برامج

الأندلس من الفتح إلى السقوط ..... [الأرشيف] - برامج نت

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأندلس من الفتح إلى السقوط .....


sosinano
12-09-2006, 10:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سنتعرض في هذا الجزء إلى تاريخ الأندلس والذي لا نعلم عنه شيئا تقريبا لذلك ستجدون هنا ملخصات شديدة جدا لهذا التاريخ الطويل إذ أن تاريخ الأندلس هو تاريخ 800 سنة ومليء بالأحداث والعبر وسنفهم منه الكثير من الأمور الغامضة أو التي قد نستحي من ذكرها فمثلا قد نستحي من ذكر أن الإسلام انتشر بحد السيف وهذه كلمة حق أريد بها باطل فمن خلال قراءتنا في هذه السلسة من التاريخ الأندلسي سيتبين لنا لماذا دخل المسلمون الأندلس وما معنى الجهاد وما معنى الفتح الإسلامي وهل هو استعمار أم أنه يختلف عنه بل سنعرف أيضا أمورا كالجزية لماذا كانت تُفرض على أهل الكتاب وهل كانت تتسبب فعلا إجبارهم للدخول إلى الإسلام وسنعرف أيضا كيف كان المسلمون ينتصرون في الأندلس وكيف انهزموا وكيف خرجوا منها في النهاية سنعرف الكثير ولكن تابعوا الأجزاء التي توضع هنا لمعرفة كل هذا وأكثر ففي النهاية أنت المستفيد من هذا التاريخ الطويل بالنسبة لتاريخ تلك الأمة .


منقول

mt man
12-09-2006, 11:22 PM
مشكور أتمنى أن تضع المواضع في أقرب فرصة
فتاريخ الأندلس به عبرة لمن لا يعتبر

sosinano
12-09-2006, 11:47 PM
بارك الله فيك أخ mt man على المرور

إنشاء الله في أسرع وقت.....

sosinano
12-09-2006, 11:50 PM
الأفكار:

1- لماذا نتحدث في التاريخ ؟ .

2- لماذا تاريخ الأندلس ؟ .

3- سؤال هام جدا .

4- لماذا تمت الدعوة للإسلام عندما دخل المسلمون الحرب ولماذا لم تكن بالتجارة ؟ .

5- لماذا يلام المسلمين على فتوحاتهم ؟ .

6- لماذا لا يترك المسلمون الناس ودينهم فلماذا يحاربون من أجل نشر هذا الدين ؟ .

7- ما هي الأندلس ؟ ولماذا فتحت دونا عن غيرها ؟ .



(1)

كثير من الناس يتساءل لماذا نتحدث عن التاريخ ولماذا نبكي على اللبن المسكوب ؟ .



في الحقيقة إن ثلث القرآن الكريم قصص وهذا أمر يلفت النظر وهو أسلوب رباني فريد في التربية والقرآن الكريم فيه آيات تشير إلى منهج المسلم في تلقي القصص فيقول الله عز وجل { فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (176) سورة الأعراف .

ويقول أيضا { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (111) سورة يوسف .

إذن لما نقص القصص بصفة عامة لابد أن نأخذه بهذا المنطلق منطلق التفكر والتدبر وهذه السلسلة التي سنذكرها لكم ليست من باب إشعال العواطف أو تحريكها أو البكاء على اللبن المسكوب لكن هي دعوة للتفكر والتدبر وهي طريق نبدأ فيه سويا ننقب عن صفحة من صفحات التاريخ الإسلامي وهي ليست كافية أبدا لتاريخ الأندلس الذي استمر حوالي 800 سنة وهذه السلسلة نحاول فيها إظهار الحق الذي حاول كثيرون جعله باطلا أو إظهار الباطل الذي زعم الكثيرون أنه حق .

وفي هذه السلسلة أيضا سنتعرف على سنن الله في كونه التي لا تتغير ولا تتبدل {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} (62) سورة الأحزاب .

بمعنى أننا نجد الماء على سبيل المثال يغلي عند درجة حرارة 100 درجة مئوية فلو أنه يغلي يوما عند 50 درجة ويوما آخر يغلي عند 150 درجة فلن تستقيم الحياة ولكن الله يثبت قوانين معنية فمثلا النار تحرق وستظل تحرق إلى يوم القيامة وهناك استثناءات فمثلا النار لم تحرق إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فهل يمكن للمؤمن أن يعيش على هذه الاستثناءات بأن يضع يده في النار ويقول ربما لا تحرقني بالطبع لا .

ومن ينظر إلى التاريخ ويقلب صفحاته يجد أن التاريخ يكرر نفسه بطريقة عجيبة فتشعر وكأنها نفس الأحداث ولكن بأسماء مختلفة وبهذا فتشعر أن الله عز وجل فتح لك المستقبل فكأنه يمكنك النظر إلى المستقبل من خلال أحداث ماضية وثوابت الله التي لم تتغير والمؤمن الفطن هو الذي يتجنب أخطاء السابقين ويستفيد منها حتى لا يكررها هو .

(2)

والسؤال الآن لماذا ندرس التاريخ الأندلسي ؟ .

وذلك لأنه تاريخ يشمل أكثر من 800 سنة من سنة 92 هـ إلى 897 هـ وكان له تداعيات بعد هذه الفترة أيضا ومن العجيب أن كثير من المسلمين لا يدري شيئا من هذا التاريخ وأيضا لكبر هذا التاريخ نجد أن سنن الله تتكرر ونجد دولا تصبح قوية وتنتصر ودولا تصبح ضعيفة وتنهزم كما يحدث الآن وظهر في هذا التاريخ المجاهد الشجاع والخائف الجبان وظهر التقي الورع وظهر المخالف لشرع ربه وظهر الأمين على نفسه ودينه وبلده وظهر الخائن لنفسه ودينه وبلده وظهرت هذه الأمور في عوام الشعب والحكام والعلماء.

فعلى سبيل المثال من منا يسمع عن معركة ( وادي برباط ) Berbat والتي تشبه في التاريخ بمعركة القادسية واليرموك ؟ .

وهي التي كانت بداية فتح الأندلس وهي التي لا نعلم عنها شيئا وقصة حرق السفن التي أحرقها طارق بن زياد أهي حقيقية؟ وتفاصيل هذا الأمر لا يعلمه أحد ومن هو عبد الرحمن الداخل والذي قال فيه المؤرخون لولا عبد الرحمن الداخل لانتهى الإسلام بالكلية من الأندلس؟ ومن هو عبد الرحمن الناصر أعظم ملوك أوروبا في القرون الوسطى على الإطلاق وكيف وصل لهذه المكانة وكيف أصبح أقوى قوة في العالم في عصره ؟ .

ويوسف بن تشفين صاحب موقعة ( الزلاقة ) كيف نشأ ؟ وكيف ربى الناس على الجهاد وكيف وصل بدولته إلى حدود لم يصل إليها المسلمين في كثير من الفترات ؟ .

وأبو بكر بن عمر المنصوري من يسمع عن هذا الرجل ومن يسمع عن هذا الرجل من عامة المسلمين هذا المجاهد الذي أدخل الإسلام في أكثر من خمسة عشر دولة إفريقية ؟.

ومن يسمع عن أبي يوسف يعقوب المنصور صاحب ( موقعة الأرك ) التي دكت فيها حصون الصليبيين والتي انتصر فيها المسلمون انتصارا ساحقا ؟ ومن يسمع عن مسجد قرطبة الذي كان أكبر مسجد في زمانه وإلى أزمان متلاحقة بعد ذلك وكيف حُول إلى كنيسة ومن يسمع عن دولة المرابطين ودولة الموحدين ومن يسمع عن مسجد أشبيلية العجيب ومن يسمع عن جامعة قرطبة والمكتبة الأموية ومن يسمع عن قصر الزهراء ومدينة الزاهرة وقصر الحمراء وغيرها من الأماكن التي يزورها المسلمين وغير المسلمين إلى الآن .

ومن يسمع عن موقعة العقاب التي هُزم فيها المسلمون فيها هزيمة ساحقة والتي كان عددهم يفوق عدد أعدائهم وكأن حنين تتكرر من جديد والتي قال فيها المؤرخون أن بعد هذه المعركة لا يُرى شاب مسلم يصلح للقتال في الأندلس أو المغرب كلها والتي قتل فيها أكثر من ثمانين ألف مسلم .

وكيف سقطت الأندلس وما هي عوامل السقوط التي إن تكررت سقطت الأمة لأن لله سننا لا تتغير ؟ وكيف سطعت شمس الإسلام في القسطنطينية بعد سقوط الأندلس ؟.

وما هي مأساة ( بلنسيا ) وقتل ستين ألف مسلم في يوم واحد وما هي مأساة (أُوبَادَّا ) وقتل ستين ألف مسلم آخرين في يوم واحــــــــــــــد وما هي مأساة ( بَرْبَشْتَر) وقتل أربعين ألف مسلم وسبي سبعة آلاف فتاة بكر من فتيات بربشتر وكأنها البوسنة والهرسك وكيف قاموا المسلمين من هذه المآسي والتي إن عرفنا أسباب القيام لقمنا الآن .

فتاريخ الأندلس ثروة حقيقية من العلم والخبرة والعبرة وهو صفحات من 800 سنة ومن المستحيل أن نلخصها في مجموعة من المقالات فأنت في حاجة لأن تقرأ هذا التاريخ لعدة سنين فأنت أمامك مشوار طويل في البحث حتى تتعرف على سنن الله في الكون .

وهناك بعض الأسئلة التي قد تجول في خاطر الناس وهنا نحن نحاول الرد عليها لأن هذه مقدمة لتاريخ الأندلس ومن أمثلة هذه الأسئلة هي:

(3)

لماذا حمل المسلمون السلاح وانطلقوا يحاربون دولة أخرى مستقلة كالأندلس وهي دولة حرة وليعرضوا عليها الإسلام أو يفرضوا عليها الجزية أليس هذا يعتبر تعديا على شرعية الدول كما نقول الآن وأن الإسلام انتشر بحد السيف؟ وكيف توفق بين انتشار الإسلام بحد السيف وقوله تعالى { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } (256) سورة البقرة ؟.

وللتفسير نقول إن الجهاد في الإسلام نوعان جهاد الدفع و جهاد الطلب

أما عن جهاد الدفع فهو الدفاع عن الأرض والبلد وهو نوع يقره الجميع الآن والنوع الآخر هو جهاد الطلب أو جهاد نشر الدعوة فالإسلام هو الدين الخاتم والله كلف الأمة أن تعلم الناس الإسلام ومن سنن الله عز وجل أن هناك أقوام يحكمون الشعوب الأخرى التي لا تدين بالإسلام وهذه الأقوام لا محالة ستمنع وصول هذه الدعوة للناس فالإسلام شرع للمسلمين أن يتجهوا بسيوفهم وجيوشهم لحماية الدعاة لله سبحانه وتعالى لنشر هذا الدين وتعليمهم الدين .

فمن لهؤلاء الذين يولدون ويعلمونهم أن المسيح عيسى بن مريم هو الله ؟ ومن لهؤلاء الذين يولدون في بلاد يعلمونهم أن البقرة هي الإله ؟ ومن للذين يولدون ويعلموهم أن ليس للكون إله وأن الطبيعة هو المسيرة لنفسها ؟.

ومن المعروف أن الحكام لهذه الشعوب سيقفون أمام الدعاة بسيوفهم وجيوشهم لأنهم مستفيدون من عبادة شعوبهم لهذه الآلهة الباطلة وبالتالي علينا أيضا كمسلمين أن نقف أمامهم لمنعهم .

فالمسلمون لا يقاتلون الشعوب فكان عمر بن الخطاب يقول للجيوش الفاتحة ( اتقوا الله في الفلاحين ) وهم الذين لا يهمهم أمر الحاكم أو الناس الذين لا يستطيعون القتال أو الناس الذين هم أقوياء ولكنهم لا يحاربون أو النساء أو الأطفال فقط كان المسلمون يحاربون الجيوش .

douja_brada
12-10-2006, 11:45 AM
موضوع مهم اخي و اتمنى ان توفق فيه ان شاء الله .لان حالة الاندلس زمن الطوائف هو حالتنا الحالية

sosinano
12-10-2006, 11:53 AM
مشكور أخ douja_brada على المرور
هو فعلا موضوع مهم ومثال لواقعنا....

mt man
12-10-2006, 12:00 PM
في نتضار المزيد
جزاك الله خيرا وأفاد المسلمين من تاريخ الأندلس المجيد

larchim
12-10-2006, 07:30 PM
جزاك الله خيرا اخي الكريم على هدا الموضوع القيم والدي نجهل الكتير منه .
هده اسطوانة شاملة عن الدوله الاندلسية

*بداية الدوله الاندلسيه وكل ذلك بالنص والصوت والصورة
*مئات من المواقف بالرسوم المتحركه والتي تعبر عن قيم واخلاق هذه الامة
*تراجم مئات من الشخصيات المؤثرة التي اثرت في تاريخنا الاسلامي بالنص والصورة
*اهم المعارك والفتوح الدعومه بالخرائط بالصوت والصوره .
والكتير عن هده الدولة العظيمة.


http://up20.net/uploads/0b208ec514.png (http://up20.net/)

http://up20.net/uploads/477834df9f.png (http://up20.net/)

حملوا بسرعة قبل حدف الروابط من الموقع

http://www.4shared.com/file/6322529/...ssypart01.html (http://www.4shared.com/file/6322529/5344fb95/Andalussypart01.html)
http://www.4shared.com/file/6323362/...ssypart02.html (http://www.4shared.com/file/6323362/1ccbfcce/Andalussypart02.html)
http://www.4shared.com/file/6375031/...ssypart03.html (http://www.4shared.com/file/6375031/177837c4/Andalussypart03.html)
http://www.4shared.com/file/6728665/...ssypart04.html (http://www.4shared.com/file/6728665/c8f46e91/Andalussypart04.html)
http://www.4shared.com/file/6729997/...ssypart05.html (http://www.4shared.com/file/6729997/1282332a/Andalussypart05.html)
http://www.4shared.com/file/6731211/...ssypart06.html (http://www.4shared.com/file/6731211/c7b9f2a9/Andalussypart06.html)
http://www.4shared.com/file/6732662/...ssypart07.html (http://www.4shared.com/file/6732662/44d32e6/Andalussypart07.html)
http://www.4shared.com/file/6734155/...ssypart08.html (http://www.4shared.com/file/6734155/9120bddf/Andalussypart08.html)
http://www.4shared.com/file/6788394/...ssypart09.html (http://www.4shared.com/file/6788394/74109882/Andalussypart09.html)
http://www.4shared.com/file/6789284/...ssypart10.html (http://www.4shared.com/file/6789284/d475a491/Andalussypart10.html)
http://www.4shared.com/file/6312962/...ssypart11.html (http://www.4shared.com/file/6312962/ee4064ad/Andalussypart11.html)
http://www.4shared.com/file/6310694/...ssypart12.html (http://www.4shared.com/file/6310694/21ee52e1/Andalussypart12.html)

sosinano
12-10-2006, 10:33 PM
بارك الله فيك أخي larchim وجعله إن شاء الله في ميزان حسناتك

sosinano
12-10-2006, 10:49 PM
(4)

وقد يسأل سائل فيقول لو توفر لنا دعوتهم بغير حرب كما حدث في اندونيسيا عن طريق التجارة أسلموا وليس عن طريق الحرب فلماذا نبدأ بالحرب ؟ .

في الحقيقة انتشار الإسلام بالتجارة هو الاستثناء من القاعدة كما بينا سابقا فمثلا بلاد فارس فُتحت عسكريا كلها وهي دول تشمل 15على 16 من دول الإتحاد السوفيتي قبل أن يسقط وهذه الدول فتحها المسلمون بجهاد واستشهاد وقتال مرير طويل وكذلك الرومان فتحها المسلمون بقتال عسكري والشام والتي تضم لبنان وفلسطين وكذلك القسطنطينية وكذلك شرق أوروبا كله فُتح عسكريا وهناك بلاد ظلت إسلامية في شرق أوروبا قرونا مثل بلغاريا واليونان والمجر ورومانيا ويغوسلفيا بكاملها وقبرص ومالطا وأجزاء من النمسا عاش فيها الإسلام قرونا ثم اختفى منها الإسلام وكل هذه البلاد فُتح بالجهاد في سبيل الله وكذلك شمال إفريقيا ووسط أفريقيا وكذلك الأندلس .

إذن فالأساس أن الجهاد هو القاعدة التي يريد الله بها نشر دينه وليس التجارة أو حرية الكلام ونجد الآن أن الناس قد فُتنت بحرية الرأي والتعبير في الدول الغربية بصفة عامة ونرد فنقول أن الدعاة يسمح لهم بالكلام والدعوة لأنهم لم يصلوا إلى القوة المغيرة في هذه المجتمعات فإن وصلوا لهذه القوة مُنعوا من الدعوة وإذا كانت هذه الدول لا تسمح بإقامة دولة إسلامية مجاورة لها ومثال لهذا السودان عندما أعلنت إقامة الشريعة الإسلامية في بعض الولايات فقامت الدنيا ولم تقعد وقامت أمريكا بضرب مصنع للأدوية بحجة تصنيع أسلحة كيميائية وكان ذلك بسبب بوادر قيام دولة إسلامية في بلد ضعيفة كالسودان وبعيدة كل البعد عن الدول الغربية فما بالكم إن قامت دولة إسلامية في دولة من هذه الدول أو كان هناك وجود قوي للمسلمين في هذه الدول ؟ .

مثال آخر ما حدث في فرنسا عندما دخلت الفتيات الصغيرات المدرسة وهن محجبات منعوهم من دخولها الآن بل ويناقشوا الآن قانون حظر الحجاب وهي بلد الحريات كما يزعمون .

وكان في أمريكا يدرسون قانون القبض على أي شخص يمس الأمن القومي لهذه البلد بغير دليل وذلك ليكون فتحة للقبض على الدعاة النشطين فيها وفرصة لهم .

وقد تجد بعض الناس يقول لك إن هذا الزمن ليس بزمن الحروب والفتوحات وإنما هو زمن السياسات والمفاوضات ولكن واقع الأمر أنك تجد الحروب العسكرية في كل مكان حتى على المسلمين وأقربها على العراق .

(5)

ومن العجيب تجد المسلمين يلاموا أنهم قاموا بهذه الفتوحات التي نشرت الدين والعلم في العالم ولا تلام إسرائيل التي دمرت المفاعل النووي في العراق والتي قتلت المصريين في 67 وما فعلته في لبنان وسوريا وما تفعله في فلسطين أليس كان هذا حلا عسكريا ؟ ألم يكن من ناتج هذا الحل هو نهب ثرواتنا وأموالنا وقد كان المسلمون في فتوحاتهم ينشرون الرحمة والعدل بين الناس وهل يلام المسلمين ولا تلام أمريكا على الحروب المتتالية على دولة العراق والموبقات التي فعلت بالعراق وعلى وفات أكثر من نصف مليون طفل عراقي والحرب السابقة على العراق وما فيها من قتل للأبرياء؟ ولا يلام الصرب على ما فعلوا في البوسنة والهرسك وما حدث في كوسوفا وقتل 200 ألف مسلم في كل منهما وهتك عرض 50 ألف فتاة مسلمة ويلام المسلمون على الحريات العظيمة التي أعطوها لليهود والنصارى في حكم الدولة الإسلامية ؟ .

ألا تلام روسيا على اجتياح الشيشان واجتياح أفغانستان وقتل الكثير من المدنيين ليل نهار وتدمير المنشآت المدنية في هذه البلاد ويلام المسلمين على نشر العلم في هذه البلاد وكانت من قبل تعبد النار ؟ .

أيلام المسلمون الذين فتحوا جمهوريات جنوب روسيا بصفة عامة ولا تلام روسيا والصين الذين احتلوا أجزاء كثيرة وحكموا البلاد بالحديد والنار وقتلوا كل من كان يخفي في بيته مصحفا فهؤلاء الذين حكموا البلاد باسم الحضارة والمدنية .

نلاحظ أن مثل هؤلاء يحاولون تشويه التاريخ الإسلامي وهو الذي يجب ألا نستحي منه أبدا بل هم الذين يجب ألا يستحوا منه .

(6)

وكثير من الناس يقول لك مالنا ومال الآخرين ما الذي يجعلنا نحرك جيوشنا لنعلم الناس أن الله واحد افرض أن الناس لم يريدوا هذا الدين وقالوا لك لا نريد أن نسلم فنقول إن الله عز وجل جعل للمسلم رسالة وهذه الرسالة يوضحها لنا الصحابي الجليل ربعي بن عامر الذي قال لرستم قائد الفرس في موقعة القادسية فيقول ربعي بن عامر رضي الله عنه وأرضاه ( لقد إبتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ) .

وفي صحيح البخاري يعلق أبي هريرة رضي الله عنه على الآية { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } (110) سورة آل عمران. ( خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام ). فلو أن الناس ترفض الإسلام فتأتي فتنقذهم من أن يخلد في جهنم أو من جور الحكام إلى أن يدخل في عدل الإسلام وسعة الدنيا والآخرة .

تخيل أن رجلا أراد أن يلقي بنفسه من مكان مرتفع وقمت أنت بشد يده بقوة وآلمته على هذا فهل سيلومك أحد على ما فعلت ؟ فكذلك يفعل الإسلام مع الذين لا يريدون الإسلام لهذا نخرج لهم بالجيوش لننقذهم من هاوية السقوط في النار وليست هاوية الدنيا .

وكثير من الناس لا تسمع لك إلا إذا كنت محاطا بقوة فتجد أن ما كانت ترفضه هو النجاة وما كانت تريد إتباعه هو الهلاك المحقق فكثير من الناس دخلوا الإسلام على يد الفاتحين وقول الله عز وجل لا إكراه في الدين لا يتعارض أبدا مع هذا الفتح فالمسلمون عندما يدخلون هذه البلاد يخيرون الناس بأن يظلوا على إيمانهم ومعتقداتهم أم يدخلون في الإسلام وبالطبع كان المسلمون يعلموهم الإسلام وعلى الناس الاختيار .

فالناس بحاجة إلى الإسلام حتى وإن رفضوا ذلك فالكثير من الدول الغربية تكيل بمكاييل مختلفة وتجعل الظلم قاعدة من القواعد التي ترسخها في العالم ونلاحظ الأمراض الأخلاقية بدأت تنتشر ففي أحد المؤتمرات عن الإيدز وجدوا أنه في خلال العشرين سنة الماضية من 1980إلى 2000 قتل من البشر 20 مليون بسبب الإيدز وهو مرض خلاقي نتج من بعد الناس عن دين الله سبحانه وتعالى وعن شرعه وأقل معدلات الإصابة بهذا المرض في البلاد الإسلامية لارتباط المسلمون بشرع ربهم وإن كان ضعيفا .

وانظروا إلى المذابح التي تحدث في أفريقيا وأمريكا الجنوبية فكثير من الناس يموتون ظلما فالإسلام كان دين رحمة ويجعل الإنسان يعش في سعادة ويخرج من ظلم نفسه وهو الشرك بالله رب العالمين .

sosinano
12-10-2006, 11:02 PM
(7)

ترى ما هي بلاد الأندلس التي سنتحدث عنها ؟ .

الأندلس الآن هي أسبانيا والبرتغال أو ما يسمى بشبه الجزيرة الأيبيرية ومساحتها حوالي 600 ألف كيلو متر مربع أي ثلثي مساحة مصر وتناقصت الأرض عليهم بمرور الأزمان .



ومن الذي سماها الأندلس ؟ .

فنقول بعض القبائل الهمجية التي دخلت هذه البلاد وهذه هي قبائل الفندال وهي قبائل وحشية همجية ثم حرف الاسم إلى فندالسيا حتى إنه في اللغة الإنجليزية كلمة (vandalism) أي همجي أو غير حضاري ثم خرجت هذه القبائل من الأندلس وجاءت طائفة من النصارى والتي تسمى قبائل القوط .



ولماذا الأندلس تحديدا هي التي تم فتحها ؟ .

نجد أن المسلمين فكروا في فتح هذه الدولة بعد أن وصلوا إلى المغرب فالناظر لخريطة هذه المنطقة يجد أنه في الشمال الأندلس وفي الغرب المحيط الأطلسي وفي الجنوب الصحراء الكبرى فإما أن تصعد شمالا وإما أن تنزل جنوبا في الصحراء الكبرى ولكن المسلمين لم يكونوا يهتمون بجمع الأراضي المهم عندهم هو السكان فلما انتهوا من المغرب انتقلوا للدولة المجاورة وهي الأندلس ثم فرنسا ثم ايطاليا وألمانيا فالله عز وجل يقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } (123) سورة التوبة .

فهناك حوار لطيف جرى بين معاذ بن جبل وأحد ملوك الروم في معركة اليرموك فهذا الملك يسأل معاذ بن جبل رضي الله عنه فيقول ( ما الذي دعاكم إلى الولوغ في بلادنا وبلاد الحبشة أسهل عليكم ؟ ) . حيث كانت الروم قوة عظمى في العالم آن ذاك ، فقال معاذ بن جبل ( قال لنا ربنا في كتابه الكريم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } (123) سورة التوبة. أنتم البلاد التي تلينا ثم بعد الانتهاء من بلاد الروم سنُزوجُها إلى الحبشة وغيرها . بمعنى بعد الانتهاء من بلاد الروم سنفتح الحبشة والأندلس وغيرهم .



في أي زمان فتحت بلاد الأندلس؟ في أي عصر نقصد ؟.

هذه فترة من فترات بني أمية في منتصف خلافة الوليد بن عبد الملك رحمه الله والدولة الأموية دولة مظلومة جدا في الإسلام وأشيع عنها الكثير من الأمور حتى تظن أنه ما كان لك تاريخ إلا في عهد أبي بكر وعمر وأن تنسى إقامة أمة إسلامية إذا كان القريبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلوا ما فعلوا.

فكثير من البلاد دخلت الإسلام على يد بني أمية فمثلا شمال أفريقيا دخل الإسلام على يد بني أمية ابتداء من ليبيا إلى المغرب نعم بدأت الفتوح في عهد عثمان بن عفان ولكن هذه البلاد ارتدت مرة أخرى وعادت للإسلام في عهد بني أمية وأفغانستان دخلت الإسلام في عهد بني أمية ودول جنوب روسيا دخلت الإسلام في عهد بني أمية ورُغِّب في الجهاد في عهد بني أمية حيث كان شيء طبيعي جدا أن يخرج الناس للجهاد حيث كان هناك جهاد في الصيف وجهاد في الشتاء والناس كانوا يخرجوا للجهاد كأنهم يخرجون لأعمالهم ودونت السنة في عهدهم والشرع كان مطبقا ومن المؤكد أنهم كان لهم أخطائهم ولكن أخطائهم هذه تذوب في بحر حسناتهم .

ودولة بني أمية حكمت من سنة 40 من الهجرة إلى سنة 132 من الهجرة وكان أول بني أمية معاوية بن أبي سفيان والذي كثيرا من الناس يطعنوا في خلافة معاوية بن أبي سفيان وكذبوا ولكن ليس هذا المجال للحديث عن معاوية بن أبي سفيان .

ودولة بني أمية تتابع فيها الحكام وكان أشهرهم عبد الملك بن مروان وأولاده من بعده والذين تخللهم عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي المشهور الذي ملأ الأرض عدلا ورحمة وآخر سبع سنوات فقط هي التي كان فيها كثير من الاختلافات على المنهج الإسلامي والمآسي وكان من سنن الله عز وجل أن تتغير هذه الدولة وهذا ما حدث .



كيف كان الوضع في أوروبا عند فتح الأندلس وكيف تغير عندما دخل المسلمون هذه البلاد ؟ .

أوروبا في هذه الفترات كانت تعيش في حالة من الجهل الشديد جدا وحالة من الظلم البين للمحكومين فقد اهتموا كثيرا في بناء الحصون والقصور وعامة الشعب يعيش في فقر شديد ونجد أن هناك بعد عن مقومات الحياة الطبيعية فكانوا لا يستحمون غير مرة أو مرتين في السنة ويظنون أن الأوساخ التي تتراكم على أجسادهم هي بركة وخير لهم والرحالة المسلمين كانوا يقولون أن بعض هذه البلاد كانوا يتفاهمون بالإشارة فضلا عن كون هناك لغة مكتوبة .

وكان في هذه البلاد بعض أفعال المجوس من حرق للمتوفى ومن حرق لزوجته معه وهي حية أو حرق لجاريته أو من يحبه فكانت هذه البلاد تعيش في ظلم وفقر ثم سننظر ماذا حدث للأندلس بعد دخول الإسلام منذ الفتح إلى السقوط وهذه الرسالة هي مجرد مقدمة لهذا التاريخ العظيم .



هذا تلخيص لأحد دروس الشيخ راغب السرجاني عن الأندلس

sosinano
12-11-2006, 09:55 AM
الأفكار:



1- مقدمة .

2- مقدمة عن موسى بن نصير وطارق بن زياد .

3- مشاكل واجهت موسى بن نصير عند فتح الأندلس .

4- موسى بن نصير يتغلب على المشاكل والمعوقات .

5- قصة ميناء سبته .

6- أول سرية استطلاع للأندلس .

7- العبور ومعركة مع القوط .

8- معركة وادي برباط .

9- هل حرق طارق ابن زياد السفن التي جاء بها للأندلس ؟ .

10- وبدأ الإنطلاق .

11- ما هي الجزية ؟ وهل كانت سببا في دخول غير المسلمين إلى الإسلام بالإكراه ؟ .









(1)





تحدثنا في المرة السابقة عن مقدمة في فتح الأندلس وسنبدأ الآن إن شاء الله في الحديث عن عهد الفتح الإسلامي للأندلس وقبل أن ندخل في تلك التفاصيل نريد أن نعرف كيف كان الوضع في البلاد الملاصقة لبلاد الأندلس مثل المغرب والشمال الإفريقي التي دخلها الإسلام من سنة 23هـ ويسكن هذه المناطق قبائل تسمى البربر وكانت تسلم وترتد إلى أن استقرت على الإسلام في أواخر سنة 85 أو 86 من الهجرة على يد موسى بن نصير رحمه الله لذلك نأخذ فكرة عن موسى بن نصير ذلك القائد البارع التقي الورع .





(2)



فموسى بن نصير هو واحد من التابعين وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبوه نصير وكان نصير غلاما نصرانيا أُسر على يد خالد بن الوليد في معركة عين التمر وكان يتعلم الإنجيل والدراسات النصرانية في كنيسة من الكنائس وخالد بن الوليد ومن معه كانوا يعلموه الإسلام فقبل أن يدخل الإسلام وكان صغيرا عمره 13 أو 14 سنة وأعجب بالإسلام وكان معه سيرين الذي هو المفسر المعروف للأحلام والذي هو أبو محمد بن سيرين ثم انظر لنصير الذي أسلم ماذا لو لم يكن أسلم كان سيكون راهبا وينتهي أمره على هذا ولكن الله منّ عليه بالإسلام ثم جاء ابنه موسى وفتح الشمال الإفريقي وكذلك الأندلس وكل ذلك يشاركهم خالد بن الوليد رضي الله عنه في الأجر فقد قال الله عز وجل { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } (33) سورة فصلت .



فهذه ثمرة من ثمرات الجهاد الإسلامي ونصير عندما أسلم أخذ يدرس الإسلام ويتدرج فيه إلى أن أصبح عالما من علماء الإسلام ومجاهدا أيضا وكان فارسا مغوارا حتى أصبح في الدولة الأموية قائدا لجيوش معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه حتى أن ابنه موسى كان يتربى مع أولاد الأمراء والخلفاء فتربى على حياة الجهاد في سبيل الله والدين ونشر الإسلام ثم كبر موسى وأصبح يترقى في المناصب حتى أصبح قائد جيوش الأمويين في مصر ثم والي إفريقيا بعد ذلك سنة 85 ومنذ أن أصبح واليا لأفريقيا ثبت الإسلام في شمال إفريقيا وكان يتساءل لماذا يدخل البربر الإسلام في شمال إفريقيا ثم يرتدوا عن الإسلام وأدى هذا إلى اغتيال عقبة بن نافع في القيروان على يد البربر ولماذا يحدث هذا بصورة متكررة ؟ .



وجد موسى بن نصير أن هناك سببين لهذا :



أولا : أن عقبة بن نافع ومن معه كانوا يفتحون البلاد فتحا سريعا جدا لا يستطيعوا فيه أن يحموا ظهورهم مما يؤدي إلى انقلاب الناس عليهم بعد ذلك فبدأ يفتح البلاد بتأني شديد وخطوة خطوة كما كان يفعل خالد بن الوليد رضي الله عنه فأتم فتح البلاد في سبع أو ست سنين .



ثانيا: وجد موسى بن نصير أن هناك تعليما ضعيفا للدين الإسلامي بين تلك البلاد فهم لم يعرفوا الإسلام حق المعرفة فأخذ يأتي بالتابعين من الحجاز والشام ليعلموا الناس الإسلام فأحب الناس الإسلام وأقبلوا عليه بل وانضموا لجيش موسى بن نصير .



بعد أن استتب الأمر لموسى بن نصير فكر في قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } (123) سورة التوبة. وكان موسى بن نصير قد فتح بلاد شمال إفريقيا إلا مدينة سبته وهي الآن مدينة من المدن المغربية ويفصل بينها وبين الأندلس مضيق جبل طارق والذي يصل عرضه في بعض المناطق 13 كيلو متر وفي مناطق أخرى 37 كيلو متر وعلى حدودها ميناءين كبيرين هما ميناء طنجة وميناء سبته فميناء طنجة فتح ولكن ميناء سبته لم يفتح بعد في هذا الوقت وتولى أمر ميناء طنجة رجل من القواد المهرة وهو طارق بن زياد وهو من قبائل البربر وهو ليس بعربي ونحن نظن أن البربر هم أناس وجوههم سوداء أو أنهم من الزنوج ولكن الحقيقة أن شعورهم شقراء وعيونهم زرقاء ولونهم أبيض حتى إن بعض المحليين يقولوا إنهم من أصول أوروبية فكان طارق بن زياد بنفس تلك المواصفات ولكنه كان ضخم الجثة وشعره أشقر وكان رجلا وسيما ولكن كل هذه الأمور لم تقف في طريق جهاده .



(3)





ولما أراد موسى بن نصير فتح الأندلس واجهته عدة مشاكل وهي:



أولا: المسافة بين المغرب والأندلس 13 كيلو متر على الأقل ولا يملكون الكثير من السفن لتحمل جيشا وتنقله إلى الأندلس .



ثانيا: هناك جزر تسمى جزر البليار وهي قريبة جدا من أسبانيا وهذه الجزر مملوكة من الروم ولو موسى بن نصير فتح الأندلس وترك هذه الجزر فلن يكون ظهره محميا وقد تعلم ألا يترك ظهره وأن يؤمن ما يفتحه .



ثالثا: هناك ميناء اسمه سبته وهذا الميناء لم يفتح ويحكمه رجل نصراني يسمى يوليان أو جوليان وكانت له علاقات طيبة مع ملك أسبانيا الأسبق غَيطَشه والذي حدث عليه انقلاب وتولى الحكم بعده رجل يسمى لوزريق كما كانت تسميه العرب أو رودريكو فكان من الصعب أن يتجه موسى بن نصير إلى الأندلس حيث لوزريق ويترك في ظهره جوليان فربما عقد اتفاق مع لوزريق على الرغم من وجود خلافات بينهما إلا أن الأمر غير آمن .



رابعا: قوات الفاتحين المسلمين التي جاءت من الشام وبلاد الحجاز واليمن قوات محدودة العدد ومنتشرة على الشمال الإفريقي كله وإذا قام بجمعها قد تنتقد عليه بعض دول شمال أفريقيا وقد لا يستطيع هذا العدد المحدود أيضا فتح الأندلس .



خامسا: جيوش الأندلس كبيرة جدا وضخمة جدا في العدد والعتاد وكان لوزريق هذا رجل قوي ومتكبر وله قلاع كثيرة وحصون .



سادسا: موسى بن نصير والمسلمون لا يعلمون شيئا عن طبيعة الأندلس فهم لا يعرفون جغرافية هذه البلد ولم تطأ أقدامهم هذه البلد من قبل .



ولعل هناك مشاكل أكثر من هذا ولكن لا نعلمها وإن كان هناك بعض الأنباء عن أن هذه الأراضي مليئة بالجبال وهذا صعب على الجيوش بصفة عامة لأنهم كانوا يستعملون حميرا وبغالا في التنقل وإذا قابلهم نهر يكون أمرا شاقا عليهم .

mt man
12-11-2006, 11:13 AM
جزاك الله خيرا
في انتضار المزيد

douja_brada
12-11-2006, 11:23 AM
جيد جدا اخي الكريم .
تطور جد في يحدث في المنتدى.
اعانك الله

sosinano
12-11-2006, 11:23 PM
(4)



ومع ذلك أصر موسى بن نصير فتح بلاد الأندلس ولم يكسل عن فتح بلاد الأندلس فأول ما فعله بدأ في بناء المواني وأشهرها ميناء القيروان وبنا فيه سفن للمسلمين ومع أن هذا كان يستلزم وقتا طويلا إلا أنه كان عنده همة عالية .



وبدأ أيضا يعلم البربر الإسلام في مجالس خاصة ثم كون منهم فرقا لتجاهد في سبيل الله عز وجل ومن العجيب أن تجد البلد الذي تُفتح يدخل أهلها في الجيش وتتغير طبائعهم وكذلك ولائهم بل يحارب البربر مع المسلمين العرب بكل استماتة وحب في الشهادة ويصبح كل همه نصرة هذا الدين وهذا الأمر لم يحدث قط إلا مع المسلمين .



ففرنسا على سبيل المثال دخلت الجزائر 130 سنة وخرجت والناس مازالوا مسلمين ومتحمسين للإسلام لكن الإسلام انتشر في البربر وبدأ موسى بن نصير يعلم الناس الجهاد في سبيل الله عز وجل وبذل النفس لله سبحانه وتعالى وهذا أمر عجيب لا يتكرر إلا مع المسلمين فزاد عدد المسلمين وزاد عدد الجيش الإسلامي في شمال أفريقيا وأصبح معظم هذا الجيش من البربر الذي كانوا يحاربون المسلمين أصبحوا الآن معظم هذا الجيش الإسلامي .



وأيضا قام موسى بن نصير بتولية طارق بن زياد قائدا للجيش الإسلامي المتجه لفتح الأندلس وعلى الرغم من أن طارق بن زياد بربري إلا أنه لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى ذلك لأن دعوة الإسلام ليست دعوة عربية بل هي دعوة عالمية فطارق بن زياد رجل جمع بين الورع والتقوى والكفاءة الحربية والرغبة في أن يموت في سبيل الله عز وجل وطارق بن زياد رجل يعرف التحدث مع البربر بطلاقة ولن تكون هناك حساسية في الجيش لأن معظم الجيش بربري ويستطيع أيضا التحدث بالعربية بطلاقة فيعرف التفاهم معهم .



والأمر الرابع أنه قام بفتح جزر البليار التي هي في شرق بلاد الأندلس وبالتالي حمى ظهره من ناحية الشرق .



(5)



ولكن تبقت مشكلة واحدة ألا وهي ميناء سبته والذي لا يعرف كيف يحل مشكلته فهو قدم ما عليه وكذلك مازال لا يعرف طبيعة أرض الأندلس ويأتي قول الله عز وجل { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور ٍ} (38) سورة الحـج فتأتي فكرة ليوليان ولم يكن للمسلمين أي دخل بها فكان هذا تدبير من الله عز وجل وهذه الفكرة هي أن الأرض تتناقص من حول يوليان وإن صبر على حرب المسلمين الآن لن يصبر على حربهم بعد ذلك أيضا يوليان بداخله حقد كبير على لوزريق حاكم الأندلس في ذلك الوقت وذلك لأن لوزريق قتل غيطشه حاكم الأندلس الأسبق وكانت هناك علاقات طيبة جدا بين غيطشه ويوليان .



أولاد غيطشه استنجدوا بيوليان ويوليان لا يستطيع مواجهة لوزريق وإذا دخل المسلمون ميناء سبته وفتحوها إلى أين سيذهب يوليان فهو لا يستطيع الذهاب الأندلس وهو مؤيدا لحاكم الأندلس الأسبق وكذلك أولاد الحاكم الأسبق للأندلس والأمر الآخر أن أولاد غيطشه كان لهم الكثير من الضياع في الأندلس وقد صودرت وأخذها لوزريق الذي أذاق شعبه الأمرين وعذب شعبه وكان يفرض عليهم الضرائب الباهظة فكان شعبه يكرهه وكان متنعما وشعبه في بؤس شديد .



فيوم من الأيام كان والي طنجة طارق بن زياد رحمه الله يجلس في بلده على بعد عدة كيلو مترات من ميناء سبته يجد أن هناك رسلا من ملك ميناء سبته جاءت تتفاوض معه وقال له الملك أنه سيعرض عليه ثلاثة أمور في مقابل معين:



الأمر الأول: أن يسلمه ميناء سبته الذي صعب على المسلمين فتحه .



الأمر الثاني: أنه سيمده ببعض السفن التي تساعده على عبور مضيق جبل طارق فموسى بن نصير أقام بعض السفن ولكن ليست كافية لجيش المسلمين وقد كان استنفذ جهده .



الأمر الثالث: سيعطيه معلومات كافية عن أرض الأندلس حتى تعرف كيف تسير فيها .



أما المقابل الذي كان يريده يوليان هو أن يأخذ ثلاثة آلاف ضيعة كانت لغيطشه وقد صودرت من قبل الحاكم الظالم لوزريق والضيعة هي بستان أو حديقة أو جنة من جنات الأرض ولما سمع طارق بن زياد هذا سعد سعادة بالغة لأنه لا يهمه أرض ولكن يهمه أن يبلغ الناس الدين فهكذا المسلمين يهمهم أن يبلغوا دينهم للناس وليس أن يمتلكوا ما ملك الناس بل لو أن الناس دفعوا الجزية يترك لهم كل ما ملكوا وإن دخلوا في الإسلام فيكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين فلم يأتي المسلمون من أقصى البلاد حتى يجمعوا مالا أو يجمعوا ثروة .



فيذهب طارق بن زياد إلى موسى بن نصير ويخبره بما حدث فيسر سرورا عظيما ولكن يسير في الترتيب الصحيح للأمراء فيقوم بإرسال رسالة إلى الوليد بن عبد الملك رحمه الله ويقول له إنه جاءنا عرض فيه كذا وكذا فوافق عليه الوليد بن عبد الملك ولكن أمره بشيء كان يفكر فيه موسى بن نصير وهو ألا يعتمد على ما أعطاه له يوليان من شرح لجغرافية الأندلس وذلك لأنه قد يتفق مع لوزريق ضدك فأمره أن يرسل بسرية لاكتشاف الجزء الجنوبي من هذه البلد .



(6)



فجهز موسى بن نصير سرية من خمسمائة رجل على رأسهم طريف بن مالك أو طريف بن مُلُوك حسب اختلاف الروايات وهو من البربر أيضا وتم عبور طريف مضيق جبل طارق إلى الأندلس في رمضان سنة 91 من الهجرة ثم بدأ يدرس منطقة الأندلس الجنوبية وعاد بنجاح إلى موسى بن نصير وأخبره بطبيعة الأندلس الجغرافية وبدأ موسى بن نصير عام كامل يجهز فيه جيش المسلمين ويعد العدة حتى أعد سبعة آلاف جندي مع أن جيوش النصارى أكبر بكثير من هذا العدد ولكن هذا ما قدر عليه ثم ولى على هذا الجيش طارق بن زياد .





(7)





بدأ جيش المسلمين العبور إلى الأندلس في شعبان سنة 92 من الهجرة وذلك بقيادة طارق بن زياد والذي نزل على جبل سمُِي بعد ذلك بجبل طارق وهو إلى الآن بهذا الاسم حتى في اللغة الأسبانية ثم اتجه منه على منطقة واسعة تسمى الجزيرة الخضراء وهناك قابل الجيش الجنوبي ولم يكن هذا الجيش هو جيش النصارى الضخم وإنما هو مجرد حامية ثم عرض عليهم أمور وقال لهم ( إما أن تدخلوا في الإسلام ولكم ما لنا وعليكم ما علينا ونترك كل أملاككم في أيديكم على أن تدينوا بدين الله عز وجل وإما أن تدفعوا الجزية ونترك لكم ما في أيديكم أيضا أو أنكم تدخلون معنا في قتال ولا نؤخركم إلا ثلاث (أي ثلاثة أيام) ) .



طبعا النصارى القوط الموجودين في هذه المنطقة أخذتهم العزة وبدأوا يقاتلوا المسلمين فهزمهم طارق بن زياد وكانت المعركة سجالا بين الجيشين وزعيم القوط في هذه المنطقة أرسل رسالة سريعة جدا إلى لوزريق في طليطلة والتي كانت عاصمة الأندلس والتي تقع في منتصف الأندلس تقريبا ويقول له : ( أدركنا يا لوزريق فإنه قد نزل علينا قوم لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء) فهؤلاء القوط تعجبوا لما في المسلمين من صفات فهم قد تعودوا على أن الفاتحين يأخذون خيرات البلاد ويقتلون ويذبحون ولكنهم وجدوا المسلمين يقولون لهم لو دخلتم ديننا تركنا لكم كل شيء وأصبحتم منا وإن لم توافقوا على الدخول في الدين تدفعوا الجزية ولن نأخذ من أرضكم شيئا ووجدوا هؤلاء القوط المسلمين يصلون في الليل وكأنهم رهبانا ويقاتلون في النهار وكأنهم أمهر المقاتلين فلهذا لم يدروا أمن الأرض نحن أم من أهل السماء .

mt man
12-12-2006, 04:38 PM
جزاك الله خيرا
متشوق لسماع المزيد

المنصور قلاوون
12-13-2006, 01:39 AM
جزاك الله خيراً

برجاء من السادة المشرفين تثبيت هذا الموضوع القيم
مع إعادة ترتيبه بحث تصبح المقالات متتالية

نفعنا الله جميعا بهذا الموضوع

yasser_x
12-13-2006, 05:18 AM
شكرا للموضوع الرائع اخي العزيز , وبالفعل دائما هنام من يحارب الاسلام بمثل هذة الدعاوي مثل انتشارة بالسيف وهذا خطأ قاتل وغبي لان الانتشار كان بحرية الاختيار لا السيف , لان السيف كان موجهه للمحاربين من الفرس والروم المحتلين للبلاد التي فتحت اسلاميا , والدليل انة كل انسان لم يدخل في الاسلام ( مسيحي او يهودي ) امن علي مالة وانفسة واهلة ولم يقتل او يجبر علي الاسلام , وتعقيب بسيط هو انة بالفعل حالنا الان مشابة جدا لحال ملوك الطوائف ..

sosinano
12-14-2006, 04:27 PM
بارك الله فيكم جميعا على المرور و التشجيع.....

sosinano
12-14-2006, 04:28 PM
(8)



وصلت الرسالة للوزريق وجن جنونه فجهز جيشا قوامه مئة ألف رجل من الفرسان وكان جيش طارق بن زياد أغلبه من الرجالة أي الذين يمشون على أقدامهم وليس معهم خيل يركبوه واتجه لوزريق بجيشه من الشمال إلى الجنوب وطارق بن زياد وجد أن الأمر هكذا لا يستقيم كيف يقف سبعة آلاف فقط أمام مئة ألف فمن المؤكد أن هذا أمر غاية في الصعوبة .



فأرسل رسالة إلى موسى بن نصير يطلب منه المدد فأرسل إليه جيشا قوامه خمسة آلاف وأيضا رجالة وليسوا فرسانا وكان على رأس هؤلاء الخمسة هو طريف بن مالك الذي اكتشف الأندلس .



أصبح الآن جيش المسلمين قوامه اثنتا عشر رجلا أغلبهم رجالة وبدأ طارق بن زياد يبحث عن أرض مناسبة يقابل فيها جيش لوزريق حتى وصل إلى منطقة تسمى وادي برباط أو وادي لكة واستقر رأيه على هذه المنطقة وللنظر لفكر طارق بن زياد العسكري فهذه المنطقة من خلفها جبل وعن يمينها جبل حتى يحمي خلفه ويحمي ميمنته وعن شمال هذا الوادي بحيرة عظيمة جدا فلا يستطيع أحد أن يلتف من يساره فيباغته ثم وضع على المدخل الجنوبي لهذا الوادي فرقة لحمايته بقيادة طريف بن مالك حتى لا يدخل عليه أحد من ظهره فيباغته ويصبح فقط جهة الشمال أو الجهة الأمامية له هي الجهة المفتوحة ليواجه النصارى .



ظهر الجيش النصراني وكان قوامه مئة ألف فارس وكان فيه بغالا عليها حبال لظن لوزريق أن بهذه الحبال سيقيد المسلمين ويجعلهم عبيدا فالمعركة الآن تعتبر لمن ينظر إليها منتهية ولصالح لوزريق والذي جاء هذه المعركة وهو جالس على سرير محلى بالذهب ويحمله بغلين ويرتدي التاج فلم يستطع التخلي عن دنياه حتى وهو في لحظات الحرب .



ويتم اللقاء بين الجيشين في 28 من رمضان في سنة 92 من الهجرة والعجيب أن شهر رمضان هو شهر فتوحات وانتصارات وقيام لليل وصيام وقرآن ولا ندري لماذا تحول لشهر مسلسلات جديدة وأفلام جديدة وفوازير وسهر للفجر ونوم بالنهار وهروب من العمل ومشاجرات بين الناس وإن سألت أحدهم لماذا تتشاجر يقول لك لأني صائم ولكن انظر للمسلمين في هذه المعركة الصعبة وفي رمضان أيضا .



الناظر لجيش المسلمين يشفق عليهم ويقول كيف يواجه اثنتا عشر ألفا من المسلمين هذا الجيش الجرار ولكن الناظر لهذا الأمر بعين التفكر والتحليل يشفق على جيش النصارى لماذا؟ .



فهذان خصمان اختصموا في ربهم فشتان بين الفريقين شتان بين فريق خرج طائعا راغبا في الجهاد وبين فريق خرج مضطرا مجبرا على الجهاد شتان بين فريق أسمى أمانيه أن يموت في سبيل الله وفريق أسمى أمانيه أن يعود لأهله وماله وهذا فريق يقف فيه الجميع صفا واحدا عند الصلاة الغني بجوار الفقير والوزير بجوار الغفير والحاكم بجوار المحكوم بينما هذا فريق يملك فيه بعض الناس الآخرين ويستعبد بعضهم بعضا وهذا فريق له قائد رباني طارق بن زياد رحمه الله جمع بين التقوى والحكمة وجمع بين الرحمة والقوة وهذا فريق له قائد متسلط مغرور ألهب ظهر شعبه بالسياط وعاش منعما وشعبه في بؤس شديد وهذا جيش يأخذ أربعة أخماس الغنائم وهذا جيش كل ما يغنمه يذهب إلى الحاكم المتسلط المغرور .



وهذا فريق يؤيده الله عز وجل وهذا فريق حارب ربه وشرعه هذا فريق الآخرة وهذا فريق الدنيا فعلى من تكون الشفقة ؟ .



قال الله تعالى { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } (21) سورة المجادلة. وقال أيضا { وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } (141) سورة النساء. ودارت الموقعة في 28 رمضان واستمرت ثمانية أيام متصلة تخللها يوم العيد وهو عيد الفطر وكانت أفواجا من النصارى تأتي على المسلمين ولكن المسلمين صابرون ثمانية أيام حتى انتهت المعركة في اليوم الثامن ومن الله على المسلمين بالنصر بعد أن علم صدقهم وعلم صبرهم على هذا القتال وقُتل لوزريق أو هرب إلى الشمال في رواية أخرى واختفى ذكره من الوجود وغنم المسلمون مغانم كثيرة كان أهمها الفرسان بعد أن كان معظمهم رجالة لكن هل كان هذا بلا ثمن؟ لا فقد استشهد من المسلمين ثلاثة آلاف مسلم دماء غالية روت أرض الأندلس فلم يصل هذا الدين بتضحيات بسيطة بل بدماء غالية .



(9)



ترى هل قضية حرق السفن حقيقة أم خيال ؟ حيث يقول البعض إن طارق بن زياد حرق سفنه ليحمس جنوده وقال لجنوده البحر من ورائكم والعدو من أمامكم فليس لكم إلا السيوف. فهذه الرواية اختلف المؤرخون فيها فمنهم من قال أنها باطلة ومنهم من وافق عليها ولكن هذه الرواية لم يصح لها سندا فنحن عندنا علم الرجال ويجب أن يكونوا رجال صِدق وعدل حتى نأخذ منهم رواية وهذه الرواية لم ترد في كتب المسلمين الذين نثق فيهم وفيما كتبوه عن التاريخ وإنما وردت في الكتب الأوروبية التي تحدثت عن هذه الموقعة .



ولو حدث هذا بالفعل لكان هناك تعليق من موسى بن نصير على هذه الفعلة ولكان هناك تعليق من الوليد بن عبد الملك على هذه الفعلة ولكان هناك تعليق من الفقهاء على هذه الفعلة أيضا كيف يحرق قائد جيش سفنه وهل هذا جائز أم لا؟ والكتب جميعا لم يرد فيها أي رد فعل على هذه الفعلة مما يشكك في حدوثها أصلا .



الأمر الثالث

أن المصادر الأوروبية أشاعت هذا الأمر لأمر واضح جدا وهو أن الأوروبيون والمحللون لا يستطيعون أن يفسروا كيف انتصر اثنتا عشر ألفا من الرجالة على مئة ألف من الفرسان وفي بلادهم أيضا وفي أرض عرفوها وأرض ألفوها فقالوا إن طارق بن زياد حرق السفن ليستميت الجنود في القتال ولهذا هُزم جيش النصارى ولو كانت الأمور طبيعية لأخذ المسلمون جيشهم وعادوا إلى بلادهم ولكن نقول إن النصارى هؤلاء لا يدرون شيئا عن القاعدة الإسلامية التي هي مسجلة في كتابه الكريم وهي قوله تبارك وتعالى { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } (249) سورة البقرة. فالناظر إلى صفحات التاريخ الإسلامي يجد أنه من الطبيعي جدا أن ينتصر المسلمون بأعداد قليلة على أعدائهم بل إن الأصل المتكرر في معظم المعارك الإسلامية أن يكون المسلمون قلة والكافرين كثرة وينتصر المسلمون عليهم بل إنه من العجب العجاب لو زاد المسلمون في العدد هُزم المسلمين كما حدث في حنين فقد قال الله عز وجل { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } (25) سورة التوبة فالأوروبيون يحاولون أن يدخلوا في أذهان الناس أن المسلمين ما انتصروا إلا في ظروف خاصة جدا وليس من الطبيعي أن ينتصروا .



الأمر الرابع

في هذه الرواية أن المسلمين في هذه ليسوا بحاجة إلا حرق للسفن فالمسلمين جاءوا لهذه الأماكن راغبين الشهادة في سبيل الله طالبين للموت في سبيل الله فلا حاجة للقائد لأن يحرق السفن وبعض الناس يقول إن مثل هذه الأمور تحدث بالفعل كما قام القائد الفارسي بربط جنوده بالسلاسل حتى يجبرهم على القتال كما حدث في معركة ذات السلاسل المشهورة ولكن هذا الأمر يتم مع جيوش الدنيا وليس مع جيوش الآخرة .



الأمر الخامس

في هذه الرواية كيف لقائد محنك مثل طارق بن زياد رحمه الله أن يحرق سفنه ويقطع خط الرجعة عليه ماذا لو هُزم في هذه المعركة وهذا أمر وارد جدا فالله عز وجل يقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَار َ } (15) سورة الأنفال ثم قال { وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } (16) سورة الأنفال. إذن بالنظر للاستثناء فقد يُهزم طارق بن زياد وينسحب ويتجه لفئة المسلمين التي هي في الشمال الإفريقي فكيف يحرق سفنه فيقطع على نفسه الانحياد إلى فئة المسلمين والاستعداد إلى قتال جديد ؟ .



فما نرى هذا الحرق إلا تجاوزا شرعيا لا يقدم عليه رجل ذو تقوى وورع وعلم وجهاد طارق بن زياد رحمه لله وما كان المسلمون حكامهم وعلمائهم ليسكتوا على مثل هذه الفعلة إن كانت قد حدثت .



الأمر السادس أن ليست كل السفن ملك المسلمين فبعضها مؤجرة من يوليان وستعود إليه بعد العبور وليس من حق طارق بن زياد حرقها لأنها ليست ملكه .



وما نرى هذه الرواية إلا رواية مختلقة وكذب حتى تهون من فتح الأندلس وتجعله أمرا محتما لأن ليس لهم ظهر أو طريق للعودة .



(10)



طارق بن زياد الآن يعلم أن عنده فرصة عظيمة للفتح لأن معنويات جنده مرتفعة جدا ومعنويات النصارى القوط في الحضيض وأيضا قُتل لوزريق أو فر هاربا وكل من في بلده يكره هذا الرجل والجيش القوطي هُزم وتفرق منه الكثير وقتل منه الكثير فأصبحت أمامه فرصة عظيمة لتعليم الناس أمر دينهم ويوليان على عهد معه ولا يعلم أحدا هل سيوفي بعهده أم يخالفه فأراد أن يستغل هذه الفرصة ليفتح الأندلس .



اتجه طارق بن زياد من وادي برباط إلى أشبيلية وهي أعظم مدن الجنوب على الإطلاق ولما اقترب منها تحقق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ورد في البخاري ومسلم ( نصرت بالرعب مسيرة شهر ) . ففتحت المدينة أبوابها للمسلمين ورضي أهلها بدفع الجزية على الرغم من قوة الحامية في هذه المدينة وحصونها وقلاعها وأسوارها العالية إلا أنها استسلمت للمسلمين فلله الحمد والمنة .



وقبل أن نكمل الفتوح التي أكملها طارق بن زياد نريد أن نقف وقفة على الجزية التي يدفعها الناس في العالم الإسلامي المفتوح في هذا الوقت .

mt man
12-15-2006, 04:52 PM
ن المصادر الأوروبية أشاعت هذا الأمر لأمر واضح جدا وهو أن الأوروبيون والمحللون لا يستطيعون أن يفسروا كيف انتصر اثنتا عشر ألفا من الرجالة على مئة ألف من الفرسان وفي بلادهم أيضا وفي أرض عرفوها وأرض ألفوها فقالوا إن طارق بن زياد حرق ....
كلام معقول
جزاك الله خيرا.

sosinano
12-15-2006, 04:55 PM
أشكرك أخي mt man على المتابعة.
يريدون تشويه صورة الإسلام بأي طريقة...

EHAB_MAGD
12-16-2006, 07:26 PM
بصراحه اخى موضوعك اكثر من رائع
شكرا لك على المجهود الجبار فى كتابته
وننتظر منك الباقيه
والف الف شكر

alme7tas
12-17-2006, 04:13 PM
"]يعجز اللسان والقلب عن الشكر في هذا الموضوع العظيم وككل الشر لك يااخى على التوضيح التاريخ ااسلامى الذى كثير من المسلمين لا يعرف منه شيئ واتمنى من تكمله الموضوع لانى من الناس الذين يوميا يزورون هذه الصفحه لايقرا التكمله[/size]

sosinano
12-17-2006, 06:05 PM
مشكور أخي EHAB_MAGD وأخي alme7tas على المتابعة...
هو فعلا تاريخ مشرف.......

sosinano
12-17-2006, 06:08 PM
(11)



فالجزية هي ضريبة يدفعها أهل الكتاب بصفة عامة أو حتى يدفعها المجوس أو يدفعها المشركون في رأي بعض الفقهاء وإن كان هذا هو الرأي الغالب وهم يدفعون الجزية نظير أن يدافع عنهم المسلمون فلا يحمل الذين يدفعون الجزية سلاحا ليحموا أنفسهم ولكن على المسلمين أن يدافعوا عنهم نظير هذه الجزية بل إن فشل المسلمون في الدفاع عنهم ردت إليهم الجزية وقد تكرر ذلك في بعض المواقف من التاريخ الإسلامي وسنتعرض لهذا الأمر بعد ذلك والجزية تؤخذ فقط من الرجال ولا تؤخذ على النساء وهي تؤخذ أيضا على الرجال البالغين ولا تؤخذ على الأطفال وتؤخذ فقط من الأصحاء ولا تؤخذ من المرضى ولا تؤخذ من الأعمى ولا تؤخذ من الكسيح ولا تؤخذ من الرجل الذي وهب نفسه للعبادة ولا تؤخذ إلا من القادرين على القتال ولا تؤخذ إلا من الغني ولا تؤخذ من الفقير بل إن الفقير قد يأخذ من بيت مال المسلمين سواء كان نصراني و يهودي أو مشرك والجزية في مقابل الزكاة التي يدفعها المسلمون وهي أقل بكثير مما يدفعه المسلمون أيضا فكان الذي يدفع الجزية في هذا الزمن يدفع دينارا واحدا في السنة بينما المسلم يدفع 2,5 بالمئة من رأس ماله إن حال عليه الحول وبلغ النصاب وإن أسلم سقطت عنه الجزية وإن حارب مع المسلمين دفعوا له أجرة على حربه مع المسلمين فالجزية كانت أقل بكثير من الضرائب التي كان يفرضها أصحاب الحكم على شعوب البلاد التي يفتحها المسلمين والجزية كانت أقل ضريبة في العالم بل إن الزكاة أيضا أقل ضريبة وهي 2.5 في المئة فقط ولا يجب أن يكلف من يدفعون الجزية بأكثر من طاقتهم وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة ) رواه أبو داود .



في المقالة القادمة إن شاء الله سنتناول كيف تم فتح بلاد الأندلس وكيف كان رد فعل موسى بن نصير لهذه الانتصارات المتتالية لطارق بن زياد وكيف دخل المسلمون بلاد فرنسا وكانت لهم فيها صولات وجولات وكيف كانوا على بعد ثلاثين كيلو مترا من باريس التي هي أقصى الشمال وكيف تأسس ما يسمى في التاريخ بعد الولاة وهذا ما سنتحدث عنه في المرة القادة إن شاء الله .



هذا تلخيص لأحد دروس الشيخ راغب السرجاني عن الأندلس

sosinano
12-17-2006, 06:12 PM
الأفكار:



1- مقدمة عما سبق .

2- انطلاقة طارق بن زياد .

3- موسى بن نصير يجهز جيشا ليساعد طارق بن زياد .

4- تحركات موسى بن نصير ولقاءه بطارق بن زياد .

5- ما بعد اللقاء .

6- طموحات موسى بن نصير وأحزانه .

7- ويبدأ عهد جديد .

8- مميزات الفترة الأولى من عهد الولاة .

9- من هو السمح بن مالك وبن سحيم ؟ .

10- عبد الرحمن الغافقي وجهاده .

11- معركة بلاط الشهداء .

12- وقفة مع هذه المعركة .







(1)



تحدثنا في المقالة السابقة عن صفحة من صفحات التاريخ الإسلامي المزدهرة وكيف أن طارق بن زياد استطاع أن ينتصر على مئة ألف فارس وكان أغلب جيشه بدون خيول في موقعة وادي برباط الشهيرة والتي فقد فيها المسلمون ثلاثة آلاف رجل مسلم وهذا يمثل ربع الجيش الإسلامي ومع ذلك لم يؤثر هذا في عضد طارق بن زياد رحمه الله وانطلق يفتح المدينة تلو المدينة وكانت المدينة العظيمة التي تلي وادي برباط هي مدينة أشبيلية والتي فتحت بغير قتال كما تحدثنا من قبل ثم توجه طارق بن زياد رحمه الله إلى مدينة تسمى السُجَّة والتي هي من مدن الجنوب أيضا وفي هذه المنطقة قاتل المسلمون قتالا عنيفا ولكنه بلا شك أقل عنفا وشدة من قتال وادي برباط لأن معظم قوة النصارى كانت قد هلكت نتيجة الهزيمة في وادي برباط وقبل أن ينتصر المسلمون على النصارى في مدينة السجة قامت المدينة بفتح أبوابها وقالوا قد صالحنا على الجزية وهناك فرق بين دخول المسلمين هذه البلد فاتحين ودخولهم بعد أن يقبلوا بالجزية فإن دخلوا فاتحين أخذوا كل ما فيها وملكوا البلد أما إن صالح النصارى على الجزية فإنهم يملكون ما بأيديهم ويدفعون الجزية كما وضحناها في المقالة السابقة .



(2)



ومن مدينة السجة يفعل طارق بن زياد أفعال عجيبة جدا وجيشه لا يزيد عن تسعة آلاف جندي فيبدأ في إرسال السرايا من هذا الجيش القليل لفتح المدن الجنوبية الأخرى وينطلق هو بقوة الجيش الرئيسية ناحية الشمال حتى يصل إلى طليطلة عاصمة الأندلس في ذلك الزمان فيبث سرية إلى غرناطة وسرية إلى قرطبة وهكذا ولا يزيد عدد الجنود في السرية الواحدة عن 700 جندي ومع ذلك فتحت قرطبة بهذا العدد فقط .



ثم انطلق طارق بن زياد لفتح مدينة جَيَّان وقد كانت من المدن الحصينة جدا للنصارى في هذا الزمن وقد تم فتحها ولله الحمد . ويبدوا أن موسى بن نصير أوصى طارق بن زياد ألا يتجاوز جيان أو يتجاوز قرطبة وأمره ألا يسرع في الفتح حتى يصل إلى طليطلة وذلك حتى لا يحوطه جيش النصارى بعد أن يتقدم بجيشه البسيط في العدد والعتاد ولكن طارق بن زياد وجد الطريق أمامه مفتوحا وأن المدينة الآن لن تكون محصنة وهي عاصمة الأندلس في ذلك الوقت وهي أحصن مدن النصارى على الإطلاق وإن ذهب لفتحها الآن قد تفتح وإن انتظر موسى بن نصير قد لا تفتح وهكذا اجتهد طارق بن زياد رحمه الله .



واقع الأمر أنه كان من الأفضل أن يرسل طارق بن زياد برسالة لموسى بن نصير يستشيره فيها و يخبره فيها بما يرى وأن أمامه فرصة لفتح طليطلة ولكن طارق بن زياد أسرع إلى طليطلة دون استئذان من موسى بن نصير رحمه الله .



علم موسى بن نصير بأن طارق بن زياد انطلق إلى طليطلة ولكنه لم يستطع اللحاق به إلا عندما وصل طليطلة وكما ظن طارق بن زياد وجد المدينة التي هي من أحصن مدن الأندلس على الإطلاق فهي محاطة بجبال طبيعية عالية جدا من الشمال والشرق والغرب ويوجد فيها خط مفتوح من الجنوب عليه حصن ضخم جدا وعندما وصل طارق بن زياد طليطلة فتحت المدينة أبوابها وكان فتحا من الله ونصر مبين وصالحت على الجزية .



لكن موسى بن نصير لم يعجبه هذا الأمر لأن فيه تهورا وقد كان موسى بن نصير يتبع الحكمة والصبر في فتوحاته في شمال أفريقيا فأرسل برسالة شديدة اللهجة إلى طارق بن زياد يأمره فيها بالكف عن الفتح وبالانتظار حتى يصل إليه خشية أن تلتف حوله الجيوش النصرانية وكان موسى بن نصير قد بدأ يعد العدة ليمد جيش طارق بن زياد بالمدد بعد أن دخل الجيش الإسلامي إلى هذه المناطق البعيدة الغائرة في وسط الأندلس .





(3)



ترى كم جهز موسى بن نصير من الجيوش ؟ .



جهز من المسلمين ثمانية عشر ألفا من المسلمين فمن أين جاء بهم بعد أن كان أقصى ما استطاع فعله وتجهيزه هو اثنا عشر ألفا من الجند ؟ .



في الحقيقة انهمر الناس من مشارق الأرض الإسلامية ومغاربها لما علموا أن فيها جهادا وكان أغلب الجيش الذي كان مع طارق بن زياد من البربر أما هذا الجيش الذي جهزه موسى بن نصير فهم من العرب الذين جاءوا من الحجاز والشام واليمن والعراق وقطعوا كل هذه المسافات إلى بلاد الأندلس نصرة ومساعدة لطارق بن زياد رحمه الله ولما عبر موسى بن نصير رحمه الله إلى بلاد الأندلس وجد أن النصارى قد انتقدوا في أشبيلية والتي كانت قد صالحت على الجزية نقدت العهد بعد أن صالحت على الجزية وجهزت العدة كي تلتف على جيش طارق بن زياد وفوجئت بموسى بن نصير يحاصر أشبيبة فهو قائد محنك له نظرة ثاقبة ولم يكن أبدا كما يدعي الناس أنه عطل طارق بن زياد عن الفتح حسدا من أنه يفتح الأندلس وحده وقال إنه ينتظر حتى يشرك في الأمر معه ويكون شريك له وفي الحقيقة هذا خطأ لأن موسى بن نصير لم يكن يُرِد للمسلمين التهلكة في هذه الأرض التي لم يعرفوها من قبل وأيضا كل حسنات طارق بن زياد في ميزان موسى بن نصير لأن موسى بن نصير كان الطريق والسبيل لهداية طارق بن زياد للإسلام .



(4)



حاصر موسى بن نصير منطقة أشبيلية لشهور متتابعة وصبرت على هذا الحصار حتى فتحت أبوابها وقد كانت من أشد المدن حصانة ثم ضمها إلى الشمال ولكن موسى بن نصير لم يفتح المدن التي فتحها طارق بن زياد وإنما اتجه إلى الغرب إلى المدن التي لم يفتحها طارق بن زياد وذلك حتى يساعده على الفتح ليس أبدا لأخذ النصر منه وأخذ الشرف منه وهو الذي علمناه تقيا ورعا مجاهدا صابرا محتسبا عند الله سبحانه وتعالى وفتح مناطق عظيمة جدا حتى وصل إلى منطقة تسمى مرده وهذه منطقة من المناطق التي تجمع فيها عددا كبيرا من النصارى القوط وحاصرها حصارا بلغ شهورا وكل هذا وطارق بن زياد ينتظر في طليطلة وفتحت المدينة أبوابها في آخر شهر رمضان في عيد الفطر فالعيد السابق كانت معركة وادي برباط وهذا العيد فتحت فيه مدينة مرده العظيمة ووافق أهلها على الجزية فكان فتحا عظيما .



ثم أرسل موسى بن نصير ابنه عبد العزيز بن موسى بن نصير يرسله حتى يفتح مناطق أكثر في جهة الغرب فتوغل في الغرب وكان ابن موسى بن نصير رجل تربى على الجهاد فهو كأبيه وفي فترات قليلة معدودة فتح عبد العزيز كل غرب الأندلس وهي الآن دولة البرتغال وقد فتح لشبونة .



في بعض الكتب ذكرت أنه لما التقى موسى بن نصير بطارق بن زياد أمسك به وعنفه ووبخه بل وضربه بالصوت وهذا ما جاء في المصادر الأوروبية ولكن هذا لم يحدث وما حدث بالفعل هو أن موسى بن نصير قد عنف طارق بن زياد على معصيته في عدم البقاء في قرطبة أو جَيَّان والاستمرار إلى طليطلة لكن هذا كان تعنيفا بسيطا وكان هذا لقاءا حارا بين الزعيمين البطلين اللذين افترقا منذ سنتين كاملتين منذ رمضان سنة 92هـ ولم يلتقيا إلا في ذو القعدة سنة 94هـ فالحملة التي قادها طارق بن زياد أخذت عاما كاملا حتى تصل إلى طليطلة والحملة التي قادها موسى بن نصير أخذت عاما آخر حتى وصلت إلى طليطلة .

mt man
12-17-2006, 09:55 PM
في أنتضار المزيد

sosinano
12-21-2006, 03:52 PM
(5)



بعد اللقاء اتجها سويا إلى فتح منطقة الشمال ثم فتح منطقة الشمال الشرقي وإلى فتح منطقة الشمال الغربي مرا سويا على مدينة برشلونة ونحن لا نسمع عن هذه المدينة إلا عن فريق الكرة الذي يلعب فيها ولكن لا يخطر ببالنا أن موسى بن نصير وطارق بن زياد يحكمان هذه المدينة بشرع الله عز وجل فانظر إلى أجداد المسلمين .



ثم فتحا سويا مدينة سرقسطة وهي أعظم مدن الشمال الشرقي واتجاها سويا إلى شمال الوسط ثم شمال الغرب وموسى بن نصير يفعل فعلا عجيبا من منطقة الشمال فهو يرسل سرية خلف جبال الفرينيه وهي الجبال التي تفصل بين فرنسا وبين أسبانيا أو بين فرنسا وبلاد الأندلس وهذه السرية تجاوزت جبال الفرينيه وفُتحت مدينة أربونه والتي تقع على ساحل البحر المتوسط والتي كانت نواة لمقاطعة إسلامية سوف تكبر كما سيظهر لنا في الرسائل القادمة إن شاء الله .



ثم اتجه موسى بن نصير بجيشه إلى الشمال الغربي من بلاد الأندلس حتى وصل إلى آخر مناطق الشمال الغربي وكل هذا والمدن تفتح للمسلمين حتى انتهى من فتح كل بلاد الأندلس في ثلاثة سنوات ونصف من أول دخول الأندلس حتى أواخر سنة 95هـ وبقي منطقة تسمى الصخرة وهي المنطقة التي يلتقي فيها خليج بسكي مع شمال المحيط الأطلنطي وحاصرها المسلمون حصارا طويلا وكان موسى بن نصير رحمه الله يريد فتح هذه الصخرة أو هذه المنطقة لكن وصلته رسالة عجيبة من أقصى بلاد المسلمين من دمشق من الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين في هذا الوقت و هذه الرسالة كانت طلب من الوليد بن عبد الملك بأن يعود موسى بن نصير وطارق بن زياد أدراجهما إلى دمشق ولا يستكملا الفتح .





(6)



حزن موسى بن نصير من هذا الطلب ولكن الوليد بن عبد الملك الذي يشغله هم المسلمين في كل هذه المناطق البعيدة النائية رأى أن المسلمين قد توغلوا كثيرا في بلاد الأندلس في وقت قليل وخشي رحمه الله أن يلتف النصارى حول المسلمين من جديد فقوة المسلمين مهما زادت فهي قليلة فلا يريد أن يتوغل المسلمون أكثر من ذلك وأيضا أمر آخر قد سمعه الوليد بن عبد الملك عن موسى بن نصير وهو صحيح والذي جعل الوليد بن عبد الملك يصر على استجلاب موسى بن نصير وطارق بن زياد إلى دمشق .



الأمر هو أن الوليد بن عبد الملك قد وصل إلى علمه أن موسى بن نصير يريد بعد أن ينتهي من فتح بلاد الأندلس يريد أن يفتح كل بلاد أوروبا حتى يصل على القسطنطينية من الغرب فقد استعصت على جيوش الدولة الأموية من الشرق فيريد هو أن يفتحها من الغرب يريد أن يفتح فرنسا ثم إيطاليا ثم يوغسلافيا ثم رومانيا ثم بلغاريا ثم منطقة تركيا حتى يفتح القسطنطينية من الغرب وهذا الأمر قد أرعب الوليد بن عبد الملك لأن معنى هذا أنه في حالة طلب المدد من المسلمين فهذا المدد سوف يصل بعد شهور وبينه وبين المسلمين بحار وجبال وأراضي واسعة وخشي الوليد بن عبد الملك على جيش المسلمين من التهلكة ولكن لننظر إلى الهمة العالية التي كانت عند موسى بن نصير تخيلوا كم كان يبلغ من العمر موسى بن نصير عندما كان يفكر هذا التفكير كان يبلغ من العمر خمسة وسبعين سنة أي أنه شيخ كبير وشيخ عجوز ومع ذلك يجاهد في سبيل الله ويفتح المدن ويحاصر أشبيلية شهور ويفتح برشلونة ثم يحاصر الصخرة ويريد أن يفتح القسطنطينية وهذا الرجل إن كان في زماننا هذا لكان على المعاش من 15 سنة .



فالذي على المعاش الآن يظن أن رسالته انتهت ولكن من لتصحيح المفاهيم ؟ ومن لتوريث الخبرات ومن لتعليم الأجيال ؟ فمازال أمامك مهمة ورسالة لتؤديها .



وكان سبب حزن موسى بن نصير الشديد على ترك الأندلس بسبب ترك أرض الجهاد في سبيل الله وكان حزينا أيضا لأن الصخرة لم تفتح بعد والتي هي أقصى الشمال الغربي من بلاد الأندلس وأيضا لأنه لم يستطع إكمال الحلم وهو فتح القسطنطينية من ناحية الغرب ولم يجد إلا أن يطيع الوليد بن عبد الملك فأخذ طارق بن زياد وذهب لدمشق وأول ما وصل إليها وجد الوليد بن عبد الملك في مرض الموت ومات الوليد بن عبد الملك رحمه الله وتولى الخلافة من بعده أخوه سليمان وكان على نفس فكر أخيه فلم يسمح لموسى بن نصير بالذهاب للجهاد خشية أن يدخل بالجيوش إلى أوروبا ويفتح القسطنطينية .



فأصبح موسى بن نصير في دمشق مع طارق بن زياد كما أراد سليمان بن عبد الملك وبعدها بعام ذهب سليمان بن عبد الملك إلى الحج وكان موسى بن نصير مشتاق للحج لأنه كان سنوات طويلة جدا في أرض الجهاد أكثر من عشر سنين ورافق سليمان بن عبد الملك في الحج وذلك سنة 97هـ وقال ( اللهم إن كنت تريد لي الحياة فأعدني إلى أرض الجهاد وأمتني على الشهادة وإن كنت تريد غير ذلك فأمتني في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فذهب موسى بن نصير إلى الحج وأدى الحج وفي طريق عودته مات رحمه الله في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر إلى حسن الخواتيم وانظر إلى هذه القلوب الموصولة بالله عز وجل .



ومن الملفت للنظر أن طارق بن زياد لا يدري أحد عنه شيئا من بعد هذا فلا يدري أحد هل بقي في دمشق؟ أم ذهب إلى بلاد الأندلس؟ وإن كانت هناك بعض الروايات الغير موثوق من صحتها تقول إنه مات في عام 102 هـ أي بعد العودة من الحج بحوالي خمس سنوات .



ومن العجيب أن المسلمين تهاونوا في فتح منطقة الصخرة وأغلب الظن أن لو كان طارق بن زياد وموسى بن نصير هناك لما تركوا هذه المنطقة وعلى الرغم من أن هذه المنطقة صغيرة إلا أنها كانت نواة لممالك نصرانية تسببت في النهاية في سقوط الأندلس بعد قرون ولهذا يجب على المسلمين أن يأخذوا أمورهم بكل جد وعدم التهاون في أي شيء .



وبرجوع موسى بن نصير وطارق بن زياد من الأندلس تنتهي فترة في التاريخ تسمى بعهد الفتح والذي يبدأ من سنة 92 هـ إلى سنة 96هـ أو أواخر 95هـ والأندلس تقسم إلى عهود بحسب طريقة الحكم وبحسب نظام الملك وعهد الفتح هذا يعتبر معجزة عسكرية إذ فتحت فيه الأندلس كلها إلا منطقة الصخرة الصغيرة في ثلاث سنوات ونصف فقط فهذا حدث غير مسبوق ولم يحدث إلا في تاريخ المسلمين .

sosinano
12-21-2006, 03:53 PM
(7)



ويبدأ بعد هذه الفترة عهد جديد يسمى عهد الولاة وهو يبدأ بعد رجوع موسى بن نصير وطارق بن زياد أي يبدأ في سنة 96 هـ ويستمر حتى سنة 138 من الهجرة أي استمر حوالي 42 سنة ومعنى عهد الولاة أي يتولى حكم الأندلس في هذه الفترة والي يتبع الحاكم العام للمسلمين والحاكم العام هو الخليفة الأموي في دمشق وكان هذا الحاكم هو سليمان بن عبد الملك في أول هذا العهد ثم توالى الحكام من بعده ولأن حاكم الأندلس والي يتبع الخليفة العام للمسلمين في دمشق فسمي هذا العهد بعهد الولاة .



وكان أول والي على الأندلس في هذا العهد هو عبد العزيز بن موسى بن نصير بأمر من سليمان بن عبد الملك رحمه الله وهذا الوالي كان كأبيه في جهاده وفي تقواه كما يقول عنه موسى بن نصير عرفته صواما قواما وكان مجاهدا في سبيل الله ووطد الأركان بشدة في منطقة الأندلس وتوالى من بعده الولاة وفترة عهد الولاة التي هي 42 سنة تولى 22 واليا أو 20 واليا ومنهم 2 تولوا مرتين فيصبح 22 فترة حكم أي أن كل والي يحكم سنتين أو ثلاثة .



ولكن لماذا هذا التغيير المفاجئ في الحكام ومما لاشك فيه أن هذا التغيير له أثر تأثيرا سلبيا على الأندلس ؟ .



لأنه كان يستشهد كثير من الولاة في معاركهم في بلاد فرنسا وأما في الفترة الثانية من عهد الولاة فكان هؤلاء الولاة يغيرون بسبب المكائد والانقلابات المؤامرات فنستطيع أن نقسم عهد الولاة إلى فترتين رئيسيتين حسب طريقة الإدارة والحكم:



الفترة الأولى:



هي فترة جهاد وفترة فتوح وفترة عظمة للإسلام وهذه تمتد من سنة 96 هـ إلى سنة 123هـ أي 27 سنة.



الفترة الثانية:

هي فترة مؤامرات ومكائد وضعف فهي تستمر من سنة 123هـ إلى سنة 138 هـ أي 15 سنة .



(8)



الفترة الأولى من عهد الولاة تميزت ببعض الصفات وهي:



نشر الإسلام في بلاد الأندلس بعد أن توطدت أقدام المسلمين في هذه البلاد وبدأ المسلمون يعلمون الناس الإسلام والناس مساكين لا يعلمون شيئا عن الإسلام وإذا عرفته حق المعرفة كانت الفطرة السوية تختار هذا الدين بلا تردد .



وجد الأسبان في هذا الدين دينا متكاملا شاملا ينظم كل شئون الحياة وجدوا عقيدة واضحة وجدوا فيه عبادات منتظمة وجدوا فيه تشريعات مختلفة في الحكم وفي السياسة والتجارة والزراعة وفي المعاملات وجدوا تواضع كبير للقادة ووجدوا كيف تعامل أخاك وكيف تعامل أولادك وكيف تعامل جارك وأقاربك وصديقك ومن تعرف ومن لا تعرف وكيف تعامل عدوك وكيف تعامل أسيرك وجدوا تفاصيل لم يجدوها في دينهم فقد تعودوا فصلا كاملا بين الدين والدولة ووجدوا بعض المفاهيم اللاهوتية الغير مفهومة لهم التي يعجزون عن تطبيقها أما التشريعات فيشرعها لهم من يحكمهم من الناس .



لم يستطع الناس التخلف عن الأسبان عن دخول هذا الدين بل وأصبح أغلب أهل البلد من المسلمين بل إن غالبية المسلمين كانت من سكان الأندلس الأصليين وأصبح العرب قلة وأصبح البربر قلة في هذه البلاد لكن هذا أبدا ما غير من الحكم الإسلامي بل أصبح أهل الأندلس هم جند المسلمين وأعوان هذا الدين وهم الذين اتجهوا إلى فتوحات بلاد فرنسا بعد ذلك وبدأ المسلمون يتزوجون من الأندلسيات أي الأب عربي أو من البربر ويتزوج من امرأة من الأندلس ونشأ جيل جديد عُرف في التاريخ بجيل المُوَلَّدِين .



وبدأ المسلمون في الأندلس يلغون الطبقية حتى أنه يقف الحاكم مع المحكوم سواء بسواء أمام القاضي للتحاكم في المظالم وأتاح المسلمون في هذه الفترة الحرية العقائدية للناس وتركوا كنائسهم ولكن أحيانا ما يوافق النصارى على بيع كنائسهم للمسلمين وأحيانا يدفعون المسلمون أثمانا باهظة في ثمن الكنائس ثم يحولوها إلى مساجد أما إن رفض النصارى أن يبيعوا كنائسهم تركها المسلمون لهم وما هدموها أبدا .



اهتم المسلمون أيضا في هذه الفترة بتأسيس الحضارة المادية وبتأسيس الإدارة العمران وبنشر الكباري والقناطر وأنشئوا قنطرة تسمى قنطرة قرطبة وهي من أعجب القناطر في أوروبا حين ذاك وأنشئوا ديار كبيرة لبناء السفن وبدأت القوة الإسلامية تقوى في هذه المنطقة .



وقد حدث شيء هام جدا في هذه الفترة وهي أن الأسبان بدأوا يقلدون المسلمين في كل شيء وأصبحوا يتعلمون اللغة العربية وحتى الأسبان النصارى واليهود في هذه المنطقة بدأوا يفتخرون بتعلمهم لهذه اللغة فدائما الأمم المهزومة تقلد الأمم المنتصرة ونحن الآن تجد أن هناك مدارس تعلم اللغة الإنجليزية من الأساس بل إن بعض المدارس الإسلامية بدأت تكون مدارس إسلامية للغات وذلك في البلاد الإسلامية فالناس مفتونون بالحضارة الغربية والتقدم الغربي ويتركوا اللغة التي شرفها الله عز وجل بالقرآن الكريم وهي لغة أهل الجنة .



ومن سمات هذه الفترة وهي الفترة الأولى من عهد الولاة أن المسلمين اتخذوا من قرطبة عاصمة لهم وقد كانت طليطلة هي عاصمة الأندلس ولكن المسلمين غيروها وجعلوها قرطبة لأن منطقة طليطلة كانت قريبة من فرنسا ومنطقة الصخرة فكانت غير آمنة أن تكون هي العاصمة قرطبة في اتجاه الجنوب حتى تكون قريبة من المدد في بلاد المغرب .



ومن الأشياء المميزة في هذه الفترة الجهاد في فرنسا ونذكر في هذه الفترة بعض من هؤلاء الولاة الذي كان لهم سبق في هذا الجهاد فعلى سبيل المثال:





(9)



السمح بن مالك الخولاني رحمه الله وهذا والي عمر بن عبد العزيز الذي حكم المسلمين في الفترة ما بين 99هـ و 101هـ أي سنتان وستة أشهر والسمح بن مالك كان قائدا ربانيا وهذا القائد انطلق إلى بلاد فرنسا والتي فتح منها مدينة واحدة إسلامية وهي مدينة أربونة التي فتحها موسى بن نصير بسرية من السرايا لكن السمح بن مالك فتح كل الجنوب الغربي لفرنسا وأسس مقاطعة ضخمة جدا اسمها ( ستمانيا) وهذه المقاطعة الآن تسمى بساحل الريفيرا الموجود في فرنسا والذي كثير من المسلمين يذهبون إليه للجلوس على الشواطئ والتي تعتبر من أشهر المناطق السياحية الموجودة في العالم كله وانظر كيف فعل المسلمون في هذه البلاد في السابق وحكموا منطقة الريفيرا بشرع الله في السابق ودامت لهم السيطرة عليها سنوات وسنوات وقد أرسل السمح بعض الناس ليعلموا الناس الإسلام سواء فيما قام بفتحه من مدن فرنسا أو في بلاد الأندلس ثم لقي ربه شهيدا وكان استشهاده في يوم عرفه في سنة 102 هـ .



ثم تولى من بعد هذا القائد عدة ولاة ولكن سنتجاوز عنهم ثم نتحدث عن رجل يسمى عِنبِسه بن سحيم أو عَنبَسه بن سحيم هذا الرجل كان مجاهدا وكان تقيا ورعا وحكم المسلمين في بلاد الأندلس في الفترة من 103هـ إلى 107 هـ ووصل في جهاده إلى مدينة سانس وهي على بعد ثلاثين كيلو متر من باريس والتي في أقصى شمال فرنسا أي أن عنبسه بن سحيم قد وصل لحوالي 70 % من أراضي فرنسا .





(10)



ثم استشهد أيضا عنبسه بن سحيم وهو في طريق عودته ثم بدأت الأمور تتغير في بلاد الأندلس وتولى من بعد عنبسه بن سحيم مجموعة من الولاة كان آخرهم رجل يسمى الهيثم الكُلابي وعلى غير عادة السابقين فقد كان هذا الرجل متعصبا لقومه ومتعصبا لقبيلته وبدأت تحدث خلافات بين المسلمين ومشاحنات ومعارك بين العرب والبربر حيث كان هذا الوالي من العرب ولكن الله منّ على المسلمين برجل هو عبد الرحمن الغافقي رحمه الله الذي ألغى العصبيات وأعاد الدين من جديد ووحد الصفوف وبدأ يبث في الناس روح الإسلام الأولى التي جمعت بين العرب والبربر والتي لم تفرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى .



عبد الرحمن الغافقي بعد أن وحد الناس وظن أن القوة قد اكتملت بالإيمان أخذ هؤلاء الناس وانطلق ناحية فرنسا ليستكمل الفتوح من جديد ودخل مناطق لم يدخلها السابقون ودخل أقصى غرب فرنسا وأخذ يفتح المدينة تلو المدينة ففتح مدينة آرل ثم مدينة بودو وهذه المدينة موجودة إلى هذا الزمن ثم مدينة طلوشه ثم مدينة تور ثم وصل إلى أكواتيه وهذه المدينة هي التي تسبق باريس مباشرة والفارق بينها وبين باريس حوالي مئة كيلو متر من ناحية غرب باريس ومدينة أكواتيه هذه تبعد ألف كيلو متر من قرطبة أي أن عبد الرحمن الغافقي توغل كثيرا في بلاد فرنسا في اتجاه الشمال الغربي .



وفي منطقة أكواتيه عسكر عبد الرحمن الغافقي في منطقة تسمى البلاط والبلاط في اللغة الأندلسية تعني القصر فهذه المنطقة كان فيها قصر قديم مهجور عسكر عنده عبد الرحمن الغافقي وبدأ ينظم في جيشه ليلاقي جيش النصارى وكانت حملة عبد الرحمن الغافقي أكبر حملة تدخل بلاد فرنسا فقد كانت تحتوي على خمسين ألف مقاتل من المسلمين .



لكن هناك مشكلة خطيرة جدا في جيش عبد الرحمن الغافقي وهي أن جيش عبد الرحمن الغافقي عندما كان يفتح المدينة تلو المدينة كان يجمع الغنائم فكثرت الغنائم في جيش المسلمين وبدأ المسلمون يفتنون بهذه الأموال الضخمة واشتهرت بين الناس فكرة وهي أن نعود إلى بلاد الأندلس ونضع هذه الغنائم في بلادنا حتى لا يأخذها منا الفرنسيون لكن عبد الرحمن الغافقي جمع الناس وقال ( ما جئنا لأجل لهذه الغنائم ما جئنا إلا لتعليم هؤلاء الناس هذا الدين ولتعبيد العباد لرب العباد ) وأخذ يحفز الجيش ويحض الجيش على الموت في سبيل الله وأخذ الجيش وانطلق إلى أكواتيه رغما عن أنف الجنود .



بدأت تظهر أمورا جديدة في الجيش فالعصبيات التي قامت في بلاد الأندلس بين العرب والبربر تجددت من جديد فبدأت الناس تختلف على الغنائم وكل واحد ينظر لما في يد أخيه وبدأ العرب يقولون نحن العرب أفضل من البربر وبدأ البربر يقولون نحن الذين فتحنا البلاد ونحن الأفضل ونسي الناس أن المسلمين ما فرقوا أبدا عند الفتح بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى .



فاجتمع في الجيش حب الغنائم والعصبية كما اجتمع إلا جوار ذلك الاعتداد بالعدد الضخم وهو خمسين ألف مقاتل مسلم وهو رقم لم يسبق من قبل في تاريخ الأندلس وأخذتهم العزة بهذا العدد من الجند وظنوا أنهم لن يغلبوا ومن جديد حنين جديدة تتكرر فقد قال الله تعالى في عزوة حنين { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } (25) سورة التوبة .



ومع وجود قائد رباني كعبد الرحمن الغافقي هذا الرجل المجاهد التقي الورع إلا أنه كانت هناك عوامل كثيرة لهزيمة جيش المسلمين فكان هناك حب الغنائم والقبلية والعنصرية وكان هناك الاعتداد بالعدة والأعداد الكبيرة من الجنود والمسلمين ما انتصروا من أجل عددهم أو قوتهم ولكن كانوا ينتصرون بطاعتهم لله عز وجل ومعصية عدوهم لله سبحانه وتعالى .



وعلى الجانب الآخر يأتي جيش النصارى من باريس وعلى رأسه رجل يسمى شارل مارتن ويسموه العرب شارل قارله وكلمة مارتن هذه تعني المطرقة وسماه بها البابا (بابا إيطاليا) وسماه بهذا الاسم لأنه كان شديدا على أعدائه وكان من أقوى حكام فرنسا على الإطلاق وأتي بأربعمائة ألف مقاتل من النصارى أي ثمانية أضعاف الجيش المسلم ولكن المسلمين لم تكن أبدا تهمهم هذه الأرقام ولكن جيش المسلمين فيه عوامل من عوامل الضعف .

EHAB_MAGD
12-23-2006, 04:10 AM
بارك الله فيك اخى
ننتظر المزيد

sosinano
12-23-2006, 12:41 PM
(11)



والتقي الجيشان في موقعة من أشرس المواقع الإسلامية على الإطلاق وهي موقعة في منطقة أكواتيه ودارت الموقعة عشرة أيام متصلة وكانت في رمضان سنة 114 هـ وكانت الغلبة للمسلمين في بداية المعركة مع قلة عددهم ولكن النصارى بعد ذلك فطنوا لوجود الغنائم خلف جيش المسلمين فالتفوا حول الجيش وهاجموا الغنائم وبدأوا يسلبوا مغانم المسلمين وارتبك المسلمون وأسرعوا ليحموا غنائمهم فحب الغنائم دخل في قلوبهم ولما حدث هذا الأمر حصل ارتباك شديد في صفوف المسلمين وبدأت تحدث هزة أدت إلى هزيمة الجيش الإسلامي في موقعة أكواتيه أو موقعة بلاط الشهداء .



بلاط هو القصر الذي دارت عنده هذه الموقعة والشهداء لكثرة شهداء المسلمين في هذه الموقعة ولم يرد في الروايات الإسلامية حصر دقيق للشهداء في هذه الموقعة ولكن الروايات الأوروبية تبالغ جدا في ذكر عدد الشهداء حتى إنهم يقولون إنه قتل من المسلمين 375 ألف مسلم مع أن الجيش كله لم يزد عن 50 ألف مسلم ولكنهم يريدوا أن يعظموا هذه المعركة .



ويقول النصارى في رواياتهم عن هذه المعركة أنه لو هزم الفرنسيين في هذه المعركة لفتحت أوروبا بالكامل ولدُرس القرآن في جامعة أكسفورد هكذا يقولون ولكن هذه الهزيمة كانت تعاسة لهم فقد بقوا في ضلالهم وغيهم وعبادتهم غير الله عز وجل .



وبعد هذه الهزيمة انسحب المسلمون ومع ذلك فإن الهزيمة لم تكن ساحقة كما يصورها الجيش النصراني بدليل أن النصارى لم يتبعوا جيش المسلمين بل اكتفوا بما لديهم من الغنائم وبما قتلوه من المسلمين وكان من عادة الجيوش أن تتبع الجيش الفار ولكن الواضح أن الجيش النصراني خشي أن يدخل بلاد الأندلس ويتبع المسلمين .





(12)



ونريد أن نقف وقفة مع هذه المعركة فقد قال الله عز وجل { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ } (5) سورة فاطر. فالمسلمين اغتروا بالدنيا التي فتحت عليهم في فتح بلاد فرنسا وفتح بلاد الأندلس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم) . متفق عليه .



فانظر أيها المسلم إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتدبر فإن ما حدث سنة من سنن الله فإن فتحت الدنيا على المسلمين فإنهم يتنافسوها ثم تهلكهم وهذا ما حدث في المعركة .



أمر آخر كان سبب الهزيمة وهو العنصرية والقبلية والعصبية التي كانت بين العرب والبربر وقد لاحظ الفرنسيون أثر الخلاف الذي حدث بين العرب والبربر وأدى إلى هزيمتهم ووعت الكتب الفرنسية هذا الأمر وظلت تحفظه على مدار التاريخ حتى مرت الأيام ومرت السنوات واحتلت الجزائر من سنة 1830 لسنة 1960 أي 130 سنة كاملة ولما قامت الحركات الاستقلالية في الجزائر في سنة 1920 وما بعدها ففكرت فرنسا في فكرة لكي تضيع هذه الحركات فبدأت تضرب العرب بالبربر فبدأت تشيع في البربر أنهم قريبون من العنصر الآري أي العنصر الأوروبي وقد وصفنا البربر من قبل وقلنا إن شعورهم شقراء وبيض اللون وعيونهم زرقاء وقالوا لهم أنهم بعيدون عن العنصر السامي أي عنصر العرب .



وبدأ الفرنسيون في تعليم البربر اللغة الفرنسية في مناطق البربر وعدم تعليم اللغة العربية في هذه المناطق وعدم تعليم العرب اللغة الفرنسية ومع ذلك لم تفلح فرنسا في تحويل دين البربر من الإسلام إلى النصرانية أبدا والبربر كانوا متمسكين بتعلم اللغة العربية على مدار الأيام لكن لما قامت فرنسا بهذا الأمر بدأت تعلم اللغة الأمازيغية أيضا وهي اللغة الخاصة بالبربر فالبربر الذين يعيشون في الجزائر الآن يسمون بالأمازيغ وهم لهم لغة خاصة وبدأت فرنسا تعلم اللغة الأمازيغية حتى إنها أنشأت في سنة 1967 أكاديمية لتعليم اللغة الأمازيغية وبدأت تكتب اللغة الأمازيغية بحروف لاتينية فاللغة الأمازيغية لغة منطوقة غير مكتوبة فبدأت فرنسا تعلم البربر هذه اللغة وتستجلب البربر لتعلم هذه اللغة في الأكاديمية وبدأت تحذف بعض الكلمات العربية من اللغة البربرية فقد كانت بعض الكلمات العربية دخلت على اللغة البربرية ولكنهم أخرجوا هذه الكلمات وأبدلوها بكلمات أصيلة في اللغة البربرية حتى إنه في سنة 1998م أي أنه منذ سنوات قريبة أنشأت فرنسا أكاديمية تسمى الأكاديمية العالمية للبربر وهي أكاديمية تجمع البربر من بلاد العالم ومن المعروف أن معظم البربر تركيزهم في منطقة المغرب العربي وغرب أفريقيا فبدأت تجمعهم هذه الأكاديمية وتعلمهم لغة خاصة بهم وكل هذا لفصل العرب عن البربر وهذا لأنها شاهدت آثار المشاكل التي دارت بين العرب والبربر في موقعة بلاط الشهداء وما تلاها فبدأت تأثر على العلاقة بين العرب والبربر وتحذف من الذاكرة أن هذه الجموع ما هي إلا جموع إسلامية ما اجتمعت إلا برباط الدين والعقيدة.



فرنسا التي تحاول أن تقيم لغة أخرى غير اللغة العربية في بلاد الجزائر هي نفسها التي رفضت مشروع لرئيس وزرائها جوسبان سنة 1999 والذي تقدم به لرئيس فرنسا شيراك والذي كان فيه إقرار بعض اللغات المحلية في فرنسا فقال له شيراك ( إنك تريد بلقنة فرنسا ) أي جعلها مثل بلاد البلقان بلاد مختلفة بحسب العرق وبحسب العنصر مع أنه هو ومن معه يحاولون أن يشجعوا اللغة الأمازيغية في بلاد الجزائر لتفكيك الوحدة فكان حلالا على بلاد الجزائر وحراما على فرنسا أن تقر أكثر من لغة بداخلها .



والجدير بالذكر أنه إلى الآن البربر يتمسكون بإسلاميتهم ويتمسكون بعقيدتهم وإن كانت هناك محاولات فرنسية لجعل هذه المنطقة منطقة علمانية .



كان هذا درس ضخم جدا من معركة بلاط الشهداء والتي بدأ بعدها نجم المسلمين يأفل نتيجة بزوغ مثل هذه العصبيات ومثل هذا الحب لهذه الدنيا وهي سنة من سنن الله سبحانه وتعالى .



ترى ما هي الفترة الثانية من عهد الولاة ؟ وكيف قادت العصبية وكيف قاد حب الدنيا هذه البلاد التي كانت بلاد الجهاد في فترة عهد الفتح وفترة الجزء الأول من عهد الولاة ؟ ثم ماذا حدث بعد انتهاء عهد الولاة وسقوط الدولة الأموية في المشرق ؟ فهذا ما سنتناوله إن شاء الله في المقالة القادمة .





هذا تلخيص لأحد دروس الشيخ راغب السرجاني عن الأندلس

mt man
12-23-2006, 02:24 PM
نسأل من الله العلي القدير أن يوحد صفوف المسلمين كافة بربرا وعربا وعجما ومن كل الأعراق
وأن يفطنو لما يحاك لهم في الخفاء

sosinano
12-25-2006, 07:05 PM
الأفكار:



1- إجابات عن بعض الأسئلة .

2- ماذا بعد معركة بلاط الشهداء .

3- أحداث نهاية عهد الولاة الثاني .

4- رجل أنقذ الأندلس من الضياع .

5- الرجل يخطط لدخول الأندلس .

6- وبعد أن دخل الأندلس .









(1)

في المقالة السابقة تحدثنا عن موقعة بلاط الشهداء وكيف انهزم المسلمون فيها وقمنا بتحليل هذه الموقعة وقبل أن ندخل في تفاصيل ما حدث بعد هذه الموقعة سنقوم بالإجابة على بعض الأسئلة التي جاءت عن الأندلس وكانت :



السؤال الأول : لماذا لم يثُر أهل الأندلس على الجيش الإسلامي الذي كان موجود في الأندلس وقوامه حوالي أربعة وعشرين ألفا فقط وهو لا يقارن بالنسبة لعدد السكان الأصليين في الأندلس ؟ .



والإجابة على هذا السؤال أنه من العجب أن يثوروا وليس من العجب ألا يثوروا فقد كان أهل الأندلس قبل دخول الإسلام يعيشون في ذل عميق وفي ضنك شديد فتنهب أموالهم ولا يتكلمون وتنتهك أعراضهم فلا يتكلمون ويتنعم حكامهم بالقصور والثروات وهم لا يجدون ما يسدون به الرمق ويباعون ويشترون مع الأرض التي زرعوها بكدهم وأكل غيرهم ثمارها فإذا جاءهم أحد يقول لهم إنني سأبدل لكم من ظلمك هذا بعدل ويكون حق لكم ولا فرق بين حاكم ومحكوم فإذا كان لك مظلمة فإن القاضي سيحكم ولا يفرق بين مسلم ويهودي ونصراني فالكل عنده سواء وعندما تجد دينا لا يرفع من قيمة الأشخاص بقدر مالهم أو سلطانهم وإنما يقدر أعمالهم والأعمال مفتوحة للجميع .



فعندما تجد حاكما يقول لك سأرفع عنك كل الضرائب ولن تدفع إلا زكاة إن كنت من المسلمين وهي 2.5 في المائة كل عام هذا إن كنت غنيا أما إن كنت فقيرا معدما فإنك لن تدفع شيئا بل ستأخذ من بيت مال المسلمين .



فالإسلام كان خلاصا للشعوب فالناس في بلاد الأندلس لما رأت الإسلام تمسكت به واعتنقته اعتناقا ولم ترض عنه بديلا فكيف يضحي شعب الأندلس بنعيم الإسلام .



وقد يقول قائل هل من المعقول أن يكون أهل الأندلس جميعا قد أعجبوا بهذا الدين ودخلوا في الإسلام راغبين ولم يوجد فيهم رجلا واحدا يثور ويعترض ؟ .



نعم كان هناك كثير من الرجال أصحاب المصالح الذين كان لهم كثير من الأعوان يريدون أن يثورا على حكم الإسلام ويحققوا المصالح السابقة التي كانت لهم فلماذا لم يثر هؤلاء القوم ؟ .



فالجواب عند الله عز وجل حيث يقول { لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ } (13) سورة الحشر .



فالمؤمن في الفتوحات الإسلامية كانت له رهبة في قلوب النصارى واليهود وفي قلوب المشركين بصفة عامة فالمؤمن يلقي الله عليه جلالا فيخافه القريب والبعيد فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نصرت بالرعب مسيرة شهر ) . متفق عليه . ويقول سبحانه وتعالى { فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} (2) سورة الحشر .



فهذا الرعب لم يكن ناتجا عن بشاعة في الحرب ولا إجرام منقطع النظير ولكنها هبة ربانية لجند الله عز وجل .



ولم تكن حرب الإسلام إلا رحمة للناس فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم لما كان يودع الجيوش في حديث مسلم عن بريدة عن أبيه رضي الله عنه وأرضاه يقول ( اغزوا بسم الله وفي سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ) وفي رواية ( ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة ) .



فأين هذا من حروب غير المسلمين مع المسلمين ؟ فأين هذا من قتل مائتي ألف رجل من المدنين في البوسنة والهرسك وفي كوسوفو وأين هذا مما حدث للمسلمين في الشيشان وفي الهند وفي فلسطين والعراق فقد كانت حرب المسلمين رحمة للناس .



ولذلك اعتنق الناس الإسلام اعتناقا ومن لم يدخل في دين الله من اليهود والنصارى سعدوا بهذا الدين أيضا فإن الله يقول { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (8) سورة الممتحنة .



فتركت لهم كنائسهم وكان لهم قضاء خاص بهم ولم يفرق بين مسلم ونصراني أو يهودي في مظلمة فلما يثورون ؟ .



السؤال الثاني : كيف يقع الجيش الإسلامي في أخطاء في غزوة بلاط الشهداء في سنة 114هـ وكيف يهتم بالغنائم ويترك المعركة وكيف تظهر العنصرية والقبلية بين المسلمين وهذا الجيل هو تابع التابعين والذي هو قريب جدا من عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ .



هذا الأمر حدث أيضا في عام ثلاثة من الهجرة وذلك في غزوة أحد فانظر إلى قول الله عز وجل { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } (152) سورة آل عمران .



فهذه الآية نزلت في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في موقعة أحد , ألم يترك الرماة مواقعهم في جبل أحد طلبا للغنيمة ؟ نزلوا وخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبا للغنيمة وهكذا قال عنهم الله عز وجل في كتابه الكريم حتى إن عبد الله بن مسعود كان يقول ما كنت أحسب أن منا من يريد الدنيا حتى نزلت الآية { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } . ويقول ابن كثير في معنى ولقد عفا عنكم أي لم يستأصلكم وأعطاكم الفرصة لتقوموا من جديد .



فهزم المسلمون بعد النصر وهكذا في معركة بلاط الشهداء ففي أول ثلاثة أيام كان النصر حليفا للمسلمين ثم انقلبت الآية لما التف النصارى حول غنائم المسلمين وأخذوها فحدث الانكسار في جيش المسلمين ثم هزموا ثم عاد وانسحب ليقوم المسلمين من جديد .



وكأن بلاط الشهداء هي غزوة أحد بل انظر إلى غزوة بدر التي اختلف فيها المسلمون على الغنائم حتى إن سورة الأنفال التي كانت تعظم من هذا النصر بدأت بقوله تعالى { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } (1) سورة الأنفال .



فهذه الآية كانت شديدة على الصحابة رضي الله عنهم ولكن هذا شيء أصيل في النفس البشرية .



ولما أشيع في غزوة أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات حدث الفرار والهزيمة وكذلك الحال لما قُتل عبد الرحمن الغافقي رحمه الله انسحب المسلمون من غزوة بلاط الشهداء فالتكرار في التاريخ كثير جدا وعلى المسلمين أن يتعظوا منه .



أما عن مسألة القومية والعنصرية التي ظهرت في جيل التابعين وتابعي التابعين في جيل معركة بلاط الشهداء فهذه العنصرية والقبلية ظهرت أيضا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال أبو ذر لبلال رضي الله عنهما عندما غضبا من بعضهما البعض فقال أبو ذر لبلال ( يا ابن السوداء ) فشكاه بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر ( أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية ) .



ولننظر لاستجابة أبي ذر لهذا الأمر فقد وضع وجهه على التراب وأصر أن يضع بلال رضي الله عنه قدمه على وجهه حتى يكفر عن ذنبه ولكن بلال رضي الله عنه لم يفعل .



أيضا لما كان الصحابة في غزوة ما فكسع ( ضرب ) رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجري: يا للمهاجرين فسمع ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما بال دعوى جاهلية) قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال: (دعوها فإنها منتنة) . رواه البخاري وغيره .



وانظر إلى القبلية التي حدثت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنة بني حنيفة واجتماع الناس حول مسيلمة الكذاب ورجل من جُند مسيلمة سئل أتعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق وأن مسيلمة كاذب فقال والله أعلم أن محمدا صادق وأن مسيلمة كاذب ولكن كاذب بني ربيعة أحب إلي من صادق وهكذا كانت القبيلة ولو لمس الإيمان قلبه ما قال هكذا .



(2)



وبعد عودة الجيش الإسلامي من معركة بلاط الشهداء قامت للمسلمين قائمة جديدة فقد قام فيهم رجل وهو عقبة بن الحجاج الذي تولى الولاية من سنة 116 هـ إلى سنة 123هـ وكان هذا الرجل آخر المجاهدين بحق في فترة عهد الولاة الأول .



فهذا الرجل خُيّر بين إمارة شمال أفريقيا كلها وبين الأندلس فاختار الأندلس لأنها أرض جهاد وهي الملاصقة لبلاد النصارى فهذا الرجل كان يقوم بحملات في بلاد فرنسا فقد قاد أكثر من سبع حملات في بلاد فرنسا ثم كان ينزل إلى الأسرى بنفسه ويعلمهم الإسلام حتى إنه أسلم على يديه ألفان من الأسرى فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه ( فوالله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النعم ) . متفق عليه . فما بالكم بألفي رجل ؟ .



ثم استشهد في سنة 123 هـ وباستشهاده انتهى عهد الولاة الأول وفي النصف الثاني من عهد الولاة من سنة 123 هـ إلى سنة 138 هـ يبدأ عهد جديد .



بذور هذا العهد بدأت في موقعة بلاط الشهداء من حب للغنائم ومن تفضيل للعنصرية والقبلية وفي أول هذا العهد كانت الأموال كثيرة جدا والغنائم ضخمة جدا وفتحت الدنيا على المسلمين وكثرت الأموال ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ) . متفق عليه .



وهكذا فتحت زهرة الدنيا على المسلمين فانخرطوا فيها وتأثر الإيمان وتبعا لتأثر الإيمان ظهرت العنصرية بصورة كبيرة جدا وحدثت انقسامات كبيرة جدا في الأندلس فحدثت بين العرب والبربر ثم حدثت انقسامات بين العرب أنفسهم فحدثت انقسامات بين المضريين والحجازيين وحدثت انقسامات بين العدنانيين ( أهل الحجاز ) والقحطانيين ( أهل اليمن ) ثم حدثت انقسامات أخرى بين أهل الحجاز أنفسهم بين السهريين وبين الأمويين وبين بني قيس وبين بني ساعدة وهكذا انقسم أهل الحجاز وكخطوة لاحقة لهذا هو تولي ولاة ظلموا الناس وألهبوا ظهورهم بالسياط .



ظهر على سبيل المثال رجل يسمى عبد الملك بن قَطَم فهذا الرجل ملأ الأرض ظلما فقسم الناس بحسب العنصرية وبحسب القبلية وأذاق الآخرين ألوانا من العذاب ولم يعطي من الغنائم للبربر ولم يعطي لغير المضريين فانقسم الناس عليه وانقلبوا .



تولى من بعد هذا الرجل يوسف عبد الرحمن الفهري وهذا الرجل تولى الحكم من سنة 130 هـ إلى سنة 138 هـ أي آخر ثمان سنوات في عهد الولاة وهذا الرجل لما تولى الحكم انفصل بالكلية عن الخلافة الأموية وادعى أن إمارة الأندلس إمارة مستقلة وأيضا أذاق الناس العذاب ألوانا .



حدثت انكسارات وثورات عديدة في بلاد الأندلس وتفككت إلى أكثر من عشرين إلى ثلاثين ثورة في داخل بلاد الأندلس وكرد فعل طبيعي جدا ترك الناس الجهاد وتوقفت الفتوحات في فرنسا وتوقفت الحروب في منطقة الشمال الغربي في منطقة الصخرة التي كان فيها مجموعة من النصارى متمركزين فيها منذ الفتح الأول لبلاد الأندلس وكقاعدة من قواعد الله عز وجل وسنة من سننه ( ما ترك قوم الجهاد إلا ذلو ) فانظر إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) رواه أبو داود .

BARDEY999
12-25-2006, 10:01 PM
سأقوم بحول الله بكتابة موضوع عن محاكم التفتيش في اسبانيا..انتظر الوقت المناسب.........شكرا على الموضوع

EHAB_MAGD
12-26-2006, 07:56 AM
بارك الله فيك اخى الفاضل

mt man
12-26-2006, 10:47 AM
مشكور أخي
في الحقيقة لم أستطع الأنتضار وقمة بتحميل السلسلة
ولمن يريد دالك
http://www.islamway.com/?iw_s=Scholar&iw_a=series&series_id=790

bintljama3a
12-26-2006, 11:01 AM
تاريخ المسلمين بالاندلس يحتاج لوقفات و دراسات و تاملات كثيرة

sosinano
12-27-2006, 03:50 PM
(3)



ويمكن تلخيص ما حدث في نهاية هذا العهد كما يلي :

أولا :



فقدت جميع الأراضي الإسلامية في فرنسا ما عدا مقاطعة سِتمانيا والتي فتحها موسى بن نصير بأحد السرايا .



ثانيا :



ظهرت مملكة نصرانية اسمها مملكة لِيُون في الشمال الغربي من الأندلس .



ثالثا:



أعلن يوسف بن عبد الرحمن الفهري انفصال الأندلس عن الخلافة العباسية القائمة في ذلك الوقت .



رابعا:



انقسمت الأندلس إلى فرق عديدة متناحرة وكلٌ يريد التملك والتقسيم بحسب العنصر والقبيلة .



خامسا:



ظهر فكر للخوارج الذين جاءوا من الشام وانضم إليهم البربر وقد كانوا يعانون من ظلم شديد من يوسف بن عبد الرحمن الفهري وعنصرية بين العرب والبربر فاضطروا إلى الانتماء لهذا الفكر الخارج عن المنهج الإسلامي الصحيح .



فأجمع المؤرخون أن الإسلام بالفعل كاد أن ينتهي من الأندلس وذلك في عام 138 هـ وزاد من خطورة الموقف الحدث الإسلامي الخطير وهو سقوط الخلافة الأموية وقيام الخلافة العباسية التي كان قيامها قياما دمويا رهيبا وانشغل العباسيون بحرب الأمويين وضاعت قضية الأندلس تماما من الأذهان وهكذا أصبح حال الأندلس يحتاج إلى معجزة حتى ينصلح الحال .



(4)



ومن فضل الله عز وجل وكرمه أن حدثت المعجزة في ذي الحجة من سنة 138 هـ وكانت هذه المعجزة هي دخول رجل واحد للأندلس رجل واحد فقط واسمه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك رحمه الله ترى ما هي قصة دخوله الأندلس ؟ .



ففي سنة 132هـ حدث سقوط لخلافة بني أمية وحدث قتل لكل المرشحين للخلافة أي كل الأمراء وكل أبناء الأمراء وكل أحفاد الأمراء فجميعهم قتلوا من قبل العباسيين إلا قليلا ومن هؤلاء القليل هو عبد الرحمن بن معاوية حفيد هشام بن عبد الملك وعبد الرحمن كان عمره في هذا الوقت 19 سنة فقط وكان يعيش في منطقة العراق وكان له أخ صغير عمره 13 سنة واسمه الوليد بن معاوية وكان عبد الرحمن مطلوب الرأي وكذلك أخوه .



وفي يوم من الأيام يجلس عبد الرحمن بن معاوية في بيته في العراق فدخل عليه ابنه الذي كان عمره أربع سنوات دخل يبكي فزعا وكان عبد الرحمن بن معاوية في عينه رمد مريض ومعتزل في الظلام في غرفة داخل البيت فأبعد الطفل عنه وأخذ يسكنه فلم يسكن الطفل بما يسكن به الأطفال ولكنه ظل فزعا مرعوبا فقام معه عبد الرحمن بن معاوية ووجد في خارج البيت الرايات السود وهي رايات الدولة العباسية تعم القرية جميعا فعلم أنه مطلوب فوضع يده على النقود وأخذها وترك أهله وانصرف .



فأخذ معه النقود وأخذ معه أخوه الوليد بن معاوية وترك النساء وترك الأطفال وترك كل شيء لأن العباسيين لم يكونوا يقتلوا نساء أو أطفالا ولكن يقتلوا كل من بلغ وكان مؤهلا للخلافة ثم هرب عبد الرحمن بن معاوية هو وأخوه حتى وصل إلى نهر الفرات وهناك وجدوا القوات العباسية تحاصر النهر فألقيا بأنفسهما في النهر وأخذا يسبحان ثم من بعيد ناداهما العباسيون أن ارجعا ولكم الأمان فالوليد بن معاوية كان قد تعب من السباحة فعاد وقال له عبد الرحمن بن معاوية ( إن عدت يا أخي يقتلوك ) فقال له أخوه ( قد أعطونا الأمان ) فعاد سابحا راجعا إلى النهر فأمسك به العباسيون وقتلوه أمام أخيه عبد الرحمن بن معاوية وعبر النهر وهو لا يستطيع أن يتكلم أو يفكر من الحزن ثم اتجه للمغرب فلماذا المغرب وبلاد القيروان ؟ .



ذلك بأن أخوال عبد الرحمن بن معاوية كانوا من البربر فقد كانت أمه من قبيلة من قبائل البربر فهرب إلى البربر في قصة هروب طويلة جدا عبر فيها بلاد الحجاز ثم مصر ثم ليبيا ثم القيروان ولما وصل للقيروان وهو يبلغ من العمر 19 عاما فقط وجد هناك ثورة كبيرة جدا للخوارج على رأسها عبد الرحمن بن حبيب وذلك في الشمال الأفريقي كله وقد استقل بالشمال الأفريقي عن الدولة العباسية التي قامت في سنة 132 هـ وكان عبد الرحمن بن حبيب أيضا يسعى للقضاء على عبد الرحمن بن معاوية .



فأصل هذا أنه هناك كراهية شديدة جدا بين الخوارج وبين الأمويين فإن أصل ظهور الخوارج خلاف بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبين معاوية بن أبي سيفيان رضي الله عنهم أجمعين وظهور الخوارج لأن علي بن أبي طالب ارتضى أن يحكم كتاب الله سبحانه وتعالى بينه وبين معاوية بن أبي سفيان في موقعة صفين المشهورة فظهر فكر الخوارج من ساعتها .



فالخوارج يكرهون بني أمية بشدة فبمجرد أن وصل عبد الرحمن بن معاوية إلى القيروان اجتمع عليه الخوارج وكادوا أن يقتلوه فهرب من جديد إلى برقة في ليبيا ومكث هناك أربع سنوات كاملة مختبئا عند بعض أخواله هناك حتى سنة 136 هـ وكان عنده من العمر 23 سنة وجلس يفكر .



ماذا أفعل ؟ هل أختفي طول العمر ؟ أم يعود للظهور من جديد ؟ فإنه إن ظهر في الشمال الأفريقي قتله عبد الرحمن بن حبيب وإن ظهر في بلاد المشرق في الشام قتله العباسيون أيظل هكذا بلا حراك والأمويين يقتلون إذا عرف مكانهم أم يعيد للأمويين مجدهم من جديد فظهر في فكره خاطر وهو أن يذهب للأندلس وهي أصلح الأماكن لاستقبال عبد الرحمن بن معاوية فلماذا الأندلس ؟ .



أولا:

الأندلس هي أبعد رقعة في بلاد المسلمين .



ثانيا:

الأندلس يفصل بينها وبين العباسيين بحر وهو مضيف جبل طارق والبحر الأبيض المتوسط فمن الصعب أن يصل إليها العباسيون إلا بعد فترة من الزمان .



ثالثا:

أن الوضع في الأندلس ملتهب جدا فهي الآن في حالة ثورات وانقسامات والناس تكره بشده يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي يحكم هذه البلاد ويستقل بها عن الدولة الأموية ثم الدولة العباسية ثم ظهرت مملكة ليون في الشمال وهي أيضا تحارب المسلمين ثم ظهر الخوارج في الشمال الأفريقي وهم يحاربون الأندلس .



فلو كانت الأندلس تبايع العباسيين ما استطاع أن يدخلها ولو كانت تبايع الخوارج ما استطاع أن يدخلها ولهذا فهي أنسب أراضي المسلمين له .



(5)



فبدأ عبد الرحمن بن معاوية يخطط لدخول الأندلس فماذا يفعل ؟ .



أولا:

أرسل مولاه بدر إلى الأندلس لدراسة الموقف ومعرفة القوى المؤثرة في الحكم في بلاد الأندلس .



ثانيا:

راسل كل محبي الدولة الأموية في بلاد الأندلس بعد أن علمهم من مولاه بدر والحق إن كثيرا من المسلمين كانوا يحبون بني أمية مما وجدوه فيهم من سخاء وكرم وحسن معاملة للناس والسياسة والجهاد في سبيل الله .



ثالثا:

راسل عبد الرحمن بن معاوية البربر ويطلب معونتهم ويطلب مساعدتهم والبربر على خلاف مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري لأنه من الأصل فرق بين العرب والبربر فالبربر يريدون أن يتخلصوا من حكم يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي عاملهم بهذه العنصرية .



رابعا:

بدأ يراسل كل الأمويين في الأرض فكل ما يعرف أن هناك أمويا موجودا في مصر أو في السودان أو في الحجاز يراسلهم ويعرض عليهم فكرته وأنه يعزم على دخول بلاد الأندلس وبدأ يجمع الأفكار ويجمع الناس لينفذ فكرة عجيبة جدا وهي أن يدخل الأندلس بمفرده وحيدا .



وبالفعل يبدأ في تجميع الأعوان إلى سنة 138 هـ وفي هذه السنة يأتي له رسول من عند مولاه بدر من الأندلس يقول له إن الوضع قد تجهز لاستقبالك في بلاد الأندلس فيقول له ما اسمك فيقول اسمي غالب التميمي فيقول عبد الرحمن بن معاوية ( الحمد لله غلبنا وتم أمرنا ) فبدأ يعد العدة ويجهز السفينة التي تأخذه منفردا إلى بلاد الأندلس .



نزل عبد الرحمن بن معاوية رحمه الله إلى ساحل الأندلس واستقبله مولاه بدر واتجها إلى قرطبة وكان يوسف بن عبد الرحمن الفهري كالعادة يقمع ثورة هنا وثورة هناك وأذكركم بقول المؤرخين بأن الإسلام كاد ينتهي من الأندلس في سنة 138 هـ .

sosinano
12-27-2006, 03:51 PM
(6)



بدأ عبد الرحمن بن معاوية في تجميع الناس من حوله والمحبين للدولة الأموية مثل البربر والأمويين الذين كانوا في بقاع الأرض المختلفة ومع ذلك لم يكن العدد كافيا ليغير الأوضاع .



فكر عبد الرحمن بن معاوية في اليمنيين ذلك لأن اليمنيين أيضا على خلاف مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري فهو من مضر من الحجاز وعبد الرحمن بن معاوية أيضا من مضر من بني أمية ومع ذلك بدأ يراسل اليمنيين فاليمنيين على خلاف مع يوسف بن عبد الرحمن ولكنهم ليسوا على وفاق مع بني أمية ولكن اليمنيين ليست لهم طاقة بيوسف بن عبد الرحمن الفهري فقبلوا أن يتحدوا مع عبد الرحمن بن معاوية وكان على رئاسة اليمنيين في ذلك الوقت رجل يسمى أبو الصُبَاح اليحصبي وكان المقر الرئيسي لهم أشبيلية وكانت مدينة كبيرة جدا فذهب عبد الرحمن بن معاوية بنفسه إلى أشبيلية واجتمع طويلا مع أبو الصباح واتفقا على أن يقاتلا سويا ضد يوسف بن عبد الرحمن الفهري .



قبل أن يقاتل عبد الرحمن بن معاوية والي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن أرسل عبد الرحمن بن معاوية رسالة للوالي يطلب فيها وده ويطلب منه أن يسلم له الإمارة فيقول له أنه عبد الرحمن بن معاوية حفيد هشام بن معاوية ويريد منه أن يسلمه الإمارة ويكون رجلا من رجاله في الأندلس .



رفض يوسف بن عبد الرحمن الفهري هذا وجهز الجيش لقتال عبد الرحمن بن معاوية واجتمع عبد الرحمن بن معاوية هو واليمنيون ومن معه من القبائل المختلفة في حرب يوسف بن عبد الرحمن الفهري وذلك في معركة تاريخية عرفت بسم المَسَارة وفي لفظ بموقعة المصارة وكانت في ذي الحجة سنة 138هـ .



طبعا من المؤسف جدا أن يلتقي المسلمون بسيوفهم ولكن كثرة الفتن والانقلابات جعلت من الحل العسكري هو الحل الوحيد والحتمي في ذلك الوقت .



جيش يوسف بن عبد الرحمن كبير جدا أما جيش عبد الرحمن بن معاوية فيعتمد في الأساس على اليمنيين وأبو الصباح اليحصبي سمع بعض المقالات من اليمنيين تقول إن هذا الرجل وهو عبد الرحمن بن معاوية غريب على البلاد ثم إنه يملك فرس أشهب وفرس عظيم وإن حدثت هزيمة هرب من ساحة القتال وتركنا للفهريين فماذا نفعل ؟ .



وصل هذا الأمر لعبد الرحمن بن معاوية وهذه بوادر انقسام في جيشه فانظر إلى ذكائه وعمره الآن 25 سنة .



ذهب بنفسه إلى أبو الصباح اليحصبي وقال له ( إن هذا الجواد سريع الحركة ولا يمكنني من الرمي فإن أردت أن تأخذه وتعطيني بغلتك فعلت ) فأعطى الجواد السريع إلى أبو الصباح وأخذ البغلة يقاتل عليها فقال اليمنيون هذا مسلك رجل لا يريد الهرب بل يريد البقاء يريد الموت في ساحة المعركة فبقي معه اليمنيون وقاتلوا قتالا شديد ودارت موقعة عظيمة جدا وانتصر فيها عبد الرحمن بن معاوية ومن معه وهزم يوسف بن عبد الرحمن الفهري بجيشه الكبير وفر يوسف بن عبد الرحمن الفهري وكعادة الناس في هذا الزمن أن يتابع المنتصرون المنهزمين حتى يقتلوهم ويقضوا على الثورة فبدأ اليمنيون يجهزون أنفسهم حتى يتتبعوا الجيش الفار لكن عبد الرحمن بن معاوية يقف لهم ويمنعهم من تتبع الجيش الفار ويقول قولا عظيما ( لا تتبعوهم اتركوهم لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقهم واستبْقُوهم لأشد عداوة منهم ) ترى يستبقوهم لمن ؟ يستبقوهم للنصارى فهو يفكر أن الموقعة الرئيسية ستكون مع النصارى أما هؤلاء الذين قاتلونا فيوم من الأيام سيصبحون من جنودنا وسيصبحون أعواننا على المشركين في ليون وفي فرنسا وما إلى ذلك .



فهذا رجل ليس في قلبه حقد ولا غل لمن كان يريد أن يقتله من دقائق معدودة وعنده فهم للعدو الحقيقي وهو النصارى في الشمال ثم إنه إن جاز له أن يقاتل بعض المسلمين لتوحيد الناس تحت راية واحدة فلا يجوز له شرعا أن يتتبعهم وأن يقتل الفار منهم ولا يجوز له شرعا أن يجهز على الجريح منهم ولا يجوز له شرعا أن يقتل أسيرهم وذلك لأنهم لهم حكم الباغين في الإسلام وليس حكم المشركين .



بعد انتهاء موقعة المسارة قام أبو الصباح في قومه اليمنيين وقال ( الآن وقد انتصرنا على يوسف بن عبد الرحمن الفهري وجاء وقت النصر على غيره ) يعرض بعبد الرحمن بن معاوية الذي قاتل معه منذ ساعات قليلة وانتصر معه على يوسف بن عبد الرحمن الفهري يقول هذا ! .



ولكن اليمنيين لم يوافقوه على قتل عبد الرحمن بن معاوية وتصل هذه الأنباء إلى عبد الرحمن بن معاوية فماذا يفعل ؟ .



أسرها في نفسه ولم يبدها له ولم يعلن لهم أنهم يفكرون في قتله ولكنه أصبح على حذر شديد من أبو الصباح فهو لا يريد أن يحدث خللا في الصف في هذه الأوقات .



والعجيب أنه بعد 11 سنة استطاع عبد الرحمن بن معاوية أن يعزل أبو الصباح من مكانه ولكن في هذه الأوقات والثورات كثيرة في البلاد لا يريد أن يحدث معارك داخلية داخل البلاد فهمه الأول توحيد البلاد ثم حرب النصارى بعد ذلك .



بعد موقعة المسارة والسيطرة على منطقة قرطبة والسيطرة على الجنوب الأندلسي كله لُقِب عبد الرحمن بن معاوية بعبد الرحمن الداخل لأنه أول من دخل الأندلس من الأمويين حاكما .



ومنذ أن استلم عبد الرحمن بن معاوية بلاد الأندلس عرفت هذه الفترة بفترة الإمارة الأموية والتي تبدأ من سنة 138 هـ وسميت إمارة لأنها أصبحت منفصلة عن الخلافة الإسلامية .



بدأ عبد الرحمن الداخل في تنظيم الأمور عندما حكم الجنوب الأندلسي فقد كانت هناك ثورات كثيرة جدا في أرض الأندلس وفي أماكن كثيرة جدا ومتعددة سواء في الشرق أو في الغرب أو في الشمال فأخذ في صبر شديد في مراوغة هذه الثورات فهو يستميل بعض القلوب ويحارب الآخرين فقد قامت عليه في فترة حكمه 25 ثورة وهو يقمع هذه الثورات الواحدة تلو الأخرى بنجاح عجيب بدأ من سنة 138 هـ إلى سنة 172هـ أي حوالي 34 سنة متصلة ولكنه ترك الأندلس وهي في أقوى فترة من فترات الأندلس بصفة عامة .



سنقف على أحد هذه الثورات والتي حدثت سنة 146 هـ وقام بها رجل اسمه العلاء بن مغيث الحضرمي وهذا الرجل راسله أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي كي يقتل عبد الرحمن بن معاوية ويضم الأندلس إلى أملاك الخلافة العباسية .



وقام العلاء بن مغيث بعمل ثورة في بلاد الأندلس وينادي بدعوى العباسيين ويرفع الراية السوداء التي أرسلها له الخليفة أبو جعفر المنصور .



دارت معركة بين العلاء بن مغيث وعبد الرحمن بن معاوية وانتصر عبد الرحمن بن معاوية على العلاء بن مغيث ووصلت هذه الأخبار إلى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور وعلم أن العلاء قد قتل وأن عبد الرحمن بن معاوية انتصر عليه انتصارا ساحقا وقال أبو جعفر المنصور ( قتلنا هذا البائس - يقصد العلاء بن مغيث - ثم قال مالنا من هذا الفتى من مطمح - يقصد عبد الرحمن بن معاوية - الحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر ) .



ومنذ هذه اللحظة والدولة العباسية لم تفكر أبدا في استعادة بلاد الأندلس بل إن أبو جعفر المنصور هو الذي سمى عبد الرحمن بن معاوية بصقر قريش .



ووقفة مع موقف عبد الرحمن بن معاوية من الدولة العباسية وكيف لهذا الرجل الورع التقي أن ينفصل هكذا عن الخلافة الإسلامية تعالوا معنا لنحلل ما حدث ؟ .



الدولة العباسية أخطأت خطأ فاحشا في حق الأمويين وذلك بقتلهم وتتبعهم في البلاد بهذه الصورة الوحشية وإذا كان الأمويون في آخر عهدهم قد فسدوا واستحقوا الاستبدال فليكن هذا الاستبدال ولكن على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان من المفترض أن تحتوي الدولة العباسية هذه الطاقات الأموية وتوظفها لخدمة الإسلام والمسلمين وكان من المفروض ألا تفرط في قتل المسلمين من بني أمية وهي تعلم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ) قال الترمذي حديث حسن صحيح وصححه الألباني .



فما المانع أن تقيم الحد على من يستحق أن يقتل من بني أمية ثم تترك الآخرين وما المانع أن تعطي بني أمية بعضا من الملك حتى يستوعبهم العباسيين وللنظر لقول عبد الرحمن بن معاوية في موقعة المسارة حينما قال ( اتركوهم ولا تتبعوهم ) لأنه كان يريد أن يضم هؤلاء الفارين إلى جيشه وكان من الواجب أن يفعل هذا العباسيين مع الأمويين .



لو كان يعلم عبد الرحمن بن معاوية أنه إذا سلم الأندلس للعلاء بن مغيث الحضرمي سيعفى عنه ويعطى إمارة الأندلس أو أي إمارة أخرى تحت لواء الدولة العباسية لفعل ولكنه يعلم أنه لو قبض عليه لقُتل في الحال .



وكان هذا موقف عبد الرحمن الداخل من الخلافة العباسية وكان هذا موقفه من الثائرين ولكن ما هو موقفه من بلاد الأندلس وكيف غير من الأوضاع في بلاد الأندلس بعد التفكك الشديد الذي حدث فيها في آخر عهد الولاة ثم كيف كان موقفه مع بلاد النصارى في الشمال سواء مملكة ليون أو بلاد فرنسا فهذا سنتحدث عنه في المقالة القادمة إن شاء الله .





هذا تلخيص لأحد دروس الشيخ راغب السرجاني عن الأندلس

sosinano
12-28-2006, 06:50 PM
الأفكار:


1- موقف عبد الرحمن الداخل من الثورات وثمن هذه الثورات .

2- ماذا فعل بعدما انتهى من قمع الثورات .

3- عبد الرحمن الداخل قدوة للشباب .

4- بداية عهد الإمارة الأموية في بلاد الأندلس .

5- من هو عبد الرحمن الأوسط .

6- أسباب ضعف الأندلس مرة أخرى .

7- زرياب نجم النجوم .

8- جون جارينج الأندلس .

9- تحليل لحالة الضعف التي أصابت الأندلس .



(1)

توقفنا في الرسالة الماضية عن موقف عبد الرحمن الداخل وكيف كان يتعامل مع الثورات وهل يجوز له أن يحارب الثائرين وإن كانوا من المسلمين ؟ .



في الحقيقة إن موقفه سليم في حرب الثائرين داخل أرض الأندلس لأن الجميع كان قد اجتمع عليه أميرا للبلاد فانظر إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ) رواه مسلم .



ولذلك كان موقف عبد الرحمن الداخل صارما مع من أراد الثورة ذلك ليقمع هذه الثورات المتكررة ولكن من الإنصاف أن نذكر أنه كان دائما رحمه الله يبدأ دائما بالصلح ويكره الحرب إلا إذا كان مضطرا .



ترى هل كانت هذه الثورات التي حدثت في عهد عبد الرحمن الداخل بلا ثمن ؟ .



بلا شك كان الثمن غاليا ففي أول أربع سنوات من دخول عبد الرحمن الداخل الأندلس منذ سنة 138 هـ إلى سنة 142 هـ سقطت كل مدن المسلمين في فرنسا بعد أن حكمت بالإسلام مدة 47 عاما متصلة منذ أيام موسى بن نصير رحمه الله وحتى هذه اللحظات وهكذا فإنها من سنن الله الثوابت فإذا انشغل المسلمون بأنفسهم كانت الهزيمة أمرا حتميا .



(2)



لما انتهى عبد الرحمن الداخل رحمه الله من قمع هذه الثورات بدأ يفكر فيما هو بعد ذلك فبدأ في الاهتمام بالأمور الداخلية للأندلس فبدأ بإنشاء جيش قوي واعتمد فيه على ما يلي :



أولا : اعتمد على أهل البلاد الملقبين بالمُوَلَّدِين وهم أهل الأندلس الأصليين الذين أحبوا هذا الدين واعتنقوه .



ثانيا : اعتمد في جيشه على كل القبائل الموجودة في الأندلس فضم كل الفصائل ممن هم من بني أمية أو من غيرها فضم كل فصائل البربر وكان يضم رؤوس القوم حتى يأثروا في أقوامهم بل إنه ضم إليه اليمنيين مع علمه أن أبا الصُبَاح اليَحصُبي يدبر له مكيدة وصبر عليهم صبرا طويلا حتى تمكن من الأمور تماما ثم تخلص منه بعد 11 سنة .



ثالثا : وهذا عنصر هام جدا وهو الثقالبة وهم أطفال نصارى اشتراهم عبد الرحمن الداخل من أوروبا ورباهم تربية إسلامية عسكرية صحيحة منذ أن اشتراهم وذلك منذ أن كانت أعمارهم صغيرة مثلا سنتان أو ثلاثة أي لم يكن في أذهانهم فكر أو دين معين ثم يربيهم على تربية الإسلام الكاملة الشاملة من حيث صحة العقيدة وصحة العبادات وصحة الفهم والجهاد في سبيل الله منذ أن كان طفلا لذلك كان هؤلاء هم عماد الجيش عند عبد الرحمن الداخل ومن تبعه من أمراء بني أمية .



وصل تعداد الجيش الإسلامي في أواخر عهد عبد الرحمن الداخل إلى مئة ألف فارس ونحن نعلم أنه دخل البلاد وحيدا .



أيضا اهتم بالجانب الديني ونشر العلم وتوقير العلماء واهتم بالقضاء وبالحسبة واهتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن أعظم أعماله أنه بنى مسجد قرطبة الكبير وأنفق على بناءه ثمانين ألفا من الدنانير الذهبية وتنافس الخلفاء من بعده في زيادة حجمه حتى اكتمل بناءه في عهد ثمانية من خلفاء بني أمية .



انشأ أول دار لصك النقود الإسلامية في الأندلس وانشأ الرصاصة وهي حديقة من أشهر الحدائق في الإسلام وأتى لها بالثمار من كل بلاد العالم فإن نجحت زراعتها فإنها ما تلبس حتى تنتشر في بلاد الأندلس جميعا .



كان عبد الرحمن الداخل يعلم أن الخطر الحقيقي موجود في مملكة ليون في الشمال الغربي وفرنسا التي في الشمال الشرقي من بلاد الأندلس وبدأ هذا الرجل في تنظيم الثغور في بلاد الشمال ووضع جيوش ثابتة في هذه الثغور الملاقية لهذه البلاد الإسلامية .



أنشأ أيضا ما يسمى بالثغر الأعلى وهو ثغر سرقُسْطَة في الشمال الشرقي في مواجهة فرنسا وأنشأ ما يسمى بالثغر الأوسط ويشمل مدينة سالم ويمتد حتى طليطلة وأنشأ ما يسمى بالثغر الأدنى وهو في الشمال الغربي في مواجهة مملكة ليون النصرانية .



هذا الرجل كان له عادة عظيمة جدا تعلمها من آباءه وأجداده الذين كانوا في بلاد الشام وهي عادة الجهاد المستمر بصورة منتظمة ودائمة وذلك كل عام وكانوا يجاهدون في الصيف حين يذوب الجليد وكانت الجيوش تخرج كل عام في الشمال بهدف الإرباك الدائم للعدو وهذا يسمونه الآن في العلوم العسكرية الهجوم الإجهاضي المسبق .



كان عبد الرحمن الداخل شديد الاهتمام بالجيش فكان يقسم ميزانية الأندلس إلى ثلاثة أقسام :



قسم للجيش .

قسم لأمور الدولة بصفة عامة .

قسم للنوائب غير المتوقعة .



واهتم عبد الرحمن الداخل بإنشاء دور للأسلحة فأنشأ مصانع للسيوف ومصانع للمنجنيق وأشهرها كانت مصانع طليطلة ومصانع بربيل .



اهتم أيضا بإنشاء أسطول بحري قوي وإنشاء أكثر من ميناء ففي عهده تم إنشاء ميناء طَرْطُوشة وألمارية وأشبيلية وبرشلونة وغيرها .



كان يقول المؤرخون أنه لولا عبد الرحمن الداخل لانتهى الإسلام من الأندلس بالكلية فتعالوا نتعرف على صفة هذا الرجل العجيب .



(3)



لننظر لما قاله ابن حيان في وصف عبد الرحمن الداخل ليكون قدوة للشباب يستطيعون أن يسيروا على نهجها فقد كان يقول ( كان عبد الرحمن الداخل راجح العقل راسخ الحلم واسع العلم ثاقب الفهم نافذ العزم بريئا من العدل سريع النهضة متصل الحركة لا يخلد إلى راحة ولا يسكن إلى دعة بعيد الغور شديد الحدة قليل الطمأنينة بليغا مفوها شاعرا محسنا سمحا سخيا طلق اللسان وكان قد أعطى هيبة من وليه وعدوه وكان يحضر الجنائز ويصلي عليها ويخطب على المنبر ويعود المرضى ) .



هذه الكلمات المعدودة تعبر عن حياة المؤمنين الصادقين وإني لأتعجب عندما نرى شبابا في مثل سن عبد الرحمن الداخل يجلسون على المقاهي وينظرون للأفلام والمسلسلات فأنا أتعجب هل عندكم وقت لهذا ؟ فأين وقت التعلم والتفقه في الدين ؟ أين وقت التعلم والتفقه في الدنيا ؟ أين وقت الصلاة والقيام والذكر ؟ أين وقت عيادة المرضى وشهود الجنائز وصلة الأرحام وبر الوالدين ؟ أين وقت خدمة الناس والقيام على مصالحهم ؟ أين وقت تتبع أخبار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ؟ انظر إلى عبد الرحمن الداخل وتعلم يا أخي انظر كيف كانت همومه عظيمة ومع ذلك يقوم بكل هذا ولو وكّلَ أحد ما لامه أحد فانظر إليه مع شدته وقوته وحزمه تجده شاعرا محسنا رقيقا مرهف المشاعر ومع أنه ذا هيبة عظيمة عند أولياءه وأعداءه فإنه يتبسط مع الرعية ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم ويصلي بهم ومعهم ومع كونه قليل الطمأنينة وشديد الحذر فلا يمنعه هذا من مخالطة الناس ومن السير وسطهم دون حراس يمنعونه من الشعوب .



انظر إلى همته وقد جاء مطاردا مشردا مطلوب الرأس تجري وراءه جيوش كثيرة من عباسيين في المشرق وخوارج في المغرب ونصارى في الشمال وثورات في الداخل فإذا به يؤسس هذا البنيان القوي المتين .



وانظر إليه كيف كان يستفيد بكل من حوله فقد دخل عليه أحد الجنود في يوم من الأيام وكان هذا اليوم يوم انتصار على النصارى فتحدث معه الجندي بأسلوب فيه إساءة أدب وفيه رفع صوت فأخذ عبد الرحمن الداخل يعلم هذا الجندي ويقول له ( يا هذا إني أعلمك من جهل إنه يشفع لك هذا الموقف هذا النصر الذي نحن فيه عليك بالسكينة والوقار فإني أخاف أن تسيء الأدب في يوم ليس فيه نصر فأغضب عليك ) فإذا بالجندي يرد عليه ردا في منتهى الذكاء يقول له ( أيها الأمير عسى الله أن يجعل عند كل ذلة لي نصر لك فتغفر لي ذلاتي ) فقال عبد الرحمن الداخل رحمه الله ( هذا ليس اعتذار جاهل ) وقربه إليه ورفع من شأنه ، فكيف أزال هذا الرجل الضغينة من قلبه وكيف استفاد بالجندي لما رأى ذكاءه ولما رأى قدرته على التصرف في هذه الأمور .



ظل عبد الرحمن الداخل فترة طويلة جدا يختبر فيها أبناءه تراه يستخلف ابنه الكبير سليمان أم هشام وبعد اختبارات كثيرة واستشارات واستخارات استقر رأيه على الصغير هشام بن عبد الرحمن الداخل فولاه العهد مع كونه أصغر من أخيه فسبحان الله كان الناس تشبه هشام بـعمر بن عبد العزيز في علمه وعمله وتقواه .

sosinano
12-28-2006, 06:51 PM
(4)



ظل عبد الرحمن الداخل يحكم البلاد من سنة 138 هـ إلى سنة 172 هـ أي أنه حكم قرابة 34 عاما وكان هذا بداية تأسيس عهد يسمى عهد الإمارة الأموية في بلاد الأندلس والتي قلنا أنها استمرت من سنة 138 هـ إلى سنة 316 هـ ولكي نفهم هذه الفترة يمكننا أن نقسمها إلى ثلاثة فترات رئيسية :



الفترة الأولى استمرت مئة عام كاملة من سنة 138 هـ إلى سنة 238 هـ وكانت هذه الفترة فترة قوة ومجد وعز وهيمنة على ما حولها من المناطق أما الفترة الثانية فكانت فترة ضعف استمرت من سنة 238هـ إلى سنة 300هـ والفترة الأخيرة سنتحدث عنها فيما بعد .



بالنسبة لفترة القوة من 138هـ إلى 238هـ تحدثنا أن البداية فيه كانت لعبد الرحمن الداخل ثم خلفه من بعده ثلاثة أمراء :



الأول :



هو الابن المباشر لعبد الرحمن الداخل وهو هشام وقد حكم من سنة 172هـ إلى سنة 180هـ وكان رحمه الله عالما محبا للعلم وأحاط نفسه بالفقهاء وكان له أثر عظيم في بلاد الأندلس ذلك لأنه نشر اللغة العربية في بلاد الأندلس بمجهود وافر وعظيم حتى أصبحت اللغة العربية تدرس في معاهد اليهود والنصارى في بلاد الأندلس .



نشر أيضا المذهب المالكي بدلا من الأوزاعي وكانت له صولات وجولات كثيرة جدا مع ممالك النصارى الشمالية .



وتولى بعد هشام بن عبد الرحمن ابنه الحكم بن هشام من سنة 180هـ لسنة 206هـ لكن الحكم لم يكن على شاكلة أبيه ولا على شاكلة جده فقد كان قاسيا جدا فرض كثيرا من الضرائب واهتم بالشعر والصيد وقاوم الثورات بأسلوب غير مسبوق في بلاد الأندلس في عهد الإمارة الأموية فقد كان يحرق بيوت الثائرين وكان يطردهم خارج البلاد ومن أشهر الثورات التي قمعها ثورة قوم يسمون بالربض والربض منطقة في جوار قرطبة ثار أهلها ثورة كبيرة على الحكم ابن هشام فأحرق ديارهم وطردهم خارج البلاد .



وانظر لتدبير الله عز وجل لما طُرد هؤلاء إلى خارج البلاد انتقلوا بسفنهم إلى جزيرة كريت في البحر الأبيض المتوسط وأقاموا فيها مملكة إسلامية استمرت 100 عام متصلة .



ومع كل هذا لم يُوقف الحكم حركة الجهاد في الشمال لأن الجهاد كان عادة عند الإمارة الأموية ولكن كانت له انتصارات وكانت له هزائم وكنتيجة طبيعية لهذا الظلم الذي كان عند الحكم بن هشام وهذه العلاقة التي ساءت بين الحاكم والمحكوم سقطت بعض البلاد الإسلامية في يد النصارى فسقطت برشلونة والتي أصبحت إمارة نصرانية صغيرة جدا في الشمال الشرقي وعرفت في التاريخ باسم إمارة أَرَجُون وكانت متاخمة لحدود فرنسا بجوار جبال الفرينيه .



لكن من فضل الله وكرمه على الحكم بن هشام أنه في آخر عهده تاب وأناب واستغفر واعتذر للناس عن ذنوبه واختار من أبناءه أصلحهم وإن لم يكن الأكبر ليكون وليا لعهده ومن حسن خاتمته أنه قام بهذا الاعتذار وهو في كامل قوته وبأسه وظل عامين على هذه التوبة قبل أن يموت .





(5)



وتولى من بعد الحكم بن هشام ابنه عبد الرحمن الثاني والمعروف في التاريخ باسم عبد الرحمن الأوسط وقد حكم من سنة 206هـ حتى سنة 238هـ أي استمر حكمه إلى آخر عهد القوة في عهد الإمارة الأموية وكانت فترة حكمه فترة جيدة في تاريخ الأندلس فقد استأنف الجهاد من جديد ضد النصارى في الشمال وألحق بهم هزائم عدة وكان حسن السيرة وهادئ الطباع ومحبا للعلم ومحبا للناس .



ونعلق في حياته على ثلاثة أمور :



الأول : هو ازدهار الحضارة العلمية فقد ازدهر العلماء في كل مجال وكان أشهرهم هو عباس بن فرناس رحمه الله ومعروف جدا أنه أول من قام بمحاولة طيران في العالم وكانت له اختراعات عديدة فقد اخترع آلة لتحديد الوقت واخترع آلة تشبه القلم الحبر وقد نستصغر هذا الاختراع ولكن كانت له أهمية كبيرة في هذا الزمن ففي هذا الزمن الذي انتشر فيه العلم كان الناس بحاجة لشيء يساعدهم على الكتابة بسرعة ، وهو أول من اخترع الزجاج من الحجارة .



استخدم عبد الرحمن الأوسط العلماء من جميع أنحاء العالم الإسلامي حتى استخدمهم من بغداد وجاءوا إلى بلاد الأندلس وكبرهم وعظمهم ورفع من قيمتهم وأسس نواة مكتبة قرطبة العظيمة وشاع التعليم في كل بلاد الأندلس وكان هذا بالنسبة للحضارة العلمية .



الأمر الثاني :



اهتمامه الشديد بالحضارة العمرانية الاقتصادية أي الحضارة المادية فقد ازدهرت التجارة في عهده وكثرت الأموال حتى أن جميع المؤرخين يذكرون أنه لم يكن هناك أبدا في الأندلس عادة التسول فلم تعرف هذه العادة لكثرة الأموال وتقدمت وسائل الري في عهده أيضا وتم رصف الشوارع وكل هذا في هذا الوقت من التاريخ الذي كانت فيه أوروبا في جهل وظلام عميق .



الأمر الثالث :



غزوات البايكينج أو غزوات النورمان وهم أهل الإسكندنافا في ذلك الوقت وهي بلاد تضم الدنمرك والنرويج وفنلندا والسويد وهذه البلاد كانت تعيش في همجية مطلقة وكانوا يعيشون على حرب العصابات وهذه البلاد فعلت ما يسمى بغزوات البايكينج وهي غزوات إغارة فهي تغير على بلاد العالم في أماكن متفرقة ليس لها هم إلا جمع المال وهدم الديار وما إلى ذلك فهجمت على أشبيلية في سنة 230هـ في عهد عبد الرحمن الثاني أو عبد الرحمن الأوسط وكان قوام الجيش في هذه الموقعة 45 سفينة دخلوا فأفسدوا في البلاد فسادا كبيرا وهذه هي طبيعة الحروب المادية بصفة عامة فكلها يدخل فيفسد في البلاد إفسادا عظيما فشتان بين المسلمين في فتحهم للبلاد وبين غيرهم في معاركهم .



دخل هؤلاء فدمروا أشبيلية تماما ونهبوا ثرواتها وهتكوا أعراض نسائها وتركوها لغيرها من البلاد إلى شاذونه وإلى ألمارية وإلى غيرها من البلاد فأشاعوا الرعب في البلاد وعبد الرحمن الثاني جهز جيوشه ودارت بينه وبينهم معارك ضارية استمرت أكثر من مئة يوم كاملة ومنَّ الله على المسلمين بالنصر وغرقت 35 سفينة كاملة للبايكينج وعادوا إلى بلادهم خائبين .



انظر لرد فعل عبد الرحمن الأوسط لهذا الفعل العظيم فقد استفاد من الأخطاء التي كانت سببا في دخول البايكينج لهذه البلاد :



أنشأ سور ضخم حول أشبيلية وهي تقع على نهر الوادي الكبير وهذا النهر يصب في المحيط الأطلنطي ومن السهل جدا أن تدخل سفن البايكينج من المحيط الأطلنطي إلى أشبيلية لذلك حصنها تحصينا ظلت بعده من أحصن حصون الأندلس بصفة عامة .



أنشأ أسطولين قويين جدا واحد في الأطلسي وواحد في البحر المتوسط حتى يدافع عن سواحل الأندلس فكانت هذه الأساطير تجوب البحار فتصل على أعلى حدود الأندلس في الشمال عند مملكة ليون ووصل في البحر الأبيض المتوسط إلى إيطاليا وكان من نتيجة ذلك أنه فتح جزر البليار للمرة الثانية ونذكر أن الذي فتحها للمرة الأولى هو موسى بن نصير رحمه الله وذلك قبل فتح بلاد الأندلس ثم سقطت هذه الجزر في يد النصارى في عهد الولاة الثاني لما انحدر حال المسلمين ثم أعادها عبد الرحمن الأوسط في سنة 234هـ .



كانت هناك نتيجة عظيمة جدا لما انهزم البايكينج وهي السفارة التي جاءت من الدنمرك تطلب وُد المسلمين وتطلب المعاهدة معهم وترسل الهدايا وهكذا فالبعض من البشر لا تردعه إلا القوة .



وكان هذا هو عصر القوة في الإمارة الأموية وبوفاة عبد الرحمن الأوسط رحمه الله يبدأ عهد جديد في بلاد الأندلس وهو عهد الضعف في الإمارة الأموية من سنة 238هـ إلى سنة 300هـ أي حوالي 62 سنة متوصلة فقد تولى الإمارة من بعد عبد الرحمن الأوسط ابنه محمد بن عبد الرحمن ثم اثنين من أولاده المنذر ثم عبد الله .



والحقيقة إن الإنسان ليتعجب كيف بعد هذه القوة العظيمة والبأس الشديد والهيمنة على أرض الأندلس وما حولها يحدث هذا الضعف وهذا السقوط وهذا الانحدار وليس من سنن الله أن تسقط الأمم فجأة فإن الأمر يكون متدرجا وعلى فترات طويلة فلو تذكروا عهد الولاة الثاني والثورات والمكائد التي انتهت بدخول عبد الرحمن الداخل قلنا أن السبب وراء عهد الولاة الثاني كان انفتاح الدنيا والغنائم والقبلية والقومية وظلم الولاة وترك الجهاد .

sosinano
12-28-2006, 06:52 PM
(6)



لكي نعلم أسباب الضعف فيجب علينا أن ننظر في الفترة الأخيرة من عهد القوة ونبحث عن البذور التي أدت إلى الضعف .



السبب الأول :



انفتاح الدنيا على المسلمين وكثرة الأموال وهذا زاد بشدة في آخر عهد الإمارة الأموية وفي آخر عهد القوة وفتن الناس بالمال ونكرر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال ( فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ) متفق عليه .



وكان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يخشى فتنة المال علينا فقد كان يقول ( إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال ) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب .



وكان صلوات ربي وسلامه عليه يقلل من قيمة الدنيا فيقول ( ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بماذا يرجع ) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح .



(7)



والسبب الثاني :



زرياب وما أدراك ما زرياب ؟ زرياب كان مطربا من مطربي بغداد وتربى هناك في بيوت الخلفاء وكان يغني لهم وكان معلمه هو إبراهيم الموصلي وهو كبير مطربي بغداد في ذلك الوقت ومع مرور الوقت لمع نجم زرياب في بغداد وغار منه إبراهيم الموصلي ودبر له مكيدة فطُرد من البلاد .



وجد زرياب ضالته في الأندلس حيث أنها لا تنتمي إلى الدولة العباسية وأيضا هي أرض فيها قصور وأموال وتجارة وحدائق ومع أن مثل هذه البلاد هي التي تستقبل المطربين إلا أن الأندلس إلى هذه الفترة لم يكن فيها غناء .



ولما ذهب زرياب إلى أرض الأندلس فاستقبلوه وعظموه وأدخلوه على الخلفاء وأدخلوه في بيوت العامة وأدخلوه في نواديهم فأخذ يغني للناس وأخذ يعلمهم ما قد تعلمه في بغداد ولم يكتفي بتعليمهم الغناء وتكوين ما يسمى بالموشحات الأندلسية المشهورة لكنه بدأ يعلمهم فنون الموضة فيقول للناس هناك لبس خاص بالصيف ولبس خاص بالشتاء ولبس خاص بالربيع ولبس خاص بالخريف ولبس خاص بالمناسبات العامة وهكذا تعلم في بغداد ولم يكن الناس في الأندلس على هذه الشاكلة فأخذوا يتعلمون من زرياب وأخذ يعلمهم فنون الطعام فكل يوم أكلة جديدة وكل يوم صنف جديد وهكذا تعلم الناس ألوانا كثيرة من الطعام وأخذ يحكي لهم حكايات الأمراء والخلفاء وأخذ يحكي لهم الأساطير والروايات وما إلى ذلك حتى تعلق الناس به بشدة وتعلق الناس بالغناء وكثر المطربون في بلاد الأندلس ثم بعد ذلك انتشر الرقص وكانت البداية للرجال ثم انتقل للنساء وهكذا .



في الوقت الذي دخل فيه زرياب الأندلس كان في عهد عبد الرحمن الأوسط رحمه الله الذي اهتم بالعلم والحضارة ولكنه للأسف ترك زرياب يفعل كل هذه الأمور ومع أن العلماء كانوا موجودين إلا أن كلام زرياب صرف الناس عن الاستماع إلى العلماء والاستماع إليه وصرف الناس عن سماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرف الناس عن سماع قصص السلف الصالح إلى سماع حكايات زرياب العجيبة وأساطيره الغريبة بل صرف الناس عن سماع القرآن الكريم إلى سماع أغاني زرياب ( كما يحدث في عصرنا هذا ) .



وهذا ليس عجيبا أو جديدا فلو تذكروا في بداية دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هناك رجل اسمه النضر بن الحارث وهو من رؤوس الكفر في مكة ولما رأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس بالقرآن فيتأثرون ويبكون ويؤمنون بهذا الدين ذهب إلى بلاد فارس وقطع أميالا كثيرة وقضى هناك فترات طويلة فماذا يفعل هناك ؟ .



كان يتعلم حكايات رستم ويتعلم الأساطير الفارسية واشترى غانيتين ( مغنيتين ) وعاد إلى مكة فإذا وجد في قلب رجل ميلا إلى الإسلام أرسل له غانيتين تغنيان له مما عرفه في بلاد فارس من حكايات رستم وغيره حتى يلهياه عن هذا الدين ويظل يفعل هذا كحرب مضادة للدعوة الإسلامية في بلاد مكة فأنزل الله سبحانه وتعالى فيه قرآنا { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } (6) سورة لقمان .



ويقول عبد الله بن مسعود أنه يقسم أنها ما نزلت إلا في الغناء وهكذا الشيطان لا ينام ولا يهدأ حتى في وجود هذه النهضة العلمية { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } (17) سورة الأعراف .



وكلما زاد الاهتمام بالدين كلما نشط الشيطان عن طريق زرياب ومن سار على نهج زرياب إلى يومنا هذا ونحن ننظر في رمضان عندما يتعلق الناس بالله يزداد الشيطان في مفعوله وهكذا يضع الناس على طريق غير التي أرادها الله سبحانه وتعالى لهم .



لنقم بأخذ عينة من الناس الذين يمشون في الشوارع ونسألهم أتحفظون القرآن أكثر أم الأغاني ؟ فلو كانوا يحفظون الأغاني أكثر فهذا أمر خطير وإن كانوا يحفظون قصص الأفلام والمسلسلات أكثر من قصص الأنبياء والصحابة والفتوح الإسلامية وما إلى ذلك فالأمر أيضا خطير .



ومازال إلى الآن تغنى موشحات زرياب في تونس والمغرب والجزائر ومازالت تدرس سيرته على أنه رجل من رواد التنوير والنهضة ويمجد من أجل حربه ضد الجمود وكفاحه من أجل الفن ولا حول ولا قوة إلا بالله .



سمعت رجلا في أحد الإذاعات يقول ( إن الله منَّ علينا بأن هرب من الأندلس بعد سقوطها رجال إلى المغرب والجزائر وتونس ومعهم الآلات الموسيقية فحفظوا للناس الكمان وبعض الآلات الموسيقية وبعض الموشحات الأندلسية ) ولا يعلمون أن هذا كان سببا رئيسا في سقوط بلاد الأندلس .



(8)



السبب الثالث :



جون جارينج الأندلس أو ما يسمى بعمر بن حفصون شبيه جون جارينج وهو رجل من المولدين أي أهل الأندلس الأصليين وإضافة حرفي الواو والنون تدل إنه من المولدين فمثلا سعدون أو زيدون أو إضافة واو وسين في آخر الكلمة فمثلا عمروس أو ما إلى ذلك وعمر بن حفصون هذا كان رجل قاطع طريق من أهل الأندلس الأصليين وكانت له عصابة كبيرة نسبيا مكونة من أربعين رجلا وأشتد خطره لما ركن الناس إلى الدنيا وتركوا الجهاد في سبيل الله وزاد حجمه في منطقة الجنوب والناس في هذه المنطقة كانت ترهبه بشدة فازداد عدد أنصاره واستطاع أن يسيطر على كل الجنوب الأندلسي وهو مسلم من أرض الأندلس .



ولكي يزيد من قوته في آخر عهده فعل فعلة لم تتكرر في تاريخ الأندلس إلا قليلا فقد تنصَّر وتحول إلى النصرانية سنة 286هـ وسمى نفسه صامويل وبدأ يستعين ببلاد النصارى في الشمال وسبب تنصره هو أنه يريد أن يأخذ التأييد من مملكة الشمال في ليون فانقلب على عقبيه فأصبح نصرانيا وتخلى عنه بعض المسلمين إلا أنه نال مساعدة من مملكة ليون .



وتواكب مع هذا توقف الجهاد في شمال الأندلس مما أدى إلى تجرأ مملكة ليون على الحدود الإسلامية فبدأت تهاجم الأندلس من الشمال وعمر بن حفصون أو صامويل كان يهاجمها من الجنوب .



تماما كما تفعل أمريكا واليهود مع جون جارينج المتمرد في السودان فلما يمدوا جون هذا بالمال والسلاح والخرائط والأغذية والأموال والمؤن فكل هذا يهدف إلى ضرب السودان من الداخل وذلك لانشغالها بنفسها فتضعف القوة التي بداخلها كذلك لإيقاف المد الإسلامي من بلاد السودان إلى بلاد وسط إفريقيا .



وهذه خطة قديمة حدثت في بلاد الأندلس مع عمر بن حفصون وتحول إلى النصرانية ليضرب الأندلس من الداخل وتحدث الآن مع جون جارينج في السودان وحدثت قبل ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما راسلت قريش عبد الله بن أبي بن سلول في المدينة المنورة وشجعته كثيرا أن يحارب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطرده من المدينة .





(9)



بعد هذا الضعف وحوالي 62 سنة من الضعف نريد أن نعمل تحليلا لما عليه الوضع في نهاية هذه الفترة أي سنة 300هـ أي أواخر عهد الضعف :



أولا :



داخل الأندلس ثورات لا حصر لها بل واستقلال لكثير من المناطق وكان أهمها استقلال صامويل أو عمر بن حفصون وقد استقل جنوب الأندلس وكون ما يشبه الدويلة في هذه الرقعة من بلاد الأندلس ضم إليه الكثير من الحصون حتى إنه ضم إليه كل حصون السُجَّة وكل حصون جيَّان وهذه المناطق كانت من أحصن المناطق الأندلسية على الإطلاق وكانت غرناطة أحد المدن التي في حوزته واتخذ له عاصمة سماها بَبَشْتَر في الجنوب بجوار ألمارية على ساحل البحر الأبيض المتوسط .



والثورة الثانية كانت في أشبيلية وفيها رجل يسمى ابن حجاج وهذه الثورة كانت تمد وتساعد عمر بن حفصون هذا في ثورته ضد قرطبة .



أيضا كانت هناك ثورة في شرق الأندلس في منطقة بلنسيا وكانت هناك أيضا ثورة في منطقة سرقسطة في الشمال الشرقي واستقلت عن الإمارة الأموية في قرطبة وأيضا كانت هناك ثورة في غرب الأندلس يقودها رجل يسمى عبد الرحمن الزليقي وثورة في طليطلة أيضا وهكذا .



وهذه الأمور أدت إلى أن الحكومة التي في مدينة قرطبة لا تسيطر إلا على هذه المدينة وبعض القرى التي حولها فقط وهكذا انفرط العقد تماما في سنة 300 هـ وتوزعت البلاد بين كثير من القواد كلاً يحارب الآخر وكلا يبغي ملكا ومالا وكلا يبغي دنيا .



ثانيا :



تكون مملكة نصرانية ثالثة في الشمال وقد ذكرنا من قبل أن هناك مملكة ليون وهذه تكونت في عهد الولاة الثاني لما ضعف المسلمون في عهد الولاة الثاني وكانت نواتها هي منطقة الصخرة التي لم تفتح بـموسى بن نصير ومن معه في بادئ الفتح ومملكة ليون كانت في الشمال الغربي من البلاد وذكرنا تكون مملكة صغيرة اسمها أرجون في عهد الحكم بن هشام الذي تميز بظلم فحدث له هزائم وتكونت مملكة أرجون في الشمال الشرقي من البلاد وكانت عاصمتها برشلونة .



الإمارة الثالثة التي تكونت كان اسمها نافار أو في بعض الكتب العربية نفارَّة والتي انفصلت عن مملكة ليون وتعرف الآن في أسبانيا باسم إقليم الباسك الذي فيه خلافات كثيرة ومحاولات الانشقاق عن أسبانيا الآن .



هذه الممالك النصرانية الثلاثة اجترأت على بلاد المسلمين ففي الوقت الذي كانت تخاف فيه من المسلمين في عهد الإمارة الأموية الأول فالآن بدأت تهاجم شمال الأندلس وبدأت تدخل على البلاد الإسلامية بل وبدأت تقتل المسلمين المدنيين في هذه المدن الشمالية في بلاد الأندلس .



ثالثا :



قُتل ولي العهد للأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط ( الذي كان يحكم الأندلس في هذا الوقت ) والذي قتله هو أخوه المُطَرِّف بن عبد الله فانظر كيف تكون الفتن عندما يتفرق المسلمون وينشغلون بدنياهم وينشغلون بالأغاني والطرب وينشغلون بأنفسهم فانظر كيف تكون العاقبة .



قُتل ولي العهد وكان اسمه محمد بن عبد الله وأصبح الوضع في منتهى الخطورة فهناك ثورات في الداخل وحكومات نصرانية في الشمال تهجم على المسلمين وليس للبلاد ولي عهد وزاد أيضا من الأمور خطورة ظهور دولة في بلاد المغرب كانت من أشد الدول خطورة على بلاد الأندلس وكان هذه الدولة هي الدولة الفاطمية أو العُبيدية .



هذه الدولة ظهرت في سنة 296هـ أي قبل سنة 300 بأربع سنوات فقط وظهرت هذه الدولة في بلاد المغرب العربي وكانت دولة شيعية خبيثة جدا فقد كان من همها الأول قتل علماء السنة في بلاد المغرب العربي ومحاولة نشر نفوذها من حول بلاد المغرب العربي فانتشرت بسرعة من المغرب إلى الجزائر إلى تونس ثم نعلم بعد ذلك أنها انتشرت إلى مصر والشام وإلى الحجاز وغير ذلك .



ولما ظهرت هذه الدولة أمدت عمر بن حفصون أو صامويل هذا بالسلاح والمؤن والغذاء عن طريق مضيق جبل طارق وذلك لأن عمر بن حفصون يضرب في الخلافة الأموية السُنية الموجودة في قرطبة فكان هذا عاملا آخر يزيد من صعوبة الموقف في هذه الآونة .



أيضا لما تنظر للشعب تجد أنه قد توقف تماما عن التفكير في الجهاد وانتشر في الناس روح سلبية فمعظم الناس يقولون ليست هناك فائدة ليس هناك طائل من محاولة التغيير وأنه ضاع الأمر بالكلية .



كنا منذ قليل نتحدث عن عبد الرحمن الأوسط وماذا فعله وعن عهد القوة ثم هانحن نتحدث عن الضعف وحالة اليأس والسلبية التي فيها الناس واعتقادهم أن الأمر قد انتهى .



لننظر نظرة عامة على المسلمين فمصر والشام يحكمهما الإخشيديون والموصل يحكمها بن حمدان والقرامطة يحكمون البحرين واليمان وأصبهان يحكمها بنو بويه وخرسان يحكمها نصر الساماني وكرمان يحكمها محمد بن إلياس فأين الدولة العباسية ؟ وأين الخلافة العباسية ؟ .



كانت الخلافة العباسية لا تحكم إلا بغداد فقط ولا تبسط سيطرتها حتى على أطراف العراق فلم يكن هناك أي مدد من أيا من بلاد العالم الإسلام للأندلس فقد كانت بلاد العالم الإسلامي كلها مشتتة ومفرقة .



والناظر إلى بلاد الأندلس يرى أنه لا محالة الإسلام سينتهي من هذه البلاد وما هي إلا أيام أو شهور قلائل ويدخل النصارى ويأخذوا البلاد ولن تنقذ البلاد إلا بمعجزة جديدة مثل معجزة عبد الرحمن الداخل رحمه الله ثم إن الله سبحانه وتعالى بمنه وجوده أنعم على المسلمين بهذه المعجزة للمرة الثانية فمنّ عليهم برجل جديد ترى من هو هذا الرجل الذي ظهر في بلاد الأندلس ؟ ووحد الصفوف وقوى من شأن بلاد الأندلس فمن هو وكيف كانت خطواته فهذا ما سنعرفه في الجزء القادم إن شاء الله .





هذا تلخيص لأحد دروس الشيخ راغب السرجاني عن الأندلس

alme7tas
12-29-2006, 04:15 PM
ياخى موضوعك فوق اروع مايكون لقد جعلت الدم يغلي في عروقي والسبب الهزيمه التى حصلت فى الاندلس للمسلمين والذل بعد القوه ارجو منك تكلملت الموضوع بسرعه واريد اعرف الرجل الذى ارجع القوه الى الاندلس بعد الذل

sosinano
01-02-2007, 04:51 PM
بارك الله فيك على المرور أخ alme7tas

sosinano
01-02-2007, 04:53 PM
الأفكار:



1- تذكرة لما سبق .

2- أمر غريب ولكن متوقع ويظهر عبد الرحمن الناصر .

3- بداية عبد الرحمن الناصر في الحكم .

4- عبد الرحمن الناصر وعمر بن حفصون .

5- نظرة جديدة لحالة الأندلس وتصرف غريب من عبد الرحمن الناصر .

6- وبعد العودة من حملته على النصارى .

7- حملة جديدة على النصارى .

8- توحيد الأندلس وبداية عهد جديد .

9- خيانة من حاكم سرقسطة وعودة برشلونة للمسلمين .

10- معركة الخندق ومدلولاتها وما بعدها .

11- عبد الرحمن الناصر ليس سياسيا أو عسكريا فقط .

12- ما وصل إليه عبد الرحمن الناصر من قوة .

13- وفاة عبد الرحمن الناصر وظهور ابنه الحكم بن عبد الرحمن .







(1)

ربما يشتكي البعض من كثرة الأسماء والأحداث والتواريخ ولكننا الآن في دراسة لهذا التاريخ أي تاريخ 800 سنة وذلك لاستنباط الدروس .



وتبدأ في تذكيركم بما مضى في السابق حيث أننا قلنا أنه على سنة 300هـ كانت هناك حركات تمرد على الإمارة الأموية وكان أشهرها حركة عمر بن حفصون أو صامويل الذي تنصر في سنة 286هـ وأيضا كانت الحكومة المركزية الأموية لا تملك إلا قرطبة فقط وما حولها من القرى وهذا ما يمثل عُشر مساحة الأندلس في ذلك الوقت .



والشمال به ثلاثة ممالك نصرانية وهم أرجون ونافار وليون وكانت أكبرها هي ليون وكانت هذه الممالك تجترئ على الحدود الشمالية الأندلسية وتهجم عليها واحتلت بعض المدن الإسلامية مثل مدينة سالم .



أيضا الأمير عبد الله بن محمد كان قد مات وابنه الأكبر محمد الذي كان مرشحا للخلافة قُتل .



أيضا ظهرت الدولة العبيدية الشيعية في المغرب وهي تؤيد عمر بن حفصون أو صامويل بالسلاح عن طريق مضيق جبل طارق .



وسارت روح من السلبية في بلاد الأندلس أنه لا أمل من الإصلاح وبلاد المسلمين الأخرى لا يختلف حالها عن الأندلس وقد تمزق حال البلاد الإسلامية إلى دويلات كثيرة متفرقة .



(2)



في هذا الجو المليء بالهموم والفتن حدث أمر غريب ولكنه متوقع إذ أن جميع أبناء عبد الله بن محمد المرشحين للحكم قد زهدوا في الحكم وذلك لأنها تركة مثقلة جدا بالهموم ولا يتوقع أحد أنه قادرا على أن يصلح الأمور .



المرشحين للحكم قدموا حفيد عبد الله بن محمد الذي قُتل أبوه محمد بن عبد الله الذي قُتل منذ 22 سنة فهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط والذي عُرف بالتاريخ باسم عبد الرحمن الناصر .



قام عبد الرحمن بأمر الإمارة فإذا به يغير الضعف إلى قوة ويغير الذلة إلى عزة ويغير الفرقة إلى وحدة وهي خطوات لابد أن تدرس بعناية ولابد أن ندرس ماذا فعل هذا الشاب وهو يبلغ من العمر 22 سنة هجرية أي 21 سنة ميلادية أي أنه لو كان في زماننا هذا لكان أحد شباب الجامعة .



فلننظر لخطوات عبد الرحمن الناصر في الإصلاح :



أولا :



عبد الرحمن الناصر رُبي تربية جيدة لم تتكرر في التاريخ ربي ليكون عبد الرحمن الناصر فكل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمصرانه ( يجعلوه يهوديا أو نصرانيا ) فإن لم نكن نحن عبد الرحمن الناصر فليكن أبنائنا هم عبد الرحمن الناصر ترى من منا يعلم أبناءه الصلاة عند سبع سنين وهل نضربهم عليها عند عشر ؟ هل يحفظ أبنائنا القرآن ؟ أم أنهم يحفظون أغاني هذا أو ذاك من المطربين والمطربات ترى هل نعلم أبناءنا السباحة وألعاب القوى والدفاع عن النفس أم أنهم مشغولون بأفلام الكرتون واللعب بالكوتشينة ؟ ترى عندما يكبر ابنك يريد أن يكون مثل من ؟ خالد بن الوليد أو صلاح الدين الأيوبي أو محمد الفاتح أم يريد أن يكون مثل ماردونا ومايكل جاكسون ومن هم على نفس الشاكلة ؟ .



إنها مسؤولية كبيرة جدا وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته .



عبد الرحمن الناصر قُتل أبوه وهو يبلغ من العمر ثلاثة أسابيع فقط فرباه جده الأمير عبد الله بن محمد فرباه ليفعل ما لم يستطع هو أن يفعله فرباه على سعة العلم وقوة القيادة والجهاد وحسن الإدارة فرباه على التقوى والورع ورباه على الصبر والحلم ورباه على العزة والكرامة ورباه على العدل مع القريب والبعيد رباه على الانتصار للظلم فرباه ليكون عبد الرحمن الناصر .





ثانيا :





(3)



دخل عبد الرحمن الناصر الإمارة وعنده ثقة كبيرة بالله عز وجل وثقة شديدة بنفسه بأنه يستطيع أن يغير فهو يثق أن الله سبحانه وتعالى قادرا على كل شيء ويثق في قوله تعالى { إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } (160) سورة آل عمران .



ويثق في نفسه أنه من الممكن أن يغير فهذا الرجل لو كان في قلبه إحباط من التغيير وأنه لا أمل من الإصلاح ما استطاع أن يتحرك خطوة واحدة لكنه مع صغر سنه إلا أنه أخذ على عاتقه مهمة من أثقل المهام في تاريخ الإسلام وبهذه المؤهلات والتربية من جده عبد الله بن محمد وبهذه الثقة الشديدة بالله وبالنفس دخل عبد الرحمن الناصر ليغير من التاريخ وأول ما فعله عبد الرحمن الناصر بدأ في تنظيف قرطبة ولا أقصد تنظيف الشوارع ولكن بدأ بتنظيف المراكز المرموقة بدأ بتنظيف المراكز الخاصة بالوزراء وقواد الجيش فبدأ ينظفها من رموز الفساد التي عمت وبدأ ينتقي من يتصف بالتقوى والورع ونظافة اليد وسعة العلم ويعطيه المركز القيادية في قرطبة فهو لا يملك من بلاد الأندلس إلا قرطبة وما حولها من القرى وقرطبة هي أكبر بلاد الأندلس على الإطلاق لأنها كانت العاصمة لسنوات طويلة فكانت أيضا مركز ثقل كبير ولكنها لا تمثل أكثر من عُشر الأندلس ولكنه بدأ يصلح في هذه المنطقة الصغيرة ثم أعلى من شأن العلماء جدا ورضخ لهم رضوخا كاملا وطبق ذلك على نفسه قبل أن يطبقه على غيره وطبق الشرع الإسلامي بحذافيره ولم يتنازل أبدا عن نقطة واحدة من نقط الشرع الكريم سواء في كتابه سبحانه وتعالى أو في سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .

كان عبد الرحمن الناصر أول من طُبق عليه شرع الله ففي يوم من الأيام كان يحضر خطبة يوم الجمعة وكان قد بنى قصرا من القصور رحمه الله وكان يخطب الخطبة المنذر بن سعيد رحمه الله وهو من أكبر علماء قرطبة في ذلك الوقت وكان شديدا في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر حتى على عبد الرحمن الناصر رحمه الله فأسرف في الكلام وازداد في التقريع ( تأنيب ) لعبد الرحمن الناصر وذلك لأنه بنى قصرا كبيرا وعندما يعود عبد الرحمن الناصر إلى بيته يقول ( والله لقد تعمدني منذر منذ خطبته وما عنى بها غيري فأسرف علي وأفرط في تقريعي ولم يحسن السياسة في وعظي فزعزع قلبي وكاد بعصاه يقرعني ) ولما قال هذا العالم هذا الكلام أشار بعض الناس على عبد الرحمن بأن يخلع هذا المنذر بن سعيد عن خطبة الجمعة فقال الأمير عبد الرحمن الناصر ( أمثل منذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه يعزل ؟ يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير القصد هذا والله لا يكون وإني لأستحي من الله ألا أجعل بيني وبين الله تعالى في صلاة الجمعة شفيعا مثل منذر في ورعه وصدقه ) ، وأبقاه على مكانته وأكثر المنذر بن سعيد من تقريع عبد الرحمن الناصر وما عزله حتى مات .

sosinano
01-02-2007, 04:54 PM
(4)



بدأ عبد الرحمن الناصر يربي أهل قرطبة على هذه المعاني وكان هو القدوة لهم ثم بدأ يفكر في الثورات الموجودة في كل أنحاء الأندلس ففكر أن يبدأ بعمر بن حفصون فلماذا فكر بهذا التفكير ؟ .



أولا : لأن عمر بن حفصون لما كان مسلما وارتد أصبح قتاله فرضا على المسلمين فهذا لا يختلف فيه اثنين أنه يستحق القتل لأنه ارتد عن دين الله سبحانه وتعالى .



ثانيا : أن عبد الرحمن استطاع أن يحفز من هم تحت إمرته لقتال من هم مع عمر بن حفصون لأنهم من المرتدين .



فقاد حملة بعد شهرين فقط من توليه الإمارة وفي أول هذه الحملات استطاع أن يسترد مدينة السُجَّة التي كانت من أحصن مدن الأندلس وبعد شهرين أو ثلاثة قاد عبد الرحمن الناصر بنفسه حملة على صامويل بن حفصون واستمرت الحملة ثلاثة شهور كاملة فكانوا شهر شعبان ورمضان وشوال وذلك في سنة 300 هـ في نفس العام الذي تولى فيه الإمارة فاسترد مدينة جيَّان وهي أيضا مدينة حصينة واسترد في جيان سبعين حصنا من حصون عمر بن حفصون فهذه المدينة ضخمة جدا .



ومازالت قوة عمر بن حفصون هذا كبيرة جدا فهو يأتيه المدد من الشمال من الممالك النصرانية وكذلك يأتيه المدد من الدولة الفاطمية في الجنوب ويأتيه المدد أيضا من أشبيلية والتي عليها حاكم مسلم ولكن هذا الحاكم متمرد على حاكم قرطبة أي الحاكم الأموي وأيضا له جيش كبير .



وقوة عمر بن حفصون هذا لا تنتهي بسبب هذه الإمدادات فعبد الرحمن يريد أن يقطع الإمدادات على هذا الرجل فبمن يبدأ ؟ .



هل يبدأ بالنصارى أم يبدأ بأشبيلية ؟ فكر عبد الرحمن الناصر في أن يهجم على أشبيلية فهي أكبر مدن الجنوب بعد قرطبة فلماذا يبدأ بأشبيلية ؟ .



ذلك لأن عبد الرحمن الناصر له نزعة إسلامية وتأثير الدعوة الإسلامية على القلوب كبير فهو يفكر أنه إذا ذهب إلى أشبيلية واستطاع أن يرغم حاكمها على الانضمام له أو الانصياع له بالقوة فهو بهذا يضع أملا في أن ينضم إليه جيش أشبيلية المسلم الكبير وبهذا تقوى جدا جيوش الدولة الأموية في هذه الفترة فهي ستكون جيش عبد الرحمن الناصر وجيش أشبيلية معا .



ذهب عبد الرحمن الناصر إلى أشبيلية في سنة 301هـ أي بعد أقل من سنة من ولايته واستطاع بفضل الله وكرمه أن يضم أشبيلية فقويت شوكته جدا ثم عاد إلى عمر بن حفصون بعد ذلك وقد قطع المدد الغربي عنه الذي كان يأتيه من ابن الحجاج حاكم أشبيلية واسترد من عمر بن حفصون جبال راندا ثم شاذونا ثم قرمونا وهذه جميعا من مدن الجنوب ثم تعمق في الجنوب أكثر حتى وصل إلى مضيق جبل طارق فاستولى عليه وبذلك قطع المساعدات الفاطمية التي تقدم عن طريق مضيق جبل طارق وكذلك قطع الإمدادات الدول النصرانية لأنها تأتي من الشمال عن طريق المحيط الأطلسي ثم مضيق جبل طارق ثم البحر الأبيض المتوسط ثم تدخل على عمر بن حفصون وبذلك قطع الإمدادات على عمر بن حفصون من جميع النواحي .



ونتيجة لما حدث هذا طلب صامويل بن حفصون من عبد الرحمن الناصر المعاهدة فطلب صلح الأمان لأَجَل على أن يعطيه 162 حصن من حصون بن حفصون فوافق عبد الرحمن الناصر لأن البلاد عنده متقلبة شديدة التقلب وهو يريد أن يتفرغ لغيره فلما أمن جانبه وضمن في يده 162 حصن وافق على المعاهدة فعند وقت الحرب يحارب وعند المعاهدة تجده رحمه الله من أفضل الساسة .





(5)



نعيد تخيل الموقف مرة أخرى فالآن أصبحت قوة عبد الرحمن الناصر تضم قرطبة وأشبيلية وجيان والسجة وهي جميعا من مدن الجنوب بالإضافة إلى حصون كثرة مجاورة لهذه البلاد وهذا ما يمثل سدس الأندلس في ذلك الوقت وأيضا عمر بن حفصون أو صامويل مازال يمتلك حصونا كثيرة ويسيطر على الجنوب الشرقي من البلاد ولكن قطعت عنه الإمدادات الخارجية سواء من النصارى أو الدولة الفاطمية أو أشبيلية وأيضا مازال هناك تمرد في طليطلة وهي موجودة في شمال قرطبة وأيضا هناك تمرد في سرقسطة وهناك تمرد في شرق الأندلس ومقره بلنسيا وهناك تمرد في جنوب الأندلس يقوده عبد الرحمن الجليقي .



الموقف الآن يجعلنا نقول أن الأندلس مقسمة إلى ستة أقسام فقسم واحد في يد عبد الرحمن الناصر وخمسة أقسام موزعة على خمسة من المتمردين .



من المتوقع أن يقوم عبد الرحمن الناصر بمقاومة أحد هؤلاء المتمردين ولكن عبد الرحمن الناصر يفاجئ الجميع بأمر شديد العجب لهذا الرجل المعجزة عبد الرحمن الناصر رحمه الله فماذا فعل ؟ .



ترك عبد الرحمن الناصر كل هذه المؤامرات وينظر في اتجاه الشمال الغربي فمملكة ليون تهجم على منطقة من مناطق المتمردين فيترك كل شيء ويأخذ جنده من قرطبة وأشبيلية ويصعد في اتجاه الشمال الغربي ليقابل قوات النصارى فهو يهاجمهم ويحاربهم لمدة سنتين كاملتين في أرض المتمردين ثم بعد أن ينتصر عليهم انتصارات كبيرة ويعود محملا بالغنائم يترك البلاد ويعود إلى قرطبة وأشبيلية وكأنه يعلم الناس أمر في منتهى الوضوح لكن كان قد خَفِيَ على الناس وهو أن العدو الحقيقي لكم أيها الناس هو النصارى في الشمال وليس الأعداء من داخل المسلمين فالعدو الحقيقي هو مملكة ليون ومملكة نافار ومملكة أرجون .



أحرج عبد الرحمن الناصر المتمردين إحراجا كبيرا أمام شعوبهم وحرك العاطفة في قلب الشعوب نحوه وكذلك تتحرك عواطف الشعوب تجاه من يدافع عن قضاياها الخارجية ومن يقاتل أعدائها الحقيقيين فهي نصيحة لكل المسلمين أن يوجهوا الشعوب إلى الأعداء الحقيقيين بدلا من تصارع كل قطرين مسلمين على الحدود بينهما فتعالوا نحرك قضية فلسطين كذلك قضية العراق أو كشمير أو البوسنة .



(6)





عبد الرحمن الناصر في خلال هاتين السنتين أتم انتصارات عديدة بجيشه القليل نسبيا لكن معه العلماء والمجاهدون يرغبون الناس في الجنة ويرغبون الناس في الموت في سبيل الله وانتهت حملاته في سنة 304هـ وهي من أكبر الحملات التي قادها على النصارى وعاد محملا بغنائم كثيرة فلننظر لما حدث بعد عودته من قرطبة وأشبيلية .



انضمت سرقسطة بدون قتال إلى عبد الرحمن الناصر فهذه هدية من الله لمن ثبت على دينه ثم انظر إلى هدية أخرى من رب العالمين في سنة 306 هـ وهي أن صامويل بن حفصون يموت ويبلغ من العمر 66 سنة ويموت على نصرانيته وهو مرتد فينزل بسرعة عبد الرحمن الناصر مستغلا الحدث ويضم كل مناطق الجنوب الشرقي له واستتاب الناس النصارى الذين انقلبوا من الإسلام إلى النصرانية فاستتابهم ثلاثة أيام فمن قبل منهم وعاد إلى الإسلام قبله في جيشه ومن أبى إلا أن يبقى على نصرانيته قتله ردة وكان من هؤلاء ابنة صامويل بن حفصون والتي كانت تحفز الناس على ألا يتركوا دين الآباء دين النصرانية فقتلها ردة أي لأنها ارتدت .



وفي سنة 308هـ يتحرك عبد الرحمن الناصر إلى طليطلة فالتمرد الذي كان فيها لم يستطع أن يقف أمام هذه القوة الإسلامية الجارفة التي كانت لعبد الرحمن الناصر رحمه الله فضمها إليه بسهولة ونريد أن نوضح أن عُمْر عبد الرحمن الناصر في هذه السنة 30 عاما فقط .

alme7tas
01-08-2007, 10:46 AM
مشكوووووووور على الشرح الوافى والكافى بس يااخى كمل الموضوع

sosinano
01-08-2007, 04:51 PM
(7)



أصبح الشمال آمنا لعبد الرحمن الناصر إذ أن سرقسطة قد استسلمت له والتي كانت في الشمال الشرقي وكذلك طليطلة والتي كانت في الشمال أو وسط الشمال فيقوم عبد الرحمن الناصر رحمه الله بتوجيه حملة ضخمة جدا للنصارى وذلك في سنة 308هـ وكأن هذا الرجل لا يعرف تضييع الوقت .



والآن تبدأ غزوة مُوبَش الكبرى في سنة 308هـ ضد جيوش ليون ونافار واستمرت الغزوة ثلاثة شهور كاملة وعبد الرحمن الناصر على رأس الجيوش فهو يقوم بانتصارات ضخمة وغنائم عظيمة وضم مدينة سالم وقد سيطرت عليها النصارى .



في سنة 312 هـ بعد غزوة موبش بأربع سنوات يقود عبد الرحمن الناصر حملة ضخمة أخرى وبنفسه على مملكة نافار واستطاع في أيام معدودات أن يكتسحها اكتساحا ويضم إلى أملاك المسلمين مدينة دَنْدَلُونَة عاصمة نافار وبدأ رحمه الله يحرر من أرض المسلمين التي أخذها النصارى في عهد ضعف الإمارة الأموية .



(8)



وفي سنة 316هـ يقود حملة على شرق الأندلس ويقمع التمرد الذي كان هناك ويضمها إلى أملاكه ثم في نفس العام حملة على غرب الأندلس وهزيمة لعبد الرحمن الجليقي وضم غرب الأندلس إلى أملاكه أيضا وبذلك وحد الأندلس كله تحت راية واحدة بعد 16سنة من الكفاح المضني فوحدها جميعا ولم يبلغ من العمر سوى 38 سنة فقط فرحم الله عبد الرحمن الناصر .



نظر عبد الرحمن الناصر إلى الخلافة العباسية فوجدها قد ضعفت جدا وقُتل المقتدر بالله الخليفة العباسي في ذلك الوقت على يد مؤنس المظفر التركي وتولى الأتراك الحكم فعليا في البلاد وإن كانوا وضعوا في الصورة الخليفة العباسي القادر بالله ثم نظر إلى الجنوب فوجد الفاطميين قد أعلنوا خلافة وسموا أنفسهم بأمراء المؤمنين فقال عبد الرحمن الناصر إنه هو وقد وحد الأندلس وصنع هذه القوة أحق بذلك الأمر منهم فأطلق على نفسه أمير المؤمنين وسمى الإمارة الأموية بالخلافة الأموية فيبدأ في الأندلس عهد جديد هو عهد الخلافة الأموية من سنة 316 هـ إلى سنة 400هـ أي 84 سنة متصلة .



يعتبر عهد الخلافة الأموية هو استكمال بعهد الإمارة الأموية لكن كانت قد بدأت أبهة الحكم وقوة السيطرة والسلطان تظهر على بلاد الأندلس .



في سنة 319هـ أي بعد ثلاثة سنوات من هذا الحدث ينزل عبد الرحمن الناصر إلى مضيق جبل طارق ويغزوا بلاد المغرب ويحارب الفاطميين ويضم إلى أملاك الأندلس سبته وطنجة فيسيطر بذلك على مضيق جبل طارق ويبدأ بإمداد أهل السنة في منطقة المغرب بالسلاح لكن لا يلقي في المغرب بخيرة جنده لأنه كان يخشى من ممالك النصارى في الشمال .





(9)





انظر إلى هذا الحدث الذي في سنة 323هـ والذي يكشف شخصية عبد الرحمن الناصر رحمه الله حيث حدثت خيانة من حاكم سرقسطة وهي مملكة في الشمال الشرقي وحاكمها هو محمد بن هشام التجيبي وينضم إلى مملكة ليون لحرب عبد الرحمن الناصر فيتصدى عبد الرحمن الناصر لهذا الأمر ويذهب ليقاتل سرقسطة ويلتقي بجيشها على أطراف سرقسطة فيغزوا قلعة حصينة ويمسك بقواد هذا الجيش ويقوم بإعدامهم فورا أمام الجميع في منتهى الحزم والقوة فعندها يعلن حاكم سرقسطة محمد بن هشام التجيبي ندمه وعودته إلى عبد الرحمن الناصر فقبل منه عبد الرحمن الناصر رحمه الله ثم أعاده حاكما على سرقسطة فانظر إليه كيف أنه حكَّم عقله وألغى قلبه وكيف اكتسب كل قلوب التجيبيين بعد أن تملك الأمور منهم وتشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم لما أطلق أهل مكة عندما فتحها وقال ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) فقد أطلق حكام سرقسطة بعد أن أعلنوا توبتهم وأطلق التجيبيين بل وأعادهم إلى حكمهم فأثر بذلك في المنطقة وما ارتدت بعد ذلك في عهدها مع عبد الرحمن الناصر فالحزم وقت الحزم والعفو عند المقدرة فرحم الله عبد الرحمن الناصر .



وفي سنة 325هـ هجم عبد الرحمن الناصر على مملكة نصرانية وهي أرجون وهي كانت بجوار سرقسطة وضمها إلى أملاك المسلمين وضم برشلونة والتي سقطت منذ سنوات كثيرة إلى أملاك المسلمين .



(10)

وانظر إلى هذا الحدث العجيب في سنة 327 هـ فقوة الجيش الإسلامي كانت قد بلغت شأنا عظيما فبلغت في هذه السنة 100 ألف مقاتل وكل الأندلس موحدة ويأخذ عبد الرحمن الناصر كل هذا الجيش ويتجه إلى ليون ليحارب النصارى في موقعة كبيرة وهي موقعة تسمى بموقعة الخندق أو موقعة تامورة وهناك ذلّ عبد الرحمن الناصر ومن منا بلا أخطاء فقد دخل عبد الرحمن الناصر وهو يعتقد في قوته ويعتقد في عدده ويعتقد في جيشه ونسوا الدعاء الذي كانوا يدعونه لرب العالمين أن ينصرهم وهم ضعفاء فدخلوا الموقعة بهذا الجيش الكبير فإذا بنا أمام حنين أخرى وإذا بالتاريخ يتكرر والله سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد نسب فإذا أخطاء العباد وبعدوا عن ربهم سبحانه وتعالى تكون الهزيمة محققة لا محالة .



هُزم المسلمون في موقعة الخندق أو موقعة تامورة وقُتل وأُسر من المسلمين 50 ألفا من جيش قوامه 100 ألف مسلم أي نصف الجيش كان بين قتيل وأسير وفر عبد الرحمن الناصر رحمه الله وفر الجيش وعادوا إلى قرطبة بهزيمة ثقيلة لكن عبد الرحمن الناصر الذي رُبي على الجهاد ورُبي على الطاعة لرب العباد ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم علِم أين الخلل وعلم أين الضعف .



فمن جديد تدارك الأمر بسرعة وحفز الناس وقام العلماء وقام المربون يعلمون الناس الإسلام من جديد فأعادوا هيكلهم من جديد ومن جديد قاموا بحرب عظيمة على النصارى في سنة 329 هـ فقام عبد الرحمن بحملات مكثفة وانتصارات تتلوها انتصارات من سنة 329 هـ إلى سنة 335 هـ حتى أيقن النصارى بالهلاك وطلب ملك ليون الأمان والمعاهدة على الجزية أن يدفعها له عن يد وهو صاغر وكذلك فعل ملك نافار وكذلك فعلت مملكة أرجون النصرانية التي كانت في حوزة عبد الرحمن الناصر فدفعوا جميعا الجزية لعبد الرحمن الناصر ابتداءً من سنة 335 هـ إلى آخر عهده رحمه الله في سنة 350 هـ .



(11)



كان هذا هو التاريخ السياسي والعسكري لعبد الرحمن الناصر رحمه الله ولكن لم يكن كل جهد عبد الرحمن الناصر موجها للسياسة وللحروب فقط بل كان متكاملا متوازنا في كل أموره رحمه الله فانظر إلى الحضارة التي أقامها رحمه الله فقد أنشأ هياكل إدارية على أعلى مستوى أكثر من الوزارات وأكثر من الهيئات وجعل لكل أمر مسئولا ولكل مسئول وزارة كبيرة تضم عمالا كُثر وكتبة وأفراد كُثر ثم انظر إليه كيف قام بالحضارة المعمارية فقد أنشأ مدينة ضخمة جدا تسمى بالزهراء وهي في الشمال الغربي لقرطبة واضطر لإنشاء هذه المدينة لاستقبال الوفود الكثيرة التي تطلب وُدَّه فأنشأها على طراز راق جدا على درجات مختلفة فالدرجة السفلى كانت للحراس والكتبة والعمال ثم درجة أعلى فيها الوزراء وكبار رجال الدولة ثم أعلى الدرجات وهي درجة فيها قصر الخلافة الكبير وهو في منتصف المدينة وأتى بمواد من القسطنطينية وبغداد وتونس وأوروبا وأنشأ قصر الزهراء ولم يبق في الإسلام قصر مثل قصر الزهراء فقد بالغ في إنشاءه حتى أصبح من معجزات زمانه وقد كان الناس يأتون من أوروبا ومن مختلف بلاد العالم الإسلامي فقط ليشاهدوا قصر الزهراء في مدينة الزهراء .



وانظر إلى مدينة قرطبة في عهد عبد الرحمن الناصر فقد اتسعت جدا وقد بلغ سكان قرطبة في عهد عبد الرحمن الناصر نصف مليون مسلم وهي بذلك ثالث أكبر مدينة في تعداد السكان في العالم بأسره والمدينة الأولى هي بغداد وكان عدد سكانها 2 مليون وفي مدينة قرطبة كان هناك 13 ألف دار والدار بلغة هذا الزمان هي دار واسعة ولها حديقة من حولها وكان فيها 28 ضاحية وكان فيها ثلاثة آلاف مسجد في مدينة واحدة مدينة قرطبة حتى أطلق عليها جوهرة العالم .



وسَّع عبد الرحمن الناصر في مسجد قرطبة فأصبح من آيات الفن المعماري في زمانه وكان المحراب على شكل قطعة رخام واحدة على شكل محارة وقد أتي بها من إيطاليا وأنشأ أيضا حدائق للحيوان في كل بلاد الأندلس وأنشأ مسارح للطيور .



ومن الناحية العسكرية أنشأ أسطولا بلغ أكثر من 200 سفينة وبلغ الجيش أكثر من 100 ألف فارس وزاد جدا من مصانع الأسلحة حتى كثرت في كل مدينة ومن الناحية الاقتصادية اهتم جدا بالزراعة وكثرت الفواكه واهتم بزراعة القطن والكتان والقمح واهتم بقوانين الزراعة وأيضا في مجال المناجم فاهتم باستخراج الذهب والفضة والنحاس واهتم بصناعة الجلود والسفن آلات الحرث والأدوية وأنشأ كثيرا من الأسواق وجعل هناك الأسواق التخصصية فهناك مثلا سوق للنحاسين وسوق للحوم وسوق للزهور فقد كان البلاد في عهد عبد الرحمن الناصر تعيش في رخاء ليس له نظير وكثرت الأموال حتى بلغت ميزانية الدولة في عهده إلى 6 مليون دينار ذهب فكان يقسمها ثلاثة أقسام كجده عبد الرحمن الداخل رحمه الله فكان يقسمها كالآتي:



ثلث للجيش .

ثلث للبناء والمعمار والمرتبات وما إلى ذلك .

ثلث للادخار لأي مصيبة قد تحدث .



ومن الناحية الأمنية قويت الشرطة في عهد عبد الرحمن الناصر وكانت هناك أيضا الشرطة التخصصية فشرطة للنهار وشرطة لليل وشرطة للتجارة وشرطة للبحر وهكذا فقد وزع في أقسامها وساد الأمان في البلاد ولم تقع ثورات أبدا في عهده الثاني في النصف الثاني من خلافته رحمه الله وأنشأ ما يعرف بمحاكم المظالم وهي شبيهة بمحاكم الاستئناف فطور المحاكم وأقام الشرع ولم يفرط أبدا في كلمة من كلمات الله أو كلمة من كلمات رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وازدهر البريد في عهد عبد الرحمن الناصر .



ومن الناحية العلمية شاع التعليم في عهده واهتم جدا بمكتبة قرطبة وقد أسست من قبله لكنه زاد جدا في حجمها حتى بلغ عدد الكتب في مكتبة قرطبة في زمان عبد الرحمن الناصر 400 ألف كتاب ونلاحظ أنه زمن ليس فيه طباعة فكل الكتب تقوم على النسخ فقط وظهرت للمسلمين وظائف عجيبة جدا في هذا الزمن فظهرت وظيفة النساخين فعندما يريد أحد الناس أن يمتلك كتابا في بيته يذهب إلى نساخ فيذهب النساخ إلى مكتبة قرطبة فينسخ له ما يريد ولم يكن هناك ما يسمى بحقوق الطبع فالكاتب كان يكتب الكتاب ويتمنى أن ينتشر هذا الكتاب ويقرأه الناس جميعا لأنه ما كان يكتب ذلك إلى ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى وظهرت أيضا وظيفة الباحثين فمسألة مثلا من مسائل الفقه أو العقيدة أو السيرة لكن من الصعب عليك أن تبحث في 400 ألف كتاب فتذهب إلى الباحثين الخبراء .

sosinano
01-08-2007, 04:52 PM
(12)



ذاعت شهرة عبد الرحمن الناصر في العالم كله ورضيت منه ممالك الشمال بالعهد والجزية وجاءت السفارات من كل أوروبا تطلب وده فجاءت سفارات من ألمانيا ومن إيطاليا ومن فرنسا ومن انجلترا بل وجاءت من بيزنطة وهي في أقصى بلاد الشرق وبعيدة جدا عن عبد الرحمن الناصر ولكن جاءت تطلب وده وتهدي له الهدايا ومن أشهرها جوهرة كبيرة كان يضعها في وسط قصره قصر الزهراء .



جاءته رسالة من ملك انجلترا يرجوه فيها أن يعلم أربعة من علماء انجلترا عنده في مكتبة قرطبة أو في جامعة قرطبة طلب منه هذا ثم وقع في آخر الرسالة خادمكم المطيع ملك انجلترا فانظر إلى عز الإسلام وانظر إلى مجده في عهد عبد الرحمن الناصر وأصبح عبد الرحمن الناصر بلا جدال أعظم ملوك أوروبا في القرون الوسطى حتى إن أسبانيا في سنة 1961 ميلادية أي منذ حوالي أربعون سنة من الآن احتفلت بمرور ألف سنة ميلادية على وفاة عبد الرحمن الناصر لأنه كان أعظم ملوك أسبانيا على مر العصور حتى على نصرانيتهم لم يستطيعوا أن يخفوا إعجابهم بهذا الرجل الذي رفعهم في العالمين فأصبحت أسبانيا في عهده أو الأندلس في عهده بلا جدال أقوى دولة في العالم أقوى من ممالك أوروبا ومن كل ممالك المسلمين .



12 شيء من شخصية عبد الرحمن الناصر .



ظل عبد الرحمن الناصر رحمه الله يحكم البلاد من سنة 300 هـ إلى سنة 350هـ أي نصف قرن كامل وكان رحمه الله مع كل هذا السلطان سريع الرجوع إلى ربه فحدث ذات مرة قحط شديد في الأندلس وخرج الناس للاستسقاء ولكن نظروا فلم يجدوا الخليفة معهم فذهبوا يبحثون عنه فقد كان يقوم بهذه الصلاة المنذر بن سعيد فأرسل غلاما يبحث عن عبد الرحمن الناصر فذهب الغلام إلى القصر فوجده حائرا منفردا بنفسه لابسا أخشن الثياب جالسا على التراب ودموعه قد بللت لحيته يعترف بذنوبه ويقول ( يا رب هذه ناصيتي بيدك أتراك تعذب بي الرعية وأنت أحكم الحاكمين ؟ يا رب لم يفُتك شيء مني ) فتركه الغلام وذهب إلى المنذر وأخبره بذلك فقال ( يا غلام أبشر احمل المطر معك فقد أذن الله تعالى بالسقيا إذا خشع جبار الأرض فقد رحم جبار السماء ) فرحم الله عبد الرحمن الناصر وبالطبع لم يقصد المنذر أن عبد الرحمن الناصر كان متجبرا على الناس ولكنه ملك الناس فإذا خشع هذا الملك فإن ملك الملوك سيرحم .



وتُوفي عبد الرحمن سنة 350 هـ عن اثنين وسبعين عاما ووجدوا في خزانته ورقة بخط يده قد عد فيه الأيام التي صفت له دون كدر فقال ( في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا صفا لي ذلك اليوم وفي يوم كذا من شهر كذا صفا لي ذلك اليوم ) فعدوا هذه الأيام فوجدوها أربعة عشر يوما فسبحان الله حياة طويلة في جهاد دائم مستمر فرحم الله عبد الرحمن الناصر ورزقنا من أمثاله الكثير .



(13)



استخلف عبد الرحمن الناصر على الحكم ابنه الحكم بن عبد الرحمن الناصر والذي تولى من سنة 350 هـ إلى سنة 366 هـ وفي عهد الحكم بن عبد الرحمن حدثت في الأندلس نهضة علمية غير مسبوقة فهذا الرجل كان عالما من العلماء وتولى الحكم وهو يبلغ من العمر 47 سنة وكانوا يلقبونه بعاشق الكتب وهو الذي أنشأ المكتبة الأموية وهي أعظم مكتبات القرون الوسطى على الإطلاق وكانت تنافس مكتبة قرطبة ومكتبة بغداد واستجلب لها أعظم الكتب من كل مكان في العالم وكان يدفع فيها الآلاف من الدنانير وكان له عمال وظيفتهم فقط أن يجمعوا الكتب من بلاد المسلمين ومن غير بلاد المسلمين فإن جاء كتاب في الطب أو في الهندسة أو الفلك من بلاد غير بلاد المسلم تُرجم فورا وضم إلى المكتبة الأموية وكان يحضر الكتب مهما بالغ الناس أسعارها حتى أنه أحضر النسخة الأولى من كتاب الأغاني للأصفهاني وهذا الكتاب في الأدب وأصفهان تلك في إيران فانظر للمسافة التي يأتي بالكتب منها فكثر النسخ في عصره وكان النسخ في عصره وظيفة النساء في البيوت واشتهرت النساء في الأندلس بحُسن خط اليد والرجال مشغولون في الجهاد وفي نشر العلم ومشغولون في البناء والمعمار فكانت هذه هي وظيفة النساء وكثرت طباعة الورق والكتب والتجليد والأحبار في الأندلس حتى كان باباوات إيطاليا يشترون الأوراق من الأندلس ليكتبوا عليها أناجيلهم وكذلك كل أوروبا كانت تستورد أشياء كثيرة من الأندلس .



وسع الحكم بن عبد الرحمن المكتبة وجعل لها أروقة عظيمة لتستوعب كثرة الحضور للمسلمين وزاد كثرة التعليم بشدة حتى أصبح في ذلك الزمان منذ أكثر من ألف عام كل أهل الأندلس يتعلمون القراءة والكتابة واختفت الأمية تماما في هذا العهد السحيق من العهود في تاريخ الإسلام وأنشأ أيضا دارا لتعليم الفقراء بالمجان وخصص المعونات والمكافئات للطلاب .



أنشأ جامعة قرطبة وقد كان العلماء قبل إنشائها يعملون أعمالا من التجارة ومن الزراعة والصناعة ثم هم يتعلمون ويعلمون ولكن الحكم بن عبد الرحمن الناصر جعل وظيفة التدريس وظيفة خاصة جدا فكان يجعلهم يتفرغون للتدريس ويتفرغون للتعليم حتى يبدعوا فيه وظنت ممالك أوروبا الشمالية وممالك الأندلس النصرانية الشمالية أن هذا الرجل يهتم بالعلم فقط على حساب الجهاد فهاجموا مناطق الشمال وخالفوا عهدهم الذي كانوا قد أبرموه مع أبيه عبد الرحمن الناصر فرد عليهم كيدهم في نحورهم وهاجمهم بغزوات كغزوات أبيه رحمه الله وانتصر عليهم في مواقع عدة حتى رضوا منه بالجزية من جديد .



ومن منطلق إسلامي بحت بدأ الحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله في حرب الدولة الفاطمية فلم يكن يملك الأندلسيون في عهد عبد الرحمن الناصر إلا ميناء سبته وطنجة فقط لكن الحكم بن عبد الرحمن ضم كل بلاد المغرب جميعا إلى الأندلس تحت حكم الخلافة الأموية وظل الحكم بن عبد الرحمن الناصر يحكم من سنة 350 هـ إلى 366 هـ وهي أقوى فترات الأندلس على الإطلاق وأعظم عهودها .



ترى ماذا حدث في أواخر عهده رحمه الله وكيف سارت الأمور من بعده وكيف انتقلنا من هذا العهد إلى عهد جديد وهو يبدأ من سنة 366 هـ بوفاة الحكم بن عبد الرحمن الناصر وهذا ما سنعرفه في المرة القادمة .





هذا تلخيص لأحد دروس الشيخ راغب السرجاني عن الأندلس

sosinano
01-12-2007, 02:15 PM
الأفكار:



1- وفاة الحكم بن عبد الرحمن الناصر وحدوث خطأ عظيم .

2- طفل صغير يتولى حكم الأندلس وقتل من أجل الحكم .

3- محمد بن عامر ( الحاجب المنصور ) والسيطرة الكاملة على الحكم .

4- محمد بن عامر شخصية محيرة حقا .

5- خيبة أمل تصيب النصارى نتيجة كمين نصبوه لمحمد بن عامر .

6- الحاجب المنصور اهتم بالجانب الديني والحضاري والمادي .

7- كان الحاجب المنصور يعدل مع الرعية .

8- وفاة الحاجب المنصور واستخلف ابنه .

9- يتولى الحكم مرة ثالثة شاب فاسق ويطلب أن يكون وليا للعهد .

10- خلع الخليفة الأموي هشام بن الحكم .

11- وانفرط العقد في البلاد .

12- وقفة لمعرفة أسباب هذا الانحدار في بلاد الأندلس .

13- حادثة حدثت في عصرنا هذا ولكن لها معنى هام جدا .

14- الخليفة الجديد يقتل في الناس بغير الحق وبداية صراعات شديدة .

15- وتعاونوا مع النصارى ولم يتعاونوا مع المسلمين وهذه هي النتيجة .

16- وبدأت المهازل ومحاولة للصلح وظهور عهد ملوك الطوائف .







(1)





في المقالة السابقة توقفنا عند آخر عهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله وذكرنا الفترة العظيمة جدا التي مرت في تاريخ الأندلس من سنة 300 منذ ولاية عبد الرحمن الناصر رحمه الله إلى سنة 366 هـ بنهاية حكم الحكم بن عبد الرحمن الناصر وفي آخر عهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر ومع أنه كان من أفضل حكام المسلمين في هذه البلاد إلا أنه أخطأ خطأ كبيرا جدا في آخر أيامه فسبحان الله أصيب الحكم بن عبد الرحمن الناصر بالفالج (الشلل في ذلك الوقت) فاستخلف ابنه هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر والذي كان لم يتجاوز حينئذ الثانية عشرة من عمره وكان أكبر أبنائه واستخلفه على حكم هذه البلاد العظيمة ومن فوقها بلاد النصارى في الشمال و من تحتها بلاد الدولة الفاطمية وكل ممالك أوروبا تتشوق إلى هزيمة هذه البلاد وإلى الكيد لها لكنه استخلف طفلا صغيرا لم يبلغ من العمر إلا اثني عشرة عاما فقط .



طبعا هذه ذلة خطيرة جدا من الحكم بن عبد الرحمن الناصر وكان عليه أن ينتقي في من استخلفه يستخلف حتى ولو من بني أمية رجلا يستطيع أن يقوم بالأعباء الثقيلة لمهمة حكم دولة قوية مثل دولة الأندلس ودولة متسعة الأطراف ولها أعداء كُثر ولكن الذي حدث أنه استخلف ابنه ثم مات سنة 366 من الهجرة .



(2)



ليتولى هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر الحكم وطبعا هو طفل صغير لا يستطيع أن يمسك بذمام الحكم لذلك وُضع عليه مجلس وصاية ومجلس الوصاية هذا كان مكون من ثلاثة :



الأول : الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي والحاجب تعني رئيس الوزراء في وقتنا الحاضر وقد كان أحد الأوصياء على هشام بن الحكم .



الثاني : قائد الشرطة محمد بن أبي عامر (وزير الداخلية في أيامنا) من اليمن و هو ليس من بني أمية .



الثالث : امرأة هي أم هشام بن الحكم (أم الخليفة الصغير) وكان اسمها صُبْح .



وكما هو معروف فان المركب التي لها قائدين فلابد لها من الغرق وهذه المركب قادها ثلاثة قادة !! ، وقد بدأ بالأمر محمد بن أبي عامر حيث كان لديه طموح ضخم جدا في أن يكون واليا على هذه البلاد وأراد أن يتخلص من الأوصياء على الوالي وأول ما فعله أن دبر مكيدة سجن فيها الحاجب جعفر بن عثمان ثم قتله بعد ذلك .



هذا محمد بن أبي عامر الذي تجرأ على سجن رجل و على قتله مكيدة له فهذا الرجل سبحان الله علامة كبيرة جدا من علامات الاستفهام في التاريخ الإسلامي فقد قام بمكائد عدة و مؤامرات عظيمة حتى تظن أنه من أعظم الناس مجونا و فسادا ثم إذا به يقوم بحسنات عظيمة حتى تظن أنه من أعظم المجاهدين فأمره عجيب جدا و سنرى فصلا من حياته مع سيرة هشام بن الحكم .



أول شيء فعله أنه قتل الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي فتخلص من أحد الثلاثة .



وأما الثانية فكانت ضعيفة ( المرأة ) معه بالنسبة لقائد الشرطة فلم تؤثر عليه في شيء فتركها في قصرها ثم بدأ يحكم في بلاد الأندلس باسم الخليفة الصغير هشام بن الحكم وهو يريد أن يقوي منصبه أكثر من ذلك فأول شيء فعله أنه تزوج من ابنة غالب بن عبد الرحمن أمير الجيش وبذلك حيد جانب أمير الجيش وضمن ولاء الجيش الأندلسي له ولما انتبه له غالب بن عبد الرحمن وعلم نواياه وعلم خطته وأفصح له عن ذلك دبر له محمد بن أبي عامر مكيدة أخرى ثم قتله .



وبذلك يكون قد قتل الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي وكذلك أمير الجيش (والد زوجته) غالب بن عبد الرحمن ثم بعد ذلك استدعى جعفر بن علي بن حمدون قائد الجيش الأندلسي في المغرب ( ضُمت المغرب إلى الأندلس في عهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر ) واستفاد من قوته وقربه إليه ثم بعد ذلك دبر له مكيدة أخرى فقتله وبذلك تملك من كل الأمور بعد أن وضع في كل منصب من هذه المناصب التي قتل أصحابها رجلا من أتباعه بوصايته ورأيه بالإضافة إلى أنه هو الوصي الأساسي على الخلـيفة الصغير هشام بن الحكم .



(3)



ومن ثم بدأ بإقناع هشام بن الحكم الطفل الصغير بالاختفاء عن العيون في قصره خوفا عليه من المؤامرات (هكذا ادعى) وقال إن الخلفاء يجب أن يتفرغوا للعبادة وأن يتركوا أمور الناس لرئاسة الوزراء أو لقوة الشرطة أو ما إلى ذلك فقام هو بإدارة كل شيء فرُبي الطفل الصغير على ترك الأمور لـمحمد بن أبي عامر ومرت السنوات ومحمد بن أبي عامر يتولى كل شيء في بلاد الأندلس وهشام بن الحكم يكبر في السن ولكنه رُبي على عدم تحمل المسئولية وفي سنة 371 هـ أي بعد حوالي 5 سنوات من تولي هشام بن الحكم الأمور ووصاية محمد بن أبي عامر عليه سمى محمد بن أبي عامر نفسه بالحاجب المنصور .



كنا نسمع عن أي خليفة يسمي نفسه باسم مثل الحاكم بالله أو المؤيد بالله أو المنصور ولكن لأول مرة نسمع عن أن رئيس الوزراء أو الوصي يسمي نفسه باسم المنصور وأصبح بالطبع محمد بن أبي عامر رئيس الوزراء ولقب نفسه بالمنصور وأصبح يدعى له على المنابر مع الخليفة هشام بن الحكم وبدأ محمد بن أبي عامر ينقش اسمه على النقود وينقش اسمه على الكتب وأصبح هو كل شيء في بلاد الأندلس .



أسس محمد بن أبي عامر مدينة جديدة في شرق قرطبة وسماها مدينة الزاهرة أو مدينة العامرية وبدأ ينقل إليها دواوين الحكم وينقل إليها الوزارات وبنى له قصرا كبيرا هناك وبدأ يجمل كثيرا في هذه المدينة حتى أصبحت مدينة الزاهرة أو مدينة العامرية هي المدينة الأساسية في الأندلس وبها قصر الحكم وكل شيء .



في عام 381 قام محمد بن أبي عامر بشيء لم يفعله أحد من قبله في التاريخ الاسلامي إنه يعهد بالحجابة لابنه من بعده (أي رئيس وزراء يستخلف رئيس وزراء من بعده) وقد كان الاستخلاف من قبل يفعله الخلفاء فقط .



وفي عام 386 هـ سمى نفسه الملك الكريم تمهيدا لإقامة مُلك على أنقاض بني أمية وكل هذا وهشام بن الحكم يكبر في السن ولكن ليس له من الأمر شيئا وكل شيء أصبح بين يدي محمد بن أبي عامر و بدأ العامريون يكثرون في أماكن الحكم في بلاد الأندلس وبدأ يظهر في بلاد الأندلس ما يسمى في التاريخ بالدولة العامرية وهي حقبة من الزمان بدأت سنة 366 هـ منذ أن تولى محمد بن أبي عامر الوصاية على هشام بن الحكم وانتهت سنة 399 هـ ( أي 33 سنة ) و تعتبر هذه الفترة العامرية جزءً من فترة الخلافة الأموية في بلاد الأندلس لأن الذي كان على مقعد الخلافة هو هشام بن الحكم .



وقام محمد بن أبي عامر بأمور أدت إلى انقسامات في بلاد الأندلس إذ أنه كان محمد بن أبي عامر يخشى من أن يستعين بالقبائل المضرية وبقبائل بني أمية معه في الجيش و في بقية الأمور نظرا لكثرة عددهم في بلاد الأندلس بالمقارنة مع عدد أعوانه من العامريين و اليمنيين ليسوا بكثرة في الأندلس فبدأ يستعين بعنصر آخر غير المضرية واستعان بالبربر وقوى من شأنهم .



هذا كان الجانب الذي يُؤخذ على محمد بن أبي عامر حيث قام بأمور لم يقم بها أحد من قبله في الفترة الأموية في الأندلس لكن مع كل هذه الأمور إلا أنه كانت له جوانب مضيئة في حياته جعلت جميع المؤرخين يتعجبون جدا من سيرته .

sosinano
01-12-2007, 02:17 PM
(4)



أولا : كان محمد بن أبي عامر مجاهدا من الطراز الأول كان مجاهدا عجيبا غزا في حياته 54 غزوة لم يهزم في واحدة ووصل في فتوحاته إلى أماكن لم يصل إليها أحد من قبل في بلاد النصارى في مملكة ليون حتى أنه وصل إلى أماكن لم يصل إليها الفاتحون الأوائل ( موسى بن نصير أو طارق بن زياد ) ووصل إلى أماكن في الصخرة ( هذه المنطقة التي لم تفتح من قبل المسلمين من قبل ) استطاع أن يغزو النصارى في عقر دارهم ووصل لخليج بسكاي و المحيط الأطلسي في الشمال .



كان لـمحمد بن أبي عامر في كل عام مرتين يقاتل في سبيل الله وعُرفت هذه المرات بالصوائف والشواتي ( بعكس ما هو معتاد من الصوائف فقط ) لكن محمد بن أبي عامر جعل الجهاد مرتين في كل عام فمرة في الصيف و مرة في الشتاء أو مرة في الربيع و مرة في الخريف .



مما يُذكر عنه أنه سيَّر جيشا كاملا لإنقاذ ثلاثة من نساء المسلمين أسيرات عند مملكة نافار ذلك أنه كان بينه وبين مملكة نافار عهد وكانوا يدفعون له الجزية وكان من ضمن هذه العهود ألا يأسروا أحدا من المسلمين أو يستبقوهم في بلادهم ، فذات مرة ذهب رسول من رسل محمد بن أبي عامر الحاجب المنصور إلى مملكة نافار وهناك أقاموا له جولة بعد أن أدى الرسالة إلى ملك نافار و في أثناء هذه الجولة وجد ثلاثة من نساء المسلمين في كنيسة من الكنائس فتعجب لوجودهن فلما سألهن عن ذلك قلن نحن أسيرات في هذا المكان فغضب الرسول غضبا شديدا وعاد إلى الحاجب المنصور وأبلغه بذلك فما كان منه إلا أنه سير جيشا كاملا لإنقاذ هؤلاء النسوة فلما ذهب الجيش إلى بلاد نافار تعجب جدا ملك نافار وقال نحن لا نعلم لماذا جئتم تقاتلوننا وقد كان بيننا وبينكم معاهدة على ألا نتقاتل ونحن ندفع الجزية ؟ قالوا عندكم مخالفة عندكم أسيرات مسلمات وقالوا لا نعلم بهن فذهب الرسول إلى الكنيسة وأخرج النساء فقال ملك نافار إن هؤلاء النسوة لا نعلم بهن وقد أسرهن جندي من الجنود وقد تم عقاب هذا الجندي و أرسل رسالة إلى الحاجب المنصور يعتذر فيها اعتذارا كبيرا فعاد الحاجب المنصور ومعه الثلاثة نساء .



بالطبع هذه عزة كبيرة جدا لجيش الإسلام و المسلمين أن يسير قائد المسلمين جيشا كبيرا جرارا لمجرد إنقاذ ثلاث من نساء المسلمين .



(5)



يذكر عنه أيضا أنه عبر مضيقا في الشمال بين جبلين وهو في طريقه لفتح بلاد النصارى فنصب له النصارى كمينا كبيرا وتركوه حتى دخل بكل جيشه ثم قطعوا عليه طريق العودة فلما رجع الحاجب المنصور ووجد المضيق مغلقا بالجنود عاد مرة أخرى إلى الشمال واحتل مدينة من مدن النصارى في الشمال وأخرج أهلها وعسكر فيها ووزع ديارها على جنده وتحصن فيها وعاش فيها فترة واتخذها مركزا له و أخذ يرسل منها السرايا إلى أطراف ممالك النصارى ويأخذ الغنائم ويقتل المقاتلين من الرجال ثم يأتي بهؤلاء المقاتلين ويرمي بجثثهم على المضيق الذي احتله النصارى ومنعوه من العودة منه فضج الناس من النصارى وذهبوا إلى قوادهم وقالوا ( لا نجد لنا حلا في هذا الرجل نرجوا أن تفتحوا له الباب حتى يعود إلى بلاده مرة ثانية ) فعرضوا عليه أن يخلوا بينه و بين طريق العودة فرفض وقال ( أنا آتي إليكم هنا مرة في الصيف ومرة في الشتاء أما هذه المرة سأمكث حتى الستة شهور القادمة بدلا من أن أذهب إلى قرطبة وأعود مرة أخرى بعد ستة شهور سأمكث هذه الستة شهور وأقوم بالصوائف والشواتي من مركزي في هذه البلاد ) فقالوا ارجع إلى بلدك ولك ما تريد فاشترط عليهم شروطا :



أولا : أن يفتحوا المضيق ولا يبقوا فيه نصرانيا واحدا فقالو هذا لك ونحن طلبنا منك هذا قبل أن تطلبه منا .



الشرط الثاني : أن ترفعوا جثثكم التي ألقيناها أمام المضيق فبدءوا يرفعون جثث الجنود الذين قتلوا أمام المضيق و أبعدوها عن المضيق .



فقالوا و ما غير ذلك فقال الأمر الثالث أن تحملوا لي الغنائم جميعا من هنا إلى قرطبة فأسقط في أيديهم وفعلوا ذلك فحملوا الغنائم من ليون في الشمال حتى أوصلوها في الجنوب إلى قرطبة .



كان له في جهاده عادة غريبة جدا فقد كان من عادته أن ينفض ثيابه بعد كل موقعة ويرفع ما خرج منها من غبار ويضعه في قارورة ويجمعه معه ثم أمر في نهاية حياته أن تدفن هذه القارورة معه حتى تشهد له يوم القيامة بجهاده ضد النصارى وذلك متشبثا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم ) هذا حديث رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح .



ومع كل هذه الحروب و مع كل هذا الجهاد ومع أنه غزا 54 غزوة لم يُهزم في واحدة منها إلا أن سمت الحروب للحاجب المنصور لم يكن سمتا إسلاميا مثل سمت الحروب في عهد عبد الرحمن الناصر أو الحكم بن عبد الرحمن الناصر فكان الحاجب المنصور يخترق بلاد النصارى ويصل إلى العمق ويقتل منهم ويعود محملا بالغنائم ولكن لم يكن من همه أبدا أن يضم هذه البلاد إلى بلاد المسلمين أو أن يعلم أهلها الإسلام أو أن ينشر الدعوة في هذه البلاد فبقي الحال كما هو عليه بل إن النصارى ازدادت في قلوبهم الحمية لدينهم والحقد على المسلمين وهذا كان الجانب الجهادي أو الجانب العسكري في حياة الحاجب المنصور .



(6)



وقد أهتم الحاجب المنصور أيضا بالجانب المادي والحضاري في البلاد فأسس كما ذكرنا مدينة العامرية على أحدث الطراز وزاد جدا في مساحة مسجد قرطبة حتى أضاف إليه ضعف مساحته الأصلية وكان يضيف هذه المساحات الزائدة على مسجد قرطبة بعد أن يشتري من كل ساكن حول المسجد بيته بالمبلغ الذي يرتضيه هذا الساكن حتى أنه يذكر أنه كان هناك سيدة كانت تسكن وحيده حول المسجد وكان في بيتها نخلة فأبت أن تبيع البيت إلا لما يأتي لها الحاجب المنصور ببيت فيه نخلة كالتي في بيتها فأمر الحاجب المنصور بشراء بيت فيه نخلة كالتي في بيتها شبيه بيتها ولو أتى ذلك على أموال بيت المال وبالفعل اشترى لها بيت فيه نخلة وأضاف بيتها إلى حدود المسجد وبعد ذلك زاد المسجد بشدة حتى أصبح أكبر مسجد في العالم في زمانه وبقي فترة طويلة جدا من الزمان يعتبر أكبر مسجد بل إنه أكبر من أي مسجد أو كنيسة في العالم في ذلك الوقت وبالطبع مسجد قرطبة موجود إلى الآن ولكنه ولا حول ولا قوة إلا بالله قد حُوّل إلى كنيسة بعد سقوط الأندلس ومازال حتى الآن كنيسة قائمة في بلاد أسبانيا .



ازدهرت في حياة الحاجب المنصور العلوم و التجارة والصناعة وغيرها من الأمور وامتلأت خزانة الدولة بالمال ولم يعد هناك فقراء كما كان العهد في فترة الحكم بن عبد الرحمن الناصر أو عبد الرحمن الناصر نفسه والأمر اللافت للنظر أيضا في حياة الحاجب المنصور أنه لم تقم في عهده أي ثورات وهو كان يحكم فترة طويلة جدا من سنة 366 هـ إلى سنة 392 هـ فلم يكن في عهده أي ثورات مطلقا لم تقم ولا ثورة ولا تمرد على الحاجب المنصور كان قويا جدا كان محكما للأمن والأمان في البلاد كما أنه كان عادلا جدا مع الرعية .



(7)



ومن ضمن الحكايات التي تحكى عن الحاجب المنصور أنه كان له نائب والنائب كان يلقب بالوسيط وفي يوم من الأيام جاء رجل بسيط من عامة الشعب إلى الحاجب المنصور وكانت له مظلمة ( وقال إن لي مظلمة وإن القاضي لم ينصفني في هذه المظلمة ) فقال ( ما هي مظلمتك ) فسمعها منه ثم أتى بالقاضي وقال الحاجب ( ما هي مظلمة الرجل وكيف لم تنصفه ) فقال ( إن مظلمته عند الوسيط (نائب رئيس الوزراء في ذلك الوقت) ) فجاء الحاجب المنصور بذلك الوسيط و قال له اخلع ما عليك من الثياب ( ثياب الحكم وثياب البهرجة التي كانت عليه ) واخلع سيفك واجلس هكذا كالرجل البسيط أمام القاضي وقال للقاضي ( وانظر في أمرهما ) فنظر القاضي في أمرهما فوجد أن الحق مع الرجل البسيط فقال للحاجب المنصور إن الحق مع هذا الرجل و إن العقاب الذي أقضيه كذا وكذا وكذا على الوسيط فقام الحاجب المنصور بتنفيذ مظلمة الرجل له ثم قام للوسيط فأقام عليه أضعاف الحد فقال القاضي يا سيدي إنني لم آمر بكل هذه العقوبة فقال الحاجب المنصور إنه ما فعل ذلك إلا تقربا منا ولذلك زدنا عليه الحد ليعلم أن قربه منا لن يمكنه من ظلم الرعية .



(8)



ظل الحاجب المنصور يحكم من وراء الستار من سنة 366 هـ إلى سنة 392 هـ ثم مات في هذه السنة و كما ذكرنا استخلف على الحجابة ابنه عبد الملك بن المنصور فتولى الحجابة من سنة 392 هـ إلى سنة 399 هـ سبع سنوات متصلة وكان كأبيه في حياة الجهاد كان يجاهد في كل عام مرة أو مرتين في بلاد النصارى وظل الوضع كما هو عليه عبد الملك بن المنصور يحكم من وراء الستار وهشام بن الحكم كان عند بداية ولاية عبد الملك بن المنصور يبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاما ومع ذلك لم يطلب الحكم ولم يحاول أن ينفذ أموره في بلاد الأندلس فقد تعود على استماع الأوامر من الحاجب المنصور ومن تلاه من أولاده .



طبعا أين هي أيام عبد الرحمن الداخل و أيام عبد الرحمن الناصر إذ حكم كل منهم وكان عمره يزيد على العشرين سنة وكان يدبر الأمة على أحسن ما تدار لكن هذا الرجل تولى الحكم و هو عنده 12 سنة وربي كما ذكرنا على هذا الأسلوب .



(9)



في سنة 399 هـ يموت عبد الملك بن المنصور في حملة من الحملات في الشمال ويتولى أخوه عبد الرحمن بن المنصور الحجابة فكعادة هذه الفترة بدأت الدولة العامرية وأيضا أخذ يدير الأمور من وراء الستار لكن عبد الرحمن بن المنصور كان مختلفا عن أبيه و عن أخيه كان عبد الرحمن بن المنصور هذا شابا ماجنا فاسقا شاربا للخمر مكثرا من الزنى وكان يفعل من المنكرات الكثير وكان الشعب يكرهه بشدة بالإضافة إلى أن أم عبد الرحمن بن المنصور كانت بنت ملك نافار وكانت نصرانية وكان الشعب يكرهه أيضا لهذه الدماء النصرانية أن تتولى عليهم الحكم في بلد غالب السكان فيها من المسلمين .



عبد الرحمن بن المنصور يقوم بشيء أشد من ذلك أيضا على الناس فقام عبد الرحمن بن المنصور بإقناع الخليفة هشام بن الحكم بأن يجعله وليا للعهد من بعده وبالطبع كما رأينا العامريين سواء محمد بن أبي عامر أو عبد الملك بن المنصور كانا يحكمان من وراء الستار ولم يطلبا خلافة معلنة لكن عبد الرحمن بن المنصور هنا يطلب من هشام بن الحكم أن يكون وليا للعهد من بعده بمعنى أنه لو مات هشام بن الحكم سيصبح خليفة المسلمين في هذه البلاد هو عبد الرحمن بن المنصور وبالطبع ضج بنو أمية لهذا الأمر وغضبوا وغضب الناس أجمعون لكن لم تكن لهم قدرة على عبد الرحمن بن المنصور وقد جعل جميع الولايات في يد العامريين وفي يد البربر الذين هم أتباع للعامريين منذ أيام الحاجب المنصور .



(10)





ومع كل هذا الفسق و المجون الذي كان فيه عبد الرحمن بن المنصور إلا أن الشعب كان قد تعود على أمور الجهاد والخروج كل عام إلى بلاد النصارى فخرج عبد الرحمن بن المنصور ذلك الفاسق على رأس جيش من الجيوش ليحارب في الشمال فانتهز الناس الفرصة وبدءوا يحاولون أن يغيروا من الأمر فذهبوا إلى هشام بن الحكم في قصره وخلعوه بالقوة وعينوا رجلا آخر من بني أمية اسمه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر ( أي أن هذا من أحفاد عبد الرحمن الناصر ) هو رجل آخر من بني أمية عينوه على هذا المكان ودبروا مكيدة لعبد الرحمن بن المنصور وقتلوه فيها وانتهى بذلك ما يسمى في التاريخ بعهد أو الفترة الدولة العامرية .



(11)



ومنذ مقتل عبد الرحمن بن المنصور وبعد ذلك ولسنوات طويلة انفرط العقد تماما في بلاد الأندلس فسبحان الله نحن كنا نتكلم عن قوة وعزة ومجد وسلطان بلاد الأندلس منذ سنوات قليلة وكيف كانت بلاد النصارى في الشمال تدفع الجزية للمسلمين وكيف كانت السفارات تأتي من كل أنحاء العالم تطلب ود عبد الرحمن الناصر وتطلب ود ابنه الحكم بن عبد الرحمن الناصر وبدأت البلاد تقسم وبدأت الثورات تكثر وبدأت المكائد تتوالى وكما رأينا أمور عجيبة جدا تحدث في بلاد الأندلس .



(12)



بالطبع لابد لنا من وقفة مع هذا الحدث فهل يا ترى عبد الرحمن بن المنصور ( كما ذكر بعض أساتذة التاريخ ) بسبب فسقه ومجونه وإساءته للإسلام والمسلمين كان السبب في سقوط الخلافة الأموية وسقوط الدولة العامرية وحدوث هذه الهزة في بلاد الأندلس ؟ .



في الواقع بدراسة الموقف فانه ليس من سنن الله سبحانه وتعالى أن تهلك الأمم لمجرد ولاية رجل فاسق لفترة شهور معدودات فعبد الرحمن بن المنصور لم يمكث في الحكم إلا شهور لم يكمل عاما واحدا فمهما كان من الفاسقين ومهما كان من الظالمين لا يمكن أبدا أن تسقط البلاد هذا السقوط السريع وتفشل هذا الفشل الذريع إلا إذا كانت هناك بذور كبيرة جدا للضعف نمت من قبل وبدأت تتزايد مع مرور الزمان .



هكذا لما حللنا عهد الأمارة الأموية ورأينا كيف ضعفت الإمارة بعد عهد القوة وجدنا أن هناك كانت بذور للضعف في عهد قوة الإمارة الأموية ودعونا نحلل الموقف ونرى أين كانت بذور الضعف في عهد الخلافة الأموية أين كانت البذور التي كانت سببا في هلاك الخلافة الأموية بعد سنوات و سنوات وسنوات من نمو هذه البذور في حياة الأمويين في بلاد الأندلس .



نذكر أن السبب الأول لهذا الأمر بدأ منذ أيام عبد الرحمن الناصر ذاته سبحان الله هذا الرجل الخليفة القوي الذي أقام ملكا لن يتكرر مثله في التاريخ كثيرا بدأت بعض بذور الضعف تنشأ في عهده وهذه البذور أولها هي الترف الشديد و البذخ الشديد وكثرة إسراف الأموال في زخرفة الدنيا وقد عُلم أن الدنيا مهلكة وانشغال الناس لكثرة الأموال في توافه الأمور .



ومن الأمثلة على هذا البذخ هو قصر الزهراء الذي بناه عبد الرحمن الناصر وهو قصر عظيم جدا أصبح أعجوبة في من أعاجيب الزمان في ذلك الوقت وعلى اتساع هذا القصر وعلى قبر حجمه إلا أنه كان مبطنا من داخله بالذهب وكان السقف لهذا القصر مبطنا بخليط من الذهب والفضة بأشكال تخطف الأبصار وتبهر الناس ومع كل ذلك إلا أنه كان يصرف على كل شيء حق الصرف فلم يكن يقصر في حق التعليم أو في حق الجيش أو في أي شيء في البلاد لكن هذا الترف الشديد وهذا البزخ الشديد جعلت القلوب تتعلق بهذه الدنيا .



نذكر أن القاضي المنذر بن سعيد رحمه الله دخل على عبد الرحمن الناصر في قصره لما بناه بهذه الفخامة و بهذا الترف الشديد فقال له عبد الرحمن الناصر ( ما تقول يا منذر في هذا (افتخارا بقصره) ) فقال المنذر بن سعيد رحمه الله ودموعه تقطر على لحيته ( ما ظننت الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ مع ما أتاك الله به من النعمة وفضلك به على كثير من عباده تفضيلا حتى يُنْزِلك منازل الكافرين ) فقال عبد الرحمن الناصر انظر ما تقول كيف أنزلني الشيطان منازل الكافرين ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! قال أليس الله تعالى يقول في كتابه الكريم { وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } (33) سورة الزخرف . هذا السقف من فضة والله سبحانه وتعالى يذكره في آياته على سبيل التعجيز ولكن الله لم يجعله لكن عبد الرحمن الناصر فعله وجعل بيته أو قصره أسقف من فضة فوجم عبد الرحمن الناصر وسقطت عليه الكلمات كالصخر ثم بدأت دموعه تنسال (رحمه الله) ثم قام ونقر السقف وأزال الذهب والفضة وبنى السقف كما كانت تبنى السقوف في ذلك الزمن ولكن سبحان الله مع مرور الوقت

يعود من جديد ويبرز مظهر من مظاهر الترف وهكذا لكثرة الأموال ( أي كما نقول لديه مال ولكن لا يعلم ماذا يفعل بها ) بدأت الأموال تكثر لدرجة أنه ينفق في أشياء لا يُنفق فيها .



الإسراف والترف مهلكان فإن الله يقول في كتابه الكريم { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } (16) سورة الإسراء فسبحان الله وكأن الآية نزلت في هذا الزمن فالله سبحانه وتعالى لما أسرف هؤلاء في الترف وعاشوا فيه أيام وشهور وسنوات طويلة بعد ذلك كتب عليهم الهلكة ( وإذا أردنا أن نهلك ) قرية فهلكت القرية نتيجة هذا الترف الشديد ( أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) أنظروا إلى التدمير الذي سيحدث في بلاد الأندلس بعد هذا الترف الشديد وهذا الملك الكبير وهذا العز العظيم الذي دام سنوات وسنوات لكن لله سنن لا تتبدل ولا تتغير ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا .



أيضا بتحليل هذه الفترة نجد أمرا آخر غير أمر الترف وغير أمر الإسراف نجد توسيد الأمر لغير أهله فانظر إلى ما فعله الحكم بن عبد الرحمن الناصر انظر إلى حياته الطويلة في الجهاد والعلم ونشر دين الله في البلاد ثم هو قبل أن يموت يوسد الأمر إلى غير أهله يَكِلُ الأمور إلى طفل لم يبلغ إلا اثنتي عشرة سنة من عمره فيتحكم فيه الأوصياء وتحدث المكائد المؤامرات وانظر إلى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أجاب الرجل الذي سأل عن أمارات الساعة فقال صلى الله عليه وسلم ( إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ) . فقال الرجل كيف إضاعتها ؟ قال ( إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ) . رواه البخاري .



هكذا إذا تولى من لا يستحق منصبا من المناصب حدثت الهزة في البلاد وحدث الانهيار فما بالك إذا كان هذا المنصب منصب خليفة ؟ .

sosinano
01-12-2007, 02:18 PM
(13)



أذكر أنه ذُكرت حادثة في الجرائد عن الإمساك برجل جاسوس للأمريكان عند الروس (رجل روسي) فلما سألوه ماذا كنت تفعل للأمريكان قال ( ما كنت أفعل شيئا سوى أنه إذا عرض علي خمسة من الرجال لمنصب من المناصب أختار أسوأهم ) وكان هذا الرجل يشغل منصبا كبيرا في تلك الحكومة ومع مرور الزمان واختيار السيئين للمناصب فضيع الأمر وضيعت الأمانة وبالتالي سقطت البلاد بعد ذلك .



فتوسيد الأمر لغير أهله علامة من علامات ضياع الأمم هكذا تعلمنا من سيرة الأندلس في هذا الموقف.



الأمر الثالث المثير للاهتمام أن الفترة العامرية اعتمدت فيها الدولة في جهادها على القوة المادية من جند ومال و معمار ولم يصرفوا نواياهم إلى رب العالمين سبحانه وتعالى ولم يجددوا تربية الشعب على الجهاد في سبيله سبحانه وتعالى وعلى طلب الجنة والموت في سبيل الله ولذلك حدث هذا الخلل على ممر السنوات أكثر من 22 سنة في الدولة العامرية أدى في النهاية إلى أن الشعب أصبح يفتقد روح الجهاد الحقيقي ولا يبغي إلا جمع المال وجمع الغنائم وسبحان الله للتاريخ دورات كنا نتحدث عن عهد القوة والآن سنبدأ عن عهد جديد عهود الأندلس هو ما عُرف في التاريخ بعهد ملوك الطوائف .



(14)



انفرط العقد تماما بعد خلع هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر وولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر (الملقب بالمهدي) وهو الرجل الذي وضعه الشعب مكان هشام بن الحكم ومع أن لقبه المهدي إلا أنه كان فتى لا يدرك الأمور ولا قيادة الأمور وليس له في الإدارة من شيء وأول ما فعله بعد توليه الحكم هو أنه ألقى القبض على كثير من العامريين وقتلهم كما بدأ أيضا في تقتيل البربر وإقامة الأحكام عليهم بالحبس والتشريد وبالتالي أثار غضب العامريين وأثار غضب البربر بل وأثار غضب الأمويين أنفسهم لأن بنو أمية الموجودين في أرض الأندلس ما كانوا يبتغون أبدا هذا القتل الشديد وهذه الرعونة في التصرف فبدأ يحدث سخط كبير جدا من الجميع (من كل الطوائف) على المهدي .



البربر لم يهدءوا وجمعوا أنفسهم وانطلقوا إلى الشمال وهناك أتوا برجل اسمه سليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر ونصبوه عليهم وأسموه بخليفة المؤمنين وبدأ يحدث صراع بين سليمان بن الحكم ومن وراءه البربر وبين المهدي في قرطبة .



(15)



لكن سليمان بن الحكم والبربر معه وجدوا أن قوتهم ضعيفة ففعلوا شيء غريب وأول مرة نراه في بلاد الأندلس إذ أنهم استعانوا بملك مملكة اسمها قِشْتَالة (وهي القسم الشرقي من مملكة ليون التي انقسمت في سنة 359هـ نتيجة لحرب أهلية داخلية إلى قسمين ليون في الغرب وقشتالة في الشرق وكلمة قشتالة تحريف لكلمة كاستيلا أي كاسيل في الإنجليزية والتي تناظرها كاستيلا في الأسبانية أي القلعة وحرفت كاستيلا في العربية إلى قشتالة ) وهذا كان أول ظهور لمملكة قشتالة .



بدأت مملكة قشتالة تكبر نسبيا في أول عهد ملوك الطوائف فاستعان بها سليمان بن الحكم والبربر على حرب المهدي ودارت موقعة بين المهدي بن هشام من ناحية و بين سليمان بن الحكم و البربر وملك قشتالة من ناحية أخرى وهُزم المهدي في الموقعة وتولى سليمان بن الحكم في بلاد الأندلس وبالطبع هنا استغلت قشتالة هذه الفرصة لتضرب الأندلسيين بعضهم ببعض وتضع جيوشها وجنودها في أرض الأندلس في البلاد التي كثيرا ما دفعت الجزية لملوكها من قبل .



سليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر يتولى الحكم ويلقب نفسه بالمستعين بالله مع أنه لم يكن مستعينا بالله ولكن كان مستعينا بملك قشتالة وتولى الحكم في سنة 400 هـ .



في الفترة القادمة والتي هي فترة حوالي 22 سنة سيتولى أمور المسلمين 13 خليفة متتالي من سنة 399هـ في البداية بـهشام بن الحكم ثم المهدي ثم سليمان بن الحكم ثم يتوالى على ذلك الأمر 13 خليفة حتى سنة 322هـ وبذلك يكون قد انفرط العقد بصورة مؤسفة كما ذكرنا من قبل .



المهدي الذي هُزم من سليمان بن الحكم ( المستعين بالله ) فر إلى طرطوشة (بلد في شمال الأندلس) فأخذ يفكر ماذا أفعل ؟ ففكر في أن يتعاون مع أحد أبناء بني عامر مع أنه كان منذ قليل يقتل في أبناء قبيلة بني عامر ولكن هناك في طرطوشة قابل واحدا من بني عامر اسمه الفتى واضح فأقنع الفتى واضح هذا المهدي بأن يتعاون معه ليعيده في الملك من جديد ويكون الفتى واضح على الوزارة من جديد فالمهدي مع أنه كان من قبل يقتل فيهم إلا أنه قَبِل على أن يتعاون مع هذا الفتى واضح ولكن الفتى واضح قال له إنه ليس لنا طاقة بسليمان بن الحكم مع البربر ومعه أيضا ملك قشتالة ففكر الفتى واضح والمهدي في الاستعانة بأمير برشلونة وهو صاحب مملكة أرجون والتي كانت في الشمال الشرقي والتي كانت تدفع الجزية لعبد الرحمن الناصر ولابنه وللحاجب المنصور لما حدثت هذه الهزة في بلاد المسلمين قامت من جديد وكان لها جيش استعان به المهدي والفتى واضح في حرب سليمان وملك قشتالة والبربر .



فوافق أمير برشلونة على أن يساعدهم في مقابل :



أولا : مائة دينار ذهبية له هو مقابل كل يوم في القتال .

ثانيا : دينار ذهبي لكل جندي عن كل يوم في القتال وبالطبع تطوع الكثيرون لحرب المسلمين وكان الجيش الأرجواني كبيرا جدا .

ثالثا : أخذ كل الغنائم من السلاح إن انتصر أمير برشلونة مع المهدي والفتى واضح أي كل سلاح يغنموه من المسلمين الموجودين في قرطبة سيأخذه ملك برشلونة .

رابعا : أخذ مدينة سالم ( وهي المدينة التي حررها عبد الرحمن الناصر منذ القديم في عهد الخلافة الأموية ) الآن يشترط أمير برشلونة أن تُضَم إليه مدينة سالم إذا انتصر أمير برشلونة مع المهدي مع الفتى واضح على المستعين بالله ( سليمان بن الحكم ) .



بالطبع شروط مخزية جدا وشرط قبيحة جدا وفظيعة جدا كيف يوافق المسلمون على ذلك ؟ ولكن الذي حدث أنه قد تمت الموافقة على هذه الشروط والبنود وبدأت بالفعل موقعة كبيرة جدا في شمال قرطبة بين المهدي محمد بن هشام بن عبد الجبار ومعه الفتى واضح العامري و أمير برشلونة وبين سليمان بن الحكم الخليفة والملقب بالمستعين بالله ومعه البربر ورجع وانتصر مرة أخرى المهدي ومن معه وهُزم سليمان بن الحكم وفر هو ومن معه و من بقي من البربر وسلمت سالم إلى أمير برشلونة وسلمت الغنائم كلها لأمير برشلونة وتولى الحكم من جديد في قرطبة .



ولكن لأن الزمن زمن فتنة فأول ما تولى المهدي بلاد قرطبة انقلب عليه الفتى واضح وهذا دليل على أن الفتنة عظيمة جدا وأن الأحداث متشابكة جدا وقد أخطأ المهدي لما اتفق مع الفتى واضح وهو عامري ومنذ شهور بسيطة جدا كان المهدي يذبح في العامريين في كل مكان فكيف يعقد معاهدة مع الفتى واضح على أن يعاونه على استعادة الحكم .



انقلب الفتى واضح على المهدي ثم قتل المهدي وبدأ يتولى الأمور ولكن الفتى واضح كان أذكى من عبد الرحمن بن المنصور الذي طلب ولاية العهد من هشام بن الحكم قبل ذلك فرفض أن يكون هو في الصورة قال إن أصبحت أنا خليفة البلاد سيحدث انقلاب من كل القبائل الموجودة والناس لم تتعود أن يكون الخليفة عامري فقال أنا آتي بصورة للخليفة أضعها وأحكم أنا من ورائها فانظروا عمن بحث بقي يبحث بين كل الأمويين الموجودين فوجد أفضل صورة هي صورة هشام بن الحكم المخلوع من قبل وهو الذي ظل ألعوبة ثلاثة وثلاثين سنة بدون أي معارضة .



وبالطبع وافق هشام بن الحكم الذي كان ملقبا بالمؤيد بالله وبالتالي عاد من جديد للحكم ومن وراءه الفتى واضح ولكن سليمان بن الحكم لم يقتل بعد ولا يزال موجودا في البلاد ولا يزال يدبر المكائد ويريد أن يعود للحكم من جديد ففكر مرة أخرى أن يذهب لملك قشتالة ويستعين به من جديد فعاد له من جديد وطلب من ملك قشتالة أن يساعده ولكن ملك قشتالة ذلك الخبيث قال له انتظرني وسأرد عليك بعد أيام فذهب إلى هشام بن الحكم ( الحاكم في ذلك الوقت ) وقال له إن سليمان بن الحكم يريد أن أساعده في قتالك وفي حربك فماذا ترى ؟ فقال له ماذا تريد ؟ قال ملك قشتالة ماذا تعطيني حتى لا أساعده في حربك ؟ فعرض عليه هشام بن الحكم أمورا ليختار منها فاختار كل الحصون الشمالية للمسلمين في بلاد ألأندلس فتوسعت قشتالة جدا حتى أصبحت حدودها أكبر من حدود مملكة ليون مع أن مملكة قشتالة كانت أصلا جزء صغير منفصل عن مملكة ليون وتوحشت البلاد النصرانية في الشمال (كارثة كبيرة تحل على الأمة الاسلامية) .



(16)



كل هذه الأمور حدثت في ثلاث سنوات فقط وفي عام 403هـ قام سليمان بن الحكم ومن معه من البربر بشيء لم يحدث في تاريخ المسلمين من قبل حتى ذلك الوقت إذ هجموا على قرطبة المسلمة فعاثوا فيها فسادا قتلا في المدنيين الموجودين في مدينة قرطبة واغتصابا لنساء المسلمين الموجودين في مدينة قرطبة.



أمر في منتهى الغرابة جدا وواضح أنه كان هناك بذور ضعف كانت كبيرة والقشة التي قسمت ظهر البعير كانت وفاة عبد الرحمن بن المنصور وخلع هشام بن الحكم ولكن لم يكن هذا طبعا هو فقط السبب كما ذكرنا تملك الترف في الناس وتملكت الدنيا ووسد الأمر إلى غير أهله وكل هذه الأمور أدت إلى هذه الهلكة العجيبة في البلاد .



ومن جديد يتولى سليمان بن الحكم أو المستعين بالله الحكم في بلاد الأندلس وبالطبع مقر الحكم في قرطبة ولكن البلاد تفككت وكان في قرطبة موجود هشام بن الحكم والعامريون ولكن العامريون فروا إلى الشرق واستقروا في شرق الأندلس في منطقة فلنسيا وما حولها .



وطُرد هشام بن الحكم من البلاد ثم قتل بعد ذلك والمفاجأة الأخيرة والكبيرة جدا أن سليمان بن الحكم وهشام بن الحكم إخوة من أب واحد هو الحكم بن عبد الرحمن الناصر القائد المظفر لكن استخلف على الحكم من لا يملك مؤهلات الحكم ووسد الأمر إلى غير أهله كما ذكرنا .



سليمان بن الحكم الآن في الحكم وتمر أربع سنوات وهو في الحكم من سنة 403هـ إلى سنة 407هـ وسليمان بن الحكم كان جيشه الرئيسي من البربر وفي هذا الزمن من الفتنة البربر يفكرون لماذا لا نتملك نحن الأمور ؟ هل هي مقتصرة على الأمويين أو العرب فقط ؟ لماذا لا نكون نحن ولاة الأمور ؟ هكذا في زمن الفتنة فأسرع البربر وأقاموا قوة أساسية كبيرة واستعانوا بالبربر من بلاد المغرب وهجموا على سليمان بن الحكم وأخرجوه من الحكم بل وقتلوه وتولى خلافة المسلمين في الأندلس في هذه السنة سنة 407هـ رجل من البربر اسمه علي بن حمود الذي تَسَمى بالناصر بالله .



استقر الأمر لعلي بن حمود في قرطبة وعين أخاه القاسم بن حمود على أشبيلية في سنة 407هـ وبذلك أصبح الخلفاء والذين يتملكون الأمور في قرطبة وما حولها في ذلك الوقت هم البربر في سنة 407هـ .



العامريون الذين فروا إلى شرق الأندلس لم يسكتوا بحثوا عن أموي آخر هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ... إلى آخر هذه السلسلة وهو أحد أحفاد عبد الرحمن الناصر وبايعوه على الخلافة وسمى نفسه المرتضِي بالله (أسماء عظيمة جدا) وأخذوا المرتضي بالله إلى قرطبة لحرب علي بن حمود البربري وبالفعل دارت حرب بين العامريين ومعهم المرتضي بالله وبين البربر وعلى رأسهم علي بن حمود وكانت النتيجة شيء لطيف جدا بين الفريقين كانت النتيجة أن قُتل علي بن حمود والمرتضي بالله أي الخليفتين الذين كانا على الحكم ( الخليفة الموجود في قرطبة والخليفة القادم مع العامريين الاثنين قد تم قتلهم في المعركة) ولكن في النهاية تمكن البربر من الانتصار وتولى خلافة المسلمين القاسم بن حمود من البربر أخو علي بن حمود وحاكم أشبيلية وأيضا بعد ذلك أحضر العامريون رجلا أخر من الأمويين ليحاربوا به البربر وهكذا ظل الحال إلى سنة 422هـ حيث تولى كما ذكرنا 13 خليفة الحكم من سنة 399 إلى سنة 422هـ .





وفي سنة 422هـ يجتمع العقلاء من الأندلس ليضعوا حلا بعد أن تفككت البلاد تفككا كبيرا وكثرة الحروب والمكائد بين كل الفرق فاتفقوا على أن يجعلوا لإدارة البلاد مجلس شورى ولا داعي لأن يكون هناك خليفة واتفقوا على عزل بني أمية تماما عن الحكم وقالوا إنه لم يعد هناك من بني أمية من يصلح لإدارة الأمور وانتهى عصر الخلفاء العظماء والأمراء العظماء ومن تبعهم أبدا ليسوا على شاكلتهم فاجتمعوا على خلعهم فأنشئوا بالفعل مجلس شورى في قرطبة سنة 422هـ وولوا عليه رجلا اسمه أبو الحزم بن جَهْوَر وهذا الرجل كان من علماء القوم وكان يشتهر بالتقوى والورع ورجاحة العقل وظل الحال هكذا بضع سنين ولكن واقع الأمر أن أبوالحزم بن جهور لم يكن يسيطر هو ومجلس الشورى الذي معه إلا على قرطبة فقط أما البلاد في الأماكن والأقاليم الأخرى في الأندلس فقد ضاعت السيطرة عليها وبالفعل بعد ثلاث أو أربع سنوات من هذا التاريخ بدأت الأندلس تقسم بحسب العنصر إلى دويلات مختلفة ليبدأ ما يسمى بعهد دويلات الطوائف أو بعهد ملوك الطوائف .



عهد ملوك الطوائف



قسمت بلاد الأندلس إلى سبع مناطق رئيسية :



أولا : بنو عباد وهم أهل الأندلس الأصليين والذين كان اسمهم المولَّدين أخذوا منطقة أشبيلية وما حولها وأنشئوا فيها إمارة لهم .



ثانيا : بنوا زيري من البربر أخذوا منطقة غرناطة في جنوب الأندلس .



ثالثا : بنو جَهْوَر والذين كان منهم أبو الحزم بن جهور أخذوا منطقة قرطبة فأصبحوا هم أوصياء أو حكام على منطقة قرطبة .



رابعا : بنو الأفطس وهم من البربر أخذوا غرب الأندلس وأسسوا في هذه المنطقة إمارة سموها بطليوس.



خامسا : بنو ذِينون أخذوا طليطلة (الحصن الشمالي) وهم من البربر أيضا.



سادسا : بنو عامر والذين هم من اليمن أصلا أخذوا شرق الأندلس وكانت عاصمتهم في هذه المنطقة فلنسيا .



سابعا : بنو هود أخذوا سرقسطة التي في الشمال الشرقي من البلاد .



أي لو قسمنا البلاد إلى سبعة أقسام فتقريبا سبعة أقسام متساوية وكل قسم به عنصر من العناصر إما قبيلة من البربر وإما قبيلة من العرب وإما أهل الأندلس الأصليين ولكن ليس فقط هذه السبعة أقسام بل بداخل كل قسم من هذه الأقسام أكثر من دويلة (سبحان الله) .



فمثلا بني عامر في شرق الأندلس مقسمين إلى أكثر من دويلة وعلى كل دويلة رئيس من رؤساء بني عامر .



بني جهور التي أخذت قرطبة قسمت قرطبة إلى أكثر من دويلة وبني الأفطس أخذت بطليوس وقسمتها إلى أكثر من دويلة وهكذا حتى وصل تعداد الدويلات الإسلامية في الأندلس بلا مبالغة إلى 22 دويلة تخيل يا أخي 22 دويلة في مساحة الأندلس مع وجود مناطق في الشمال حوالي 25% من مساحة الأندلس تحت سيطرة النصارى أي 75% من أرض الأندلس يقسم إلى 22 دويلة ولو تذكروا أن مساحة الأندلس كما ذكرنا في أول مقالة عن الأندلس هي 600 ألف كيلومتر مربع وإذا أخذنا منها 25% سيتبقى في أيدي المسلمين 450 ألف كيلومتر مربع تقريبا أي أقل من مساحة نصف مساحة مصر أي بلد في مساحة نصف مصر مقسمة إلى 22 دولة كاملة وكل دولة لها رئيس ولها جيش ولها أمة ولها سفارات ولها وزارات ولها كل مقومات الدولة أو الإمارة فتفتت المسلمون تفتتا لم يسبق في عهد الأندلس وكان الهبوط على أشد ما يكون .



بالطبع لا يوجد مقارنة بين عهد عبد الرحمن الناصر والحكم بن عبد الرحمن الناصر وعهد الأندلس بعد حوالي خمسين أو ستين سنة فقط من هذه العزة وهذه القوة وصلنا إلى هذه الحال بعد هذا التفرق والتشتت وفقدان عنصر من أهم عناصر القوة عند المسلمين وهو عنصر الوحدة وسبحان الله ما أشبه اليوم بالبارحة .



ترى ماذا حدث بين هذه الدول المتسارعة في بلاد الأندلس ؟ ترى هل من قيام بعد هذا التفتت الشديد وهذا الأنهيار المروع في بلاد الأندلس ؟ فهذا ما سنتداوله إن شاء الله في المقالة القادمة .



هذا تلخيص لأحد دروس الشيخ راغب السرجاني عن الأندلس

alme7tas
01-23-2007, 09:58 AM
يااخى لماذا هاذا التوقف المفاجئ وعدم تكمله الموضوع اتمنى ان المانع يكون خيرا انشاء الله

sosinano
01-23-2007, 11:23 AM
عفوا أخي alme7tas على التأخير وذلك لأسباب خارجة عن يدي

sosinano
01-23-2007, 11:24 AM
الأفكار:

1- أسئلة وتعليقات .

2- أين نحن الآن هل نتجه للقيام أم السقوط .

3- عودة لحالة الأندلس وتحليل للوضع فيها .

4- مهزلة جديدة ... من يدفع الجزية ؟ .

5- قصة حاكم في الأندلس يعتز بإسلامه .

6- فرقة عجيبة وحالة متردية للأندلس ومأساة في سرقسطة .

7- مأساة بلنسيا واللعب في الطين .

8- وتتصاعد المأساة وتسقط طليطلة .

9- تحركت الغيرة على الإسلام في قلب حاكم أشبيلية والحمد لله .





(1)



سنبدأ في هذه المقالة في الأحداث التالية وقبل أن ندخل في أحداث هذه المقالة نود أن ننظر إلى بعض التعليقات الخاصة وبعض الأسئلة بخصوص الحلقات السابقة والشكوى من كثرة الأسماء والتواريخ والأرقام وفي الحقيقة تحدثنا في هذا الأمر وقلنا أن هذه المجموعة يذكر فيها كل الأسماء المؤثرة في تاريخ الأندلس ولكن ليس بالضرورة أن تحصى كل الأسماء أن تحفظ كل التواريخ وعلى سبيل المثال ما حدث في المقالة السابقة من صراع دام وطويل بين مجموعة من الخلفاء لمدة 13 سنة فلا يهم أن تحصى أسمائهم وما حكموا إلا لجمع المال والدنيا وهي فترات كانت صعبة والمهم في هذا كله هو أخذ الدرس والعظة .



فلنلاحظ أثر الفرقة على المسلمين والتعاون مع النصارى ضد المسلمين وأثر ذلك على المجتمع الأندلسي أيضا أن تلاحظ الترف وأثره على القواد والشعوب وعلى الجانب الآخر هناك أسماء يجب أن تحفظ وتكون قدوة ونبراسا للناس أمثال موسى بن نصير وطارق بن زياد رحمهما الله وعبد الرحمن الغافقي وعبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر والحكم بن عبد الرحمن الناصر وبلا شك كان لهم أخطاء ولكنها لا تقارن أمام حسناتهم التي فعلوها .



نحن نلخص تاريخ 800 سنة فنرجو أن تعذرونا بسبب كثرة الأسماء والأحداث ولكي نتم هذا التاريخ على 12 مقالة فمطلوب أن تحتوي المقالة على 100 سنة أو أقل قليلا وذلك يجعلنا نتغاضى عن كثير من الأحداث ليس لعدم أهميتها ولكن لضيق الوقت والأمر يحتاج إلى دراسة طويلة وأنصح كل من يتابع هذه المقالات أن يقرأ المقالات أكثر من مرة فهذه دراسة وليس مجرد أن تأخذ بعض المعلومات من هذا التاريخ وفي كل مرة تقرأ فيها المقالة ستخرج منها بشيء جديد إن شاء الله لم يلفت إليه النظر في المقالات .



جاءنا سؤال عن حلقات الأندلس بصفة عامة وكان السؤال ( وكأنه ليس هناك أمل كلما قام المسلمين على أقدامهم سقطوا أليس من قيام لا سقوط بعده ؟ ) .



هذه سنة من سنن الله عز وجل الارتفاع والهبوط بصفة مستمرة منذ نزول الرسالة على محمد صلى الله عليه وسلم وحتى يومنا هذا بل وحتى يوم القيامة فيقوم المسلمون من ضعف ويأخذوا بأسباب القيام وهي كثيرة جدا وتحدثنا عنها في كل فترة من فترات القيام ومنها الإيمان بالله سبحانه وتعالى الاعتقاد بقدرته ونصرته ومنها الأخوة والوحدة بين الصفوف والتجمع ونبذ الفرقة والعدل بين الحكام والمحكومين وانتشار العلم والدين ومنها الأخذ بالأسباب من عدة وعتاد وخطط وعلم ومال وكل ما هو مستطاع في اليد فإن الله عز وجل يقول فيه كتابه { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ } (60) سورة الأنفال ، فالإعداد المطلوب هو ما في استطاعة يدك فلو أنك باستطاعتك أن تعد 10 سيوف وأنت أعدت 5 فقط فإنك ستنتصر ولو أعدت 10 فإنك ستنتصر وإن كان العدو يملك 100 سيف أو غير ذلك .



في بداية الأمر يكون القيام متدرج وفيه صبر وثبات من الناس ثم بعد ذلك يكون القيام باهرا ثم يحدث انتشار للدين بصورة ملموسة حتى تفتح الدنيا كثيرا على المسلمين وهنا تحدث طامة كبرى على المسلمين فلما تفتح الدنيا على المسلمين يصبر القليل ويقع في الفتنة الكثير وذكرنا من قبل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال ) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب .



هناك ملحوظة في التاريخ عجيبة جدا فعمر بن الخطاب رضي الله عنه أوقف الفتوح في سنة 17 هـ لسبب لم يتكرر في التاريخ بعد ذلك إلا في عهود قليل من الأمراء الذين هم على شاكلة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعمر بن الخطاب أوقف الفتوح في تلك السنة لكثرة الغنائم فقد جاءت الثياب المغطاة بالذهب والحرير وجاءت الجواهر حتى أنهم كانوا يقولون طرفة أنه لما كان العربي ينام قبل الفتوحات الإسلامية عندما يحلم لا يحلم برقم أكبر من ألف أي لا يحلم أنه يحصل على ألفي دينار فكان ألف دينار بالنسبة له ضخم جدا فإذا به يجد أن الملايين تأتي عليه من الفتوحات فحدثت فتنة للناس وبدأت وجوه الناس تتغير .



فنظر عمر بن الخطاب بنظرة الرجل الحكيم إلى حال المسلمين ذلك الرجل العالم بسنن ربه فيجد أن المسلمين قد يملكون الدنيا ولكنهم سيخسرون الآخرة وهو كقائد مسلم يفهم قضية الإسلام والمسلمين كان همه الرئيسي أن يدخل شعبه الجنة وليس أن يدخلهم فارس ولو كان دخول فارس على حساب دخول الجنة إذن لا داعي لفارس فأوقف الفتوح رضي الله عنه وقال ( وددت لو أن بيني وبين فارس جبلا من نار لا أقربهم ولا يقربوني ) فلم يكن يريد هذا النعيم الذي جاءه من هذه البلاد ولم يعد في الفتوح إلا بعد أن هجم الفرس على المسلمين وخاف على المسلمين من الضياع نتيجة هجوم الفرس المتكرر فأجاز الفتح من جديد في سنة 18 هـ فهذا رجل يفهم ما يحدث للمسلمين فقد فهم أن المسلمين لما سكنوا في مدينة المدائن الضخمة ذات القصور العظيمة والترف الشديد تغيرت ألوان المسلمين فقد كان بهم اسمرار نتيجة العيش في الصحراء فجاءوه وقد تغيرت ألوانهم وأحوالهم فانظر إلى هذا الفهم الرائع لهذا الرجل ومن سار على نهجه .



إذن سنة من سنن الله عز وجل أنه إذا فتحت علينا الدنيا فإننا نتجه إلى السقوط ويثبت هذه السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) رواه أبو داود في سننه وصححه الحاكم في مستدركه .



فلماذا التجديد إن كان الأمر في علو دائم فلابد أن سيحدث سقوط ومن بعد السقوط ارتفاع وهذا الارتفاع سيكون على يد مجدد أو مجددين فقد يكون المجدد فرد كما قيل أن المجدد في القرن الثاني الهجري هو عمر بن عبد العزيز وكما قيل أن المجدد في القرن الثالث الهجري هو الشافعي رحمه الله وهكذا عددوا أسماءً وقد يكون جماعة من المجددين فهذا في أحد البلاد وهذا في بلد آخر وسيظل هذا الأمر دائما إلى يوم القيامة فالتاريخ الإسلامي مليء بالارتفاع والهبوط ولم يكن قاصرا على تاريخ الأندلس فحسب بل إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدوا ذلك بأعينهم فبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة يحدث سقوط سريع وانهيار مروع وردة في كل أطراف جزيرة العرب ولم يبقى من البلاد التي لم تردت إلا مكة والمدينة والطائف وقرية صغيرة في شرق الجزيرة العربية تسمى قرية هجر كل الجزيرة العربية ارتدت إلا هذه المدن فقط ثم حدث قيام في عهد أبو بكر الصديق رضي الله عنه وفتوح وانتصارات وتفتح الدنيا في عهد عثمان رضي الله عنه فتحا كبيرا جدا ويدخل في الإسلام أفواج كثيرة في الإسلام ثم تحدث فتنة وانكسار في الأمة الإسلامية على اتساعها وهزات عظيمة تؤدي إلى قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه وتكون فتنة عظيمة تستمر طيلة خلافة علي رضي الله عنه وسقوط كبير في الأمة الإسلامية ثم قيام من جديد في عهد الدولة الأموية واستكمال للفتوح ويستمر الأمر هكذا فترة من الزمان ثم يحدث سقوط مرة أخرى وعندما يحدث سقوط للدولة الأموية في آخر أيامهم يقوم بنوا العباس من جديد ويحدث عز وانتصار للإسلام ثم بعد ذلك ضعف وسقوط وهكذا الأيام .



فالدولة الأيوبية قامت في منتهى القوة ثم سقطت بعد ذلك ثم تلاها المماليك وقاموا في منتهى القوة ثم سقطوا بعد ذلك والخلافة العثمانية الراشدة التي فتحت شرق أوروبا كله قامت في منتهى القوة ثم سقطت بعد ذلك لماذا ؟ لكثرة الدنيا وانفتاحها وفتنة الناس في هذه الدنيا فهذه سنة من سنن الله ولا يجب أبدا أن تفت في عضد المسلمين فلابد من قيام للمسلمين بعد السقوط لابد ولابد للمسلمين من سقوط إذا فتنوا بالدنيا فالله ليس بينه وبين أحد نسب فإن ضل المسلمون وخالفوا طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فستكون الهزيمة لا محالة .



(2)



ومن الممكن أن يسأل سائل أين نحن الآن في هذا العصر الذي نحياه الآن من مراحل السقوط أم مراحل القيام ؟ .



من الواضح لنا جميعا أننا في مرحلة من مراحل السقوط وهو سقوط كبير جدا للخلافة العثمانية التي كانت في أعلى درجات المجد في وقت من الأوقات ثم بدأت تضعف وتضعف حتى سقطت وتفرق المسلمون وضعفت الشوكة وهذا شيء طبيعي جدا لأن هذا من سنن الله ولكن الحق يقال أن هذا السقوط الجديد أي سقوط الدولة العثمانية فيه ظاهرة غير متكررة في السابق فهناك شيئان جديدان على الأمة الإسلامية وهما :



أولا : غياب الخلافة .



فعلى مدار الفترات السابقة من السقوط لم تغب الخلافة حتى في صورتها الضعيفة فقد كانت هناك خلافة ضعيفة ولكن الناس قد تلتف حول الخليفة الضعيف فتقويه بقوتها أما الآن في عصرنا هذا فلا يوجد خليفة وضاع رمز الخلافة وانتهت فكرة الخلافة من أمام الناس ولابد أن تعود إلى أذهان الناس من جديد .



ثانيا : غياب الشرع الإسلامي .



فعلى الرغم من السقوط الشديد للمسلمين على فترات التاريخ المختلفة فلم يكن أبدا يلغى الشرع وكان يطبق بكل أطرافه نعم كانوا يتجاوزن أحيانا ولكن أبدا ما ظهرت دعوة تقول جنبوا الشرع وأتوا بقوانين البشر لتحكم الناس وهذا الأمر لم يحدث إلا في عصرنا هذا مما يجعل مسألة الإصلاح صعبة ولكنها لن تكون مستحيلة لأنه يستحيل أن يتعارض شيء مع سنن الله سنن الله أنه ما يحدث سقوط للمسلمين إلا ويقومون من جديد ولكن أن يحدث سقوط لا يتبعه قيام فهذه ليست من سنن الله عز وجل مع المسلمين فأي أمة من أمم الأرض لابد لها سقوط بعد قيام لكن الاختلاف بين أمم الأرض وأمة الإسلام أن هذه الأمم قد تسقط ولا تقوم فأين حضارة الفراعنة فقد اندثروا في الأرض وماتوا جميعا ولم يكن لهم قيام بعد ذلك وأين حضارة اليونان والرومان وأين حضارة انجلترا التي كانوا يسمونها الإمبراطورية التي لا تغرب عنها شمس لكن أمة الإسلام لا تموت وهذا وعد الله للمؤمنين فقد قال تعالى { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } (21) سورة المجادلة .



يا أيها الناس أبشروا وأَمِّلوا فلقد استمر السقوط للأمة الإسلامية منذ أوائل القرن العشرين ثم سقطت الخلافة العثمانية في سنة 1924 م ثم استمر السقوط حتى أوائل السبعينات ثم حدث قيام في كل الأمة الإسلامية في منتصف السبعينات إلى ما نحن فيه الآن فانظر إلى الشباب وكم عددهم في المساجد وانظر إلى المحجبات في الشوارع وفي كل أطراف العالم الإسلامي وانظر إلى المراكز الإسلامية في أوروبا وانظر إلى جمهوريات روسيا السابقة والتي هي إسلامية مثل أوزبكستان وكازاخستان وحتى الشيشان والتي لم تتحرر بعد والتي نسأل لها التوفيق والانتصار على عدوهم فانظر إلى الإسلام في هذه البلاد بعد احتلال دام أكثر من 300 عام من روسيا النصرانية ثم روسيا الشيوعية ولكن الإسلام فيه صحوة وقيام وهو قيام تدريجي ولا تستعجل النصر وانظر إلى ما فعله عبد الرحمن الداخل ثم عبد الرحمن الناصر والذي كان يقوم بخطوات بطيئة في التغيير والتعليم والتربية ونشر الإسلام ثم انفراجة تحدث للمسلمين مثل انضمام سرقسطة معه وموت عمر بن حفصون وهذه سنة من سنن الله عز وجل وانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت خديجة رضي الله عنها وبعد موت عمه أبي طالب وكيف خرج من مكة ذاهبا إلى الطائف وكيف رمي بالحجارة وكيف عاد يعرض الإسلام على القبائل المختلفة التي تأتي للإسلام ولا يقبل منه أحد ثم أسلم له ستة من الخزرج فدخلوا بالإسلام إلى المدينة المنورة ثم ينقضي عام ثم عامان وتأتي بيعة العقبة وفتح من الله وفتح كبير ثم بدر ثم أحد ثم فتح مكة فهذا أمر لابد أن نتفكر فيه .



نحن الآن وفي وقتنا هذا في مرحلة قيام متدرج فمطلوب من الشباب ألا يستعجلوا فإنه لا محالة ستحدث انفراجة ولكن متى هي ؟ في الواقع يعلمها الله ولكن المهم أين الصابرون وأين الثابتون ؟ .

mt man
01-23-2007, 12:19 PM
باركك الله أخي وأتمنى من الأخوة أن يستفيدو ويأخدو العبرة

sosinano
01-31-2007, 02:04 PM
(3)



بعد هذه المقدمة الهامة نعود لما كنا عليه في المقالة السابقة حيث ذكرنا أنه بعد موت عبد الرحمن المنصور الحاجب الذي كان يتولى الحجابة على هشام بن الحكم هذا الخليفة الذي كان صورة للخليفة فقط حدث انهيار مروع وقسمت البلاد إلى 22 دويلة مع أنها صغيرة وليست شاسعة وللنظر على واقع هذه الدويلات وكيف كانت الشعوب فيها وكيف كان الإسلام .



أولا : كل أمير لهذه الدويلات أعلن أنه أمير للمؤمنين ليس فقط أميرا على مدينته ولكنه أمير المؤمنين وكأنه يستحق أن يكون أميرا للمؤمنين في الأرض حتى كان الرجل في ذلك الوقت يسير مسيرة اليوم والليلة فيمر على ثلاثة من أمراء المسلمين في يوم وليلة وذلك لصغر حجم هذه الدويلات حتى أن كل دويلة من هذه الدويلات خصصت لنفسها علما خاصا بها ورئيسا أو أميرا لها وجيش خاص بهم وسفراء خاصة بهم وهم لا يملكون أي مقومات للدولة وليتهم بعد كل هذا التفتت رضوا بما في ملكهم ولكن كل منهم كان ينظر لما في يد أخيه وكانوا يختلفون على الحدود فيما بينهم فبدأوا يتصارعون سويا فقرطبة تصارع أشبيلية وبلنسيا تصارع سرقسطة وهكذا كان صراع بين الدويلات الإسلامية .



وعند تحليل الموقف ربما نظن أن الخلفاء كانوا أشرارا وطامعين في ملك غيرهم ولكننا نسأل سؤالا أين الشعوب ؟ هل كان الخليفة يحارب وحده ؟ وكيف زين للشعب الخروج وقتال غيرهم من المسلمين ؟ .



إذا نظرنا للإعلام الموجود في هذه الفترة هو الشعر فإن الشعراء كانوا يتحدثون عما يجري في البلاد فتجد أن معظم أبيات الشعر التي تقال في هذه الفترة هي تمجيد لهؤلاء القواد الذين يقودون الشعوب فإنهم يجعلون القائد وكأنه نصف إله فهو يشرع وله حكمة عظيمة وبأس شديد ونجدة عظيمة للمسلمين وتظهر أموال كثيرة ومبان عظيمة فيفتن الناس بهذا فيتبعونه فيما يقول .



وكان أيضا هناك ضغط قوي من الجيوش التي تتبع الحكام فالناس لا تستطيع أن ترفع أصواتها في وجوه هؤلاء الطواغيت لأن الحكم كان بالحديد والنار كما يقولون .



أيضا ظهرت فتاوى خاصة تصرح لقرطبة أن تغزو أشبيلية وتصرح لأشبيلية أن تغزو بطليوس وتصرح لبطليوس أن تغزو ما حولها .



وهناك كارثة ظهرت في هذا الوقت وهي التعاون مع النصارى فكل مدينة تعتبر نفسها دولة ولها جيش ولكنه ضعيف البنية وقليل السلاح فلابد أن يتخذ له عونا وهذا يريد أن يحارب أخوه في الإسلام فيأتي بمن ليعاونه على حربه ؟ يذهب للنصارى ومن هؤلاء من ذهب لأمير قشتالة ومنهم من ذهب إلى أمير أرجون ومنهم من ذهب إلى ليون وكلٌ يأخذ نصير من الدول النصرانية الموجودة في شمال الأندلس والتي ما كانت تكون في هذا العهد إلا 25 % فقط من أرض الأندلس والتي كانت تدفع الجزية لعبد الرحمن الناصر وللحكم بن عبد الرحمن الناصر وللحاجب المنصور هي الآن تساعد بعض المسلمين لحرب بعض المسلمين ( ما أشبه اليوم بالبارحة ) .



(4)



بل حدث أشد من هذا فقد ظهرت مهزلة لا تتخيلوها إذ أن أمراء هذه الدويلات بدأوا يدفعون الجزية لملوك النصارى فقد كان ألفُنْسُو السادس أكبر ملوك النصارى في ذلك الوقت وهو حاكم إمارة قشتالة وقشتالة قد تضخمت وضمت إليها مع الوقت مملكة ليون وكان أمراء المسلمين يدفعون الجزية إليه حتى يحافظ على ملكهم في بلادهم وكان يسبهم في وجوههم فما يقولون له إلا ما نحن إلا جباة أموال لك في بلادنا أي نجمع لك المال من الشعب وذلك حتى يحافظ لهم على حكمهم في بلادهم وانظر إلى قوله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ @ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ } (51 ، 52 ) سورة المائدة .



ففي اعتقادهم أنهم لا يستطيعون حرب هذه الدول فأين سيوفنا من سيوفهم وأين خيلنا من خيلهم وأين سلاحنا من سلاحهم ( وأين طائراتنا من طائراتهم ) ( وأين دباباتنا من دباباتهم ) ولذلك كان لابد من العون والمساعدة من النصارى المحيطين بالدولة الإسلامية يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فهم يخافون أن يضيعوا وأن يقتلوا ولكن عسى أن يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده فيندموا على فعلهم هذا كما سنرى في آخر عهد ملوك الطوائف كيف سيأتي النصر ؟ فالآية تصف وصفا دقيقا جدا لهؤلاء الحكام ومن على شاكلتهم والقرآن يجب أن يفهم جيدا فهو ليس للبركة أو يحفظ في السيارة أو البيت ولكنه منهج ودستور يربي المجتمع وليس هناك نجاح ولا فلاح إلا بإتباع كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم واذكروا قول الله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } (57) سورة المائدة .



(5)



فكان هذا هو واقع الأمراء في الأندلس وكانوا جميعا يدفعون الجزية إلا مملكة واحدة فقط وهي مملكة مترامية وهي مملكة بطليوس وكان عليها رجل اسمه المتوكل بن الأفطس رحمه الله وهذا الرجل كانت عنده عزة مع أن مملكة صغيرة جدا ولم يستطع أن يجمع الناس فكلٌ لاهي لما هو فيه فلم يستطع أن يفعل مثلما فعل عبد الرحمن الناصر أو غيره من المصلحين لكنه كان في حاله ولا يدفع للنصارى وكان النصارى يعلمون أنه خارج عن الشرعية التي حكمت البلاد في ذلك الوقت فخرج الرجل عن المألوف وكان الكل يدفع إلا هو فلماذا أنت بالتحديد تعتز بإسلامك ؟ فأرسل له ألفنسو السادس رسالة شديدة اللهجة يطلب فيها منه أن يدفع الجزية كما يدفعها إخوانه من المسلمين في الممالك الإسلامية المجاورة فأرسل له ردا عجيبا وذلك لنعلم أن للمؤمن عزة في أشد أوقات الانحدار وذلك إن أراد أن يكون له عزة فلننظر إلى رد المتوكل بن الأفطس رحمه الله ( وصل إلينا من عظيم الروم ( ألفنسو السادس ) كتاب مدعٍ في المقادير وأحكام العزيز القدير يرعد ويجمع تارة ثم يفرق ويهدد بجنوده المتوافرة وأحواله المتظاهرة ولو علم أن لله جنودا أعز بهم الإسلام وأظهر بهم دين محمد صلى الله عليه وسلم أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون ، بالتقوى يعرفون وبالتوبة يتضرعون ولئن لمعت من خلف الروم بارقة فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليميز الله الخبيث من الطيب ويعلم المنافقين ) فلننظر لهذه الفقرة التي قال فيها المتوكل إن ظهر الروم في هذه الفترة وعلا شأنهم ولمعت من خلف الروم بارقة وهذا ظهور مفاجئ للنصارى فهذا بإذن الله ليعلم المؤمنين وليميز الخبيث من الطيب ويعلم المنافقين أما عن تدهور أحوال المسلمين ولماذا حدث لهم هذا فلننظر ماذا قال المتوكل في هذا وللنظر لفكره فقد قال ( أما تعييرك للمسلمين فيما وَهَى من أحوالهم فبالذنوب المركونة ولو اتفقت كلمتنا مع سائرنا من الأملاك لعلمت أي مُصَاب أذقناك كما كانت آباءك تتجرعه ) فتذكر يا ألفنسو السادس أيام عبد الرحمن الناصر وأيام الحاجب المنصور ثم يقول ( وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك لما أجبر أجدادك على دفع الجزية حتى أهدى جدك أحد بناته إليه ) فجد ألفنسو السادس ملك نافار أرسل ابنته هدية للحاجب المنصور وهي أم عبد الرحمن المنصور الذي ذكرناه في المقالة السابقة فكان المتوكل يُذكِر ألفنسو هذا بأن جده أعطى ابنته هدية للحاجب المنصور حتى يأمن شره ويكمل فيقول ( أما نحن إن قَلّت أعدادنا فما بيننا وبينك بحر نخوضه ولا صعب نروضه ) فيخبره أنه ليس ما بين المسلمين وبين هذا الرجل مسافات فقد كانت بطليوس في غرب الأندلس وكانت قريبة من قشتالة التي في شمال الأندلس فقد كان يقول له أنه ما كانت بيننا جبال ولا صعاب فتعالى وليس بيننا وبينك إلا السيوف فانظر إلى عزة الإسلام حتى في وقت الضعف هذا ثم أكمل قائلا ( ولا صعب نروضه ليس بيننا وبينك إلا السيوف تشهد بحدها رقاب قومك وجلاد ( الضرب بالسيوف ) تبصره في ليلك ونهارك وبالله تعالى وملائكة المسومين نتقوى عليك ونستعين ليس لنا سوى الله مطلب ولا لنا إلى غيره مهرب وما تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين نصر عليكم فيا لها من نعمة ومنة أو شهادة في سبيل الله فيا لها من جنة ) انظر يا أخي إلى حلاوة هذا الكلام ولهذا القلب المؤمن بالله وختم رسالته ووصلت إلى ألفنسو السادس وكان رد فعل هذا الرجل على المتوكل الذي لم يدفع الجزية من قبل أنه ما استطاع أن يرسل له جيشا وقد غزا كل بلاد المسلمين في الأندلس إلا بطليوس فلم يستطع أن يغزوها فرجل مثل المتوكل ومن معه من الجنود لا يستطيع أحد أن يقاومهم مع قلة عددهم وذلك لأن عزة الإسلام ترفع من شأن صاحبها وتلك كانت صورة من الصور المشرفة في الأندلس .



(6)



عموم الأمر في الأندلس لم يكن على شاكلة المتوكل ولن نستطيع أن نقول التفاصيل الخاصة بكل مملكة وهذه التفاصيل موجودة في الكتب ولكن سنعطي بعض الصور فصورة من مملكة سرقسطة والتي كان يحكمها بنوا هود فالرجل الحاكم عندما وافته المنية أراد أن يستخلف أحد على الحكم من بعده وكان عنده ولدين ولد كبير وكان يستحق الاستخلاف كما هي العادة في ذلك الزمان ولكن الصغير أنجب من الكبير فلمن يعطي الحكم ؟ وقد علمنا أن عبد الرحمن الداخل أعطى الحكم للصغير لأنه كان يشبه عمر بن عبد العزيز ولكن الذي حدث مع هذا الحاكم أنه فعل شيئا لم يتكرر فقد قسم البلد إلى نصفين قسم الشعب نصفين وقسم الجيش نصفين حتى لا يظلم أحد الأخوين وحتى لا يظلم الأخوين ظلم الشعب كله ومات بعد ذلك وارتاح لأنه لم يظلم أولاده .



بعد موت هذا الرجل اختلف الأخوان على الحدود فبدأ هذا يهجم على أخيه لأن أخيه أخذ جزءا من الأرض التي أعطاها أبوه لها ولم يكن له طاقة للهجوم لأن الجيش كان مقسما لنصفين فماذا يفعل هذا الأخ المجرم في حق نفسه وشعبه لكي يأخذ الأرض التي احتلها أخوه على حد زعمه فراح يستعين بملك نصراني ليحرر له أرضه من أخيه المسلم ويقول هذا أمر هين أن آتي بنصراني ليساعدني في تحرير الأرض الإسلامية التي أخذها مني أخي ثم قالوا له إن النصراني الذي ستأتي به هذا سيأخذ الأرض ويضمها لأملاكه فقال وما المشكلة فالمهم أني أخذت ما أريد والنصراني يساعدني وهو صديق وهي دولة صديقة مجاورة ( نعم صديقة مجاورة ) دولة أرجون ستساعدني في أن آخذ حقي من أخي .



وبالفعل أتي النصارى ودخلوا على البلاد وفي الطريق تسببوا في مآسي لا تحصى في المسلمين في مملكة سرقسطة وأذكر ما حدث في بربشتر وعرفت في التاريخ بمأساة بربشتر واسمع يا أخي وافهم وتدبر وانظر لما يحدث في هذا العصر الآن في بلاد البوسنة والهرسك وفي كشمير وفي كوسوفا وفي العراق وفي فلسطين وقارن بينه وبين ما يحدث في التاريخ من جراء ما فُعل قبل حوادث بربشتر فقد دخل النصارى على بربشتر البلد المسلم ليحرروه ويعطوه للأخ المسلم الذي ادعى أن أخاه استلب منه أرضه وحاصروا بربشتر أربعين يوما والمسلمين في بربشتر يستغيثون بكل أمراء المسلمين في كل أنحاء الأندلس ولا يتحرك أحد ( نعم لا يتحرك أحد مهما فعلوا في العراق وفلسطين لا يتحرك أحد ) وفي قلوب هؤلاء الأمراء رهبة شديدة من النصارى فيقولون أنهم ليست لهم بالنصارى طاقة ولا يستطيعون حربهم لأنها دولة صديقة ( نعم صديقة جدا ) وكانوا يتناقشون أربعين يوما فيما يفعلوه مع النصارى ( نعم كانوا يعقدون مؤتمرات القمة والمناقشات ) وفي النهاية فُتحت بربشتر وكانت النتيجة أن قُتل في يوم واحد من المسلمين 40 ألفا وفي رواية أخرى 100 ألف وذلك في يوم واحد وسبيت سبعة آلاف فتاة بكر منتخبة أي أجمل سبعة آلاف فتاة بكر في المدينة وأعطيت هدية لملك القسطنطينية هدية لملك القسطنطينية من بنات المسلمين وتُذكر في الكتب مآسي أخرى حيث كانوا ينتهكون عرض البكر أمام أبيها وعرض الثيب أمام زوجها وهكذا فُعل في بربشتر واستغاث أهلها بكل بلاد المسلمين ولكن لا أحد يتحرك ( ولماذا يتحركون أمن الله يخافون ؟ ) فانظر إلى ما حدث في بربشتر وتفكر وتدبر .



(7)



مأساة بلنسيا في سنة 456 هـ حيث كان ستين ألف مسلم قتلى في بلنسيا في هجوم للنصارى عليها فمن يتحرك ؟ لا أحد ..... إنه بالفعل أمر غريب ونحن نتساءل ماذا كان شعور هؤلاء الحكام وهم يرون ما يحدث ولا أحد يتحرك وماذا كان شعور شعوبهم وهم يرون ما يحدث ولا أحد يتحرك ونقول أنتم أيضا رأيتم ما حدث في البوسنة والهرسك فمن تحرك لخمسين ألف فتاة مغتصبة ؟ ومن تحرك لمائتي وخمسين ألف قتيل في البوسنة ؟ غير كوسوفا وكشمير وفلسطين والعراق فكنا نقول الله معهم الله ينصرهم وليس لنا في نصرهم حاجة .



كان هذا موقف من المواقف الموجودة في بلاد الأندلس وعلى هذا المواقف كثيرة ومتعددة فهل يا ترى المسلمون فقراء ؟ في الحقيقة أنهم في منتهى الغنى وهناك حدث موقف في أشبيلية فقد كان يحكمها رجل يسمى المعتمد على الله بن عباد وهذا كان مجرد اسم وقد كانت زوجته واقفة في القصر أي في نافذة القصر التي هي فيه وتشاهد الجواري يلعبن في الطين خارج القصر فاشتهت أن تلعب في الطين وبالطبع لا يعقل أن تنزل زوجة الأمير وتلعب في الطين فماذا يفعل زوجها ؟ اشترى لها كميات كبيرة من المسك والعنبر وماء الورد وخلط كل هذا بالطين حتى جعل لها طينا خاصا بها أي طين ملوكي ( الله أكبر ) طين قد صُرف عليه أموالا ضخمة من بيت مال المسلمين سفها ونزلت تلعب في الطين يوما أو يومان ثم مللت من اللعب به وعادت إلى قصرها ومرت الأيام وضاع مُلك هذا الرجل وفي يوم من الأيام بعد أن ضاع ملكه تشاجر مع زوجته وكعادة النساء عندما يغضبن من أزواجهن فقالت له ( ما رأيت منك من خير قط ) فقال لها ( ولا يوم الطين ؟ ) فسكتت واستحيت ذلك لأن يوم الطين صُرف عليه الكثير من أموال المسلمين فانظر إلى السفه الذي وصل إليه المسلمين .



وعلى الرغم من ذلك فإنك تجد شعرا يصف المعتمد على الله بن عباد بالعزة والكرامة والمجد والبأس ونقول إن الإعلام في ذلك الوقت هو الذي كان يصوره في هذه الصورة وهذا مخالف ولا شك للواقع ولكن مع كل هذا التفخيم والتعظيم للأمراء كانت هناك بعض المحاولات للمصلحين فكانت هناك دعاوى إصلاحية ولكنها كانت مكبوتة فـــقد كـــان واحد من الشعراء يقول في هذا الزمن :



مما يزهدني في أرض أندلسٍ ألقاب معتضد فيــها ومعتمد

ألقاب ممالك في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد





فقد كان يقصد أن الشيء الذي أكرهه في تلك البلد أن فيها ألقاب معتضد بالله ومعتمد على الله وقد كان المعتضد أبا للمعتمد على الله ويتحدث عن الهر ويقول إنها تعطيك انتفاخا يشبه انتفاخ الأسد ولكنها مجرد صورة ولن تكون أسدا أبدا فأين الهر من الأسد وبلاد الأندلس كان فيها قادر بالله ومعتصم بالله ومستكفي بالله ومؤيد بالله ولما ننظر للمعتمد على الله نجد أنه كان يدفع الجزية لألفنسو السادس مع أن أشبيلية في الجنوب الغربي من بلاد الأندلس أي أنها بعيدة عن مملكة قشتالة ومع ذلك كان يدفع الجزية وكان يسمي نفسه معتمد على الله .



أيضا كان هناك مصلحون آخرون في هذه الفترة ونتعجب لهؤلاء كيف كانوا في هذه الفترة فابن حزم رحمه الله الفقيه الإسلامي المشهور كان في هذه الفترة وابن عبد البر وابن حيان وأبو الوليد الباجي وكثير من علماء المسلمين والحق يقال أنهم حاولوا قدر استطاعتهم أن يجمعوا الناس لكن تخيل معي حال المسلمين في 22 دويلة وتريد تجميعهم في دولة واحدة بالعلماء فقط فهذا شيء مستحيل فيقولون نحن موافقون على الوحدة ولكن من سيكون الرئيس ؟ فالناس جميعا ترفض الانضمام تحت راية واحدة حتى في وجود أفاضل من علماء المسلمين .



{ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } (103) سورة آل عمران ، فانظر للنعمة التي أعطاها الله للمؤمنين وكيف هم فرطوا فيها وكيف أنهم كانوا على شفا حفرة من النار كانوا سيقعون فيها لولا أن أنقذهم الله عز وجل كما سنرى وانظر لقول الله تعالى { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (105) سورة آل عمران ، فأنت يا حاكم المسلمين في الأندلس ألم تعرف كيف كان عبد الرحمن الناصر الذي أعز الله به الإسلام وكانت دولته موحدة ألا ترضى أن تكون تابعا لأمير من المسلمين وترضى أن تكون تابعا لملك نصراني ؟ فقد كان هذا واقع المسلمين في بلاد الأندلس .



(8)



وتتصاعد المأساة في بلاد الأندلس أكثر من ذلك ففي سنة 478 هـ تحدث كوارث طامة على المسلمين أكثر من ذلك ففي هذه السنة تسقط طليطلة الثغر الإسلامي الأعلى في الأندلس والتي كانت عاصمة الأندلس في زمن النصارى القوط قبل دخول المسلمين في عهد موسى بن نصير وطارق بن زياد والذي فتح طليطلة بستة آلاف طليطلة التي كانت الثغر الذي ينطلق منه عبد الرحمن الناصر ومن تبعه من الحكام المحترمين لبلاد المسلمين كانوا ينطلقون من طليطلة لفتح بلاد النصارى وليستقبلوا من بلاد النصارى الجزية وهي المدينة الحصينة والتي حولها جبال من كل النواحي إلا الناحية الجنوبية حصن كبير ومنيع فقد كانت مدينة لا تسقط ولكنها سقطت وسقوط هذه المدينة هز العالم الإسلامي في الشرق والغرب وقد سبقه استقبال لملك من ملوك النصارى لمدة تسعة شهور كاملة داخل أرض طليطلة لأنه كان هاربا من خلاف حدث في أرض النصارى فذهب إلى صديقه المقتدر بالله الذي كان حاكما لطليطلة في ذلك الوقت والقائد المسلم غير المحنك والمفرط في حق المسلمين كان يتجول به في أرض المسلمين فيتجول به في كل الحصون ويتجول به في كل مداخل البلد وعلى أبواب الأنهار الداخلة لمدينة طليطلة حتى عرف الرجل كل شيء بمدينة طليطلة ثم عاد الرجل النصراني إلى بلاده حاكما وأول خطوة اتخذها بعد أن عاد لبلاده دخل على طليطلة ففتحها وضمها إلى بلاده .



فكيف يفعل هذا ؟ ألم يكن صديقا للمقتدر بالله ؟ انظروا أيها الناس لقول الله عز وجل وكأنه يصف سقوط طليطلة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ } (1) سورة الممتحنة , ضل المقتدر بالله سواء السبيل فسقطت طليطلة بعد أن أسروا لملك النصارى بأسرارها ولما سقطت النصارى حدث إحباط شديد جدا في كل بلاد الأندلس وانظر ماذا قال الشعراء وماذا قال الإعلام في هذا الوقت في بلاد الأندلس فيقول بن العسال وهو من المعاصرين لسقوط طليطلة :



شدوا رواحلكم يا أهل أندلسٍ فما المقام فيها إلا من الغـــــلط



( يريد أن يرحل أهل الأندلس إلى الشام أو المغرب فلا فائدة من الوجود في الأندلس )



الثوب يُنسل من أطـــرافه وأرى ثوب الجزيرة منسولا من الوسط



( يقصد أن البلاد تُحتل من الأطراف لكن الأندلس احتلت من الوسط وكيف تحتل وهي في وسط الأندلس وأين الحصون الشمالية التي تحميها ولكنها سُلمت للنصارى كما ذكرنا في المقالة السابقة )



من جاور الشر لا يأمن بوائقه كيف الحياة مع الحيات في سخط



( يقصد كيف تجاور قشتالة وهي شر وكيف تعيش معها في بلد واحد الأفضل اترك الأندلس )



(9)



وهناك أمر آخر تزامن مع سقوط طليطلة وهو حصار أشبيلية ومع أنها تدفع الجزية لألفنسو السادس وهي بعيدة عن قشتالة وهي في الجنوب الغربي للأندلس فاسمع القصة وتعجب فألفنسو السادس أرسل وفدا لأخذ الجزية كالمعتاد وعلى رأس هذا الوفد وزير يهودي يجمع الجزية من بلاد المسلمين وذهب الوفد للمعتمد على الله بن عباد وأعطى له الجزية كالمعتاد ولكن الوزير أخبره أن لديه طلبا آخر فقد قال له الوزير وانظر إلى قبح القول ( إن زوجة ألفنسو السادس ستضع قريبا وألفنسو السادس يطلب منك أن تجعل زوجته تلد في مسجد قرطبة ) فالمعتمد على الله تعجب من هذا الطلب وقد استنكر هذا الطلب فقال له لماذا هذا الطلب ؟ فقال الوزير اليهودي في منتهى التحدي للمعتمد على الله ( لقد قال قساوسة قشتالة لألفنسو السادس أنه لو وُلد لك ولد في أكبر مساجد المسلمين دانت لك السيطرة عليهم ) يعني أن ألفنسو يريد أن يأخذ السيطرة على المسلمين فليجعل زوجة ألفنسو تلد في المسجد .



في هذه المرة تحركت الغيرة في قلب المعتمد على الله والحمد لله أنها تحركت بعد سنين وسنين من دفع الجزية فرفض المعتمد على الله هذا الطلب وأخبره أنه يدفع الجزية أما عن هذا الطلب فلا ولكن الوزير اليهودي أساء الأدب مع المعتمد على الله فسبه في حضرة وزراءه فلم يتحمل المعتمد على الله هذا الأمر فأمسك بالوزير اليهودي وقطع رأسه واعتقل الوفد وأرسل رسالة لألفنسو السادس يقول له فيها أنه لن يدفع الجزية وأن زوجته لن تلد في مسجد قرطبة .



جن جنون ألفنسو السادس وآتي بكل ما يستطيع وأتى بجيش كبير وأحرق كل القرى حول حصن أشبيلية الكبير وحاصر البلاد وقال إن لم تفتح سأستأصل خضرائكم ولكن المعتمد على الله خاف أن يفتح فطاول في الحصار وبعد فترة من الزمان شهر أو شهرين أراد ألفنسو هذا أن يفت في عضد المسلمين ويلقي بالهزيمة النفسية عندهم فأرسل رسالة قبيحة أخرى إلى المعتمد على الله بن عباد يقول له فيها ( إن الذباب قد آذاني حول مدينتك فإن أردت أن ترسل لي مروحة أروح بها عن نفسي فافعل ) ترى ما هو مغزى الرسالة ؟ يقصد أن أكثر ما يضايقه في الحصار الذباب إنما أنت وجيشك وحصونك وأمتك أهون علي من الذباب فلو سمحت أرسل إلي مروحة أروح بها عن نفسي .



المعتمد على الله بن عباد أخذ تلك الرسالة وقلبها وكتب على ظهرها ردا وأرسله إلى ألفنسو السادس وهذا الرد عبارة عن سطر واحد فقط قرأه ألفنسو السادس فأخذ جيشه وانصرف فسبحان الله أخذ جيشه وعاد إلى قشتالة وكأن شيئا لم يكن ترى ما هو هذا الرد الذي كتبه المعتمد على الله بن عباد ؟ ترى كيف القيام بعد هذا الانهيار المروع في بلاد الأندلس ؟ ترى كيف حال الدولة التي ستنشأ من جديد في بلاد الأندلس ؟ فهذا ما سنتداوله في المقالة القادمة إن شاء الله .





هذا تلخيص لأحد دروس الشيخ راغب السرجاني عن الأندلس

sosinano
01-31-2007, 02:07 PM
الأفكار:





1- مقدمة عما سبق وموقف المسلمين في هذه الفترة .

2- من هم المرابطون ؟ .

3- الشيخ عبد الله بن ياسين والشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني .

4- يوسف بن تشفين .

5- ووصل وفد من حكام الأندلس ليوسف بن تشفين وبدأ العبور .

6- معركة الزلاقة .

7- رؤية الشيخ ابن رُمَيلة .

8- بداية الهجوم وخطة ويوسف بن تشفين .

9- ما بعد موقعة الزلاقة .





(1)





ذكرنا في المقالة السابقة كيف وصل الحال في بلاد الأندلس إلى انهيار مروع وضياع للأمة وذل وهوان وفرقة وتشتت بين المسلمين وأخوة يتصارعون وموالاة للنصارى وكاد الإسلام ينتهي من بلاد الأندلس ولكن الإسلام لا ينتهي أبدا فقد حدث أمر غير من شأن بلاد الأندلس فلندرس آخر موقف وقفنا عنده في المقالة السابقة فقد وقفنا عند حصار أشبيلية لما حاصرها ألفنسو السادس أياما وشهورا ثم أرسل رسالة إلى المعتمد على الله بن عباد يحذره فيها ويهينه فيها وقال له إن الذباب آذاني في بلادك فإن شئت أن ترسل إلي مروحة أروح بها عن نفسي فافعل وذلك ليخبره أن حصونه وأمته وجيشه أهون عنده من الذباب فأرسل له رسالة وكتب على ظهرها ردا وانسحب ألفنسو السادس من هذا الرد الذي كان سطرا واحد .



كان الرد الذي كتبه المعتمد على الله ( والله لئن لم ترجع لأُرَوِّحَنَّ لك بمروحة من المرابطين ) فمن هم المرابطون ؟ .





المرابطون دولة قامت في المغرب العربي وما تحت المغرب العربي فقد كانت دولة إسلامية قوية جدا فالمعتمد على الله بن عباد يلوح لألفنسو السادس إنك لو لم ترجع سوف أستعين بالمرابطين أي سأخرج لك المجاهدين منا والذين لا يهابون الموت فألفنسو السادس هذا يعلم بأس المرابطين وهو مطلع على أحوال العالم ويعلم قوة المرابطين .



ما هو موقف بلاد الأندلس بعد حصار أشبيلية ؟ في الواقع كل أمراء المؤمنين كما كانوا يسمون أنفسهم فكروا في الكارثة التي حلت بهم فقد سقطت طليطلة في سنة 478هـ ولم ترجع للمسلمين إلى وقتنا هذا وحُوصرت أشبيلية وهي بعيدة عن مملكة قشتالة والمعتمد على الله كاد أن يهلك لولا أن فتح الله عليه بفكرة الاستعانة أو التلويح بالاستعانة بالمرابطين وهم يعلمون إن آجلا أو عاجلا ستسقط بقية المدن فإذا كانت طليطلة أحصن مدينة في بلاد الأندلس سقطت فقريبا ستسقط قرطبة وبطليوس وغرناطة وأشبيلية فماذا فعلوا ؟ قالوا لنعقد مؤتمرا فأقاموا مؤتمر القمة الأندلسي الأول ( مؤتمر القمة ) وهو أول مؤتمر يجتمعوا فيه ليتفقوا على رأي وقد كانوا قبل المؤتمر في فرقة وكانوا قبل الفرقة دولة واحدة وظلوا يتناقشون ماذا نفعل ؟ .



أخذوا ينددون وينددون وينددون بالاحتلال القشتالي ( نعم دائما ينددون وينددون ) فكيف تفعل قشتالة هذا الأمر لابد أن نشتكي قشتالة ( لا يوجد مجلس الأمن فلمن يشتكوا ؟ ) ولم يفكروا في أن يشتكوا الله عز وجل فهم من الممكن أن يشتكوا للبابا أو يشتكوا لملك فرنسا أو ملك ليون أو أي أحد حول المنطقة ( ممكن يشتكوا للأمم المتحدة ) ولكن قشتالة فعلت فعلة لم تكن متوقعة منها وهكذا قالوا .



كان هناك قليل من الخير موجود في هؤلاء الأمراء فقد جمعوا أنفسهم ومعهم العلماء أيضا فقد كان مؤتمر القمة يحتوى الأمراء والعلماء وقد كان العلماء يفهمون أصل الهزيمة فأشاروا بالجهاد فلماذا لا نحمل السلاح ولا نحاربهم وندافع عن أنفسنا فتاريخ المسلمين يقول إن المسلمين إن جاهدوا وارتبطوا بربهم انتصروا حتى ولو كانت قوتهم ضعيفة ولكن هؤلاء الأمراء رفضوا الجهاد فقالوا كيف نجاهد وإن أفضل شيء أن نوقف نزيف الدماء ( نعم لابد من وقف إطلاق النار ولابد من السلام ولابد ولابد ) فكان تفكير الأمراء أن نحل المشكلة بطريقة سلمية دون اللجوء للحرب فلنتفاوض مع ألفنسو السادس ويريدون أن يأخذوا جزءا من طليطلة ويتركوا له جزءا منها ( العودة لحدود 67 ) ولكن العلماء وجدوا أن الوضع سيء ولن يتغير الوضع بهذه الطريقة فأشاروا برأي آخر فهم يعلمون أن هؤلاء الأمراء لا يمكن أن تجاهد في سبيل الله فهؤلاء يدفعون الجزية من سبعين سنة فقد ألفوا واعتادوا على الهوان والذل فأشاروا على الأمراء بأن يرسلوا إلى دولة المرابطين وأن يطلبوا منها أن تأتي وتهاجم النصارى في موقعة فاصلة ونحن لن نحارب سنظل ننظر من حولنا والمرابطين رجال أقوياء ومجاهدين صابرين وهو اقتراح جيد ولا مشاكل فيه فهل قبله الأمراء ؟ .



لم يقبله الأمراء وقالوا المرابطين دولة قوية جدا ولو دخلوا الأندلس فتهزم النصارى وتأخذ الأندلس فهم خافوا على ملكهم ولم يخافوا على شعبهم وما المانع أن يأخذوا الأندلس حتى تكون دولة موحدة بدلا من أن تكون مشتتة ومفرقة وتجادلوا كثير إلى أن فتح الله على رجل منهم ومنّ الله عليه وقد كان أيضا المعتمد على الله بن عباد فقال في نفسه إنه كان محاصرا من يومين ألوح بالمرابطين وقد فك الله علي الحصار لما استعنت بالكلام بالمرابطين فلماذا لا أستعين به بالفعل ؟ فقام وخطب في الحاضرين خطبة ولكنها لم تكن على هوى الكثير من الحضور ونذكر منها آخرها فيقول ( ولا أحب أن أُلعن على منابر المسلمين ( يخشى أن يلعنه المسلمين لأنه لم يستعن بالمرابطين ) ولأن أرعى الإبل في صحراء المغرب خير لي من أن أرعى الخنازير في أوروبا ( فهو يقصد أن يكون عبدا لدى زعيم المرابطين وأرعى الإبل خير له من أن يكون عبدا لألفنسو ويرعى الخنازير ) ) ولما قال هذا تحركت النخوة في قلوب بعضهم وأول من قام هو المتوكل بن الأفطس لو تذكروه فهذا الرجل لم يدفع الجزية في حياته فقام ووافق على ما يقوله المعتمد على الله وقام أيضا عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة ووافق على الأمر هذه مدن إسلامية ضخمة وافقت على الاستعانة بالمرابطين أي أشبيلية وبطليوس وغرناطة ولكن الباقون رفضوا هذا الأمر .



أرسلت المدن الموافقة على الاستعانة بالمرابطين وفدا عظيما يحمل العلماء وعلية القوم إلى المغرب وخاصة إلى زعيم المرابطين فيها حتى ينقذهم من بأس النصارى في بلاد الأندلس .



(2)



وقبل أن نتحدث عن رد زعيم المرابطين في بلاد المغرب العربي دعونا نعلم من هم المرابطون ولكي نعرف من هم سنعود للخلف قليلا أي سنعود 38 سنة فنحن الآن في سنة 478هـ فطليطلة سقطت وأشبيلية حوصرت ومؤتمر القمة قد انتهى .



في سنة 440هـ نريد أن نغوص في أعماق التاريخ ونغوص أيضا في أعماق الصحراء ونحن نقصد موريتانيا هل يسمع أحد عنها ؟ في الواقع هي بلد إسلامي كبير معظم سكانه من المسلمين واتركوا الآن جبال الأندلس وخضراء الأندلس وحدائق الأندلس وأنهار الأندلس وتعالوا ننزل في جنوب موريتانيا في صحراء موريتانيا في الحر الشديد والفقر ومع أناس لا يحسنون الزراعة وعاشوا على البداوة وهناك كان يعيش البربر كان يعيش قبائل وطوائف من البربر وهذه القبائل تسمى سَنْهَاجا وأكبر فرعين فيها فرع يسمى جُدَالة وفرع يسمى لمتُونَة والقبيلة التي تسكن في جنوب موريتانيا كانت جدالة وكان على رأس هذه القبيلة رجل يسمى يحي بن إبراهيم الجدالي وهذا الرجل كانت فيه فطرة حسنة وكانوا جميعا من المسلمين ودخلوا في الإسلام منذ قرون ونظر هذا الرجل في قبيلته فوجد أمورا عجيبة .



ففي سنة 440 هـ أي في نفس السنة التي حدثت فيها مأساة بربشتر ومع أحداث بلنسيا نظر يحي بن إبراهيم إلى حال الناس الذين يحكمهم فوجدهم أدمنوا الخمور ومع أنهم مسلمين ووجد الزنا قد فشا وانتشر في الناس حتى إن الرجل كان يزني بحليلة جاره ( زوجة جاره ) ولا يعترض جاره على هذا لماذا ؟ لأنه يفعل هذا الأمر أيضا وكثُر الزواج من أكثر من أربعة والناس من المسلمين ولا يُنكر عليهم أحد والسلب والنهب هو الأصل والقبيلة القوية تأكل الضعيفة والقبائل مشتتة ومفرقة والوضع شديد الشبه بما يحدث في دويلات الطوائف بل هو أشد ومما لا شك فيه أن الوضع في هذه السنة في موريتانيا والأندلس كان أسوأ وأشد مما نحن فيه فانظروا كيف يكون القيام .



علم يحي بن إبراهيم أن ما عليه قومه هذا منكر وليس في يده طاقة للتغيير فكل الشعب يعيش في ضلال وليس عنده من العلم ما يغير به الناس وهو يعلم أن كل ما يحدث هذا خطأ ولكن كيف يغير هذا المنكر فظل يفكر إلى أن هداه ربه فهداه ربه بأن يذهب للحج ثم يذهب إلى أكبر مدن الإسلام في المنطقة وعلم أنها القيروان التي هي الآن في تونس ثم يكلم علمائها وهم علماء مشهورون بالعلم ولعل رجلا منهم يأتي معه إلى قبيلته ويعلم الناس الإسلام فذهب إلى الحج ثم عاد إلى القيروان وهناك قابل أبا عمران الفاسي وهو شيخ المالكية في مدينة القيروان فنحن نعلم أن المذهب المالكي هو المنتشر في بلاد الشمال الإفريقي سواء في العصور القديمة أو في عصرنا الحاضر وكان هو المذهب السائد في بلاد الأندلس أيضا .



أخبر يحي بن إبراهيم الشيخ أبا عمران الفاسي قصة قبيلته وما يحدث فيها وأراد أن يرشده إلى الحل فقال له سأرسل معك رجلا يعلم الناس دينهم فيحث في الناس وأرسل معه رجلا يسمى عبد الله بن ياسين فاحفظ هذا الاسم احفظ هذا الاسم فهذا اسم يكتب بحروف من نور الشيخ عبد الله بن ياسين ومن العيب تماما ألا نعرف شيئا عن هذا الرجل .



(3)



الشيخ عبد الله بن ياسين من شيوخ المالكية أيضا وله طلاب كثر في المغرب والجزائر وتونس وكلهم يأتون إليه ليأخذوا منه العلم وهو يعيش في مدينة من مدن الإسلام ويعيش على ساحل البحر الأبيض المتوسط وهو الآن يفكر هل أنزل إلى جنوب موريتانيا في الصحراء وأترك ما أنا فيه ؟ فكان جوابه نعم أنزل وأعلم الناس فهذه مهمة عظيمة وهي مهمة الدعوة إلى الله عز وجل فينزل الشيخ عبد الله بن ياسين في الصحراء الكبرى في جنوب الجزائر ويخترق شمال موريتانيا حتى يصل في النهاية إلى جنوب موريتانيا في الحر الشديد والفقر والأرض شديدة الجذب وتنظر في الناس فيجد فيهم عجبا فكل المنكرات التي يفعلونها تحدث أمام بعضهم ولا يُنكر أحد وفي صبر شديد بدأ الشيخ عبد الله بن ياسين يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ترى ماذا كان رد فعل الناس ورد فعل أصحاب المصالح ؟ .



ثارت عليه كل الفصائل فثار عليه أصحاب المصالح وثار عليه الشعب فالناس تريد أن تعيش في شهواتها وأصحاب المصالح مستفيدون مما يحدث في قبائل جدالة في هذه المنطقة فالناس بدأوا يجادلونه ويصدونه عما يفعل ولم يستطع يحي بن إبراهيم الجدالي أن يحميه لأن الشعب لم يتربى فالشعب كـله يرفض هذا الرجل ولو أصر يحي بن إبراهيم على هذا الأمر لخلعه الشعب وبدأ الشيخ يحاول مرة أخرى ومرة ثالثة وهكذا حتى بدأ الناس يهددونه حتى إنهم ضربوه ثم هددوه بالطرد من البلاد أو القتل وهو يدعوا ويدعوا حتى إنهم طردوه من بلادهم بالفعل وكأني أراه يقف على أطراف البلد ويبكي من الحزن عليهم ويقول يا ليت قومي يعلمون يا ليت قومي يعلمون فهو حزين عليهم فهو يريد أن يغير ولا يستطيع فهل يعود مرة أخرى للقيروان ولطلاب العلم ؟ وهؤلاء الناس لمن يتركهم ؟ فشق عليه أن يُولد الناس في هذه البلاد ولا يجدون من يعلمهم فأراد أن يبقى ولكن كيف يبقى ؟ أيدخل إلى جدالة من جديد ( الجنوب الموريتاني ) ولكنه سيموت ولو كان موته سيصلح فأهلا بالموت ولكن الموت لن يفيد فجلس يفكر ويفكر ثم هداه ربه إلى أن ينزل في الصحراء أكثر وأكثر حتى ينزل إلى شمال السنغال فمن يسمع عن السنغال في هذه الآونة ومن يسمع عنها الآن فلا نعرف عنها إلا فريقها القومي فقط وهي في الحقيقة بلد إسلامي كبير جدا وحوالي 90% منهم من المسلمين ونحن لا نعتبر بوجودهم الآن .



وفي شمال السنغال وعلى مصب نهر من الأنهار وفي غابة من غابات أفريقيا وضع الشيخ خيمة بسيطة جدا له على مصب النهر ويجلس فيها ويبعث برسالة إلى أهل جدالة في جنوب موريتانيا يخبرهم فيها أنه موجود في بلاد السنغال وفي منطقة كذا وكذا ومن أراد أن يتعلم العلم فليأتني في هذا المكان وفي جدالة كان هناك مجموعة من الشباب تتحرك قلوبها للدين ولكن أصحاب المصالح وأصحاب القوى يمنعونهم من الارتباط بالدين فلما علموا أنهم في مأمن في أدغال السنغال اشتاقت قلوبهم لرؤية هذا الرجل العالم ونزلوا من جنوب موريتانيا إلى شمال السنغال وجلسوا مع الشيخ عبد الله بن ياسين في خيمته وأخذ يعلمهم الإسلام بصبر شديد فهو يعلمهم الإسلام كما أُنزل فيعلمهم أن الإسلام دين شامل ينتظم كل شئون الحياة وهو دين متكامل فبدأ يعلمهم العقيدة الصحيحة ويعلمهم العبادة وكيف يجاهدون في سبيل الله وكيف يركبون الخيل وكيف يحملون السيف ثم بدأ يعلمهم كيف يعتمدون على أنفسهم وكيف ينزلون إلى الغابات ليصطادون الصيد ويأتون به إلى الخيمة ويطبخونه ويأكلونه ولا يستجدون أكلهم بفريق من الفرق المحيطة بشمال السنغال .



ذاق الناس معه حلاوة هذا الدين وكان معه خمسة فقط فلما ذاقوها شعروا أنه من واجبهم أن يأتوا بأحبابهم وأصحابهم وأقاربهم إلى هذا الذي ذاقوا حلاوته وذهبوا إلى جدالة وكل واحد منهم عاد برجل فأصبح الخمسة عشرة وأخذ يعلمهم وأصبح العشرة عشرين وضاقت عليهم الخيمة وأصبحت الخيمة خيمتان والخيمتان ثلاثة والثلاثة أربعة وبدأ العدد يزداد وبدأ الناس يتعلمون الإسلام كما أنزل من كل جوانبه فبدأ يعلمهم أنه إذا تعارض شيء مع القرآن والسنة فلا يُنظر إليه فالأول تقدم القرآن والسنة وبعد ذلك يأتي أي شيء ولابد أن تحافظ على هذه الأصول كي تقيم ما تريد وبدأ الأمر يتسع مع الشيخ عبد الله بن ياسين وبدأ من الصعب عليه أن يوصل العلم لكل الحضور فقد كان عنده 200 مسلم فبدأ يقسمهم خمسة خمسة ويأخذ مجموعة من النابغين ويعلمهم الدين جيدا ويجعل كل واحد من هؤلاء النابغين يعلمون مجموعة من المجموعات وهذا نفس منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو تذكروا دار الأرقم بن أبي الأرقم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم الدين حتى قامت لهم دولة وانظروا كيف كانت بيعة العقبة الثانية فقد كان هناك 72 من رجال المدينة المنورة قسمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر قسما وجعل على كل خمسة منهم نقيبا ثم أرسلهم مرة أخرى إلى المدينة المنورة ثم قامت للمسلمين دولة .



كان هذا هو نفس المنهج الذي اتبعه الشيخ عبد الله بن ياسين من سنة 440 هـ إلى سنة 444هـ ووصل العدد في سنة 444هـ إلى ألف فالرجل بدأ وحيدا ومطرودا وقد آذاه الناس وضرب وهدد بالقتل ثم في أربع سنوات يصبح معه ألف رجل وقال الشيخ لمن معه أنه لن يُغلب ألف من قلة فألف بالنسبة للعدد المحيط بهم لا هو بالقليل ولا هو بالكثير فقبائل سنهاجا كبيرة جدا لكنها مفرقة ومشتتة لكن هؤلاء ألف رجل كما ينبغي أن يكون الرجال ونزل الرجال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويعرفون الناس الدين ويعلمونهم الأحكام فبدأت جماعتهم تزداد وبدأ الرقم يرتفع من ألف إلى ألف ومائتين ويرتفع ببطء ولكنه ارتفاع ملموس والخيمة في اللغة تعني الرباط ونعلم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها ) رواه البخاري .



وسبب تسميتهم بالمرابطين أنهم كانوا يجلسون في خيام هو والشيخ عبد الله بن ياسين وكانوا يعيشون عند ثغر من الثغور ليحمونها ويجاهدون في سبيل الله وسموا أنفسهم بهذا الاسم وفي سنة 445هـ يحدث حدث متوقع في سنن الله عز وجل فقد اقتنع بفكرة عبد الله بن ياسين رجل يسمى يحي بن عمر اللمتوني فقد قلنا سابقا أن قبيلة سنهاجا تنقسم إلى جدالة ولمتونة وهذا الرجل من لمتونة وهو زعيمهم وفعل مثل ما فعل سعد بن معاذ رضي الله عنه لما دخل الإسلام فسعد عندما دخل الإسلام ذهب إلى قومه وقال لهم ( إن كلام رجالكم ونسائكم وأطفالكم علي حرام حتى تشهدوا أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ) وفعل يحي بن عمر اللمتوني نفس الأمر ودخل بهم مع الشيخ عبد الله بن ياسين في جماعته فأصبح الألف ومائتين سبعة آلاف في يوم وليلة فأصبح لديهم سبعة آلاف رجل يفهمون الإسلام من الشيخ عبد الله بن ياسين كما ينبغي أن يفهم وتزايد الأمر وبعد فترة قليلة جدا من دخول قبيلة لمتونة يموت يحي بن عمر اللمتوني الذي أتي بالناس وانظر إلى حسن الخواتيم فقد أتي بسبعة آلاف جندي للإسلام ثم مات .



تولى من بعد الشيخ يحي بن عمر اللمتوني رجل هو الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني ومن العيب جدا أن نعرف قصة عنترة بن شداد ولا نعرف شيئا عن الشيخ عبد الله بن ياسين أو الشيخ يحي بن عمر اللمتوني أو الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني الذين غيروا وجه التاريخ كما سنرى والشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني بدأ يعمل مع الشيخ عبد الله بن ياسين بحماسة شديدة وبدأ الأمر يزداد وبدأت الأعداد تكبر وبدأ المرابطون يصلون إلى أماكن أوسع حول المنطقة التي كانوا فيها ونذكر أنهم كانوا في شمال السنغال وبدأوا يتوسعوا حتى وصلوا إلى حدود منطقة من شمال السنغال إلى جنوب موريتانيا وأدخلوا معهم جُدالة أي أصبحت جدالة ولمتونة الموجودتان في شمال السنغال وجنوب موريتانيا جماعة واحدة وبلغ تعدادها في سنة 451هـ حوالي 12 ألف من المسلمين الرجال الذين علمهم الشيخ عبد الله بن ياسين رحمه الله وذات مرة كان الشيخ عبد الله بن ياسين يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في أحد القبائل فقاتلوه وقاتلهم فاستشهد رحمه الله في سنة 451 هـ أي أنه ظل 11 سنة يدعو الناس لدينهم ويعلمهم ومات شهيدا وترك من وراءه 12 ألف رجل على منهج صحيح في الإسلام .



ويتولى من بعده الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني زعامة رجال المرابطين ويظل سنتين في هذه الزعامة ويكونوا في التاريخ بما يعرف في التاريخ بدويلة المرابطين والتي لا تعرف على الخارطة وهي من شمال السنغال وجنوب موريتانيا وفي سنة 453 هـ يسمع أبو بكر بن عمر اللمتوني أن هناك خلافا بين المسلمين في جنوب السنغال في منطقة بعيدة تماما عن منطقة المرابطين وهو يعلم رحمه الله أن هذا الخلاف شر وأنه لو استشرى الخلاف بين الناس فلن يكون هناك مجال للدعوة فبسرعة ينزل ليحل الخلاف مع أن الناس ليسوا من جماعته وليسوا في قبيلته فينزل إليهم ولكنه يعلم بحكمة شديدة أنه لابد للحق من قوة تحميه فيأخذ معه نصف الرجال أي حوالي 7 آلاف رجل وينزل في أعماق السنغال أي في جنوب السنغال ليحل الخلاف بين المتصارعين هناك ولكن هل يترك دولة المرابطين بلا ضابط أو رابط ولا زعيم ؟ .



في الواقع ترك أبو بكر بن عمر اللمتوني ابن عمه يوسف بن تشفين رحمه الله فهذا اسم يكتب بحروف من الذهب وأغلى من الذهب رحمه الله تركه زعيما لدولة المرابطين وينزل أبو بكر بن عمر اللمتوني ليحل الخلاف فهو يترك زعامة القبيلة أو زعامة الدولة الصغيرة وينزل ليحل الخلاف بسبعة آلاف فيستطيع أن يحل الخلاف رحمه الله ولكنه تفاجأ بشيء عجيب ففي جنوب السنغال وبجوار هذه القبائل المتصارعة هناك قبائل لا تعبد الله بالكلية فهناك قبائل وثنية لا تعبد إلا الأشجار أو الأصنام ولم يصل إليها الدين بالمرة حتى حز ذلك في نفسه وقد تعلم من الشيخ عبد الله بن ياسين أن يغير الأمور بنفسه وأن يحمل هم المسلمين وأن يحمل هم الناس أجمعين حتى وإن لم يكونوا مسلمين .



بدأ الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني في الذهاب لهذه القبائل التي لا تعرف الله عز وجل وبدأ يعلمهم الإسلام ويعرفهم ما هو الدين ويتعلمون ويجدون أمرا عجبا فكيف لم نسمع بهذا الدين من قبل ؟ وكيف لم يعرفوا هذا الدين الكامل المتكامل وهم في أدغال أفريقيا يفعلون أشياء عجيبة ويعبدون أصناما من عندهم ولا يجدون لهم ربا ولا إلها فأخذ يعلمهم بصبر شديد فدخل جمع منهم الإسلام وقاومه جمع آخر فلابد لأصحاب المصالح أن يقاوموا مثل هذا الرجل الذي أتي ليجعلهم يعبدون الله فحاربهم والتقي معهم في حروب طويلة وبعد نزول الشيخ أبو بكر بن عمر إلى جنوب السنغال سنة 453هـ ظل يتوسع ويأخذ قبيلة ثم قبيلة وينتقل من مكان إلى مكان حتى عاد بعد ذلك إلى بلاده بلاد المرابطين ترى كم سنة قضاها يدعو إلى الله في أدغال أفريقيا ؟ كم سنة ترك فيها ملكه وحكمه ليدعو إلى الله ؟ عاد رحمه الله سنة 468 هـ أي ظل يدعو 15 سنة كاملة .



(4)



عندما ذهب الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني إلى السنغال استخلف على الحكم الشيخ يوسف بن تشفين رحمه الله والشيخ يوسف بن تشفين ظل ينتظر الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني شهر ثم شهرين ولكن الشيخ لم يرجع وعلم الشيخ يوسف بن تشفين أن الشيخ أبو بكر قد توغل في السنغال فهل يظل ينتظر أم ماذا يفعل ؟ .



لم يتعلم الشيخ يوسف بن تشفين الانتظار من الشيخ عبد الله بن ياسين فبدأ بالنظر إلى الشمال وقال إن الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني يبحث في الجنوب وأنا أبحث في الشمال عمن ابتعد عن دين الله فأعلمه فنظر في جنوب المغرب العربي ونظر في شمال موريتانيا فوجد أنه في قبيلة تسمى غُمارة من قبائل البربر الذين يعيشون في هذه المنطقة ظهر رجل يسمى حَايين بن منَّ الله وهذا الرجل ادعى النبوة والبربر الذين يعيشون في هذه المنطقة من المسلمين ولم ينكر حايين هذا أن محمد نبي الله وهو على دين الإسلام وأخذ يشرع للناس شرعا والناس يتبعونه في ذلك والناس يظنون أن هذا هو الإسلام فبدأ يفرض عليهم صلاة في الشروق وصلاة في الغروب فقط ولا داعي لخمس صلوات وبدأ يألف لهم قرآنا بالبربرية أي بلغة البربر ووضع عنهم الوضوء ووضع عنهم الطهر من الجنابة ووضع عنهم فريضة الحج وحرم عليهم أكل بيض الطيور وأحل أكل أنثى الخنزير فهذا خلط عجيب وهو يدعي أنه من المسلمين والناس يعتقدون أن هذا هو الإسلام وهم على دين الإسلام ومما يُذكر عن مدعي النبوة هذا أنه حرم أكل السمك حتى يُذبح .



ونظر يوسف بن تشفين أيضا لقبيلة من قبائل البربر واسمها بُرْغُوَاطة وعلى رأسها رجل يسمى صالح بن طريف بن شمعون وواضح أن أصله يهودي وأسلم ثم جاء الحفيد صالح وما هو بصالح وهو ادعى النبوة أيضا وبدلا من أن يفرض صلاة في الشروق وصلاة في الغروب قام بفرض خمس صلوات في الصباح وخمس في المساء وفرض عليهم نفس وضوء المسلمين بالإضافة إلى غسل السرة وغسل الخاصرتين أي لكي تتوضأ فعليك بخلع كل ملابسك وفرض عليهم الزواج من غير المسلمات فقط وممكن أن تتزوج أكثر من أربعة لو أردت هذا وفرض عليهم تربية الشعور في ضفائر للرجال وإلا أثم وكان يدعي أنه من المسلمين .



ونظر إلى قبيلة أخرى فوجدها تعبد الكبش وتتقرب به لله رب العالمين وكل هذا في جنوب المغرب في البلد التي فتحها عقبة بن نافع ثم موسى بن نصير هذه البلاد تعبد الكبش تقربا إلى الله عز وجل وشق هذا على يوسف بن تشفين رحمه الله .



أخذ يوسف بن تشفين نفسه وانطلق إلى الشمال ليدعو الناس للإسلام وقاوموه وحاربوه وصارعوه فصالح بن طريف وحايين بن من الله حاربوه وكل القبائل حتى قبيلة زناتة وهي من القبائل السنية في المنطقة وتعرف الإسلام حق المعرفة لكن لا تعرفه إلا في جانب العبادات والعقيدة فهم يصلون كما تنبغي أن تكون الصلاة ويزكون كما تنبغي أن تكون الزكاة لكنهم يسلبون وينهبون ما حولهم فالقوي فيهم يأكل الضعيف فهكذا كانت هذه القبيلة فصلت الدين عن قيادة الأمة فالدين عندهم فقط صلاة وقيام وحج لكن غير ذلك من المعاملات افعل ما بدا لك .



أخذ يوسف بن تشفين يدعو هؤلاء للإسلام ودخل معه بعضهم لكن معظمهم حاربوه فحاربهم بسبعة آلاف رجل الذين خلفهم معه أبو بكر بن عمر اللمتوني رحمه الله وبدأ الناس يدخلون في الإسلام .



رجع الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني في سنة 468هـ فيرى يوسف بن تشفين رحمه الله الذي كان يملك في زمن المغادرة في سنة 453 هـ شمال السنغال وجنوب موريتانيا يرى الآن أنه أميرا على السنغال بكاملها وموريتانيا بكاملها والمغرب بكاملها والجزائر بكاملها وتونس بكاملها فوجد يوسف بن تشفين معه دولة واحدة من تونس إلى السنغال عليها أمير واحد هو يوسف بن تشفين ووجد أن السبعة آلاف رجل قد ارتفعوا في جيش الإسلام مع يوسف بن تشفين إلى مئة ألف فارس غير الرجالة في سنة 468هـ فانظر لم فقه الإسلام وجاهد في سبيل الله ووجد أن هناك مدينة لم تكن موجودة من قبل وقد أُسست على التقوى وهي مدينة مراكش وقد أسسها الأمير يوسف بن تشفين رحمه الله وأول ما بناه في مراكش المسجد وبناه بالطوب اللبن مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الأمير على مئة ألف رجل وكان ينزل بنفسه ويحمل الطين مع الناس تشبها برسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد رجلا يسمع له ويطيع مئة ألف رجل وجد رجل أسس حضارة لم تُعرف في المنطقة منذ سنوات وسنوات ثم وجد رجلا زاهدا متقشفا ورعا تقيا عالما بدينه طائعا لربه وكان رد فعل أبو بكر اللمتوني بعدما شاهد يوسف بن تشفين على الصورة التي ذكرناها قال له ( أنت أحق بالحكم مني ) وأراد الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني أن يعود ليدعو الناس للإسلام ويترك مقاليد الحكم ليوسف بن تشفين بعدما رأى منه كل هذا وذهب إلى أدغال أفريقيا وأدخل أبو بكر بن عمر اللمتوني الإسلام في غينيا- بِيسَاوْ التي تقع جنوب السنغال وفي سيراليون وفي الساحل العاج وفي مالي وفي بوركينا فاسو وفي النيجر وفي غانا وفي داهومي وفي توجو وفي نيجيريا وكان هذا هو الدخول الثاني للإسلام في نيجيريا وفي الكاميرون وفي أفريقيا الوسطى وفي الجابون فأكثر من خمسة عشر دولة إفريقية دخلها الإسلام على يد المجاهد البطل أبو بكر بن عمر اللمتوني رحمه الله فهذا الرجل كما كان يقول بن كثير رحمه الله في كتابه البداية والنهاية لما كان يدعو للجهاد في سبيل الله كان يقوم له خمسمائة ألف مقاتل .



كلما صلى رجل صلاة في نيجريا أو في غانا أو مالي أُضيفت إلى حسنات أبي بكر بن عمر اللمتوني وذلك إلى قيام الساعة واستشهد رحمه الله في فتوحاته هناك في سنة 481 هـ وما رأى عزا وما رأى ملكا وكان يغزوا في كل عام مرتين فقد كان يفتح البلاد ويعلم الناس فانظروا إلى حسن الخواتيم فقد استشهد في سبيل الله بعد هذه الحياة المتجردة .



أصبحت دولة المرابطين في سنة 478هـ وقبل استشهاد الشيخ أبي بكر بن عمر اللمتوني دولة واحدة من تونس إلى الجابون من تونس في الشمال إلى الجابون في وسط أفريقيا وتضم أكثر من 20 دولة إفريقية الآن وهذه الدولة تمثل أكثر من ثلث أفريقيا لذلك لما سمع ألفنسو السادس لأروحن لكن بمروحة من المرابطين علم أنه سيأتيه من أفريقيا ثلثها وعلم أنه سيأتيه من أفريقيا أقوام عاشوا على الجهاد سنوات وسنوات ونحن بدأنا من سنة 440 هـ برجل واحد فقط وهو الشيخ عبد الله بن ياسين يدعو الناس للإسلام ثم بعد ذلك يزيد الناس إلى أن تكون دولة عظيمة في قوتها ويصبح يوسف بن تشفين رحمه الله زعيما على هذه الدولة العظيمة ويسمي نفسه أمير المسلمين وناصر الدين وهو بحق أمير وناصر الدين ولما سألوه لماذا لا تسمي نفسك أمير المؤمنين فقال ( هذا شرف لا أدعيه وهذا شرف لا يملكه إلا العباسيين ) الذين كانوا لا يملكون إلا بغداد فقط لكنه يريد أن يوحد المسلمين تحت راية واحدة فقد كان يقول ( أنا رجلهم ) فإين العباسيين من يوسف بن تشفين رحمه الله ولكنه لا يريد أن يشق عصى الخلافة ولا يريد أن ينتقض على خليفة المسلمين .



(5)



في سنة 478 هـ استقبل يوسف بن تشفين رحمه الله وفدا من ملوك الطوائف في مراكش وكان الوفد يطلب العون والمساعدة فماذا كان رد فعله رحمه الله ؟ تشوق رحمه الله لما يقولون فالأرض أرض جهاد وهو يشتاق إلى الجهاد فكم كان سعيدا أنه سيحارب النصارى وسيحارب ويجاهد في سبيل الله عز وجل .



وانطلق رحمه الله مع الوفد ولكنه قائد محنك وهو يملك مئة ألف في الشمال الأفريقي وعنده خمسمائة ألف في أفريقيا ولكنه أخذ معه سبعة آلاف فقط من المجاهدين ترى لماذا ؟ لأنه لا يستطيع أن يترك كل هذه المساحات الكبيرة بلا حراسة ولا حماية فلابد أن يكون هناك جيشا في تونس وجيش في الجزائر وجيش في المغرب وجيش في كل بلد في البلاد الأفريقية التي فتحت فهو لا يتحرك بعشوائية فيأخذ معه سبعة آلاف رجل ويجهز السفن ويعبر مضيق جبل طارق وعندما كان يعبر المضيق كانت الأمواج ترتفع ويهيج البحر وتكاد السفن أن تغرق فيقف ذليلا لله ربه ويدعوه والناس تدعو معه ويقول ( اللهم إن كنت تعلم أن في عبورنا هذا البحر خيرا لنا وللمسلمين فسهل علينا عبوره وإن كنت تعلم غير ذلك فصعبه علينا حتى لا نعبره ) وبعد هذه الدعوة تسكن الريح ويعبر الجيش وأول شيء يفعله يوسف بن تشفين عند وصوله البلد يسجد لله شكرا أن مكنه من العبور وأن مكنه من الجهاد وأن اختاره لأن يكون جنديا من جنوده سبحانه وتعالى .



ويدخل يوسف بن تشفين أرض الأندلس ويدخل إلى قرطبة ويدخل إلى أشبيلية ويستقبله الناس استقبال الفاتحين ويعبر إلى اتجاه الشمال إلى اتجاه مملكة قشتالة النصرانية المرعبة لكل هؤلاء الأمراء المؤمنين الموجودين في بلاد الأندلس في ذلك الوقت ويتجه يوسف بن تشفين إلى قشتالة ومعه سبعة آلاف فقط من الرجال ولما رأى أهل الأندلس الذين كانوا قد اعتادوا على الهوان والذل ودفع الجزية رجال يوسف بن تشفين وقد أتوا من بلادهم يحملون أرواحهم على أكفهم وذاهبون للجهاد في سبيل الله تغيرت أذهانهم وأفكارهم فبدأ رجل يخرج معهم من قرطبة ورجل من أشبيلية ورجل يخرج من بطليوس وهكذا حتى وصلوا إلى الزلاقة التي على الحدود مع قشتالة فكم من المسلمين كانوا هناك وقد بدأوا سبعة آلاف فقط ؟ . وصلوا إلى الزلاقة ثلاثين ألف رجل فانظر إلى فعل القدوة فسبعة آلاف رجل يحركون ثلاثة وعشرين ألف رجل وكانوا يدفعون الجزية وتعودوا عليها ولكن لما وجدوا مجاهدين في سبيل الله طاقت نفوسهم إلى الجهاد وتحركت القلوب فالناس بها فطرة طيبة فلا تفقدوا الأمل .



ورأينا شيئا كهذا لما حدثت انتفاضة فلسطين رأينا كيف قام الناس حتى الذين لا يصلون تحركت عواطفها لفلسطين وهكذا حدث لما رأي أهل الأندلس المجاهدون يتحركون .



الآن ثلاثين ألف رجل مجاهد مسلم بقيادة يوسف بن تشفين رحمه الله موجودون في الزلاقة وهذا المكان لم يكن يُعرف بالزلاقة في ذلك الوقت ولكن اشتهر بذلك بعد الموقعة وهناك في الزلاقة يصل إلى يوسف بن تشفين نبأ عجيب من بلاده من المغرب أن ابنه الأكبر قد مات وهذه كانت مصيبة كبيرة جدا فهل فكر في الرجوع إلى المغرب مع عظم المصيبة ولكنه فضل الجهاد في سبيل الله وهو الأمير على ثلث أفريقيا لم يرسل قائدا من قواده ليجاهد بل يجاهد بنفسه وأخذ معه أفضل قواده داود بن عائشة وأرسل وزيره ليحكم البلاد في غيابه .



(6)



وجد يوسف بن تشفين رحمه الله أن النصارى استعدوا بستين ألفا من المقاتلين وعلى رأسهم ألفنسو السادس بعد أن استعان بإيطاليا وفرنسا وانجلترا وألمانيا وبعد أن أخذ وعودا بالغفران من البابا لكل من شارك في موقعة الزلاقة وجاء ألفنسو يحمل الصلبان ويحمل صور المسيح ويقول ( بهذا الجيش أقاتل الإنس والجن وأقاتل ملائكة السماء وأقاتل محمدا وصحبه ) وانظر إلى هذا الكلام فهو يفهم تمام الفهم هذه الحرب الصليبية ضد الإسلام وهنا يفاجئنا يوسف بن تشفين بأمر عجيب فيرسل رسالة إلى ألفنسو السادس كعادة الجيوش في ذلك الوقت فهم يتبادلون الرسائل وانظر إلى رسالة يوسف بن تشفين إلى ألفنسو السادس في موقعة الزلاقة ( بلغنا أنك دعوت أن يكون لك سفنا تعبر بها إلينا فقد عبرنا إليك ( فقد كان يقول ألفنسو لمن معه يا ليت الرب يوفقه لعمل سفن وهو سيعبر إلى يوسف بن تشفين لحربه ) وستعلم عاقبة دعائك وما دعاء الكافرين إلا في ظلال وإني يا ألفنسو السادس أعرض عليك الإسلام أو الجزية عن يد وأنت صاغر أو الحرب ولا أؤجلك إلا ثلاث ) .



غضب ألفنسو السادس من هذا الطلب فكيف يطلب المسلمون منه الجزية وقد أخذها منهم كثيرا هو وآباءه وأجداده فأرسل رسالة يهدد فيها يوسف بن تشفين ويقول له ( وإني اخترت الحرب فما ردك على ذلك ) فيوسف بن تشفين يأخذ الرسالة ويقلبها ويكتب على ظهرها ( الجواب ما تراه بعينك لا ما تسمعه بأذُنك ) فهذا رد شديد جدا على ألفنسو السادس فأرسل ألفنسو السادس رسالة فيها تخاذل فيقول له ( غدا يوم الجمعة والجمعة عيد من أعياد المسلمين ونحن لا نقاتل في أعياد المسلمين والسبت عيد اليهود وفي جيشنا كثير منهم والأحد عيدنا ) فأراد أن يؤجل الحرب أربعة أيام ولكن يوسف بن تشفين القائد المحنك لم يجعل جيشه يرى هذه الرسالة لأنه يعلم أن هذا الرجل مخادع ويعلم أنهم يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ويعلم أن الله قال فيهم { أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } (100) سورة البقرة .



(7)



قام يوسف بن تشفين بإعداد جيشه ووضعه في حالة تعبئة حتى إذا حدث هجوم يكون مستعدا ولم يهتم بما قاله ألفنسو في رسالته وبدأ بترتيب الجيش يوم الخميس وفي الليل ينام ابن رُمَيلة مع الجيش وابن رميلة هذا من شيوخ قرطبة ونحن نظن أن الشيخ أي أنه جالس في المسجد طوال حياته ولكنه كان يخرج يجاهد في سبيل الله حين يأتي الجهاد فهو يملك الفهم الصحيح للإسلام وفي هذه الليلة يرى ابن رميلة رؤيا فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق ويقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنكم منصورون وإنك ملاقينا ) ويستيقظ ابن رميلة فرحا مسرورا ولا يستطيع ن يملك نفسه من الفرح ذلك لأنه سيموت في سبيل الله ومن أرض الزلاقة إلى الجنة مباشرة وليس عليه حساب وهذا هو الشهيد .



ذهب ابن رميلة وأيقظ يوسف بن تشفين رحمه الله وأيقظ المعتمد على الله بن عباد الحاضر في الموقعة ويوقظ المتوكل بن الأفطس ويوقظ عبد الله بن بلقين فأيقظ قواد الجيش ويشرح لهم رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويوسف بن تشفين ومن معه لا يملكون أنفسهم من الفرحة فأيقظوا الجيش كله وأخبروه بالرؤيا والجيش كله يعيش في سعادة بالغة لم يذقها من قبل وأمر يوسف بن تشفين بقراءة سورة الأنفال ويأمر الخطباء بأن يحفزوا الناس على الجهاد ويمر هو بنفسه رحمه الله على الفصائل ويقول ( طوبى لمن أحرز الشهادة ومن بقي فله الأجر والغنيمة ) ويرتب الجيش ويصلون الفجر وبعد الفجر ...........



(8)



يغدر ألفنسو السادس كطبيعتهم فهذا هو الأصل الذي يجب أن نعلمه فهجم على المسلمين فوجد الجيش على تعبئة ويوسف بن تشفين قد قسم الجيش لنصفين نصف أمامي ونصف خلفي أما النصف الأمامي فقد طلب المعتمد على الله بن عباد أن يكون قائده ومن معه من الأندلسيين فهو يريد أن يكون بين المسلمين وبين النصارى ويريد أن يغسل عار السنين ويريد أن يمحو الذل الذي أذاقه إياه ألفنسو السادس ويريد أن يتلقى الضربة الأولى من جيش النصارى فيقف المعتمد على الله بن عباد في مقدمة الجيش ومن خلفه داود بن عائشة كبير قواد المرابطين وهذا هو الجيش الأمامي أما الجيش الخلفي ففيه يوسف بن تشفين رحمه الله يختفي خلف تل من التلال بعيد تماما عن الموقعة والجيش الأول فيه 15 ألف والثاني كذلك وفي الجيش الثاني هناك أربعة آلاف أبعد من الجيش الثاني أي أن الجيش كله مقسم إلى ثلاثة أجزاء فالجزء الأول 15 ألف وهو الأمامي والجزء الثاني 11 ألف ومعهم يوسف بن تشفين والثالث 4 آلاف وهم من رجال السودان المهرة وكانوا يحملون سيوفا هندية وكانوا يحملون رماحا طويلة وكانوا أعظم محاربين في جيش المرابطين وكانوا هم آخر الجيش .



ترى ما هي خطة يوسف بن تشفين ؟ في الواقع هي نفس خطة خالد بن الوليد في فتوح فارس في موقعة الولجة وهي نفس خطة النعمان بن مقرن رضي الله عنه في موقعة نهاوند فيوسف بن تشفين رجل يقرأ التاريخ ويعتبر بالتاريخ .



وتبدأ الموقعة ويهجم ستين ألف نصراني على 15 ألف مسلم وبقية الجيش لا يقاتل لماذا ؟ يريد أن تحتدم المعركة وتنهك قوى الطرفين ولا يستطيعان القتال وهنا يدخل يوسف بن تشفين بجيشه ليعدل الكفة في صف المسلمين وهذه هي سياسة النفس الطويل فلو نظرنا إلى سباق المارثون لو أن المتسابق بدأ المارثون هذا بحماسة وبقوة مرة واحدة فإنه لن يستطيع أن يكمل السباق ولكن يبدأ بالتدريج ويأتي في النهاية ويسرع حتى يجعل السباق في صالحه وهكذا فعل يوسف بن تشفين رحمه الله ويصبر المسلمين أمام ستين ألفا من النصارى حتى أنه مات تحت المعتمد على الله بن عباد ثلاثة خيول وهو صابر حتى يكاد لا يرى من الدماء وانظر إلى تربية أرض الجهاد وإلى تربية يوسف بن تشفين وهناك بعد العصر يشير يوسف بن تشفين إلى من معه أن انزلوا وساعدوا إخوانكم أشار إليهم بعد صلاة العصر والمعركة بدأت بعد الفجر فنزل يوسف بن تشفين بعد أن أنهكت قوى المسلمين والنصارى وينزل يوسف بن تشفين ومن معه وهم مستريحون بعد طول صبر فيحاصرون جيش النصارى ويقسم يوسف بن تشفين من معه إلى قسمين فقسم يساعد مقدمة المسلمين وقسم يلتف خلف جيش النصارى وأول شيء يفعله خلف جيش النصارى يحرق خيام النصارى مع أنها فارغة وليس فيها شيء ولكنه فعل ذلك حتى يعلم النصارى أن يوسف بن تشفين ومن معه في خلف الجيش فيوسف بن تشفين يعلم أن أهم شيء عند هؤلاء الناس أن تنجوا بأنفسها من الموت فلما علموا أنهم محاصرون من خلفهم دبت الهزيمة في قلوبهم وبدأ يحدث الخلل وبدأ يحدث الانسحاب والتف الناس خلف ألفنسو السادس يحمونه فحدثت خلخلة عظيمة في جيش النصارى وفي الضربة الأولى من يوسف بن تشفين لجيش النصارى قُتل منهم 10 آلاف رجل ويقول المؤرخون إن يوسف بن تشفين يتعرض للموت والشهادة وتزداد المعركة حدة حتى المغرب ومن بعيد يشير يوسف بن تشفين رحمه الله إلى الأربعة آلاف فارس من السودان فيأتون من بعيد ويستأصلون النصارى وفي هذه الموقعة قُتل من النصارى 59 ألف وخمسمائة وخمسين رجل ونجا من النصارى أربعمائة وخمسين رجل فقط من النصارى وفيهم ألفنسو السادس بساق واحدة فقد بُترت ساقه في هذه الموقعة وانسحب في جنح الظلام هو وأربعمائة فارس إلى طليطلة وهناك دخلوا طليطلة بمئة فارس فقط فمات في الطريق 350 رجل من الجراح الشديدة التي أصابتهم .



تقاس هذه الموقعة في التاريخ وبلا مبالغة بموقعتي اليرموك والقادسية وانظر كيف إن بعض المسلمين لا يسمعون عن الزلاقة وقد سميت بهذا الاسم لأنها كثرت فيها الدماء حتى كان الرجال والخيول ينزلقون في الأرض الصخرية في أرض الزلاقة وجمع المسلمون غنائم كثيرة وعادوا بغنائمهم الكثيرة وانظر ليوسف بن تشفين يترك كل الغنائم لأهل الأندلس ويعود في زهد عجيب وورع كبير إلى أرض المغرب فيرجع ولا يريد شيئا بعد أن جمع الناس وحثهم على الاجتماع وعلى نبذ الفرقة وعلى التمسك بكتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم ونصحهم بالجهاد في سبيل الله وعاد يوسف بن تشفين البطل الإسلامي المغوار .



(9)



ترى كم كان عمر يوسف بن تشفين في موقعة الزلاقة ؟



كان عنده 79 سنة في موقعة الزلاقة فهذا الشيخ الكبير يحارب وعلى فرسه وبنفسه للجهاد ولعله يموت هناك ولكنه لم يمت هناك .



وبعد عودة يوسف بن تشفين تحدث صراعات بين الأمراء الموجودين في بلاد الأندلس وتحدث صراعات على البلاد المحررة وهنا يضج العلماء ويذهبون إلى يوسف بن تشفين ويقولون يا يوسف تعال وخلصنا من أمراءنا فيتورع يوسف بن تشفين ويسأل نفسه كيف يحارب المسلمين فتأتيه الفتاوى من كل بلاد المسلمين حتى جاءته من الشام من أبي حامد الغزالي صاحب كتاب الإحياء وكان معاصرا وجاءته فتاوى من أبي بكر الطرطوشي العالم المصري وكذلك فتاوى من علماء المالكية في شمال أفريقيا وكانت الفتاوى أن عليه أن يدخل إلى البلاد وتضمها إلى أملاك المسلمين وإلى دولة المرابطين حتى تنقذ المسلمين مما هم فيه فإن هذه البلاد ستضيع إن تركها .



فدخل يوسف بن تشفين الأندلس في سنة 483هـ أي بعد أربع سنين من موقعة الزلاقة وفي الأندلس قاوموه وحاربوه حتى إن المعتمد على الله بن عباد حاربه فهذا الرجل الذي لم يجد العزة إلا تحت راية يوسف بن تشفين ولكن كيف يستطيع المعتمد على الله أن يحارب يوسف بن تشفين واستطاع يوسف بن تشفين أن يضم كل بلاد الأندلس وأيضا أن يحرر فركوستا وهي التي احتلت بعد أن قسمها الملك المسلم الذي كان عليها بين ابنيه وأصبح يوسف بن تشفين أميرا على بلاد تصل من الأندلس بالقرب من فرنسا إلى وسط أفريقيا وكل هذا دولة واحدة .



وظل يوسف بن تشفين على الحكم حتى سنة 500 هـ وكان قد بلغ من العمر مئة عام ومات رحمه الله في هذه السنة ولم يفتن بالدنيا لحظة والذي كان يملك الدنيا جميعا فقد كانت الأندلس غنية جدا ولكنه لم يفتن بالدنيا فهذا الرجل البطل الرائع كان حتى آخر لحظة في حياته يلبس الخشن من الصوف ولا يأكل إلا الخبز من الشعير ولا يشرب إلا لبن الإبل فرحم الله يوسف بن تشفين ورحم الله أبو بكر بن عمر اللمتوني ورحم الله الشيخ عبد الله بن ياسين ورحم الله الشيخ يحي بن إبراهيم الجُدَالي الذي أتى بالشيخ عبد الله بن ياسين في سنة 440 هـ وفي سنة 500 هـ تصبح دولة المرابطين من أقوى دول العالم أي في خلال ستين سنة فقط .





هذا تلخيص لأحد دروس الشيخ راغب السرجاني عن الأندلس

al_yatimm
01-31-2007, 11:11 PM
جزاك الله خيرا اخي

و لقد استمعة لسلسله من المحاضرات للشيخ راغب السرجاني بعنوان الأندلس .. من الفتح إلى السقوط و هي بحق محاضرات جد جد رائعه

و هدا رابط السلسله لمن اراد الاستماع

http://www.islamway.com/?iw_s=Scholar&iw_a=series&series_id=790

sosinano
02-01-2007, 02:01 PM
جزاك الله خيرا اخي

و لقد استمعة لسلسله من المحاضرات للشيخ راغب السرجاني بعنوان الأندلس .. من الفتح إلى السقوط و هي بحق محاضرات جد جد رائعه

و هدا رابط السلسله لمن اراد الاستماع

http://www.islamway.com/?iw_s=Scholar&iw_a=series&series_id=790

بارك الله فيك أخي al_yatimm، وجعله إن شاء الله في ميزان حسناتك...

alme7tas
02-04-2007, 01:01 AM
مشكووووووووووور ويعطيك الف عافيه بس للاسف انك بطيء جدا فى تكمله الموضوع والمشكله الكبرى ان الموضوع شيق جدا من كثر مانى مشتاق لتكمله الموضوع ادخل على الموقع باليوم عشر مرات بس علشان اشوف حطيت التكمله ولا لا

sosinano
02-04-2007, 02:26 AM
مشكووووووووووور ويعطيك الف عافيه بس للاسف انك بطيء جدا فى تكمله الموضوع والمشكله الكبرى ان الموضوع شيق جدا من كثر مانى مشتاق لتكمله الموضوع ادخل على الموقع باليوم عشر مرات بس علشان اشوف حطيت التكمله ولا لا


بارك الله فيك أخي الكريم على المتابعة
أنا بطيء لأسباب خارجة عن إرادتي ، سوف أحاول المتابعة في أسرع وقت إن شاء الله.
وذلك أن الكتابة تأخذ الوقت الكثير مني. على العموم المادة موجودة للإستماع من الموقع الذي أشار اليه الأخ al_yatimm في مشاركته ....
جزاك الله خيرا