ANEY ROSE
12-09-2006, 06:20 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
"أيا صوفيا".. إنها قصة أشهر مسجد في تاريخ الخلافة العثمانية ومن ورائها الدولة التركية بمن فيها من المسلمين، اشتراه السلطان محمد الفاتح ــ من بين أملاك الروم في مدينة "إسلام بول" ــ من ماله الخاص، وأوقفه مسجداً يصلي فيه المسلمون، وقد كان ــ من قبل ــ كنيسة للبيزنطيين فيما كان يعرف بـ "القسطنطينية" قبل دخولها الإسلام، ونظراً لحساسية الخلفية التاريخية في نفس المنتصر والمهزوم على السواء، فقد عاد ــ وإن لم يتوقف ــ الحديث عن أمجاد الماضي، الذي أثارته زيارة بنيدكت السادس عشر بابا الفاتيكان إلى تركيا، مبدياً رغبته في دخول المسجد الإسلامي.. ويا حبذا لو سمحت له الحكومة التركية في إقامة القداس! داخل باحته.
وبالطبع لم يمر الأمر هيناً على نفوس المسلمين الأتراك، الذين أعربوا عن غضبهم ــ من هذا الإستفزاز ــ بالخروج للتظاهر في شوارع "إسلام بول" ، معلنين عدم ترحيبهم بهذا الضيف الذي لم يدعه أحد من أهل البلاد.
http://img222.imageshack.us/img222/7442/sskk0.jpg
وقبل أن يتجمع أكثر من 300 ألف مسلم في منطقة "جغلايان" للتظاهر قامت مجموعة من الشباب التركي بالإعتصام داخل مسجد "أيا صوفيا" الذي يفترض لبنديكت أن يزوره، بما تحمله هذه الزيارة من دلالة ورمزية مؤلمة في نفوسهم.
وكانت محطة تلفزيون يونانية عرضت فيلماً مصوراً ، يظهر فارساً بيزنطيا بملابس عسكرية، يصحو من كبوته، فيفتح أمامه باباً ليجد "أيا صوفيا" أمام عينيه، ويتجه ناحيته شاهراً سيفه، ثم يقوم بتحطيم الهلال الموضوع أعلى قبة المسجد، ويضع مكانه صليباً، ويهدم المآذن الأربعة الموجودة في أركان المسجد!.. وهي تقريباً صورة واضحة لما يدور في المخيلة الغربية، حيال أشهر معلم إسلامي في القارة.
كما تأتي زيارة بابا الفاتيكان الثلاثاء 28ــ11ــ2006م ، بعد أقل من ثلاثة أشهر ــ فقط ــ من المحاضرة التي ألقاها مستشهداً فيها بمقوله الإمبراطور البيزنطي (مانويل باليولوغوس الثاني) : " أرني ما جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم) وعندها لن تجد إلا ما هو شرير ولا إنساني، مثل أمره نشر الدين الذي جاء به بحد السيف".
جاءت مقولة هذا الإمبراطور المتعصب، على خلفية الحروب الأوروبية مع الدولة العثمانية وما كانت تشكله الأخيرة ــ بجيوشها الإسلامية ــ من خطر رهيب على القارة، حيث لم تكتف حتى حاصرت فيينا عام 1529م، ودق المارد الإسلامي أبواب (بطرس بيرج)، ولذا فإن تدمير تركيا كان شغل أوروبا الشاغل، وكانت الممتلكات العثمانية هي الصيد الذي ترنو إليه كل العيون الغربية.
وفي اليوم الثاني من زيارته، سينتقل بنديكت إلى مدينة الإسلام "إسلام بول" حيث يزور كنيسة "جاورجيوس" ويلتقي بطريرك الأرثوذكس "برتلماوس الأول" وهو اللقاء الأهم في الزيارة حيث يتشكك الإسلاميون والقوميون الأتراك ــ على السواء ــ في أن اللقاء لا يمثل تقارباً بين الكنيستين فحسب, وإنما هدفه تشكيل حلف أرثوذكسي نصراني ضد الإسلام.. يسعى للإنقضاض على مسجد "أيا صوفيا" وتحويله إلى كتدرائية للأرثوذكس في العالم.
وتثير نوايا بابا الفاتيكان مخاوف عديدة ــ نظراً للخلفية المتعصبة المأثورة عن الرجل ــ ففي مقابلة له العام 2004 مع صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية، أعرب الكاردينال جوزيف راتسينجر، قبل أن يتولى البابوية ويتسمى بنيدكت السادس عشر، عن معارضته لضم تركيا الإسلامية إلى الاتحاد. قائلاً " إن الجذور التي شكلت أوروبا، إنما هي جذور مسيحية. أما تركيا فطالما مثلت قارة أخرى، على نقيض مستمر مع أوروبا".
وأضاف : " سيكون من الخطأ المعادلة بين القارتين.. إن تركيا تأسست على الإسلام.. ودخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سيكون ضد التاريخ ". كما انتقد تردد أوروبا في الاعتراف بجذورها الصليبية، والذي نظر له البعض على أنه خشية إغضاب التواجد الإسلامي المتنامي بسرعة والآخذ في التأثير بالبلدان الأوروبية.
ومن ثم، يرى متابعون أن بؤرة تركيز البابا ــ رغم التسليط الإعلامي ــ خلال الزيارة التركية ليست على الإسلام، بل على الوحدة المسيحية. وقد نقلت وكالة "رويترز" عن عميد كلية الصليب المقدس اللاهوتية للروم الأرثوذكس في ماساشوسيتس، توماس فيتجيرالد، قوله : "سيكون من قبيل الرمزية العميقة لقاء هذين الزعيمين المسيحيين الأبرز أهمية.. ستكون هذه زيارة تاريخية لحياة الكنيسة".
ومن جهته، تساءل زعيم حزب "السعادة" الإسلامي التركي، رجائي قوتان ــ القريب من نجم الدين أربكان ــ " كم دولة مسيحية زار البابا حتى يزور دولة مسلمة؟ إن الزيارة واضحة الأهداف ". بينما اعتبر حسن جلال جوزيل الكاتب والسياسي التركي المعروف، أن البابوية كانت على الدوام رأس الحربة في الخطط المعادية لتركيا. مضيفاً : أن هدف الزيارة لا علاقة له بالتقارب بين الأديان ولا الحضارات، بل ضمان وحدة الكنائس.
ولعل هذا ما دفع أحد المتظاهرين الأتراك لأن يحمل لافتة كتب عليها : "لا للحلف الصليبي". في حين كتبت صحيفة "ميلي جازيت" الإسلامية ــ التي تؤيد حزب "السعادة" ــ على صفحتها الأولى : " هنا إسطنبول, وليس القسطنطينية". مضيفة : " سيرى البابا في جغلايان، انه لا يستطيع حجب الشمس بغربال ".
وإذا كانت أبصار جموع المسلمين ــ هذه الأيام ــ تتجه صوب مسجد "أيا صوفيا" وقلوبهم على أيديهم، اشفاقاً على ما قد يدبر له في الخفاء. فلابد أن ينم ذلك عن ما يمثله من قيمة لهذه البناية في نفوسهم.
وفي جلية هذا الأمر يمثل "أيا صوفيا" رمز الإسلام في تركيا، منذ أن دخله السلطان محمد الفاتح عام 1453م مع فتحه "القسطنطينية" ــ العاصمة المسيحية الشرقية لقرابة ألف عام ــ وكان "أيا صوفيا" كاتدرائية بيزنطية كبيرة بناها الإمبراطور البيزنطي "جستنيان الأول" بين عامي 532 ـ537 م، وقد زارها السلطان محمد الفاتح مترجلاً عن فرسه، وأمر بأن يؤذن فيها للصلاة، وصلى فيها، صلاة الشكر لله تعالى على هذا الفتح العظيم، وصلى معه كبار القادة والمستشارين والجنود.
وتؤكد الوثائق العثمانية، أن السلطان محمد الفاتح بعد أن جعل "القسطنطينية" عاصمة الخلافة العثمانية، وأطلق عليها "إسلام بول" أي مدينة الإسلام، اشترى كاتدرائية "أيا صوفيا" ــ من بين أملاك الروم ــ بماله الخاص، عكس ما يدعي البعض من أن المسلمين استولوا عليها بالقوة، وأوقفها مسجداً جامعاً للمسلمين، بعد أن أقام له أربع مآذن،.. وصار منذ ذلك التاريخ أعظم مساجد المدينة، وظل مسجداً طيلة هذه القرون، حتى بداية القرن العشرين 1934م، حيث أغلقه العلماني مصطفى كمال أتاتورك ــ تقرباً لأوروبا الصليبية ــ بعد أن منع الصلاة فيه، بحجة تحويله إلى متحف.
وذلك بعد أن أخذ (أتاتورك) يمحو كل علاقة لتركيا بالإسلام، فأسقط الخلافة العثمانية، وطرد الخليفة، وألغى وزارة الأوقاف والمدارس الإسلامية، وأقام الجمهورية العلمانية، وأجبر الأتراك على إرتداء القبعة حيث كانت علامة دينية، وضعت من قبل الأوروبيين أثناء الحروب الصليبية.
ولم تنته قصة "أيا صوفيا" مع هذا السيناريو، إذ تعود قضية هذا المسجد التاريخي العريق إلى الواجهة من جديد، خاصة في ظل اشتعال جذوة الصحوة الإسلامية المباركة، والتي أخذت تطوف أرجاء الأرض تحي الإسلام في نفوس أبنائه من جديد.
ومن ثم، شرع الأتراك يطالبون برفع هذا الحظر الذي فرضه العلمانيون على بيوت الله، وكان مما أخذه العلمانيون على رئيس الوزراء الأسبق الدكتور نجم الدين أربكان ــ خلال محاكته ــ هو إصراره على فتح مسجد "أيا صوفيا" من جديد أمام المصلين المسلمين رغم القانون الذي يظر هذا الإجراء.
وكان شاعر النيل حافظ إبراهيم ــ رحمه الله ــ ممن عبر عن خوفه الشديد على مصير مسجد "أيا صوفيا" بعد سقوط الخلافة الإسلامية, فكتب قصيدة مؤثرة تنضح بالعاطفة الصادقة, والغيرة المخلصة على هذا المعلم الإسلامي. والقصيدة بعنوان "أيـا صوفـيـا" :
أيا صوفيا حان التفـرق فاذكـري
عهود كرام فيك صلَّـوا وسلمـوا
إذا عُدتِ يومـا للصليـب وأهلـه
وحلّى نواحيـك المسيـح ومريـم
ودُقّـت نواقيـسً وقـام مـزمـر
من الـروم فـي محرابـه يترنّـم
فلا تنكـري عهـد المـآذن إنـه
على الله من عهد النواقيس أكـرم
تباركت بيت القدس جذلان آمـن*
ولا يأمن البيت العتيـق المحـرّم
أيرضيك أن تغشى سنابك خيلهـم
حماك وأن يُمنى الحطيمُ وزمـزمُ؟
وكيف يـذل المسلمـون وبينهـم
كتابك يُتلـى كـلَ يـومٍ ويُكـرمُ!
نبيُّـك محـزونً وبيتـك مطـرقً
حياء , وأنصـار الحقيقـة نُـوّمُ
عصينا وخالفنـا فعاقبـت عـادلا
وحكّمت فينا اليوم من ليس يرحم !
والسلام عليكم
"أيا صوفيا".. إنها قصة أشهر مسجد في تاريخ الخلافة العثمانية ومن ورائها الدولة التركية بمن فيها من المسلمين، اشتراه السلطان محمد الفاتح ــ من بين أملاك الروم في مدينة "إسلام بول" ــ من ماله الخاص، وأوقفه مسجداً يصلي فيه المسلمون، وقد كان ــ من قبل ــ كنيسة للبيزنطيين فيما كان يعرف بـ "القسطنطينية" قبل دخولها الإسلام، ونظراً لحساسية الخلفية التاريخية في نفس المنتصر والمهزوم على السواء، فقد عاد ــ وإن لم يتوقف ــ الحديث عن أمجاد الماضي، الذي أثارته زيارة بنيدكت السادس عشر بابا الفاتيكان إلى تركيا، مبدياً رغبته في دخول المسجد الإسلامي.. ويا حبذا لو سمحت له الحكومة التركية في إقامة القداس! داخل باحته.
وبالطبع لم يمر الأمر هيناً على نفوس المسلمين الأتراك، الذين أعربوا عن غضبهم ــ من هذا الإستفزاز ــ بالخروج للتظاهر في شوارع "إسلام بول" ، معلنين عدم ترحيبهم بهذا الضيف الذي لم يدعه أحد من أهل البلاد.
http://img222.imageshack.us/img222/7442/sskk0.jpg
وقبل أن يتجمع أكثر من 300 ألف مسلم في منطقة "جغلايان" للتظاهر قامت مجموعة من الشباب التركي بالإعتصام داخل مسجد "أيا صوفيا" الذي يفترض لبنديكت أن يزوره، بما تحمله هذه الزيارة من دلالة ورمزية مؤلمة في نفوسهم.
وكانت محطة تلفزيون يونانية عرضت فيلماً مصوراً ، يظهر فارساً بيزنطيا بملابس عسكرية، يصحو من كبوته، فيفتح أمامه باباً ليجد "أيا صوفيا" أمام عينيه، ويتجه ناحيته شاهراً سيفه، ثم يقوم بتحطيم الهلال الموضوع أعلى قبة المسجد، ويضع مكانه صليباً، ويهدم المآذن الأربعة الموجودة في أركان المسجد!.. وهي تقريباً صورة واضحة لما يدور في المخيلة الغربية، حيال أشهر معلم إسلامي في القارة.
كما تأتي زيارة بابا الفاتيكان الثلاثاء 28ــ11ــ2006م ، بعد أقل من ثلاثة أشهر ــ فقط ــ من المحاضرة التي ألقاها مستشهداً فيها بمقوله الإمبراطور البيزنطي (مانويل باليولوغوس الثاني) : " أرني ما جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم) وعندها لن تجد إلا ما هو شرير ولا إنساني، مثل أمره نشر الدين الذي جاء به بحد السيف".
جاءت مقولة هذا الإمبراطور المتعصب، على خلفية الحروب الأوروبية مع الدولة العثمانية وما كانت تشكله الأخيرة ــ بجيوشها الإسلامية ــ من خطر رهيب على القارة، حيث لم تكتف حتى حاصرت فيينا عام 1529م، ودق المارد الإسلامي أبواب (بطرس بيرج)، ولذا فإن تدمير تركيا كان شغل أوروبا الشاغل، وكانت الممتلكات العثمانية هي الصيد الذي ترنو إليه كل العيون الغربية.
وفي اليوم الثاني من زيارته، سينتقل بنديكت إلى مدينة الإسلام "إسلام بول" حيث يزور كنيسة "جاورجيوس" ويلتقي بطريرك الأرثوذكس "برتلماوس الأول" وهو اللقاء الأهم في الزيارة حيث يتشكك الإسلاميون والقوميون الأتراك ــ على السواء ــ في أن اللقاء لا يمثل تقارباً بين الكنيستين فحسب, وإنما هدفه تشكيل حلف أرثوذكسي نصراني ضد الإسلام.. يسعى للإنقضاض على مسجد "أيا صوفيا" وتحويله إلى كتدرائية للأرثوذكس في العالم.
وتثير نوايا بابا الفاتيكان مخاوف عديدة ــ نظراً للخلفية المتعصبة المأثورة عن الرجل ــ ففي مقابلة له العام 2004 مع صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية، أعرب الكاردينال جوزيف راتسينجر، قبل أن يتولى البابوية ويتسمى بنيدكت السادس عشر، عن معارضته لضم تركيا الإسلامية إلى الاتحاد. قائلاً " إن الجذور التي شكلت أوروبا، إنما هي جذور مسيحية. أما تركيا فطالما مثلت قارة أخرى، على نقيض مستمر مع أوروبا".
وأضاف : " سيكون من الخطأ المعادلة بين القارتين.. إن تركيا تأسست على الإسلام.. ودخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سيكون ضد التاريخ ". كما انتقد تردد أوروبا في الاعتراف بجذورها الصليبية، والذي نظر له البعض على أنه خشية إغضاب التواجد الإسلامي المتنامي بسرعة والآخذ في التأثير بالبلدان الأوروبية.
ومن ثم، يرى متابعون أن بؤرة تركيز البابا ــ رغم التسليط الإعلامي ــ خلال الزيارة التركية ليست على الإسلام، بل على الوحدة المسيحية. وقد نقلت وكالة "رويترز" عن عميد كلية الصليب المقدس اللاهوتية للروم الأرثوذكس في ماساشوسيتس، توماس فيتجيرالد، قوله : "سيكون من قبيل الرمزية العميقة لقاء هذين الزعيمين المسيحيين الأبرز أهمية.. ستكون هذه زيارة تاريخية لحياة الكنيسة".
ومن جهته، تساءل زعيم حزب "السعادة" الإسلامي التركي، رجائي قوتان ــ القريب من نجم الدين أربكان ــ " كم دولة مسيحية زار البابا حتى يزور دولة مسلمة؟ إن الزيارة واضحة الأهداف ". بينما اعتبر حسن جلال جوزيل الكاتب والسياسي التركي المعروف، أن البابوية كانت على الدوام رأس الحربة في الخطط المعادية لتركيا. مضيفاً : أن هدف الزيارة لا علاقة له بالتقارب بين الأديان ولا الحضارات، بل ضمان وحدة الكنائس.
ولعل هذا ما دفع أحد المتظاهرين الأتراك لأن يحمل لافتة كتب عليها : "لا للحلف الصليبي". في حين كتبت صحيفة "ميلي جازيت" الإسلامية ــ التي تؤيد حزب "السعادة" ــ على صفحتها الأولى : " هنا إسطنبول, وليس القسطنطينية". مضيفة : " سيرى البابا في جغلايان، انه لا يستطيع حجب الشمس بغربال ".
وإذا كانت أبصار جموع المسلمين ــ هذه الأيام ــ تتجه صوب مسجد "أيا صوفيا" وقلوبهم على أيديهم، اشفاقاً على ما قد يدبر له في الخفاء. فلابد أن ينم ذلك عن ما يمثله من قيمة لهذه البناية في نفوسهم.
وفي جلية هذا الأمر يمثل "أيا صوفيا" رمز الإسلام في تركيا، منذ أن دخله السلطان محمد الفاتح عام 1453م مع فتحه "القسطنطينية" ــ العاصمة المسيحية الشرقية لقرابة ألف عام ــ وكان "أيا صوفيا" كاتدرائية بيزنطية كبيرة بناها الإمبراطور البيزنطي "جستنيان الأول" بين عامي 532 ـ537 م، وقد زارها السلطان محمد الفاتح مترجلاً عن فرسه، وأمر بأن يؤذن فيها للصلاة، وصلى فيها، صلاة الشكر لله تعالى على هذا الفتح العظيم، وصلى معه كبار القادة والمستشارين والجنود.
وتؤكد الوثائق العثمانية، أن السلطان محمد الفاتح بعد أن جعل "القسطنطينية" عاصمة الخلافة العثمانية، وأطلق عليها "إسلام بول" أي مدينة الإسلام، اشترى كاتدرائية "أيا صوفيا" ــ من بين أملاك الروم ــ بماله الخاص، عكس ما يدعي البعض من أن المسلمين استولوا عليها بالقوة، وأوقفها مسجداً جامعاً للمسلمين، بعد أن أقام له أربع مآذن،.. وصار منذ ذلك التاريخ أعظم مساجد المدينة، وظل مسجداً طيلة هذه القرون، حتى بداية القرن العشرين 1934م، حيث أغلقه العلماني مصطفى كمال أتاتورك ــ تقرباً لأوروبا الصليبية ــ بعد أن منع الصلاة فيه، بحجة تحويله إلى متحف.
وذلك بعد أن أخذ (أتاتورك) يمحو كل علاقة لتركيا بالإسلام، فأسقط الخلافة العثمانية، وطرد الخليفة، وألغى وزارة الأوقاف والمدارس الإسلامية، وأقام الجمهورية العلمانية، وأجبر الأتراك على إرتداء القبعة حيث كانت علامة دينية، وضعت من قبل الأوروبيين أثناء الحروب الصليبية.
ولم تنته قصة "أيا صوفيا" مع هذا السيناريو، إذ تعود قضية هذا المسجد التاريخي العريق إلى الواجهة من جديد، خاصة في ظل اشتعال جذوة الصحوة الإسلامية المباركة، والتي أخذت تطوف أرجاء الأرض تحي الإسلام في نفوس أبنائه من جديد.
ومن ثم، شرع الأتراك يطالبون برفع هذا الحظر الذي فرضه العلمانيون على بيوت الله، وكان مما أخذه العلمانيون على رئيس الوزراء الأسبق الدكتور نجم الدين أربكان ــ خلال محاكته ــ هو إصراره على فتح مسجد "أيا صوفيا" من جديد أمام المصلين المسلمين رغم القانون الذي يظر هذا الإجراء.
وكان شاعر النيل حافظ إبراهيم ــ رحمه الله ــ ممن عبر عن خوفه الشديد على مصير مسجد "أيا صوفيا" بعد سقوط الخلافة الإسلامية, فكتب قصيدة مؤثرة تنضح بالعاطفة الصادقة, والغيرة المخلصة على هذا المعلم الإسلامي. والقصيدة بعنوان "أيـا صوفـيـا" :
أيا صوفيا حان التفـرق فاذكـري
عهود كرام فيك صلَّـوا وسلمـوا
إذا عُدتِ يومـا للصليـب وأهلـه
وحلّى نواحيـك المسيـح ومريـم
ودُقّـت نواقيـسً وقـام مـزمـر
من الـروم فـي محرابـه يترنّـم
فلا تنكـري عهـد المـآذن إنـه
على الله من عهد النواقيس أكـرم
تباركت بيت القدس جذلان آمـن*
ولا يأمن البيت العتيـق المحـرّم
أيرضيك أن تغشى سنابك خيلهـم
حماك وأن يُمنى الحطيمُ وزمـزمُ؟
وكيف يـذل المسلمـون وبينهـم
كتابك يُتلـى كـلَ يـومٍ ويُكـرمُ!
نبيُّـك محـزونً وبيتـك مطـرقً
حياء , وأنصـار الحقيقـة نُـوّمُ
عصينا وخالفنـا فعاقبـت عـادلا
وحكّمت فينا اليوم من ليس يرحم !
والسلام عليكم



