mohammedghanem2006
02-05-2007, 10:02 AM
حركة طالبان: من الانسحاب... إلي الهجوم الإستراتيجي
http://islamicnews.net/Public/Media/2007-01-17_14D9339D-D6C1-4C78-8609-F6AD536CB0D7.jpg
إن المتابع للحرب الأفغانية منذ بداية الاحتلال الأمريكي تحت غطاء القوات متعددة الجنسيات ، يجد أن حركة طالبان في حربها الجهادية حاولت قدر جهدها الحفاظ علي القواعد الأساسية لكسب الحرب الجهادية، التي تتمثل في نقاء العقيدة وحشد الطاقات في المجتمع ضد " العدو العقيدي" والمحافظة علي أرواح الشعب، الذي بفعل تلك القواعد أصبح يدعم الآن بكل ما أوتي من قوة حركة الجهاد في بلاده. فمنذ أن قامت المقاتلات الحربية الأمريكية بقصف قرى المواطنين ومعها العاصمة كابول انسحبت الحركة واعتصمت في الجبال حتي لا يتكبد الشعب الأفغاني خسائر كبيرة في الأرواح - حيث البطش الأمريكي ليس فقط لا يفرق بين المدني والمجاهد- ولكن لأن القصف الأمريكي يستهدف قتل وإبادة المسلمين أينما حلوا في البلد المعتدي علية. والآن وبعد أن اتضح للعالم ومعه الشعب الأفغاني، الُبعد الاستراتيجي في التخطيط السياسي والعسكري لحركة طالبان، التي مكنت الحركة من الاستفادة من أخطاء قوات الاحتلال، كان لابد من وقفه مع إستراتيجية العودة الجديدة لحركة طالبان- بل العودة أي تقييم عملية الانسحاب الأولي في بداية المعارك- التي أعدت فيها الحركة تنظيم قوتها واستعدادها للمعارك الجديدة، حيث فهم الآن أن هذا الانسحاب من المدن الأفغانية، أثناء الهجوم الأمريكي، استهدف الحفاظ علي الشعب الأفغاني وعلي كوادر الحركة ومقومات نجاحها في الصراع مع المحتل الغربي فيما بعد؛ إن هذه الاستراتيجية هي ما مكن الحركة من العودة الحالية بقوة أكبر مما كانت علية في سابق عهدها، أو ربما أكثر بكثير. لم يكن انسحاب حركة طالبان من المدن عملاً عشوائياً ، وبالتالي العودة اليوم ليست عشوائية أيضاً ،وإنما هي جاءت في اطار تخطيط وبُعد نظر استراتيجي في فكر مجاهدي حركة طالبان، الذي فاق وفقاً لمعطيات الواقع ما يجري تدريسه في الكليات والجامعات العسكرية التي تخرج منها هؤلاء القادة والضباط الذين يحتلون الأراضي الأفغانية ، حيث الغلبة في المعارك التي نرها دائماً للمجاهدين في المعارك الدائرة علي الأرض وفق تكتيكات الاعداد للعمليات والانسحاب المنظم، والعودة بنفس القوة والدرجة. فما هي استراتيجية طالبان في حربها الجهادية... وماهي عناصرها... وأساليب عملها ... وكيف تحولت من الدفاع الاستراتيجي ...إلي الهجوم الاستراتيجي.
1- توسيع دائرة الصراع والعمليات العسكرية في مختلف أنحاء أفغانستان
كما قلنا من قبل إن عملية ترك السلطة بالانسحاب والاعتصام إلي الجبال كانت وفق عمل منظم ومخطط أعطي الحركة حرية في التنقل بين أنحاء مختلفة من البلاد، كما وقتها اذ تحولت الحركة إلي الهدوء النسبي وقد ظهر فيما بعد أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. وهذا ما أثر علي ضربات الحركة في أن تكون بأبعاد مختلفة وفي توقيتات متباعدة أيضاً، كما هو ما صرف أنظار العدو الأجنبي بعيداً عنها أو جعله لايدرك عمق استراتيجيتها والتحولات الجارية. في أول تصريحات لرامسفيلد قال: "أن حركة طالبان قُضي عليها تماماً " ... وهو ما كان يعتقد البعض أيضا فقد ركزت الحركة مجهودها في محيط قندهار بجنوب أفغانستان حتي تحافظ علي نشاط أعضاءها أولاً ، وحتي تدرك طبيعة خطط العدو وفي نفس الوقت تدرس كيفية الصراع مع هذا المحتل الجديد ، باعتباره يختلف عن الاحتلال السابق (الاتحاد السوفيتي)، ولكي تحدد نقاط القوة والضعف لتستفيد منها مع طول الفترة الزمنية للصراع في ارهاق الجيوش النظامية المحتلة، بما يجعل جيش الاحتلال دائماً في حالة استنفار تام طوال الوقت، وهو ما يُصيب جنود الجيوش النظامية بالوهن داخل ثكناتهم دون قتال. الحركة اعتمدت خطة تتحين فيها الفرص المناسبة لكي تُكبد فيها الجيش المحتل أعلي خسائر ممكنه، كما اعتمدت خطة الضربات المتتالية وتكثيف وتوسيع دائرة الصراع ليشمل جميع أنحاء أفغانستان لتربك القوات المحتلة وتجبرها علي "فتح" مساحة انتشار بما يوسع مساحات الفراغ لينفذ منها مجاهدى الحركة. وهو ما لخص في النهاية النتيجة التي أعلنها رامسفيلد نفسه، في مقال له نُشر بصحيفة الـ "واشنطن بوست" بتاريخ 8 أكتوبر 2006 حيث قال" إن كل الأخبار عن أفغانستان غير مشجعة وخاصة في جنوبها حيث تتصاعد الهجمات، ولا يوجد هناك درجة من التقدم بعد الحرب المفتوحة لأنها غير واضحة بالقدر الكافي وخاصة علي المؤسسات التي أقيمت"،وفي ذلك لم يكن رامسفيلد وحده هو من اعترف بصعوبة الوضع العسكري في أفغانستان، اذ أن رئيس الوزراء البريطاني قال في خطابه الذي ألقاه بمناسبة مرور خمس سنوات علي احتلال أفغانستان "أن الوضع في هذا البلد لازال صعباً ومنفلتاً". لقد أصبحت أفغانستان تشهد في كل يوم تقريباً عمليات جهادية في مختلف أنحاءها؛ فمن شرقه إلي غربه ومن وسطه في كابول إلي جنوبه في قندهار تشتعل العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال والجيش العميل، واذا نظرنا لحصيلة العمليات في أسبوع واحد علي سبيل المثال لا الحصر، نجد أن مجاهدو حركة طالبان قاموا في أول الشهر الجاري بهجوم في ساعة متأخرة من الليل علي مقاطعة "بيك" ، قتل فيه جنديين أمريكيين، وفي وسط أفغانستان يكشف الاحتلال "الناتو" عن هجوم استشهادي في العاصمة كابول. هذا التوسع في العمليات العسكرية بشرق ووسط أفغانستان يربك حتماً قوات الاحتلال ويشتت قواها ويعدم القدرة لديها علي التركيز في منطقة واحدة . وفي الغرب أيضاً كان واضحاً هذا الارتباك حيث قدم الجنرال جيمس جونز قائد قوات الحلف الأطلسي في أوروبا، طلباً بزيادة عدد الجنود هناك ، مُقراً بأن الوضع يتدهور بسرعة عجيبة، مؤكداً علي صعوبة مهمة الجيش في هذا الجزء من البلد ، لذلك نجد أنه قام بعقد اتفاق مع جيش الاحتلال الأمريكي لسد عجز الدول الأوروبية في دعم القوات المتواجدة هناك ، بسبب الهجمات المتزايدة لمجاهدي طالبان. هذا الإصرار علي الطلب بالنجدة والعتاد العسكري من القادة الميدانيين لقوات احتلال أفغانستان، ساعد حركة طالبان في الكشف علي مدي هشاشة اتفاقيات الدفاع المشترك بين دول حلف الناتو الذين رفضوا أي زيادة في حجم القوات العسكرية، وهو ما حذرت منه صحيفة (ذي إندبندنت) البريطانية في عددها الصادر 27 نوفمبر2006، من أن اتحاد حلف الشمال الأطلسي الهش حول أفغانستان، بدأ يتمزق قبيل قمة مهمة مدعوة للبحث عن إيجاد إستراتيجية للخروج من الموجهة الدامية بين قوات الحلف وطالبان. وجاء كلام الصحيفة رداً علي تساؤل لوزير الدفاع البلجيكي حول مستقبل أول مهمة كبيرة للناتو، وأشارت إلى أن دول الحلف الـ26 لا يبدو أنها ستقبل بتعزيز جنودها في أفغانستان، وهو ما عُقدت من أجله الاجتماعات المشتركة مع رامسفيلد في بروكسل قبل استقالته، وسط حالة من زيادة الضغوط الأمريكية علي الناتو لإرسال مزيد من القوات، كما كان خلف تحريض الرئيس الأمريكي جورج بوش - في مؤتمر صحفي بتالين- للدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) علي إرسال مزيد من القوات التي يطلبها القادة العسكريون الميدانيين في أفغانستان والموافقة علي المشاركة فيما وصفه بـ"المهمات الصعبة" هناك. ومن كوبنهاجن طالب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير دول الناتو لمضاعفة جهودها في دعم القوات المقاتلة في أفغانستان, مشيراً إلي أن مصداقية الحلف على المحك في هذا البلد، بما شكل حالة عامة انتقلت إلي الصحف في تغطية لحرب في أفغانستان وأزمة الناتو حيث أن صحيفة (نيو ستيتسمان) قالت "أن الحرب الحقيقية هناك في أفغانستان" . وبمراجعة خطة طالبان ونتجائها في مجال توسيع دوائر العمليات فإن أشد الشهور صعوبة علي قوات الاحتلال في أفغانستان, كان شهر سبتمبر في عام 2006؛ وهو ما ظهر خلال ما أكده المتحدث باسم طالبان، من أن الحركة سيطرت علي بلدات "نمروز" و "فراه" و "غارمسر" بولاية "هلمند" جنوبي أفغانستان ، كما سيطرت الحركة علي بلدة "أدغن داب" بولاية "زابل"، لمدة يومين في شهر يوليو الماضي قبل أن ينسحب مجاهديها إثر هجوم موسع لقوات الاحتلال الأطلسي بمشاركة القوات الأفغانية العميلة. هذا الانسحاب التكتيكي هو أفضل ما يمكن أن يفعله مجاهدو الحركة لأنهم إذا تمترسوا في بلد ما ستطوق وتعطي ذريعة لقوات الاحتلال بإبادة المدنيين الأفغان،وهو ما يلقي ضوءاً علي جانب آخر من استراتيجية توسيع دوائر الصراع، اذ يجري التوسع وفق استراتيجية تقوم علي ثبات الهجوم... دون ثبات المواقع. ومع تكثيف ضربات المجاهدين ضد قوات الاحتلال... كشفت صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية في عددها الصادر في الأول من أكتوبر الماضي أن القوات البريطانية أبرمت صفقة سرية من جانب واحد عُقدت مع السكان المحليين في قرية "موسى قلعة" بجنوب أفغانستان بموجبها تنسحب القوات البريطانية من القرية التي اعتبرتها الصحيفة بأنها أحد أكثر الأماكن خطورة في أفغانستان، وقالت الـ "فايننشال تايمز" أن الجنود البريطانيون رحبوا بهذا الاتفاق ، وهو ما طرح عدة أسئلة كثيرة حول وضع قوات الاحتلال البريطانية ، مما أدي إلي ازدياد الرفض الشعبي لبقاء الجنود البريطانيين في أفغانستان، فبدأت المظاهرات العلنية بالخروج إلي الشارع ، تطالب الحكومة بسحب القوات البريطانية من جحيم أفغانستان. ولم يكن توسع العمليات العسكرية لحركة طالبان في أنحاء مختلفة من الأراضي الأفغانية إلا لنتيجة الدعم الشعبي الواضح الذي تحظي به الحركة التي تقود جميع فئات الشعب نحو التحرر من نير الاحتلال الأجنبي المتعدد الجنسيات هناك.
2- التنوع في "نمط" العمليات العسكرية ضد جيش الاحتلال
لم يكن مستغرباً علي حركة قامت منذ أول بداياتها للدفاع عن حرمات ومقدسات الشعب الأفغاني، مواصلة الجهاد ضد جيوش الاحتلال برغم الحصار الذي تفرضه دول الجوار علي حدود أفغانستان السياسية. وقد كان لهذا الحصار أثار خطيرة في تحديد أنماط العمل الاستراتيجي لحركة طالبان ، اذ هي جمعت كل ما لديها من أسلحة وعتاد ورجال وفق استراتيجية الاعتماد علي النفس وفق أقسي الشروط والظروف، لتُكون منها في النهاية منظومة متكاملة لتخليص الشعب الأفغاني من الاحتلال الجاثم علي صدره. لقد تصورت قوات الناتو باغلاقها كل الحدود مع الدول المجاورة أنها ستحاصر الحركة وتمنع عنها عمليات الامداد ، لكن طالبان استفادت حتي من هذا الحصار ، وفق استراتيجية الاعتماد علي النفس في هذا الحصار المغلق الذي سد الطريق أمام حركة طالبان في شراء أو جلب الأسلحة من خارج البلاد، فقد قام القتال باستخدام الأسلحة القديمة في المعارك لكنه اعتمد علي رؤية عسكرية تشدد علي الاستغلال الأمثل لتلك الأسلحة البسيطة, وهو أمر كان له كبير الأثر في تدمير معنويات قوات الاحتلال وتحطيم حاجز الواقع الجديد الذي تريد أن تفرضه الجيوش بالقوة لقبول الاحتلال والرضا به . اذ أن رؤية الجنود لأسلحتهم المتقدمة مهزومة أما الأسلحة البسيطة المستخدمه من طالبان سببت لهم انهياراً معنوياً، كما أن المواطن الأفغاني وجد أن ما بيده من سلاح بسيط ، قادر علي هزيمة التكنولوجيا المتطورة. إن الأسلحة التي تقاتل بها حركة طالبان في بسالة منقطعة النظير، إلي درجة يتعجب منها العدو نفسه, قد دفع الأعداء الاعتراف علناً بشجاعة مجاهدي طالبان، اذ نشرت صحيفة "ذي اندبندنت" في عددها الصادر في13 سبتمبر الماضي، نقلاً عن جندي بريطاني خاض القتال المعارك في أفغانستان" إن ما يجري في أفغانستان هو أسوأ بكثير مما هو معلن عنه ، لأننا نسوى الأرض في مناطق كنا قد سويناها بالأرض من قبل ، ولا نعرف من أين تخرج علينا الهجمات التي لا تتوقف، لقد قصفناهم بجميع قاذفات القنابل من نوع B1 ، واستخدمت هاريرز وطائرات F16 ، وميراج 2000 ، قامت بإلقاء جميع أنواع القنابل ومن كل الأحجام ، وبرغم فظاعة هذه المعارك فإن المجاهدين يرصدون جيش الاحتلال من خلال الكمائن والتحركات علي أرض المعركة في الواقع" . هذا الاعتراف يكفي لوحده بإدانة المنظمات العالمية المتواطئة في كلام كشف تورط قوات الاحتلال وجنودها في قصف قري المدنيين بقنابل محرمة دولياً حتي تقتل الإرادة القتالية لدي الشعب الأفغاني، ويظهر أن جيش الاحتلال لم يتوقف عند حد في جرائمه لكنها تكشف كيف ان حركة طالبان تمكنت من خلال "عقيدة المسلم" أن تهزم "عقيدة التكنولوجيا". لقد تحول الفكر العسكري لدي حركة طالبان من الميل إلي حصر المعركة في بقعة ضيقة من أفغانستان إلي توسيع العمليات لكسب المعركة علي نطاق واسع تشمل الأرض والانسان وهو ما ظهر بعد خمس سنوات من الصراع، فقد تطور الفكر وتغير وأثبت أنه التخطيط الأفضل في التعامل مع هذا الاحتلال الذي فقد في الصراع أمنه وسلامه جنوده والمحافظة علي تفوقه العسكري، إن براعة طالبان في فهم طبيعة الصراع وفهمها مدي الترابط الهش بين دول الحلف والولايات المتحدة جعلها تحافظ علي نفسها وتتفوق في إدارة المعارك، كما استطاعت الحركة من خلال فهمها لطبيعة الأرض وتضاريسها تفكيك الكثير من القواعد والمراكز العسكرية التابعة لجيش الاحتلال في أفغانستان ، كان آخرها الانسحاب من بلدة "موسى كالا" في إقليم هلمند جنوبي البلاد. فبرغم خسائره تفرض تحركات جيش الاحتلال علي حركة طالبان تنوع العمليات العسكرية باستخدام الأسلحة البسيطة وبأنواعها في المعارك ، وهي التي فرضت أيضاً علي فكر مجاهدي الحركة إيلام قوات الاحتلال في مختلف أنحاء البلاد والتعامل مع خطة موزاية ضد القوات المحتلة لضرب طرق إمدادها وتقليل الدعم الذي يصل إليها عبر الطرق الرئيسية وغير الرئيسية، وهو ما جعل توني بلير يتعهد بتقديم كل ما يلزم من دعم وحماية لقوات الاحتلال، ويحاول ضمان تزويد القوات بالعتاد والرجال ومزيداً من العربات لتأمين طرق الإمداد والمقاتلات الحربية اللازمة للسيطرة علي أجواء أفغانستان دون السيطرة علي الأرض، وفي نموذج مهم علي ما نقصده ، نشير إلي أن حركة طالبان تعمدت حركة طالبان تنويع العمليات لعلاج مشكلات نقص التسليح وضعف كفاءه ما تستخدمه من أسلحة ففي غرب مدينة قندهار قامت الحركة بهجوم علي قوات الناتو بقذائف الهاون وقاذفات القنابل والأسلحة الخفيفة- في الثالث من أغسطس الماضي- كما قام مجاهدو طالبان بنصب ثلاثة أكمنة لجيش الاحتلال بتفجير عبوات ناسفة في دورية عسكرية ما أدي إلي مقتل أربعة جنود كنديين وإصابة 10 آخرين بجراح، وفي إقليم خوست زرع المجاهدين قنبلة أصابت ثلاثة جنود أفغان موالين للاحتلال في الهجوم. هذا التنوع في نمط العمليات يُكبد الاحتلال خسائر كبيرة ، كما هو يعتمد علي أن العدو لا يعرف زمن المعركة ولا حتي أرضها. وهو ما ظهر أوضح في الأسبوع الأخير من شهر يوليو حين أسقط جاهدو حركة طالبان مروحية عسكرية في مقاطعة "جاني خيل" في ولاية "باكيتا"، قتل فيها 16 من جندياً للاحتلال، كانوا علي متنها، وهي كانت الثانية، بعدما اعترف جيش الاحتلال البريطاني بمقتل 14 من جنوده إثر قيام المجاهدين الأفغان بإسقاط مروحية تابعة لقوات حلف شمالي الأطلس "الناتو" غرب مدينة "قندهار" جنوب أفغانستان. وهو ما أدي إلي ارتفاع نسبة الخسائر المادية والبشرية علي حد سواء ، وأن كانت الخسائر البشرية هي التي يتأذي منها جيش الاحتلال. هذا التنوع في العمليات هو أهم ما تقوم به حركة طالبان في صراعها، لأنها تستخدم أسلحة قديمة بما يتطلب ان تستخدمها أفضل استخدام لضرب الاحتلال ضربات موجعة ، وإجباره علي أن يدفع فاتورة كبيرة لبقائه في أفغانستان وهو ما يطرح بالمقابل السؤال حول الأوضاع في حالة امتلاك حركة طالبان أسلحة متطورة تعادل أو تكاد تصل إلي أقل بقليل من أسلحة جيش الاحتلال ... وكيف سيكون شكل المعارك في حال استخدام القاذفات والصواريخ والمتطورة بشكل كثيف... علي كل فإن أحد أهم أشكال التنوع هو أن حركة طالبان استخدمت سلاح الاستشهاد الذي أفردنا له عنصر خاص به في الإستراتيجية العسكرية الجديدة التي اعتمدتها الحركة في الآونة الأخيرة.
3- العمليات الاستشهادية وتأثيرها الخطير
وسط أجواء الفشل العسكري لقوات الاحتلال في التعامل مع مجاهدي حركة طالبان في المعارك التي تخوضها الحركة ضد قوات الاحتلال الأجنبي، استطاعت الحركة توجيه ضربات موجعة لعدد من الأهداف التابعة لجيش الاحتلال، كانت هذه الضربات ضد الأهداف الثابتة كالقواعد العسكرية في باجرام أو الأهداف المتنقلة كالدوريات التابعة لقوات الاحتلال، أو الأهداف الجوية كالطائرات المقاتلة الهليوكبتر، وهنا فإن الحركة اعتمدت علي سلاح جديد في مواجهة تلك القوات في أفغانستان، لم يكن معهوداً به في الحروب السابقة التي خاضها المجاهدين الأفغان في الحرب ضد الروس هذا السلاح الجديد، هو (العمليات الاستشهادية)، حيث جرت في عام 2006 أكثر من 120 عملية استشهادية في أنحاء مختلفة من أفغانستان. لقد لجأت حركة طالبان إلي تكثيف الهجمات والتركيز ضد قوات الاحتلال غير الأمريكي كالاحتلال الكندي الذي قتل منه 42 جندياً منذ عام 2001 والبريطاني الذي قتل منه أيضاً حوالي 41 جندياً وكذا من جنود الاحتلال الألماني نفس الرقم، ويهدف هذا التكثيف والترصد أي عزل قوات الاحتلال الأمريكي عن غيرها , أي زعزعة التماسك بين قوات الاحتلال، خصوصاً أن تلك القوات تفتقد إلي استراتيجية تجبرها علي البقاء في احتلال أفغانستان ولمواصلة الحرب كمثل الجنود الأمريكيين. لقد أربكت العمليات الاستشهادية التي تقوم بها الحركة جيش الاحتلال الأجنبي، لأنها وسعت مناطق الصراع عليه مما يعتبر تقدماً ملحوظاً في الاستراتيجية العسكرية لطالبان ضد قوات الاحتلال،لكنها أيضاً في فترات مختلفة علي بعضها دون بعض من خلال التركيز علي مناطق انتشار قوات الاحتلال من بلد معين في منطقة معينة. وفي ذلك أُجبرت قوات من جيش الاحتلال - تحت ضربات المجاهدين – علي القبول بانسحاب من مناطق تركيز عقد صفقات خاصة معهم لتهدئة الأوضاع ولو بصورة مؤقتة في مناطق انتشارها. ولكن الحركة لأنها تمتلك استراتيجية تحرير شاملة، استفادت من زعزعة الثقة من قوات الاحتلال بين بعضها البعض، وهي في ذات الوقت تكثف جهدها علي الاجهاز علي الحكومة العميلة وعدم التفاوض معها ، لذلك قبلت بانسحاب قوات الاحتلال في هذه المنطقة أو تلك دون تهدئة أو تفاوض، حتي لا يصب الأمر في مصلحة قوات الاحتلال أو حكومة كرازي. ولقد نفت حركة طالبان التقارير الإعلامية (في 26 أغسطس 2006 ) حول مفاوضات مع الحكومة الأفغانية علي لسان القائد العسكري للحركة ملا داد الله الذي أكد أن الحركة لم تجر أي محادثات سرية مع الحكومة الأفغانية وقوات الاحتلال تمهيداً لإلقاء السلاح في أي منطقة من أفغانستان، وأوضح أن الحركة لن تترك طريق الجهاد، ولن تتنازل عنه وأن الناس ينضمون إليها من أجل هذا الأمر ولمحاربة الاحتلال ، وأنها ستصعد من هجماتها على قوات الاحتلال هذا العام و"تقتل كل من يتفاوض مع حكومة كابل". وقال داد الله أن هذه التقارير ما هي إلا دعاية تطلقها قوات الاحتلال الأجنبي في حربها الإعلامية.
4- إعلان مناطق محررة
في محاولة من حركة طالبان للاستفادة من هذا الوضع الراهن أعلنت الحركة في شريط مصور عن تأسيس إمارة إسلامية في وزيرستان علي أن تتسلم طالبان الجزء الشمالي منها بحيث تصبح قاعدة دائمة لها، كما أعلن تنظيم القاعدة في يونيو الماضي 2006 عن إقامة دولة إسلامية لشمال وزيرستان ودعا العديد من قادته وأنصاره المشاركة في دعم ومساندة هذه الدولة الوليدة وتوسيعها لضم بعض القري المجاورة في أفغانستان. وهذا ما وعد به الملا محمد عمر أميرحركة طالبان في مقابلة لصحيفة الفجر الباكستانية في 4 يناير 2007، بتصعيد العمليات الجهادية ضد قوات الاحتلال حتي تحرير أفغانستان وتفكيك المؤسسات الدولية التابعة لها. وفي المقابل نقلت قناة "جيو" التلفزيونية الباكستانية في مؤتمر صحفي للرئيسان الباكستاني برويز مشرف والأفغاني حامد كرازي قبل إعلان طالبان الإمارة الجديدة وما وعد به الملا محمد عمر، قام تحالفاً مشتركاً بين حكومتي برويز وكرازي للقضاء علي مجاهدي حركة طالبان خوفاً من استغلال منطقة وزيرستان لتدريب وإعداد عمليات ضد قوات الاحتلال من المناطق الجبلية في باكستان، ويعد هذا التحالف ضد المجاهدين هو بداية لإقحام الجيش الباكستاني في قتل المجاهدين الأفغان والقبائل الداعمه للحركة في وزيرستان. وقد أنتج هذا التحالف تلغيم الحدود مع أفغانستان وتسييجها بهدف حصار الشعب الأفغاني حركة طالبان ومحاولة السيطرة علي الحدود والدعم القبائلي لحركة طالبان ، هذا ما اعترف به وكيل وزارة الخارجية الباكستاني في 28 ديسمبر2006، من أن قرار تلغيم الحدود يأتي تماشيا مع سياسة بلاده في كبح جماح أنشطة المتمردين ( المجاهدين)، من باكستان إلى أفغانستان. كما أعطي هذا التحالف الحق للحكومة الباكستانية في إرسال أكثر من 80 ألف جندي حالياً للحدود مع أفغانستان, وهو ما أشعل الأرض تحت الجيش الباكستاني في وزيرستان.
5 - الاعتماد علي الله ... ثم علي الشعب الأفغاني
الدول الكبري في الحروب الموسعة تلجأ في الغالب لتغطية عجزها من الجنود بالاعتماد علي الدول الأكثر فقراً أو إلي بعض الدول التي بينها مصالح مشتركة من الحرب ، أو ربما تلجأ إلي أشخاص ذو انتماءات فكرية إلي الدولة المحاربة، أو مرتزقة يريدون التربح من هذه الحرب ، وهذا ما حدث في الحرب العالمية الثانية من استخدام لمعظم الجنود من دول العالم الثالث، وكان معظم الجنود في مقدمة الجيوش في الحرب الدائرة آنذاك إما من أفريقيا أو من الهند أو من دولاً لا تبتعد كثيراً عن العالم الثالث. ولكن الولايات المتحدة الأمريكية في حربها علي أفغانستان لم تستخدم دولاً من العالم الثالث فحسب لكي تدافع عن امبراطوريتها المزعومة ... إنما استخدمت دولاً تري من نفسها أنها امتداداً طبيعياً للحضارة الغربية ، إنها أوروبا الجديدة كما أطلق عليها رامسفيلد ، ولأن اوروبا القديمة دولاً استعمارية في الأصل لم تقبل بالقليل أو بالفتات من الولايات المتحدة ، وإنما أرادت أن تشارك في الثروات وخطط السيطرة علي المنطقة الاسلامية بما فيها أفغانستان ، هذه الدول تحلم في نفس الوقت أن تعيد مجداً ضائعاً ... مجداً ذهب وولي زمانه بالنسبة لها، كل هذا يكشف تشكيلة جيش الاحتلال في أفغانستان ، الدول الفقيرة يتواجد جنودها وهي الأكثر عرضة للهجمات لآنها في مقدمة جيش الاحتلال وفي مواجهة المجاهدين ، ودولاً يعطي الأمريكيين لها بعض الامتيازات، وهي تحاول أن تكون هناك حماية لجنودها في مواجهة طالبان وهذه هي الدول الاوروبية، ودولاً آخري تحسب أنها بعيدة عن أيدي المجاهدين وهي تحاول جاهدة أن تبعد جنودها دائماً عن المعركة، وهذه مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي تتمركز في شرق أفغانستان . ولكن الأمر يختلف بالنسبة للمجاهدين الأفغان الذين يقاتلون جيوش الاحتلال فهم يعتمدون علي الله ثم علي الشعب الأفغاني.وفي قصة الاعتماد علي الشعب الأفغاني فإن الفكرة هي الارتباط بين المجموعات الجهادية والشعب في كل منطقة وموقع ، وذلك لا يعني عدم الاستعانة بالمسلمين من البلدان الآخري، باعتبار أن الرؤية هي رؤية لأمة اسلامية. وقد كان أثر الاهتمام بالعمل وسط الشعب الأفغاني أنجح لانضمام مجموعة كبيرة من المجاهدين السابقين تحت راية طالبان بإمارة الملا محمد عمر لقتال جيوش الاحتلال هذا من بداية المواجهات العسكرية المسلحة ، واليوم... بعد مرور خمس سنوات من المعارك انضم إلي راية الجهاد من جديد قلب الدين حكمتيار المعروف بمعاركه الشرسة ضد الروس ، فكان لهذا الانضمام الأثر الكبير في تغيير واقع المعارك الأخيرة ورجحان كفة طالبان بالنسبة لمؤيدي الحركة داخل الشعب وأعراقه المتعددة لأنها وحدت راية الجهاد بجعلها راية واحدة ، مع أن هذا الانضمام أشعل فتيل المعارك ضد الاحتلال فلا يمكن للمرء أن يتجاهل انضمام الأعداد الكبيرة من الشعب وبعض متطوعي الجيش والشرطة الأفغانية الموالية للاحتلال الأمريكي إلي صفوف حركة طالبان بعد أن اتضح كذب قوات الاحتلال للعيان وخصوصاً بعد فشل مؤتمرات المنح التي لا تتحرك إلا علي الورق، أو من أجل تقوية الحكومة الهشة التي ليس لها أرضية ثابتة في الشعب الأفغاني لأنها قادمة مع ومن الغرب، والشعب الأفغاني طوال تاريخه لم ينصاع إلي حكومة عميلة .
6- استخدام سلاح الاعلام بكفاءة
لا يخفي علي أحد أن وسائل الإعلام أصبحت من أدوات الصراع والسيطرة الأساسية للسياسة الخارجية لأي دولة أو حركة سياسة في النظام العالمي الجديد، سواء كانت هذه السيطرة علي المستوي الإقليمي أو المستوي الدولي، وحول هذا الموضوع بالذات صدرت عدة كتب خلال السنوات الماضية كشفت عن الكثير من الوقائع لاستخدام هذه الوسائل الإعلامية في الحروب العسكرية، ومن أشهر الكتب في هذا المجال هو كتاب ( الحرب الباردة الثقافية) الذي قدم معلومات وحقائق عن الدور الأمريكي في خلق جبهة ثقافية في أنحاء العالم لوقف انتشار الفكر الاشتراكي خلال سنوات الحرب الباردة ومحاولة دعم الاتجاهات الثقافية والسياسية من خلال إنشاء أنواع مختلفة من الوسائل الإعلامية تستخدم لوقف المد الاشتراكي حتي وصل الأمر بالأمريكيين بدعم الأفلام السينمائية والموسيقي، وهذا ما تطلق علية واشنطن اليوم (حرب الأفكار). وفي الحرب الراهنة التي أعلن فيها الرئيس بوش الابن أن المفهوم الوحيد الذي لا يمكن للولايات المتحدة التنازل عنه هو (الحرب الشاملة)، فقد أشار إلي أن كسب الحرب بالمعني المزدوج إضافة إلي العمل العسكري يعد النصر الحقيقي في هذه الحرب، مؤكداً أن النصر يأتي من خلال المواجهة الثقافية والإعلامية والتعليمية والدينية. كان وزير الحرب السابق رامسفيلد قد أعلن أن (حرب الأفكار) لا تتشكل إلا علي الاتجاهات الرافضة للسياسات الأمريكية في المنطقة العربية والإسلامية ، وخاصةً في البلاد التي احتلتها الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما ترجمة بشكل مباشر الدبابات الأمريكية في نشر ثقافة الأفلام والأغاني في المجتمع الأفغاني من أول ما وطئت قدم المحتل تلك البلاد. قد تفاقم سخط الشعب الأفغاني المحافظ بطبيعته علي قوات الاحتلال الأجنبية نتيجة لما قامت به من نشر للتفسخ الاجتماعي والأخلاقي. فكانت النتيجة الحتمية لذلك أن قام الشعب الأفغاني بدعم مجاهدي حركة طالبان للتخلص من قوات الاحتلال من خلال مشاركة الحركة في العمليات العسكرية ضد المحتل وإنشاء مشروعات داعمه للحركة في مناطق مختلفة في أفغانستان ومن هذه المشروعات، المشروع إعلامي الذي تخاطب الحركة من خلاله الأفغان، اذا قامت الحركة بإعادة بث إذاعة الشريعة التي كانت وسيلة إعلامية ناجحة من الحركة في مخاطبة الشعب الأفغاني أبان حكم مجاهدو الحركة، هذا في داخل البلاد المحتلة . أما في مخاطبة العالم الخارجي، فقد خصصت الحركة متحدثين إعلاميين، ينقلون الحركة خارج إطار المحيط الأفغاني من خلال التصريح لوسائل الإعلام وخاصة التصريحات التي تنقل عبر قناة الجزيرة الفضائية، هذا فضلاً عن استخدام شبكة الانترنيت التي يتنوع يوما بعد يوم استخدامها من المجاهدين الأفغان لبث ما يجري من عمليات داخل أفغانستان لإطلاع العالم عليها ، كما أنشأت الحركة شركة خاصة لبث تصريحات القادة والعمليات التي يقوم بها المجاهدين من خلال شركة لبيك الخاصة للمجاهدين وهي الشركة التي أنشئت علي غرار شركة السحاب التي تنشر المادة الاعلامية الخاصة بتنظيم القاعدة. وهاهو الملا داد الله يتوعد من خلال اتصال بوكالة رويترز يستخدم فيه هاتف يعمل بالأقمار الصناعية من مكان مجهول بأفغانستان بأن الحركة ستستغل فصل الشتاء لوضع خطط حربية جديدة لإلحاق أكبر الضرر بقوات الاحتلال الأجنبي, إن هذه البراعة والكفاءة في استخدام وسائل الإعلام لم تأتي الا بقدر ما يقدم العسكري في ميدان المعركة. إن هذا الخطاب الإعلامي الجديد المستخدم في الحروب العسكرية وخاصة للحركات المحرومة من الدعاية في العالم، جاء في مواجهة الخطاب الإعلامي لجيش الاحتلال الأجنبي الذي استهدف رسم صورة نقية عن قواته بينما هي تدمر كل ما هو حيوي في البلاد المحتلة، ويتضح هذا الاستخدام في وكالة (رويترز) التي ترافق قوات الاحتلال البريطاني في كل بقاع أفغانستان لنقل الأحداث بعين ورؤية تابعة لجيش الاحتلال ، وهذا أيضا ما حدث في حرب العراق من التغطية الشاملة التي حظيت بها الحرب من خلال شبكة cnn الأمريكية التي كانت مع الجيش الأمريكي في احتلاله للعراق، إذن هذا الاستخدام ليس جديداً في الحروب، لكنه جديداً علي حركات المقاومة التي بادرت الاهتمام بوسائل الاعلام والحرب الإعلامية علي حد سواء وهذا يعتبر نجاحاً باهراً لحركة طالبان في استخدام الأسلوب العصري لإدارة الصراع داخل وخارج أفغانستان لتدمير معنويات جيش الاحتلال ومن يناصره في الخارج.ــــــــــــــــ
* كاتب صحفي وباحث مصري.
الرابط...ـــــــــــــــ
http://islamicnews.net/********/ShowDoc08.asp?Job=&TabIndex=2&DocID=88559&TypeID=8&SubjectID=0&ParentID=0&TabbedItemID=&TabbedItemSellected=
http://islamicnews.net/Public/Media/2007-01-17_14D9339D-D6C1-4C78-8609-F6AD536CB0D7.jpg
إن المتابع للحرب الأفغانية منذ بداية الاحتلال الأمريكي تحت غطاء القوات متعددة الجنسيات ، يجد أن حركة طالبان في حربها الجهادية حاولت قدر جهدها الحفاظ علي القواعد الأساسية لكسب الحرب الجهادية، التي تتمثل في نقاء العقيدة وحشد الطاقات في المجتمع ضد " العدو العقيدي" والمحافظة علي أرواح الشعب، الذي بفعل تلك القواعد أصبح يدعم الآن بكل ما أوتي من قوة حركة الجهاد في بلاده. فمنذ أن قامت المقاتلات الحربية الأمريكية بقصف قرى المواطنين ومعها العاصمة كابول انسحبت الحركة واعتصمت في الجبال حتي لا يتكبد الشعب الأفغاني خسائر كبيرة في الأرواح - حيث البطش الأمريكي ليس فقط لا يفرق بين المدني والمجاهد- ولكن لأن القصف الأمريكي يستهدف قتل وإبادة المسلمين أينما حلوا في البلد المعتدي علية. والآن وبعد أن اتضح للعالم ومعه الشعب الأفغاني، الُبعد الاستراتيجي في التخطيط السياسي والعسكري لحركة طالبان، التي مكنت الحركة من الاستفادة من أخطاء قوات الاحتلال، كان لابد من وقفه مع إستراتيجية العودة الجديدة لحركة طالبان- بل العودة أي تقييم عملية الانسحاب الأولي في بداية المعارك- التي أعدت فيها الحركة تنظيم قوتها واستعدادها للمعارك الجديدة، حيث فهم الآن أن هذا الانسحاب من المدن الأفغانية، أثناء الهجوم الأمريكي، استهدف الحفاظ علي الشعب الأفغاني وعلي كوادر الحركة ومقومات نجاحها في الصراع مع المحتل الغربي فيما بعد؛ إن هذه الاستراتيجية هي ما مكن الحركة من العودة الحالية بقوة أكبر مما كانت علية في سابق عهدها، أو ربما أكثر بكثير. لم يكن انسحاب حركة طالبان من المدن عملاً عشوائياً ، وبالتالي العودة اليوم ليست عشوائية أيضاً ،وإنما هي جاءت في اطار تخطيط وبُعد نظر استراتيجي في فكر مجاهدي حركة طالبان، الذي فاق وفقاً لمعطيات الواقع ما يجري تدريسه في الكليات والجامعات العسكرية التي تخرج منها هؤلاء القادة والضباط الذين يحتلون الأراضي الأفغانية ، حيث الغلبة في المعارك التي نرها دائماً للمجاهدين في المعارك الدائرة علي الأرض وفق تكتيكات الاعداد للعمليات والانسحاب المنظم، والعودة بنفس القوة والدرجة. فما هي استراتيجية طالبان في حربها الجهادية... وماهي عناصرها... وأساليب عملها ... وكيف تحولت من الدفاع الاستراتيجي ...إلي الهجوم الاستراتيجي.
1- توسيع دائرة الصراع والعمليات العسكرية في مختلف أنحاء أفغانستان
كما قلنا من قبل إن عملية ترك السلطة بالانسحاب والاعتصام إلي الجبال كانت وفق عمل منظم ومخطط أعطي الحركة حرية في التنقل بين أنحاء مختلفة من البلاد، كما وقتها اذ تحولت الحركة إلي الهدوء النسبي وقد ظهر فيما بعد أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. وهذا ما أثر علي ضربات الحركة في أن تكون بأبعاد مختلفة وفي توقيتات متباعدة أيضاً، كما هو ما صرف أنظار العدو الأجنبي بعيداً عنها أو جعله لايدرك عمق استراتيجيتها والتحولات الجارية. في أول تصريحات لرامسفيلد قال: "أن حركة طالبان قُضي عليها تماماً " ... وهو ما كان يعتقد البعض أيضا فقد ركزت الحركة مجهودها في محيط قندهار بجنوب أفغانستان حتي تحافظ علي نشاط أعضاءها أولاً ، وحتي تدرك طبيعة خطط العدو وفي نفس الوقت تدرس كيفية الصراع مع هذا المحتل الجديد ، باعتباره يختلف عن الاحتلال السابق (الاتحاد السوفيتي)، ولكي تحدد نقاط القوة والضعف لتستفيد منها مع طول الفترة الزمنية للصراع في ارهاق الجيوش النظامية المحتلة، بما يجعل جيش الاحتلال دائماً في حالة استنفار تام طوال الوقت، وهو ما يُصيب جنود الجيوش النظامية بالوهن داخل ثكناتهم دون قتال. الحركة اعتمدت خطة تتحين فيها الفرص المناسبة لكي تُكبد فيها الجيش المحتل أعلي خسائر ممكنه، كما اعتمدت خطة الضربات المتتالية وتكثيف وتوسيع دائرة الصراع ليشمل جميع أنحاء أفغانستان لتربك القوات المحتلة وتجبرها علي "فتح" مساحة انتشار بما يوسع مساحات الفراغ لينفذ منها مجاهدى الحركة. وهو ما لخص في النهاية النتيجة التي أعلنها رامسفيلد نفسه، في مقال له نُشر بصحيفة الـ "واشنطن بوست" بتاريخ 8 أكتوبر 2006 حيث قال" إن كل الأخبار عن أفغانستان غير مشجعة وخاصة في جنوبها حيث تتصاعد الهجمات، ولا يوجد هناك درجة من التقدم بعد الحرب المفتوحة لأنها غير واضحة بالقدر الكافي وخاصة علي المؤسسات التي أقيمت"،وفي ذلك لم يكن رامسفيلد وحده هو من اعترف بصعوبة الوضع العسكري في أفغانستان، اذ أن رئيس الوزراء البريطاني قال في خطابه الذي ألقاه بمناسبة مرور خمس سنوات علي احتلال أفغانستان "أن الوضع في هذا البلد لازال صعباً ومنفلتاً". لقد أصبحت أفغانستان تشهد في كل يوم تقريباً عمليات جهادية في مختلف أنحاءها؛ فمن شرقه إلي غربه ومن وسطه في كابول إلي جنوبه في قندهار تشتعل العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال والجيش العميل، واذا نظرنا لحصيلة العمليات في أسبوع واحد علي سبيل المثال لا الحصر، نجد أن مجاهدو حركة طالبان قاموا في أول الشهر الجاري بهجوم في ساعة متأخرة من الليل علي مقاطعة "بيك" ، قتل فيه جنديين أمريكيين، وفي وسط أفغانستان يكشف الاحتلال "الناتو" عن هجوم استشهادي في العاصمة كابول. هذا التوسع في العمليات العسكرية بشرق ووسط أفغانستان يربك حتماً قوات الاحتلال ويشتت قواها ويعدم القدرة لديها علي التركيز في منطقة واحدة . وفي الغرب أيضاً كان واضحاً هذا الارتباك حيث قدم الجنرال جيمس جونز قائد قوات الحلف الأطلسي في أوروبا، طلباً بزيادة عدد الجنود هناك ، مُقراً بأن الوضع يتدهور بسرعة عجيبة، مؤكداً علي صعوبة مهمة الجيش في هذا الجزء من البلد ، لذلك نجد أنه قام بعقد اتفاق مع جيش الاحتلال الأمريكي لسد عجز الدول الأوروبية في دعم القوات المتواجدة هناك ، بسبب الهجمات المتزايدة لمجاهدي طالبان. هذا الإصرار علي الطلب بالنجدة والعتاد العسكري من القادة الميدانيين لقوات احتلال أفغانستان، ساعد حركة طالبان في الكشف علي مدي هشاشة اتفاقيات الدفاع المشترك بين دول حلف الناتو الذين رفضوا أي زيادة في حجم القوات العسكرية، وهو ما حذرت منه صحيفة (ذي إندبندنت) البريطانية في عددها الصادر 27 نوفمبر2006، من أن اتحاد حلف الشمال الأطلسي الهش حول أفغانستان، بدأ يتمزق قبيل قمة مهمة مدعوة للبحث عن إيجاد إستراتيجية للخروج من الموجهة الدامية بين قوات الحلف وطالبان. وجاء كلام الصحيفة رداً علي تساؤل لوزير الدفاع البلجيكي حول مستقبل أول مهمة كبيرة للناتو، وأشارت إلى أن دول الحلف الـ26 لا يبدو أنها ستقبل بتعزيز جنودها في أفغانستان، وهو ما عُقدت من أجله الاجتماعات المشتركة مع رامسفيلد في بروكسل قبل استقالته، وسط حالة من زيادة الضغوط الأمريكية علي الناتو لإرسال مزيد من القوات، كما كان خلف تحريض الرئيس الأمريكي جورج بوش - في مؤتمر صحفي بتالين- للدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) علي إرسال مزيد من القوات التي يطلبها القادة العسكريون الميدانيين في أفغانستان والموافقة علي المشاركة فيما وصفه بـ"المهمات الصعبة" هناك. ومن كوبنهاجن طالب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير دول الناتو لمضاعفة جهودها في دعم القوات المقاتلة في أفغانستان, مشيراً إلي أن مصداقية الحلف على المحك في هذا البلد، بما شكل حالة عامة انتقلت إلي الصحف في تغطية لحرب في أفغانستان وأزمة الناتو حيث أن صحيفة (نيو ستيتسمان) قالت "أن الحرب الحقيقية هناك في أفغانستان" . وبمراجعة خطة طالبان ونتجائها في مجال توسيع دوائر العمليات فإن أشد الشهور صعوبة علي قوات الاحتلال في أفغانستان, كان شهر سبتمبر في عام 2006؛ وهو ما ظهر خلال ما أكده المتحدث باسم طالبان، من أن الحركة سيطرت علي بلدات "نمروز" و "فراه" و "غارمسر" بولاية "هلمند" جنوبي أفغانستان ، كما سيطرت الحركة علي بلدة "أدغن داب" بولاية "زابل"، لمدة يومين في شهر يوليو الماضي قبل أن ينسحب مجاهديها إثر هجوم موسع لقوات الاحتلال الأطلسي بمشاركة القوات الأفغانية العميلة. هذا الانسحاب التكتيكي هو أفضل ما يمكن أن يفعله مجاهدو الحركة لأنهم إذا تمترسوا في بلد ما ستطوق وتعطي ذريعة لقوات الاحتلال بإبادة المدنيين الأفغان،وهو ما يلقي ضوءاً علي جانب آخر من استراتيجية توسيع دوائر الصراع، اذ يجري التوسع وفق استراتيجية تقوم علي ثبات الهجوم... دون ثبات المواقع. ومع تكثيف ضربات المجاهدين ضد قوات الاحتلال... كشفت صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية في عددها الصادر في الأول من أكتوبر الماضي أن القوات البريطانية أبرمت صفقة سرية من جانب واحد عُقدت مع السكان المحليين في قرية "موسى قلعة" بجنوب أفغانستان بموجبها تنسحب القوات البريطانية من القرية التي اعتبرتها الصحيفة بأنها أحد أكثر الأماكن خطورة في أفغانستان، وقالت الـ "فايننشال تايمز" أن الجنود البريطانيون رحبوا بهذا الاتفاق ، وهو ما طرح عدة أسئلة كثيرة حول وضع قوات الاحتلال البريطانية ، مما أدي إلي ازدياد الرفض الشعبي لبقاء الجنود البريطانيين في أفغانستان، فبدأت المظاهرات العلنية بالخروج إلي الشارع ، تطالب الحكومة بسحب القوات البريطانية من جحيم أفغانستان. ولم يكن توسع العمليات العسكرية لحركة طالبان في أنحاء مختلفة من الأراضي الأفغانية إلا لنتيجة الدعم الشعبي الواضح الذي تحظي به الحركة التي تقود جميع فئات الشعب نحو التحرر من نير الاحتلال الأجنبي المتعدد الجنسيات هناك.
2- التنوع في "نمط" العمليات العسكرية ضد جيش الاحتلال
لم يكن مستغرباً علي حركة قامت منذ أول بداياتها للدفاع عن حرمات ومقدسات الشعب الأفغاني، مواصلة الجهاد ضد جيوش الاحتلال برغم الحصار الذي تفرضه دول الجوار علي حدود أفغانستان السياسية. وقد كان لهذا الحصار أثار خطيرة في تحديد أنماط العمل الاستراتيجي لحركة طالبان ، اذ هي جمعت كل ما لديها من أسلحة وعتاد ورجال وفق استراتيجية الاعتماد علي النفس وفق أقسي الشروط والظروف، لتُكون منها في النهاية منظومة متكاملة لتخليص الشعب الأفغاني من الاحتلال الجاثم علي صدره. لقد تصورت قوات الناتو باغلاقها كل الحدود مع الدول المجاورة أنها ستحاصر الحركة وتمنع عنها عمليات الامداد ، لكن طالبان استفادت حتي من هذا الحصار ، وفق استراتيجية الاعتماد علي النفس في هذا الحصار المغلق الذي سد الطريق أمام حركة طالبان في شراء أو جلب الأسلحة من خارج البلاد، فقد قام القتال باستخدام الأسلحة القديمة في المعارك لكنه اعتمد علي رؤية عسكرية تشدد علي الاستغلال الأمثل لتلك الأسلحة البسيطة, وهو أمر كان له كبير الأثر في تدمير معنويات قوات الاحتلال وتحطيم حاجز الواقع الجديد الذي تريد أن تفرضه الجيوش بالقوة لقبول الاحتلال والرضا به . اذ أن رؤية الجنود لأسلحتهم المتقدمة مهزومة أما الأسلحة البسيطة المستخدمه من طالبان سببت لهم انهياراً معنوياً، كما أن المواطن الأفغاني وجد أن ما بيده من سلاح بسيط ، قادر علي هزيمة التكنولوجيا المتطورة. إن الأسلحة التي تقاتل بها حركة طالبان في بسالة منقطعة النظير، إلي درجة يتعجب منها العدو نفسه, قد دفع الأعداء الاعتراف علناً بشجاعة مجاهدي طالبان، اذ نشرت صحيفة "ذي اندبندنت" في عددها الصادر في13 سبتمبر الماضي، نقلاً عن جندي بريطاني خاض القتال المعارك في أفغانستان" إن ما يجري في أفغانستان هو أسوأ بكثير مما هو معلن عنه ، لأننا نسوى الأرض في مناطق كنا قد سويناها بالأرض من قبل ، ولا نعرف من أين تخرج علينا الهجمات التي لا تتوقف، لقد قصفناهم بجميع قاذفات القنابل من نوع B1 ، واستخدمت هاريرز وطائرات F16 ، وميراج 2000 ، قامت بإلقاء جميع أنواع القنابل ومن كل الأحجام ، وبرغم فظاعة هذه المعارك فإن المجاهدين يرصدون جيش الاحتلال من خلال الكمائن والتحركات علي أرض المعركة في الواقع" . هذا الاعتراف يكفي لوحده بإدانة المنظمات العالمية المتواطئة في كلام كشف تورط قوات الاحتلال وجنودها في قصف قري المدنيين بقنابل محرمة دولياً حتي تقتل الإرادة القتالية لدي الشعب الأفغاني، ويظهر أن جيش الاحتلال لم يتوقف عند حد في جرائمه لكنها تكشف كيف ان حركة طالبان تمكنت من خلال "عقيدة المسلم" أن تهزم "عقيدة التكنولوجيا". لقد تحول الفكر العسكري لدي حركة طالبان من الميل إلي حصر المعركة في بقعة ضيقة من أفغانستان إلي توسيع العمليات لكسب المعركة علي نطاق واسع تشمل الأرض والانسان وهو ما ظهر بعد خمس سنوات من الصراع، فقد تطور الفكر وتغير وأثبت أنه التخطيط الأفضل في التعامل مع هذا الاحتلال الذي فقد في الصراع أمنه وسلامه جنوده والمحافظة علي تفوقه العسكري، إن براعة طالبان في فهم طبيعة الصراع وفهمها مدي الترابط الهش بين دول الحلف والولايات المتحدة جعلها تحافظ علي نفسها وتتفوق في إدارة المعارك، كما استطاعت الحركة من خلال فهمها لطبيعة الأرض وتضاريسها تفكيك الكثير من القواعد والمراكز العسكرية التابعة لجيش الاحتلال في أفغانستان ، كان آخرها الانسحاب من بلدة "موسى كالا" في إقليم هلمند جنوبي البلاد. فبرغم خسائره تفرض تحركات جيش الاحتلال علي حركة طالبان تنوع العمليات العسكرية باستخدام الأسلحة البسيطة وبأنواعها في المعارك ، وهي التي فرضت أيضاً علي فكر مجاهدي الحركة إيلام قوات الاحتلال في مختلف أنحاء البلاد والتعامل مع خطة موزاية ضد القوات المحتلة لضرب طرق إمدادها وتقليل الدعم الذي يصل إليها عبر الطرق الرئيسية وغير الرئيسية، وهو ما جعل توني بلير يتعهد بتقديم كل ما يلزم من دعم وحماية لقوات الاحتلال، ويحاول ضمان تزويد القوات بالعتاد والرجال ومزيداً من العربات لتأمين طرق الإمداد والمقاتلات الحربية اللازمة للسيطرة علي أجواء أفغانستان دون السيطرة علي الأرض، وفي نموذج مهم علي ما نقصده ، نشير إلي أن حركة طالبان تعمدت حركة طالبان تنويع العمليات لعلاج مشكلات نقص التسليح وضعف كفاءه ما تستخدمه من أسلحة ففي غرب مدينة قندهار قامت الحركة بهجوم علي قوات الناتو بقذائف الهاون وقاذفات القنابل والأسلحة الخفيفة- في الثالث من أغسطس الماضي- كما قام مجاهدو طالبان بنصب ثلاثة أكمنة لجيش الاحتلال بتفجير عبوات ناسفة في دورية عسكرية ما أدي إلي مقتل أربعة جنود كنديين وإصابة 10 آخرين بجراح، وفي إقليم خوست زرع المجاهدين قنبلة أصابت ثلاثة جنود أفغان موالين للاحتلال في الهجوم. هذا التنوع في نمط العمليات يُكبد الاحتلال خسائر كبيرة ، كما هو يعتمد علي أن العدو لا يعرف زمن المعركة ولا حتي أرضها. وهو ما ظهر أوضح في الأسبوع الأخير من شهر يوليو حين أسقط جاهدو حركة طالبان مروحية عسكرية في مقاطعة "جاني خيل" في ولاية "باكيتا"، قتل فيها 16 من جندياً للاحتلال، كانوا علي متنها، وهي كانت الثانية، بعدما اعترف جيش الاحتلال البريطاني بمقتل 14 من جنوده إثر قيام المجاهدين الأفغان بإسقاط مروحية تابعة لقوات حلف شمالي الأطلس "الناتو" غرب مدينة "قندهار" جنوب أفغانستان. وهو ما أدي إلي ارتفاع نسبة الخسائر المادية والبشرية علي حد سواء ، وأن كانت الخسائر البشرية هي التي يتأذي منها جيش الاحتلال. هذا التنوع في العمليات هو أهم ما تقوم به حركة طالبان في صراعها، لأنها تستخدم أسلحة قديمة بما يتطلب ان تستخدمها أفضل استخدام لضرب الاحتلال ضربات موجعة ، وإجباره علي أن يدفع فاتورة كبيرة لبقائه في أفغانستان وهو ما يطرح بالمقابل السؤال حول الأوضاع في حالة امتلاك حركة طالبان أسلحة متطورة تعادل أو تكاد تصل إلي أقل بقليل من أسلحة جيش الاحتلال ... وكيف سيكون شكل المعارك في حال استخدام القاذفات والصواريخ والمتطورة بشكل كثيف... علي كل فإن أحد أهم أشكال التنوع هو أن حركة طالبان استخدمت سلاح الاستشهاد الذي أفردنا له عنصر خاص به في الإستراتيجية العسكرية الجديدة التي اعتمدتها الحركة في الآونة الأخيرة.
3- العمليات الاستشهادية وتأثيرها الخطير
وسط أجواء الفشل العسكري لقوات الاحتلال في التعامل مع مجاهدي حركة طالبان في المعارك التي تخوضها الحركة ضد قوات الاحتلال الأجنبي، استطاعت الحركة توجيه ضربات موجعة لعدد من الأهداف التابعة لجيش الاحتلال، كانت هذه الضربات ضد الأهداف الثابتة كالقواعد العسكرية في باجرام أو الأهداف المتنقلة كالدوريات التابعة لقوات الاحتلال، أو الأهداف الجوية كالطائرات المقاتلة الهليوكبتر، وهنا فإن الحركة اعتمدت علي سلاح جديد في مواجهة تلك القوات في أفغانستان، لم يكن معهوداً به في الحروب السابقة التي خاضها المجاهدين الأفغان في الحرب ضد الروس هذا السلاح الجديد، هو (العمليات الاستشهادية)، حيث جرت في عام 2006 أكثر من 120 عملية استشهادية في أنحاء مختلفة من أفغانستان. لقد لجأت حركة طالبان إلي تكثيف الهجمات والتركيز ضد قوات الاحتلال غير الأمريكي كالاحتلال الكندي الذي قتل منه 42 جندياً منذ عام 2001 والبريطاني الذي قتل منه أيضاً حوالي 41 جندياً وكذا من جنود الاحتلال الألماني نفس الرقم، ويهدف هذا التكثيف والترصد أي عزل قوات الاحتلال الأمريكي عن غيرها , أي زعزعة التماسك بين قوات الاحتلال، خصوصاً أن تلك القوات تفتقد إلي استراتيجية تجبرها علي البقاء في احتلال أفغانستان ولمواصلة الحرب كمثل الجنود الأمريكيين. لقد أربكت العمليات الاستشهادية التي تقوم بها الحركة جيش الاحتلال الأجنبي، لأنها وسعت مناطق الصراع عليه مما يعتبر تقدماً ملحوظاً في الاستراتيجية العسكرية لطالبان ضد قوات الاحتلال،لكنها أيضاً في فترات مختلفة علي بعضها دون بعض من خلال التركيز علي مناطق انتشار قوات الاحتلال من بلد معين في منطقة معينة. وفي ذلك أُجبرت قوات من جيش الاحتلال - تحت ضربات المجاهدين – علي القبول بانسحاب من مناطق تركيز عقد صفقات خاصة معهم لتهدئة الأوضاع ولو بصورة مؤقتة في مناطق انتشارها. ولكن الحركة لأنها تمتلك استراتيجية تحرير شاملة، استفادت من زعزعة الثقة من قوات الاحتلال بين بعضها البعض، وهي في ذات الوقت تكثف جهدها علي الاجهاز علي الحكومة العميلة وعدم التفاوض معها ، لذلك قبلت بانسحاب قوات الاحتلال في هذه المنطقة أو تلك دون تهدئة أو تفاوض، حتي لا يصب الأمر في مصلحة قوات الاحتلال أو حكومة كرازي. ولقد نفت حركة طالبان التقارير الإعلامية (في 26 أغسطس 2006 ) حول مفاوضات مع الحكومة الأفغانية علي لسان القائد العسكري للحركة ملا داد الله الذي أكد أن الحركة لم تجر أي محادثات سرية مع الحكومة الأفغانية وقوات الاحتلال تمهيداً لإلقاء السلاح في أي منطقة من أفغانستان، وأوضح أن الحركة لن تترك طريق الجهاد، ولن تتنازل عنه وأن الناس ينضمون إليها من أجل هذا الأمر ولمحاربة الاحتلال ، وأنها ستصعد من هجماتها على قوات الاحتلال هذا العام و"تقتل كل من يتفاوض مع حكومة كابل". وقال داد الله أن هذه التقارير ما هي إلا دعاية تطلقها قوات الاحتلال الأجنبي في حربها الإعلامية.
4- إعلان مناطق محررة
في محاولة من حركة طالبان للاستفادة من هذا الوضع الراهن أعلنت الحركة في شريط مصور عن تأسيس إمارة إسلامية في وزيرستان علي أن تتسلم طالبان الجزء الشمالي منها بحيث تصبح قاعدة دائمة لها، كما أعلن تنظيم القاعدة في يونيو الماضي 2006 عن إقامة دولة إسلامية لشمال وزيرستان ودعا العديد من قادته وأنصاره المشاركة في دعم ومساندة هذه الدولة الوليدة وتوسيعها لضم بعض القري المجاورة في أفغانستان. وهذا ما وعد به الملا محمد عمر أميرحركة طالبان في مقابلة لصحيفة الفجر الباكستانية في 4 يناير 2007، بتصعيد العمليات الجهادية ضد قوات الاحتلال حتي تحرير أفغانستان وتفكيك المؤسسات الدولية التابعة لها. وفي المقابل نقلت قناة "جيو" التلفزيونية الباكستانية في مؤتمر صحفي للرئيسان الباكستاني برويز مشرف والأفغاني حامد كرازي قبل إعلان طالبان الإمارة الجديدة وما وعد به الملا محمد عمر، قام تحالفاً مشتركاً بين حكومتي برويز وكرازي للقضاء علي مجاهدي حركة طالبان خوفاً من استغلال منطقة وزيرستان لتدريب وإعداد عمليات ضد قوات الاحتلال من المناطق الجبلية في باكستان، ويعد هذا التحالف ضد المجاهدين هو بداية لإقحام الجيش الباكستاني في قتل المجاهدين الأفغان والقبائل الداعمه للحركة في وزيرستان. وقد أنتج هذا التحالف تلغيم الحدود مع أفغانستان وتسييجها بهدف حصار الشعب الأفغاني حركة طالبان ومحاولة السيطرة علي الحدود والدعم القبائلي لحركة طالبان ، هذا ما اعترف به وكيل وزارة الخارجية الباكستاني في 28 ديسمبر2006، من أن قرار تلغيم الحدود يأتي تماشيا مع سياسة بلاده في كبح جماح أنشطة المتمردين ( المجاهدين)، من باكستان إلى أفغانستان. كما أعطي هذا التحالف الحق للحكومة الباكستانية في إرسال أكثر من 80 ألف جندي حالياً للحدود مع أفغانستان, وهو ما أشعل الأرض تحت الجيش الباكستاني في وزيرستان.
5 - الاعتماد علي الله ... ثم علي الشعب الأفغاني
الدول الكبري في الحروب الموسعة تلجأ في الغالب لتغطية عجزها من الجنود بالاعتماد علي الدول الأكثر فقراً أو إلي بعض الدول التي بينها مصالح مشتركة من الحرب ، أو ربما تلجأ إلي أشخاص ذو انتماءات فكرية إلي الدولة المحاربة، أو مرتزقة يريدون التربح من هذه الحرب ، وهذا ما حدث في الحرب العالمية الثانية من استخدام لمعظم الجنود من دول العالم الثالث، وكان معظم الجنود في مقدمة الجيوش في الحرب الدائرة آنذاك إما من أفريقيا أو من الهند أو من دولاً لا تبتعد كثيراً عن العالم الثالث. ولكن الولايات المتحدة الأمريكية في حربها علي أفغانستان لم تستخدم دولاً من العالم الثالث فحسب لكي تدافع عن امبراطوريتها المزعومة ... إنما استخدمت دولاً تري من نفسها أنها امتداداً طبيعياً للحضارة الغربية ، إنها أوروبا الجديدة كما أطلق عليها رامسفيلد ، ولأن اوروبا القديمة دولاً استعمارية في الأصل لم تقبل بالقليل أو بالفتات من الولايات المتحدة ، وإنما أرادت أن تشارك في الثروات وخطط السيطرة علي المنطقة الاسلامية بما فيها أفغانستان ، هذه الدول تحلم في نفس الوقت أن تعيد مجداً ضائعاً ... مجداً ذهب وولي زمانه بالنسبة لها، كل هذا يكشف تشكيلة جيش الاحتلال في أفغانستان ، الدول الفقيرة يتواجد جنودها وهي الأكثر عرضة للهجمات لآنها في مقدمة جيش الاحتلال وفي مواجهة المجاهدين ، ودولاً يعطي الأمريكيين لها بعض الامتيازات، وهي تحاول أن تكون هناك حماية لجنودها في مواجهة طالبان وهذه هي الدول الاوروبية، ودولاً آخري تحسب أنها بعيدة عن أيدي المجاهدين وهي تحاول جاهدة أن تبعد جنودها دائماً عن المعركة، وهذه مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي تتمركز في شرق أفغانستان . ولكن الأمر يختلف بالنسبة للمجاهدين الأفغان الذين يقاتلون جيوش الاحتلال فهم يعتمدون علي الله ثم علي الشعب الأفغاني.وفي قصة الاعتماد علي الشعب الأفغاني فإن الفكرة هي الارتباط بين المجموعات الجهادية والشعب في كل منطقة وموقع ، وذلك لا يعني عدم الاستعانة بالمسلمين من البلدان الآخري، باعتبار أن الرؤية هي رؤية لأمة اسلامية. وقد كان أثر الاهتمام بالعمل وسط الشعب الأفغاني أنجح لانضمام مجموعة كبيرة من المجاهدين السابقين تحت راية طالبان بإمارة الملا محمد عمر لقتال جيوش الاحتلال هذا من بداية المواجهات العسكرية المسلحة ، واليوم... بعد مرور خمس سنوات من المعارك انضم إلي راية الجهاد من جديد قلب الدين حكمتيار المعروف بمعاركه الشرسة ضد الروس ، فكان لهذا الانضمام الأثر الكبير في تغيير واقع المعارك الأخيرة ورجحان كفة طالبان بالنسبة لمؤيدي الحركة داخل الشعب وأعراقه المتعددة لأنها وحدت راية الجهاد بجعلها راية واحدة ، مع أن هذا الانضمام أشعل فتيل المعارك ضد الاحتلال فلا يمكن للمرء أن يتجاهل انضمام الأعداد الكبيرة من الشعب وبعض متطوعي الجيش والشرطة الأفغانية الموالية للاحتلال الأمريكي إلي صفوف حركة طالبان بعد أن اتضح كذب قوات الاحتلال للعيان وخصوصاً بعد فشل مؤتمرات المنح التي لا تتحرك إلا علي الورق، أو من أجل تقوية الحكومة الهشة التي ليس لها أرضية ثابتة في الشعب الأفغاني لأنها قادمة مع ومن الغرب، والشعب الأفغاني طوال تاريخه لم ينصاع إلي حكومة عميلة .
6- استخدام سلاح الاعلام بكفاءة
لا يخفي علي أحد أن وسائل الإعلام أصبحت من أدوات الصراع والسيطرة الأساسية للسياسة الخارجية لأي دولة أو حركة سياسة في النظام العالمي الجديد، سواء كانت هذه السيطرة علي المستوي الإقليمي أو المستوي الدولي، وحول هذا الموضوع بالذات صدرت عدة كتب خلال السنوات الماضية كشفت عن الكثير من الوقائع لاستخدام هذه الوسائل الإعلامية في الحروب العسكرية، ومن أشهر الكتب في هذا المجال هو كتاب ( الحرب الباردة الثقافية) الذي قدم معلومات وحقائق عن الدور الأمريكي في خلق جبهة ثقافية في أنحاء العالم لوقف انتشار الفكر الاشتراكي خلال سنوات الحرب الباردة ومحاولة دعم الاتجاهات الثقافية والسياسية من خلال إنشاء أنواع مختلفة من الوسائل الإعلامية تستخدم لوقف المد الاشتراكي حتي وصل الأمر بالأمريكيين بدعم الأفلام السينمائية والموسيقي، وهذا ما تطلق علية واشنطن اليوم (حرب الأفكار). وفي الحرب الراهنة التي أعلن فيها الرئيس بوش الابن أن المفهوم الوحيد الذي لا يمكن للولايات المتحدة التنازل عنه هو (الحرب الشاملة)، فقد أشار إلي أن كسب الحرب بالمعني المزدوج إضافة إلي العمل العسكري يعد النصر الحقيقي في هذه الحرب، مؤكداً أن النصر يأتي من خلال المواجهة الثقافية والإعلامية والتعليمية والدينية. كان وزير الحرب السابق رامسفيلد قد أعلن أن (حرب الأفكار) لا تتشكل إلا علي الاتجاهات الرافضة للسياسات الأمريكية في المنطقة العربية والإسلامية ، وخاصةً في البلاد التي احتلتها الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما ترجمة بشكل مباشر الدبابات الأمريكية في نشر ثقافة الأفلام والأغاني في المجتمع الأفغاني من أول ما وطئت قدم المحتل تلك البلاد. قد تفاقم سخط الشعب الأفغاني المحافظ بطبيعته علي قوات الاحتلال الأجنبية نتيجة لما قامت به من نشر للتفسخ الاجتماعي والأخلاقي. فكانت النتيجة الحتمية لذلك أن قام الشعب الأفغاني بدعم مجاهدي حركة طالبان للتخلص من قوات الاحتلال من خلال مشاركة الحركة في العمليات العسكرية ضد المحتل وإنشاء مشروعات داعمه للحركة في مناطق مختلفة في أفغانستان ومن هذه المشروعات، المشروع إعلامي الذي تخاطب الحركة من خلاله الأفغان، اذا قامت الحركة بإعادة بث إذاعة الشريعة التي كانت وسيلة إعلامية ناجحة من الحركة في مخاطبة الشعب الأفغاني أبان حكم مجاهدو الحركة، هذا في داخل البلاد المحتلة . أما في مخاطبة العالم الخارجي، فقد خصصت الحركة متحدثين إعلاميين، ينقلون الحركة خارج إطار المحيط الأفغاني من خلال التصريح لوسائل الإعلام وخاصة التصريحات التي تنقل عبر قناة الجزيرة الفضائية، هذا فضلاً عن استخدام شبكة الانترنيت التي يتنوع يوما بعد يوم استخدامها من المجاهدين الأفغان لبث ما يجري من عمليات داخل أفغانستان لإطلاع العالم عليها ، كما أنشأت الحركة شركة خاصة لبث تصريحات القادة والعمليات التي يقوم بها المجاهدين من خلال شركة لبيك الخاصة للمجاهدين وهي الشركة التي أنشئت علي غرار شركة السحاب التي تنشر المادة الاعلامية الخاصة بتنظيم القاعدة. وهاهو الملا داد الله يتوعد من خلال اتصال بوكالة رويترز يستخدم فيه هاتف يعمل بالأقمار الصناعية من مكان مجهول بأفغانستان بأن الحركة ستستغل فصل الشتاء لوضع خطط حربية جديدة لإلحاق أكبر الضرر بقوات الاحتلال الأجنبي, إن هذه البراعة والكفاءة في استخدام وسائل الإعلام لم تأتي الا بقدر ما يقدم العسكري في ميدان المعركة. إن هذا الخطاب الإعلامي الجديد المستخدم في الحروب العسكرية وخاصة للحركات المحرومة من الدعاية في العالم، جاء في مواجهة الخطاب الإعلامي لجيش الاحتلال الأجنبي الذي استهدف رسم صورة نقية عن قواته بينما هي تدمر كل ما هو حيوي في البلاد المحتلة، ويتضح هذا الاستخدام في وكالة (رويترز) التي ترافق قوات الاحتلال البريطاني في كل بقاع أفغانستان لنقل الأحداث بعين ورؤية تابعة لجيش الاحتلال ، وهذا أيضا ما حدث في حرب العراق من التغطية الشاملة التي حظيت بها الحرب من خلال شبكة cnn الأمريكية التي كانت مع الجيش الأمريكي في احتلاله للعراق، إذن هذا الاستخدام ليس جديداً في الحروب، لكنه جديداً علي حركات المقاومة التي بادرت الاهتمام بوسائل الاعلام والحرب الإعلامية علي حد سواء وهذا يعتبر نجاحاً باهراً لحركة طالبان في استخدام الأسلوب العصري لإدارة الصراع داخل وخارج أفغانستان لتدمير معنويات جيش الاحتلال ومن يناصره في الخارج.ــــــــــــــــ
* كاتب صحفي وباحث مصري.
الرابط...ـــــــــــــــ
http://islamicnews.net/********/ShowDoc08.asp?Job=&TabIndex=2&DocID=88559&TypeID=8&SubjectID=0&ParentID=0&TabbedItemID=&TabbedItemSellected=



