برامج

لماذا يقتلون العصافير؟ [الأرشيف] - برامج نت

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا يقتلون العصافير؟


ANEY ROSE
01-22-2007, 01:36 PM
http://img224.imageshack.us/img224/992/pic024se.jpg


عصفور يبكي أخاه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ

لماذا يقتلون العصافير؟؟


مجندل على قارعة الطريق، لونه أسود ورائحته كريهة، ملقى على جانبه يحدق في لا شيء، بطنه مبقورة وقطرات الدم التي نزفت منه سوداء لزجة امتزجت بلون التراب وأوراق الأشجار الذابلة.

كان امتحان آخر العام يقترب، مضى الصبي إلى النافذة وطفق يتطلع إلى إخوته الصغار وهم يلعبون الكرة، كان السأم باديا في عينيه ويود لو يدع دروس التاريخ واللغة الإنجليزية إلى حيث يسدد الكرة بأقصى قوته.

أحس بيد حانية تربت على كتفه، واستمع في شرود إلى موعظة جديدة من مواعظ أبيه الذي ظل يحدثه مشجعا عن الامتحان الذي يقترب بينما كان هو يوشك أن يحرز هدفا في تلك المباراة الوهمية التي تدور في ذهنه. ابتسم الرجل وقد فهم ما يدور في خلده ووعده بجائزة ثمينة في حالة النجاح المشرف.. جائزة لم يحلم بها من قبل.

لمعت عيناه وهتف: بندقية صيد؟

أومأ الرجل رأسه مبتسما فهرع الصبي يطالع دروسه في حماسة.

كان الاختبار يسيرا إلى الحد الذي جعله يدرك أن البندقية قد اقتربت جدا.. في الحق يوشك أن يتحول القلم في يديه إلى بندقية يخيف بها أترابه ومعلميه.

س: ما سر الفتنة الطائفية في العراق؟

ج: إذا كنت سنيا فإن هؤلاء الشيعة -ويستحسن أن نسميهم الروافض- يسبون الصحابة، ويتجرءون على أمهات المؤمنين، وهم أشد خطرا على الإسلام من اليهود والنصارى، يتزوجون بالمتعة ويتظاهرون بالتقية، ولاؤهم الحقيقي لمرجعيتاهم وليس لأوطانهم، طابور خامس ينتشر في كل مكان، ترتفع أعلامهم السوداء تطارد العصافير في كل مكان في هذا الفضاء المتسع.

أما إذا كنت شيعيا فإن هؤلاء السنة -ويستحسن أن نسميهم النواصب- يكرهون الإمام علي، لعنوه على المنابر عشرات السنين واختلسوا حق آل البيت في الإمامة وهدموا ركن الإسلام المتين، إنهم جنود يزيد الذين قتلوا الإمام الحسين فاتشح الكون بالسواد وأعلن الحزن حتى أن العصافير سارت على الأرض متدلية الأجنحة من فرط الخزي.

وهكذا فقد قامت الحرب الطائفية في العراق من أجل العصافير!

..................

ومن يعبأ بالعصافير؟

.................

قَبّل الصبي وجنتي والده الحنون. اختطف بندقية الصيد الجديدة وهرع بها صوب غرفته، وهناك انتهر أخاه الأصغر الذي حاول أن يلهو بها.

قال له في جد وهو يزجره:

إن هذا السلاح شديد الخطورة، إياك أن تقترب منه.

أغمض عينا، وبالأخرى نظر خلال الماسورة اللامعة، وتحسس في لهفة العلبة المعدنية المليئة بالطلقات الصغيرة.

لم يكد يتذوق النوم في تلك الليلة.

..................

لكن أغلب قتلى الحرب الطائفية من الفلاحين البسطاء الذين يحبون الصحابة وآل البيت ولا يعنيهم سوى حقلهم وحماية المحصول من العصافير الجائعة.

هذا هو منطق الأمهات الطيبات اللاتي يعددن الحساء، ولكن للأحقاد منطقا مختلفا، هناك ثأرات قديمة وذكريات ملطخة بالدم، وهناك أيضا مصالح إستراتيجية لمناطق نفوذ تشجع الفريقين وتمدهم بالحقد والسلاح.

- هذا لا يبرر القتل. الدين لله والوطن للجميع، وقد هلك في تلك الحرب مئات الألوف وما زال الرقم مرشحا للزيادة كل يوم.

- الضعفاء وحدهم يموتون.

أنا أكره العصافير، إنها تافهة جدا.. جائعة جدا.. وضعيفة جدا.

...............

استيقظ في الصباح الباكر على غير عادته. حمل البندقية ووضع العلبة المعدنية المليئة بالرصاص الصغير في جيب قميصه، ومضى في الطريق.

يقصد شجرة كثيفة وارفة الظلال يحيا بها مئات العصافير.. يعرف أن الموعد المثالي لصيد العصافير هو الصباح الباكر. مضى يختال ببندقيته الصغيرة في فخر.. وألقى عليه المارة نظرات ناعسة في ذلك الوقت المبكر من الصباح.

سدد بندقيته في ثبات.. أمسك أنفاسه تماما.. وحرص جيدا ألا تهتز راحتاه.

مرت بجواره سيدة طفقت ترمقه في فضول لكنه لم يعبأ بها. كان مستغرقا في عالمه الخاص. وضغط بإصبعه على الزناد.

انطلق صوت مكتوم واهتزت البندقية في راحتيه ومضت الرصاصة تشق طريقها صوب.. عصفور.

..............

- لكن هذا كله تاريخ مضى منذ ألف وأربعمائة عام.. ولو سألت أحدا فيهم لقال إن دمه وعرضه فداء لأمة محمد جد الجميع.

- الحقد المقدس لا يموت.

- لكنهم كانوا يتعايشون طيلة القرون الماضية.. يأكلون اللحم المقدد معا في مطاعم بغداد ويشربون الشاي الأخضر في المقاهي العامرة.. وحينما يقع أحدهم في حب سمراء نحيلة لم يكن يسأل هل هي سنية أم شيعية؟ فما الذي تغير؟

- القلوب أغلقت عن أصدقاء الأمس وحليلات الفراش.. والأرض لا تشبع مهما ارتوت من دماء.

- كان الضحايا البسطاء من الجانبين يصرخون بلغة واحدة.. لغة الصراخ من ألم فقد الأحبة ومفارقة الديار.. نسي الجميع خلافاتهم المذهبية، وتشابهت لحظاتهم الأخيرة. أما هؤلاء السفاحون من الجانبين فليكونن حسابهم عسيرا حينما يلعنهم صحابة رسول الله وآل بيته ويتبرأ الجميع منهم.

...............

والعصافير تهجر الأوكار..

................

سقط العصفور مضرجا في دمائه، عصفور تافه هزيل، لكن الفتى انفعل برائحة الدماء وارتجف جسده بلذة توشك أن تودي بصوابه. راحت أنفاسه تتهدج وتملكته غريزة الصيد، سدد بندقيته في توتر، وراح يطلق الرصاص لكن لم يفلح الفتى أن ينال من عصفور آخر، كانت الرعدة التي ألمت به تجعل راحته تهتز، ولكنه لم يكف عن التسديد حتى نفذت ذخيرته تماما. حينذاك رمق العصفور في شيء من الاستخفاف، كان هزيلا لا يصلح كطعام.. ألقى به على قارعة الطريق ومضى عائدا صوب منزله.


----------------------------------------------------------

assarem
01-22-2007, 02:29 PM
أحسنت و أجدت يا أهل صلاح الدين
مشكورة أختي
الموضوع رائع و فيه من الايحاءات الكثير
اللهم فك أسر العراق