yasser_x
12-29-2006, 02:00 PM
عندما لا تقود مصر تسود الفوضي
بقلم :د. بشير موسي نافع
صادفت زيارتي القصيرة لمصر هذا الصيف الاحتفالات واسعة النطاق بالذكري الخمسين لثورة تموز (يوليو) 1952. وكما اصبحت هذه الذكري مناسبة تقليدية لتدافع الاراء حول ميراث الثورة والعهد الناصري، فان احتفالات هذا العام لم تخل من الاشادة بنظام تموز (يوليو) والتنديد به او تسليط الضوء علي انجازاته وتجاوزاته. ولكن الواضح ان الاحتفالات بذكري الثورة هذا العام اختلفت نوعا ما عن السنوات الماضية. ثمة اعادة اعتبار واضحة علي المستوي الرسمي لحدث الثورة باعتبارها نقطة تحول في تاريخ مصر الحديثة، كما ان هناك محاولة لا تخفي لتبني العهد الجمهوري برؤسائه السابقين الثلاثة: نجيب وناصر والسادات، بل بكل الاعضاء الاثني عشر لمجلس قيادة الثورة. لم يفتح تاريخ الثورة المصرية علي مصراعيه بعد، ومن الخطأ التصور بأن تاريخ الجمهورية قد اصبح مجالا حرا للبحث بعيدا عن الحساسيات السياسية، ولكن الدولة المصرية تري ان اسس شرعيتها ترتكز الي العصر الجمهوري كله من محمد نجيب الي انور السادات ومن لحظة مغادرة الملك فاروق شاطيء الاسكندرية الي لحظة عبور الجيش المصري قناة السويس الي شبه جزيرة سيناء المحتلة. مصر الجمهورية باختصار تعيش حالة مصالحة مع النفس، بلا خوف كبير من الاشادة بقيادات ما او توجيه النقد لقيادات اخري، من التشكيك بحكم ناصر والسادات الي ظهور حسين الشافعي علي شاشة التلفاز الرسمي مستعيدا ساعات الانقلاب الحرجة.
بيد ان من الصعب تجاهل حقيقة تلقي بظلالها الثقيلة علي احتفالات الذكري الخمسين لثورة تموز (يوليو)، حقيقة التراجع الملموس في دور مصر العربي والاقليمي عن ما كان عليه هذا الدور في العهد الناصري حتي بعد ان اوقعت بمصر هزيمة بالغة في جزيران (يونيو) 1967. لم يخترع عبد الناصر ثقل مصر ولا اوجد حجمها، فمصر هي صنيعة تاريخها وجغرافيتها، صنيعة الواقع الموضوعي الذي جعلها أكثر دول المنطقة سكانا وجعل شعبها الاكثر تجانسا واستقرارا، واعطاها القوة والامكانات والقدرة التي اهلتها للتصدي لاكبر الغزوات وان تقوم بدور الحارس لامن المنطقة والحاضن لميراثها. وبتحملها لمسؤولياتها تجاه جوارها الاستراتيجي، باسم الاسلام اولا، كانت مصر تؤمن رخاءها وتفتح الافاق لتجليات قدراتها وامكاناتها. منذ نهاية العشرينات، وبعد ان اصبح حلم استعادة الخلافة الاسلامية بعيد المنال والتحقق، احتضنت مصر الفكرة العربية واخذت تري في المشروع القومي العربي مصيرها، بغض النظر عن طبيعة الحكم او النظام او الزعيم. توجه مصر العربي واضطلاعها بمسؤولياتها العربية وادراكها للارتباط المصيري بين ازدهارها واحترامها لنفسها والتزامها دورها العربي جمع بين الشبان المسلمين ومصر الفتاة، بين الوفد والاخوان، بين الاحرار الدستوريين ومشيخة الازهر، وبين الملك ورؤساء وزرائه المتعاقبين من مصطفي النحاس الي علي ماهر الي محمد محمود الي فهمي النقراشي.
لم يخترع عبد الناصر هذا التاريخ ولا اوجده، كان دوره في الحقيقة هو الادراك والوعي ورؤية آفاق دور مصر ووسائل تحقيقه في حقبة تحول تاريخي حرج في تاريخ المنطقة والعالم. وقد سال مداد كثير حول سياسات عبد الناصر العربية، حول الحرب العربية الباردة التي خاضها وحول الانقسام العربي البالغ في عهده الذي تجلي في حروب دموية، كما حدث في اليمن، وفي انقلابات واغتيالات. ولكن الحقيقة ربما اكثر تعقيدا من هذه الرؤية التبسيطية. سعت مصر الملكية في الثلاثينات والاربعينيات في تسلم القياد العربي بالاقناع والسياسة وتوسيع الدور الاقتصادي وتأسيس علاقات الود الشخصية بين رجال الدولة والحكم، علي ان حرب 1948 اوضحت بما لا يدع مجالا للشك ان حالة التجزئة العربية وحالة التبعية العربية والنفوذ الاجنبي في بنية الدولة العربية اعمق بكثير من ان تواجه بالوسائل السياسية والدبلوماسية البحتة. وكان هذا في حد ذاته درسا هاما لمصر الناصرية. ان كان للتضامن العربي ان يوجد، ان كان للارادة العربية ان تتجلي، وان كان للعرب ان يحتلوا موقعهم في الساحة العالمية، فعلي مصر ان تقود وان تقود بالسياسة والحكمة والاقناع ان امكن وبوسائل من نوع اخر عند الحاجة او الضرورة. ثمة قيادات ودول وقوي عربية ادركت حقائق التاريخ والواقع واختارت ولاء او طوعا او ذرائعية جانب مصر الناصرية والتسليم بموقعها القيادي. وثمة قيادات ودول وقوي تنكرت لحقائق التاريخ والواقع واختارت التصدي لموقع مصر القيادي ودورها، بل وتحالفت مع القوي الغربية او استعانت بها لاضعاف مصر وتقويض دورها. في الحالة الاخيرة فقط وجدت مصر الناصرية من الضروري استخدام وسائل التهديد او القفز فوق جدار الانظمة ومخاطبة الجماهير بشكل مباشر، او اللجوء الي الانقلابات وتشجيع التحرك الشعبي ودعم القوي القومية المعارضة.
وربما جاء الوقت للاقرار بانه وبالرغم من مسلسل الصراعات العربية الداخلية في الستينيات، بالرغم من فشل مشروع الوحدة المصرية ـ السورية، وبالرغم من هزيمة حزيران (يونيو) فقد كان العالم اجمع يعرف ان هناك مركز ثقل عربي واحد تمثله القاهرة. اخذ هذا الوضع في الانهيار حتي وصل القاع بتوقيع معاهدة السلام المصرية ـ الاسرائيلية وابتعاد مصر السادات عن موقعها العربي القيادي من ناحية وادارة العرب ظهورهم لمركز ثقلهم التاريخي من ناحية اخري. اخذت تلك الحقبة القصيرة مداها حتي انطلق جهد عربي ومصري للخروج من قاع الانهيار في الثمانينات وذلك بعودة الحياة الي الجامعة العربية ومؤسسة القمة ثم تبلور التحالف المصري ـ السعودي ـ السوري بعد حرب الخليج، وباستعادة الدور المصري النشط في الساحة الفلسطينية وسعي القاهرة الحثيث لاقامة سوق عربية مشتركة. ولكن الحقيقة التي لا تخفي ان مقعد القيادة العربية لم يزل فارغا، وحتي المحور المصري ـ السوري ـ السعودي الذي يفترض ان يكون مركز الثقل الجديد للنظام العربي شكل في معظم الاوقات حالة تفاهم قلقة اكثر منه تحالفا ثابتا.
يتضح غياب مصر عن الاطلاع بدورها القيادي في امثلة عدة شهدتها الساحة العربية مؤخرا. فالمبادرة السعودية حول الصراع العربي ـ الاسرائيلي، التي بدت في حينها وكأنها انهيار جليدي سياسي هائل، طرحت من خلال صحافي امريكي ـ يهودي لا قيمة له الا في بعض العواصم العربية. وبالرغم من المساعي السعودية المتسارعة لتلافي ردود الفعل العربية، فان القاهرة فوجئت بالمبادرة كما فوجئت بها العواصم العربية الاخري. وقد فوجئت القاهرة من جديد خلال الاسابيع القليلة الماضية بتوقيع النظام السوداني الحاكم علي اتفاق رعته الولايات المتحدة لاحلال السلام في جنوب السودان يحمل في ثناياه امكانية انفصال الجنوب وتقسيم السودان. مثل هذا الاحتمال بالطبع يعتبر سابقة فيما يتعلق بالحفاظ علي الوحدة الاقليمية لدول الجامعة العربية التي لم تتعرض اي منها للانقسام من قبل، كما سيحمل تهديدا لا يخفي للامن المائي لمصر. ما بدا في مطلع الامور تدافعا علي السلطة في الخرطوم، ومحاولة من المجموعة الحاكمة في الخرطوم لترميم علاقاتها بواشنطن، وصل اخيرا الي اتفاق قد يؤدي الي انقلاب استراتيجي بعيد المدي في وادي النيل وشرق افريقيا تنفذه مجموعة من الحكام الهواة في السودان. اما المثال الثالث فيتعلق بالطبع بالمسألة العراقية. والقضية هنا ليست فيما ان كانت الحرب الامريكية علي العراق ستقع ام لا، او ان كان هذا الطرف او ذاك هو صاحب الحق، القضية ان مصير بلد عربي رئيسي، بل وربما مصير الجناح الشرقي كله من الوطن العربي، يجري تقريره بين الاطراف الدولية والاقليمية بدون ان يكون هناك ثمة دور ملحوظ للقاهرة.
هل كان لاي من هذه التطورات ان تقع في العهد الناصري بدون ان تكون مصر هي صاحبة القول الاهم، داعمة كانت او معارضة؟ هل كان يمكن لاي حاكم عربي ان يخرج علي العالم متحدثا باسم العرب جميعا ليقرر مستقبل الصراع العربي ـ الاسرائيلي بدون علم القاهرة المسبق؟ هل كان يمكن لحفنة من رجال الحكم في السودان، لا تمثل الا اقلية ضمن الاقلية من الخارطة السياسية السودانية، ان تقرر مصير وادي النيل، بل والوضع العربي كله في شرق افريقيا؟ وهل كان يمكن لواشنطن وبعض العواصم الغربية ان تبحث مستقبل العراق علي الملأ بدون ان تلقي بالا بالنظام العربي والموقف العربي؟
كما حكام وملوك الامارات والدويلات الالمانية والايطالية في القرن التاسع عشر، تجد الطبقات العربية الحاكمة في نظام التجزئة وضعا مريحا تمارس من خلاله وهم السيادة والسلطة وطقوس الاستقبال في لندن وواشنطن، مهما كان التعامل الانفرادي مع الدول الكبري مذلا او ضارا بمصالح الشعوب العربية. قلة فقط بين الحكام العرب تدرك اهمية الوحدة والتماسك وضرورة تقديم بعض التنازلات عن السيادة والسلطة لصالح المجموع العربي. هذا بالطبع ما يجعل من بروز قيادة عربية، بغض النظر عن المستوي الفعلي للوحدة، امرا بالغ التعقيد، يحتاج مجموعة من الوسائل والادوات، ابتداء من الحنكة السياسية الي لي الاذرع والتلويح بالقوة. وهذا ايضا ما يجعل المرشحين لاحتلال مقعد القيادة العربية لا يزيد عن دولة واحدة.
بيد ان الاطلاع بدور القيادة العربية ليس امتيازا فقط بل مسؤولية كبري تتطلب شيئا من التضحية في بعض الاحيان. وعندما يكون الوضع العالمي علي ما هو عليه الان حيث تنفرد الولايات المتحدة بالقرار الدولي، وتنتشر القوات الامريكية في شرق الارض وغربها، ويتجنب حتي الكبار الصدام المباشر مع الارادة الامريكية، فان هذه التضحيات قد تكون باهظة. ولكن القيادة قدر، ان امكن الهرب منه بعض الوقت او بعض الحالات فان من المستحيل الهرب منه كل الوقت وفي كل الحالات.
بقلم :د. بشير موسي نافع
صادفت زيارتي القصيرة لمصر هذا الصيف الاحتفالات واسعة النطاق بالذكري الخمسين لثورة تموز (يوليو) 1952. وكما اصبحت هذه الذكري مناسبة تقليدية لتدافع الاراء حول ميراث الثورة والعهد الناصري، فان احتفالات هذا العام لم تخل من الاشادة بنظام تموز (يوليو) والتنديد به او تسليط الضوء علي انجازاته وتجاوزاته. ولكن الواضح ان الاحتفالات بذكري الثورة هذا العام اختلفت نوعا ما عن السنوات الماضية. ثمة اعادة اعتبار واضحة علي المستوي الرسمي لحدث الثورة باعتبارها نقطة تحول في تاريخ مصر الحديثة، كما ان هناك محاولة لا تخفي لتبني العهد الجمهوري برؤسائه السابقين الثلاثة: نجيب وناصر والسادات، بل بكل الاعضاء الاثني عشر لمجلس قيادة الثورة. لم يفتح تاريخ الثورة المصرية علي مصراعيه بعد، ومن الخطأ التصور بأن تاريخ الجمهورية قد اصبح مجالا حرا للبحث بعيدا عن الحساسيات السياسية، ولكن الدولة المصرية تري ان اسس شرعيتها ترتكز الي العصر الجمهوري كله من محمد نجيب الي انور السادات ومن لحظة مغادرة الملك فاروق شاطيء الاسكندرية الي لحظة عبور الجيش المصري قناة السويس الي شبه جزيرة سيناء المحتلة. مصر الجمهورية باختصار تعيش حالة مصالحة مع النفس، بلا خوف كبير من الاشادة بقيادات ما او توجيه النقد لقيادات اخري، من التشكيك بحكم ناصر والسادات الي ظهور حسين الشافعي علي شاشة التلفاز الرسمي مستعيدا ساعات الانقلاب الحرجة.
بيد ان من الصعب تجاهل حقيقة تلقي بظلالها الثقيلة علي احتفالات الذكري الخمسين لثورة تموز (يوليو)، حقيقة التراجع الملموس في دور مصر العربي والاقليمي عن ما كان عليه هذا الدور في العهد الناصري حتي بعد ان اوقعت بمصر هزيمة بالغة في جزيران (يونيو) 1967. لم يخترع عبد الناصر ثقل مصر ولا اوجد حجمها، فمصر هي صنيعة تاريخها وجغرافيتها، صنيعة الواقع الموضوعي الذي جعلها أكثر دول المنطقة سكانا وجعل شعبها الاكثر تجانسا واستقرارا، واعطاها القوة والامكانات والقدرة التي اهلتها للتصدي لاكبر الغزوات وان تقوم بدور الحارس لامن المنطقة والحاضن لميراثها. وبتحملها لمسؤولياتها تجاه جوارها الاستراتيجي، باسم الاسلام اولا، كانت مصر تؤمن رخاءها وتفتح الافاق لتجليات قدراتها وامكاناتها. منذ نهاية العشرينات، وبعد ان اصبح حلم استعادة الخلافة الاسلامية بعيد المنال والتحقق، احتضنت مصر الفكرة العربية واخذت تري في المشروع القومي العربي مصيرها، بغض النظر عن طبيعة الحكم او النظام او الزعيم. توجه مصر العربي واضطلاعها بمسؤولياتها العربية وادراكها للارتباط المصيري بين ازدهارها واحترامها لنفسها والتزامها دورها العربي جمع بين الشبان المسلمين ومصر الفتاة، بين الوفد والاخوان، بين الاحرار الدستوريين ومشيخة الازهر، وبين الملك ورؤساء وزرائه المتعاقبين من مصطفي النحاس الي علي ماهر الي محمد محمود الي فهمي النقراشي.
لم يخترع عبد الناصر هذا التاريخ ولا اوجده، كان دوره في الحقيقة هو الادراك والوعي ورؤية آفاق دور مصر ووسائل تحقيقه في حقبة تحول تاريخي حرج في تاريخ المنطقة والعالم. وقد سال مداد كثير حول سياسات عبد الناصر العربية، حول الحرب العربية الباردة التي خاضها وحول الانقسام العربي البالغ في عهده الذي تجلي في حروب دموية، كما حدث في اليمن، وفي انقلابات واغتيالات. ولكن الحقيقة ربما اكثر تعقيدا من هذه الرؤية التبسيطية. سعت مصر الملكية في الثلاثينات والاربعينيات في تسلم القياد العربي بالاقناع والسياسة وتوسيع الدور الاقتصادي وتأسيس علاقات الود الشخصية بين رجال الدولة والحكم، علي ان حرب 1948 اوضحت بما لا يدع مجالا للشك ان حالة التجزئة العربية وحالة التبعية العربية والنفوذ الاجنبي في بنية الدولة العربية اعمق بكثير من ان تواجه بالوسائل السياسية والدبلوماسية البحتة. وكان هذا في حد ذاته درسا هاما لمصر الناصرية. ان كان للتضامن العربي ان يوجد، ان كان للارادة العربية ان تتجلي، وان كان للعرب ان يحتلوا موقعهم في الساحة العالمية، فعلي مصر ان تقود وان تقود بالسياسة والحكمة والاقناع ان امكن وبوسائل من نوع اخر عند الحاجة او الضرورة. ثمة قيادات ودول وقوي عربية ادركت حقائق التاريخ والواقع واختارت ولاء او طوعا او ذرائعية جانب مصر الناصرية والتسليم بموقعها القيادي. وثمة قيادات ودول وقوي تنكرت لحقائق التاريخ والواقع واختارت التصدي لموقع مصر القيادي ودورها، بل وتحالفت مع القوي الغربية او استعانت بها لاضعاف مصر وتقويض دورها. في الحالة الاخيرة فقط وجدت مصر الناصرية من الضروري استخدام وسائل التهديد او القفز فوق جدار الانظمة ومخاطبة الجماهير بشكل مباشر، او اللجوء الي الانقلابات وتشجيع التحرك الشعبي ودعم القوي القومية المعارضة.
وربما جاء الوقت للاقرار بانه وبالرغم من مسلسل الصراعات العربية الداخلية في الستينيات، بالرغم من فشل مشروع الوحدة المصرية ـ السورية، وبالرغم من هزيمة حزيران (يونيو) فقد كان العالم اجمع يعرف ان هناك مركز ثقل عربي واحد تمثله القاهرة. اخذ هذا الوضع في الانهيار حتي وصل القاع بتوقيع معاهدة السلام المصرية ـ الاسرائيلية وابتعاد مصر السادات عن موقعها العربي القيادي من ناحية وادارة العرب ظهورهم لمركز ثقلهم التاريخي من ناحية اخري. اخذت تلك الحقبة القصيرة مداها حتي انطلق جهد عربي ومصري للخروج من قاع الانهيار في الثمانينات وذلك بعودة الحياة الي الجامعة العربية ومؤسسة القمة ثم تبلور التحالف المصري ـ السعودي ـ السوري بعد حرب الخليج، وباستعادة الدور المصري النشط في الساحة الفلسطينية وسعي القاهرة الحثيث لاقامة سوق عربية مشتركة. ولكن الحقيقة التي لا تخفي ان مقعد القيادة العربية لم يزل فارغا، وحتي المحور المصري ـ السوري ـ السعودي الذي يفترض ان يكون مركز الثقل الجديد للنظام العربي شكل في معظم الاوقات حالة تفاهم قلقة اكثر منه تحالفا ثابتا.
يتضح غياب مصر عن الاطلاع بدورها القيادي في امثلة عدة شهدتها الساحة العربية مؤخرا. فالمبادرة السعودية حول الصراع العربي ـ الاسرائيلي، التي بدت في حينها وكأنها انهيار جليدي سياسي هائل، طرحت من خلال صحافي امريكي ـ يهودي لا قيمة له الا في بعض العواصم العربية. وبالرغم من المساعي السعودية المتسارعة لتلافي ردود الفعل العربية، فان القاهرة فوجئت بالمبادرة كما فوجئت بها العواصم العربية الاخري. وقد فوجئت القاهرة من جديد خلال الاسابيع القليلة الماضية بتوقيع النظام السوداني الحاكم علي اتفاق رعته الولايات المتحدة لاحلال السلام في جنوب السودان يحمل في ثناياه امكانية انفصال الجنوب وتقسيم السودان. مثل هذا الاحتمال بالطبع يعتبر سابقة فيما يتعلق بالحفاظ علي الوحدة الاقليمية لدول الجامعة العربية التي لم تتعرض اي منها للانقسام من قبل، كما سيحمل تهديدا لا يخفي للامن المائي لمصر. ما بدا في مطلع الامور تدافعا علي السلطة في الخرطوم، ومحاولة من المجموعة الحاكمة في الخرطوم لترميم علاقاتها بواشنطن، وصل اخيرا الي اتفاق قد يؤدي الي انقلاب استراتيجي بعيد المدي في وادي النيل وشرق افريقيا تنفذه مجموعة من الحكام الهواة في السودان. اما المثال الثالث فيتعلق بالطبع بالمسألة العراقية. والقضية هنا ليست فيما ان كانت الحرب الامريكية علي العراق ستقع ام لا، او ان كان هذا الطرف او ذاك هو صاحب الحق، القضية ان مصير بلد عربي رئيسي، بل وربما مصير الجناح الشرقي كله من الوطن العربي، يجري تقريره بين الاطراف الدولية والاقليمية بدون ان يكون هناك ثمة دور ملحوظ للقاهرة.
هل كان لاي من هذه التطورات ان تقع في العهد الناصري بدون ان تكون مصر هي صاحبة القول الاهم، داعمة كانت او معارضة؟ هل كان يمكن لاي حاكم عربي ان يخرج علي العالم متحدثا باسم العرب جميعا ليقرر مستقبل الصراع العربي ـ الاسرائيلي بدون علم القاهرة المسبق؟ هل كان يمكن لحفنة من رجال الحكم في السودان، لا تمثل الا اقلية ضمن الاقلية من الخارطة السياسية السودانية، ان تقرر مصير وادي النيل، بل والوضع العربي كله في شرق افريقيا؟ وهل كان يمكن لواشنطن وبعض العواصم الغربية ان تبحث مستقبل العراق علي الملأ بدون ان تلقي بالا بالنظام العربي والموقف العربي؟
كما حكام وملوك الامارات والدويلات الالمانية والايطالية في القرن التاسع عشر، تجد الطبقات العربية الحاكمة في نظام التجزئة وضعا مريحا تمارس من خلاله وهم السيادة والسلطة وطقوس الاستقبال في لندن وواشنطن، مهما كان التعامل الانفرادي مع الدول الكبري مذلا او ضارا بمصالح الشعوب العربية. قلة فقط بين الحكام العرب تدرك اهمية الوحدة والتماسك وضرورة تقديم بعض التنازلات عن السيادة والسلطة لصالح المجموع العربي. هذا بالطبع ما يجعل من بروز قيادة عربية، بغض النظر عن المستوي الفعلي للوحدة، امرا بالغ التعقيد، يحتاج مجموعة من الوسائل والادوات، ابتداء من الحنكة السياسية الي لي الاذرع والتلويح بالقوة. وهذا ايضا ما يجعل المرشحين لاحتلال مقعد القيادة العربية لا يزيد عن دولة واحدة.
بيد ان الاطلاع بدور القيادة العربية ليس امتيازا فقط بل مسؤولية كبري تتطلب شيئا من التضحية في بعض الاحيان. وعندما يكون الوضع العالمي علي ما هو عليه الان حيث تنفرد الولايات المتحدة بالقرار الدولي، وتنتشر القوات الامريكية في شرق الارض وغربها، ويتجنب حتي الكبار الصدام المباشر مع الارادة الامريكية، فان هذه التضحيات قد تكون باهظة. ولكن القيادة قدر، ان امكن الهرب منه بعض الوقت او بعض الحالات فان من المستحيل الهرب منه كل الوقت وفي كل الحالات.



