و يعدونها شعلى منزلهم

قضيت معهم حوالي الثلاث ساعات و نحن نتحدث كل عن ماضيه و حاضره و علمت أنهم اشترو المنزل منذ سنتين و قد كان ملكا لأخو السيدة مروة و اعتاد الأطفال قضاء العطل معه هنا لذا عندما عادت حنين في زيارة لأهلها طلبت منهم أن يأتو لزيارته


عدت للمنزل فوجدت سوسن توضب أغراضنا .. و قد طلبت إلي ألا أردها و أعود معها فك يبق سوى أيام قليلة لبدء الدراسة و هي لا تستطيع تركي وحدي كما أن الدكتور عمر اتصل لتخلفي عن موعد زيارتي للمشفى

في طريق العوة جلست أفكر .. كيف أن مجرد تشابه في الاسم جعلني أقتنع تماما أن الدكتور هو ابنه .. إنه لمن الغريب كيف يمكننا تحوير الوقائع لتصبح قريبة و مألوفة لقلوبنا .. نرسمها بطريقة ما لترضي أهواء أنفسنا .. و نبتعد عن كل ما يمكنه كسر هذه اللوحة و إن كان أمرا بسيطة .. كتغاضي عن سؤال الدكتور عمر عن اسم عائلته

عدت إلى منزل سمية و سوسن إلى منزل والدها .. و كنت أتنقل بين منزل سمية و منزل نادر لكي أرضي الجميع .. و استمررت في زياراتي الدورية للمشفى ، خلال تلك الزيارات لاحظت اعجاب الدكتور عمر بسوسن و إعجابها به .. كان الأمر واضحا وضوح الشمس و لكنهم لم يعطوني فرصة لاعترض .. سرعان ما تقدم لخطبتها ووافق والدها بشرط أن تكمل دراستها الجامعيه.

حالتي الصحية لا زالت تتراجع .. إنها الشيخوخة و لا شيء يمكننا فعله معها، لست حزينة بل أظن بأن وقت الراحة قد حان ..

وعدت محمود أن أكون كتابا مفتوحا بين يديه ، و هكذا فلأكن .. ما دامت أسجل كل ما أريد على أشرطة .. أوصيت سوسن ألا يلمسها احد حتى وفاتي .


ما دمتم تقرأون هذه الكلمات فأنا بالتأكيد ميتة الآن .. بعد كل ما عايشته من سعادة و عانيته من ألم





تمت ..

جباري22
06-30-2007, 08:27 PM
شكرا على القصة الجميلة
ننتظر الاجزاء الباقية بشغف
دمتي بخير

lover2010
07-02-2007, 06:14 PM
قصة جميلة زيك .....مشكورة

norelhab
07-24-2007, 05:46 PM
mercccccccccccccccccccci

drgsk_2010
11-26-2007, 09:20 AM
thanxxxxxxxxxxxxxxxxxxx

ريم غانم
11-28-2007, 12:55 PM
قصة فعلا جميلة جدا....الله يعطيك العافية

ورود حزينه
03-17-2008, 09:02 AM
جباري22 ، lover2010 ، norelhab ، drgsk_2010 ، ريم غانم

أشكر لكم مروركم و قرائتكم و إعجابكم بالقصة
دمتم بود

vecira
03-23-2008, 01:39 AM
قصة فعلا جميلة جدا....الله يعطيك العافية

ورود حزينه
03-23-2008, 09:20 AM
vecira

الله يعافيك أخي الكريم و شكرا لمرورك