منتدى برامج نت | برامج نت | دليل المواقع | العاب فلاش | برامج | عيادة الطب | Free software
العاب افلام موقع منتديات

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ألف يوم حول العالم الرحالة فيصل محمد عوكل (المقدمة) ويتبع


النورس-المهاجر
11-28-2006, 12:24 AM
المقدمة

مثل أحصنة ترقص في فضاءات من الدهشة والحلم يرتحل هذا القلم العذب السيال الرشيق العبارات والمنمق في عباراته التي تنهل من عبق الحضارات في الشرق الجميل النائم في غلائل النسيان والذاكرة المتوقدة بهجير أيامها، ومن معين الأمكنة العربية المسكونة بروعة القديم وبألق الشموس المنسكبة منذ مئات السنين

هنا في هذه التجربة التي ليست جديدة ولكن طعمها مختلف ومفعم بالحياة وبأريج الباحات المسكونة برائحة الياسمين وشذى الأزهار والورود ..
تمتد نبضات المبدع المتألق فيصل محمد عوكل

امتدادا لطريقة أسلافه من الرحالة العظام كابن بطوطة وابن جبير الذين أضاءوا عتمات العالم القديم بما كتبوه من مداد الحبر عن الحضارات التي غربت شموسها والتي سادت ثم بادت.

الذين مروا في سماء الحضارة عبر كلماتهم التي ظلت حية نابضة في وجدان القرون وفي سمع الأيام فأضاءوا ما كان معتما منها وقدموا لنا كل شوا ردهم وما رأته أعينهم الظامئة إلى السفر .. والمشتاقة إلى أشتات الرؤيا رغم مشاق السفر ووعثاء الطريق وعذابات الرحيل.

وفي هذه الرحلة الممتعة يواصل الكاتب ما انتهى عنده القدماء ليضيف أبعادا عميقة وهو يفلسف حضارة المكان وعبق الحضارة المرسوم كالوشم على الجدران والأعمدة والمعابد ألف يوم حول العالم ، هو خلاصة الروح التي راقبت بصمت كل المشهد الإنساني المتحرك الذي نذهب إلى غايته التي رسمتها له الأقدار والكاتب الذي يلتفظ أدق التفاصيل بعيون ملمة تطل على آفاق الحياة وهو يجوبها شرقا وغربا من ريف إلى بادية ومن مدينة إلى قرية يكتشف المجاهيل المكتنزة بالأسرار والتي لا يلتفت إليها إلا الذين أشعلتهم نفوسهم بذلك الألق الروحي المبهم الذي يفجر طاقاتها ويرسمها خصبة غنية تثري عالم الإنسان المنهك بهمومه وانشغاله اليومي بالرزق ولقمة العيش .

فيصل محمد عوكل الرحالة والكاتب الأردني يبدع أيما إبداع وهو ينقل المشهد الإنساني ويقدم جماليات المكان .
* شفافة"ناصعة" تثير في النفس شتى المشاعر والانفعالات والأحاسيس المختلفة ومعه من خلال عيونه الظامئة للرحيل والسفر ودهشة الحلم تنقل إلى تلك اللوحات الفاتنة التي كتبها ذراعه الجميل عن المدن البعيدة التي تغتسل أقدامها على شطآن بحار الأرض .والتي ارقته وهو يقف أمامها مسكونا بانبهار الطفل في وجدانه وبحساسية الكاتب المغايرة لكل المألوف الذي يتفاعل مع ما يراقب بصمت عميق ويخزن هذه الروائع ليترجمها فيما بعد إلى حروف وكلمات تأسر القارئ وتخلب الألباب والعقول وهذه في اعتقادي مهمة الكاتب المرتحل في مجاهل الحياة
إن كتاب ألف يوم حول العالم هو العمل الأدبي والسفر المعرفي الجميل الذي طالما اشتاق الشرق العربي إليه وحس القارئ النهم إلى المعرفة إلى تصفح فصوله وارتشاف كلماته وسطوره وصوره المنقوشة بالماء والحبر والرمل وهجير الصحاري التي تختزن قصة الإنسان بين ذرات رمالها.
إن هذا السفر الثمين من الكلمات الرشيقة الموغلة في رقتها وعذوبة ألفاظها سيضيف أبعادا كبيرة للتجربة الإنسانية للقارئ ويقدم عمقا إنسانيا أصيلا بتفرده وتميزه للذاكرة المكتظة بهموم الحياة حد الامتلاء .
إني سعيد جدا وأنا أقدم للقارئ العربي هذه التجربة الإنسانية المعرفية التي صاغها فنان كبير ومبدع يتقن فنون حرفته وهو ينقل مدن الشرق الغافية على ماضيها السحيق العريق وعلى أحلامها الوردية المشتاقة للحياة.
ينقل خلجات الإنسان الذي ترك بصمات حياته شاهدة على رهافته ورقة مشاعره وروحه الحضارية المسكونة بالمكان والانشداه لهذه الاماكن والمدن والجماليات التي ظلت عصية على الاندثار والتلاشي ليأتيها أحد المنبهرين فينقلها على الورق إلى الارواح الظامية المتلهفة إلى معرفة هذه المدائن التي ما زالت تحتفظ بإرثها حتى الآن .

إن فيصل محمد عوكل الكاتب صاحب القلم المدهش والتجربة الإنسانية الكبيرة استطاع أن يقدم في هذه الصفحات الرائعة تجربة في الدهشة والحلم وإن تبين خيالاتها بهذه الصفحات التي أبدعها وكتبها بعينين عاشق للحضارة والمكان والحياة وبرؤية فنان يتسلل إلى النفوس.

إن الكاتب هو نبض الحياة المشتعل حتى النسغ الأخير بهذه الصور الفاتنة التي ظل يرسمها وهو يرتحل من مكان إلى مكان ويتنقل بين الاماكن مدونا كل تفاصيلها ودقائق أسرارها وفضاءات جنونها الهارب عبر القرون المنصرمة.

احمد مزيد أبو ردن
5آب 2004-08-09
كاتب وشاعر ومعد البرامج الثقافية
في الإذاعة الأردنية.


المقـــدمة

واجهتني الحيرة وأنا أفكر كيف أبدأ .. وكيف أصوغ الكلمات وكان الأشد تعقيداً هي ألكتابه بحد ذاتها وأنا أتخيل نفسي ما هي الكلمات التي من الممكن أن أفترض كتابتها عنه .. وأنا أدرك بأنني سأقف في حضرة ( عَـلم ٍ) من أعلام الأدب والصحافة حتى كدت أعتقد بأن كل الكلمات سوف تكون صغيرة جداً قبالته.. يلهث في فيافي الكلمات يمتهن حرفة الأدب وشقاوة الكلمات ويحمل شقاء عبء حمل أمانته كي تبقى حيه على الأوراق يصنع من توهج وجعه المستمر وحزنه الدفين فرحاً للغير ويستقي من ابتسامة الآخرين فرحة السري الخاص .. متمرد بطبيعته الفطرية على كل شيء غير مستحب .. ولا يجد من العيب أن يعترف بأن له أحلام أطفال وهذا الحلم يلخصه بكلمات ( أنني لا أحلم بشيء عدى الشعور والبحث عن سكينة روحي المذعورة وأن أعيش حراً مثل طفل يلهو ببراءة في بستان الكلمات دون أن تمزق يديه الأشواك أو تمزق وجهه الأسلاك الشائكة المفاجئة في هذا العالم ... ) فهو ليس كأي صحافي من الزملاء ، كونه يعتبر مدرسة إعلامية للكثير منهم ... هذا ما كان يجعلني حذره وأنا أكتب عنه ..
كونه شارك في تأسيس وتجذير وجود الكثير من الصحف الأسبوعية كمؤسس لها ويعتبر من أهم كتّاب الأدب الساخر والأدب الإجتماعي الجاد ويمتاز بزاوية ذات فلسفة ذوقية و له نتاج أدبي منوع من القصة والخاطرة والشعر والفلسفة ويبلغ نتاجه الأدبي في مجموعته حوالي ثمان وعشرون مخطوطة كتاب . آخره كتاب (ألف يوم حول العالم) والذي اقتضى سفره لمدة ( ثلاث سنوات ) هائماً عبر المطارات وموانئ الدول التي زارها ليحمل في جعبته غرائب المشاهدات عبر العالم عاشها كاتبنا وأديبنا الصحافي والرحالة (فيصل محمد عوكل) . دعونا معاً نسافر مع الروح الهائمة في تجوالها عبر العالم ولماذا أبحر في تتبع خطى الأنبياء والقديسين في ترحاله .. فلم يبقي مزاراً إلا ذهب باحثاً يتلمسه عبق روح المكان والتاريخ جامعاً ما بين الماضي والحاضر والمستقبل... عشق نهر الأردن كحدود للوطن ونهر يمتلك خاصية القداسه.. حيث تعمد اليسوع عليه السلام .. وحيث كان يحيى عليه السلام يعمده هناك ووادي شعيب عليه السلام .. زار طرق القوافل لروما . ليعرف أبعاد التمازج فيما بين شعوب الأرض والحضارات الماضي والحاضر بعيداً عن الأسلاك الشائكة والحدود ... دفعته الأسئلة عن هذه الحجارة الزرقاء في الأزرق والخالدية والضليل ، وشظايا بقايا البراكين قرب القصور الأموية ... فامتد بروحه وجسده ليبحث عن جذور الطبيعة ومكانها تلك الطبيعة التي غضبت ذات يوم فألقت زلازلها وحممها وحجارتها المشتعلة من ما وراء جبل الدروز على تخوم الشام إلى أن تصل إلى (قصر الحرانة) في الأردن ما هي الأسئلة التي دفعته جذورها ليذهب باحثاً عن مكان قتل قابيل لأخيه هابيل في غوطة دمشق . حيث مغارة الدم .. ما هي الأسئلة التي دفعته وحفزته ليحتمل حقائبه ويمتد بذاكرة من الزمان إلى المكان الذي يقصده ( أقصى المدينه ) حيث ذهب ليرى بأم عينيه هذا الرجل الذي ورد ذكره في سورة (يس) :-
بسم الله الرحمن الرحيم
(وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم إتبعوا المرسلين ... )
صدق الله العظيم
وبشره الله بالجنة في قوله تعالى .
بسم الله الرحمن الرحيم
( قيل ادخل الجنة قال ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) صدق الله العظيم
إلا أن قومه قتلوه . هذا الرجل البسيط هو ( حبيت النّجار ) والذي غضبت له السماء . حيث ورد في كتاب الله العظيم قوله تعالى:-
بسم الله الرحمن الرحيم
( إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ) صدق الله العظيم .
فلم يتبق من آثارهم إلا آيتين (باب المدينة) التي أتكأ عليها جبريل عليه السلام والتي بقيت حتى اللحظة يمر بها الناس المسافرين من دمشق إلى تركيا وبالعكس . ولا يدركون وهم يعبرون خلال هذه البوابة الأثر الوحيد المتبقي من المدينة والتي يطلق عليها إسم ( باب الهوى ) والأثر الثاني هو قبر الرجل الصالح الواقع في قلب مدينة أنطاكيا على حافة نهر العاص . ومقامه في طابق تحت محراب المسجد المسمى باسمه .. ومن هناك ينطلق ليزور كنيسة ( سان بيير) أقدم كنائس الأرض قاطبة والتي هي عبارة عن مغارة خلفها شق كبير للصخور كان معداً لهروب الرهبان من بطش روما في حينه وأيضاً لم تفته ذاكرته أن يذهب باحثاً عن مكان الرجل الراهب ( بحيرة ) ليرى بأم عينيه باب بيته الذي لا يزيد ارتفاعه عن حوالي المتر لصغره ( أي الباب ) وهو من الصخر حيث حاول أن يتلمس أشياء كثيرة . كل هذه الأسئلة كانت تسري في دمه كأنها العطش . كأنه كان هو يفر إلى واحات الإجابة مهما كان القيظ لاهباً. وكيف ببيت من الشعر لعنتره العبسي يقول فيه :-
يا دار عبله ( بالجواء ) تكلمي
وعمي مساءاً دار عبله وأسلمي
لست أدري أي إستشفاف هذا جعله ينطلق في مفازات الصحراء العربية حيث ذهب إلى نجد ( القصيم ) حالياً ومن هناك قرر أن يجد هذا المكان الذي امتدح به عنتره العبسي موطن حبيبته حتى وصل إليه وأروى غليله ليعود فرحاً . وكأنه كان يترنم وهو سائر في الصحراء في مركبته بصوت صليل سيف عنتره وحمحمة حصانة الأبجر وحنين المحزونة العاشقه (عبله) وكيف سار حتى في صغره ذات يوماً سائلاً باستهجان أحد باعة التحف في القدس عن طريق( الآلام) ... ومن هناك كيف وقف قبل أن يصل إلى مدينة الرسول العظيم عليه السلام المدينه المنورة قائلاً:- (ما أجمل هذه النسائم القادمة من هناك) وقبل أن يبزغ الفجر كان على حافة (جبل أَحد) وكأنه يحاول أن يخاطب ويسمع صوت صخور الجبل الشاهد على الماضي والحاضر وإن عطش الأسئلة والبحث عن المعرفة والعلم والتاريخ والأدب لم يثنيه وهو ينطلق وكأنه يلقي بطرفة لأصدقائه قائلاً :- الآن كم أشتاق أن أكون على ضفاف دجلة لأرى بأم عيني أين كان النواسيَّ الشاعر " أبو النواس " وحينما حذره البعض من أن الوضع قد يكون خطراً إبتسم " وحمل حقيبته ومضى " ترى ماذا أكتب عن كتابه .. وماذا تراني أكتب عنه وكيف تراني أستطيع أن أسبر أغوار ذاكرته المتخمه بملايين الصور التي لم يقلها بعد حتى في كتابه( ألف يوم حول العالم) ولا أنسى في خضم الحديث عن أدب الرحلات عموماً في الأردن أن أطلع على أعلام أدب الرحلات في الأردن وكان أولها أدب الرحلات للأديب الراحل (عيسى الناعوري) . والكاتب والإذاعي (أحمد أبو ردن) في كتابه ( مدائن الحلم والرحيل ) وكاتبنا الأردني (فيصل محمد عوكل) ولن أفاجئ إذا ما علمت ذات لحظة بأن كتابه ألف يوم حول العالم ما هو إلا نقطة في بحر ما رآه ولم يدونه لمحاذير كثيره ، هل أستطيع أن أقول أنها مغامرة .. أم أستطيع أن أقول أنه شغف المعرفة وبأن الكلمة رسالة حياة على الكاتب أن يحملها على عاتقه حتى الموت. لا أستطيع أن أقول إلا شيئاً واحداً.. إن ألف يوم حول العالم نقله نوعيه في أدب الرحلات العربي .. أو كما قال اليمني الصغير ( هذا إبن بطوطة ) متمنية لو أنني أمتلك خيالاً جامحاً لعلي على الأقل أستطيع أن أسبر أغوار الكاتب والصحفي والرحالة ( فيصل محمد عوكل ) لعلني أجد أنا شخصياً الإجابة عن ما رآه ولم يكتبه حتى الآن .. وأعتقد بأن القارئ سوف يدرك معاناة الكاتب وهو يتنقل في صفحات هذا الكتاب وفرحه السري . وأترك لقارئنا أن يرى بعينه وأحاسيسه أشياء كثيره .
فدعونــا نبحـر عبـر الكلمـات خطوتنـا الأولـى في الألـف يـوم



المحـرره الصحفيـة
مهـــا عبد الله بـدوي...
الحقوق محفوظة ومسجلة بدائرة المكتبات الوطنية للناشر :المحررة الصحفية مها عبدالله بدوي .

foorty
11-28-2006, 02:55 PM
شكرا شكرا شكرا شكرا

النورس-المهاجر
11-30-2006, 07:17 PM
أنا وتاريخ هذا العالم
يوميات رحالة عربي /مصر (هنا القاهرة)
صباح الخير يا مصر :
لم اقل بعد وداعا يا صنعاء ،فقد حملت حقائبي المؤلفة من حقيبة سياحية كبيرة تحمل على الظهر ولها حزام يرتبط من الخاصرة والأكتاف ،وهي مليئة بالجيوب الكبيرة فالجيبة اليمنى استعملها لحمل الضمادات والأدوية الاحتياطية مثل المضادات الحيوية وأقراص دوائية للصداع وأخرى ضد الرشح والالتهابات ،وثانية ضد المغص والإسهال وأدوية ضد الجروح ، والقطن وكل هذا أمور احتياطية ،والجيب اليسرى تحوي دفتر يومياتي وأفلام مصورة لم تحمض بعد .
وبعض الأقلام ،وفي واجهتها جيبان مستطيلان الأسفل ويحوي مواسير خياطة وأزرار قمصان ودبابيس وشكالات وابر خياطة (وكشتبان) ومقص أظافر ومقص صغير للشوارب واحتياجات أخرى وعملات منوعة (فكة) للذكرى وولاعات غير مستعملة احتياطا –ومصحف صغير أهدتني إياه صديقتي قبل سفري ،والجيب العلوية مستودع للقرطاسية مثل أقلام الحبر وممحاة وعدة أقلام (طمي) (ودواة) حبر وشكالات ورق ودبابيس ورق ،وستيك لاصق للورق وأفلام للتصوير (ومكبس دباسة) للورق ..وعلبة دبابيس ،وكمبيوتر صغير بحجم علبة السجائر كدليل لمواقيت الصلاة في كافة أرجاء العالم وله شاشة تعطيك الوقت والتاريخ ويرن في موعد الصلوات بدقة متناهية وفيه بوصلة مهمتها أن تدل حاملها على جهة الكعبة فقط .
وجيب في قاع الحقيبة من اسفل وهو مستودع للقرطاسية فهو يحوي كل كتاباتي عن الرحلة ويحوي عشرات المغلفات بأنواع عديدة للمراسلة ومغلفات كبيرة ،ودفاتر خاصة وماعون ورق مسطر للكتابة احتياطاً وأوراق صحف منشور فيها عن رحلاتي السابقة وعدة ألبومات فيها صور عن الرحلات ومحتواها يوازي بوزنه كل ما احمل وفيها أقلام حبر احتياطية وغطاء الحقيبة ذاته يعتبر غطاءً وجيباً كبيراً من الصعب التنبه له لأنه جيب وفيه مجموعات الصور التي التقطها في رحلاتي السابقة أي انه مستودع الصور على وجه الخصوص مغلف فيه الأفلام التي تم تصويرها وتحميضها للرحلات السابقة .
وفي قلب الحقيبة شنطة كتابة فيها أوراقي الخاصة ودفاتري وأوراقي الخاصة ،المروحة والتي تحمل شعار الرحالة لألف يوم حول العالم .وحقيبة أخرى للكتف فيها أوراق وأقلام وكاميرا للتصوير مع عدساتها ومسجل كاسيت صغير مع راديو ومنظار ولها جيوب أخرى فيها مستلزمات شخصية كعدة الحلاقة والكولونيا وكنت أجلس في المطار منذ لحظة خروجي من فندق الوجنتين في صنعاء وكانت الساعة تدق معلنة الثامنة والنصف مساءً من آخر أيام شهر رمضان المبارك وقد أعلن في التلفاز بأن اليوم هو يوم الوقفة الكبرى وتمت رؤية الهلال وأن غداً هو يوم عيد الفطر المبارك في اليمن وكنت أجلس وأنا أتساءل هل يكون غداً هو يوم عيد في مصر أم أنها سوف تصوم لإتمام اليوم الثلاثين ، تركت حقائبي على المقعد في المطار وذهبت إلى الكافتيريا لأعود حاملاً معي كوباً من الشاي مع الحليب ولأجلس بانتظار حضور الركاب المتجهين إلى مصر والذين لم يحضر منهم حتى اللحظة أحد سوى رجل في الخمسين تقريباً لم يعجبه مكان يضع فيه حقائبه سوى الكرسي الذي أجلس عليه ، قرب حقائبي وقد كان يناقش شيالاً يمانياً أحضر له بعربته حقائبه حول أجرته ويبدو أن الشيال لم تعجبه الأجرة القليلة التي أعطاها له الرجل فذهب ليتمتم غاضباُ بينما جلس الرجل قرب حقائبي لأن القاعة فارغة تقريباُ ولم يحن وقت حضور الركاب ولم يعلن عن موعد حضور الطائرة اليمنية التي ستتجه إلى مصر ، طلبت من عامل الكافيتريا كوباُ آخر من الشاي مع الحليب بعد أن قررت أن أشتري هذا الكوب للضيف الذي جلس بقربي ووضع حقائبه على الكرسي الذي أجلس عليه ، فقد قررت أن أقوم بواجب الضيافة على حسابي قبل أن أعتذر منه واطرده عن الكرسي لأجلس قرب حقائبي ، نظر إلي الرجل باستغراب قائلا وهو يمد يده لتناول كوب الشاي قائلا : هل الأستاذ يعرفني ؟ فقلت له طبعا يا أستاذ فأنت تجلس على الكرسي الذي كنت أجلس عليه ولك علي حق الجوار بالتكريم فإعتذر بسرعة وانتقل إلى الكرسي الآخر وأفسح لي المجال ، لأتعرف عليه ولتبدأ صداقة مطارية أو صداقة مسافرين ، وعرفته على نفسي وعملي وعرفت بأنه أستاذ مصري يعمل مدرساً في إحدى الجامعات في صنعاء وهو الآن مسافر إلى وطنه في إجازته السنوية لقضاء فترة العيد ، عند زوجته وأولاده وقد اكتشفنا معاً بان موعد طائرتنا المغادرة سوف يكون الساعة الثانية عشر والنصف بعد منتصف الليل .
الساعة الآن لم تبلغ التاسعة وبدأنا نفتح حواراً ثقافياً حول الأدب والدين والفلسفة وشعرت بأنه يدفعني للحوار حول فلسفة ابن العربي والسيدة رابعة العدوية والإمام الغزالي ، وبدأنا الدخول في علم رحب واسع في فلسفة شفافية النظرة الروحية للإمام الغزالي والسيدة رابعة وعشقها الإلهي النادر . فشاهدت الدهشة ترتسم على وجهه حينما وجدني أغوص كثيراُ في مثل هذه المواضيع التي أعتبرها من الثقافة الدينية البديهية والتي يجب أن يتمتع بها كل إنسان صغيراً أم كبيراً لأنها لها علاقة حميمة مع خصوصيته الإيمانية أو عدلها مثلها مثل الثقافة الصحية والثقافة الأدبية الرفيعة ويبدو أنه لم يكن يعتقد بأن إهتمامات دينية بعيداً جداً عن عالم اختصاصه الثقافي وليكشف لي بأنه دكتور في العلوم الدينية وعلوم الصوفيات وله دراسات كثيرة ومؤلفات حول هذه المواضيع والتي يقوم بتدريسها في إحدى الجامعات في صنعاء ، هذا الحوار الفلسفي العميق والمتواصل جذب إلينا صديق آخر ومن نوع ناعم وهو مضيفة طيران كانت تجلس قريباً منا وقد شدها الحوار الهادئ الممتلئ لأناس أضحت حياتهم الماضية لغزاً مبهماً وجميلاً معاً يدل على رقي نفوسهم وعلو أذواقهم ورقتها وشفافيتها وعمق إيمانها إلى درجة الذوبان الشعوري ونشأت بيننا معرفة بأنها مضيفة في شركة طيران اليمانية وإسمها أمل وهي مسافرة إلى مصر لقضاء فترة العيد . إنقضى الوقت دون أن نشعر به حينما سمعنا عبر مكبرات الصوت في المطار بأن على الركاب المسافرين إلى مصر التوجه إلى قاعة الترانزيت في المطار ، فوضعنا حقائبنا على الأحزمة التي تذهب بها إلى الطائرة ودخلنا قاعة الترانزيت وبدأ الحوار مرة ثانية أكثر دفئاً وأكثر خصوصية فشعرت بأن محدثي الدكتور لم يعد يريد الحوار لأجل الحوار وإنما يريد الغوص بي وليعرف إلى أي مدى من المعرفة وصلت في مثل هذا العلام ، وكنت ألاحظ ذلك من خلال دفعه لي نحو حوار أبعد عمقاً عما سبق وكنت أتحدث ببساطة وثقة فاتحاً له المجال على مصراعيه ليفكر كيفما يريد . بينما جلست المضيفة قريباً وهي تصغي باهتمام بالغ وشديد للحوار وبدأت تلقي بعض الأسئلة وتقول إن هذا الحوار أعتقد بأنه لن يتكرر ولم أسمع في حياتي دقة في حوار مثل هذا ، فهذا الحوار بينكما يثري العقل ويستفز الروح للاستيقاظ من نومها أو سباتها ويقوي عزيمة الذاكرة كي تتنبه فلا تغفل عن كلمة واحدة أو حرف واحد.
الآن أقول وداعاً يا صنعاء أعلنت مكبرات الصوت في قاعة الترانزيت بأن على المسافرين المتجهين على متن الطائرة اليمانية إلى مصر التوجه نحو الطائرة لحظتها وبكل حب قلت وداعاً يا صنعاء ، وإلى لقاء قريب إن شاء الله ، لا أدري لماذا تضايقت من بعض الركاب وهم يصعدون على سلم الطائرة وبعضهم يصعد غير آبه بغيره من الركاب فلفت نظري سلم صغير عند مقدمة الطائرة فتركت الركاب وذهبت باتجاه السلم الصغير عند مقدمة الطائرة وصعدت عليه لأجد نفسي عند قمرة الطيار في مقدمة الطائرة وبأنني دخلت عكس الركاب فقد دخلوا هم من عند ذيلها وأنا دخلت من عند مقدمتها فوجدت مضيفة تضع إيشارباًعلى رقبتها ويتدلى طرفيه على صدرها تفاجأ بأنني من الركاب من الدرجة الخاصة خلف كابينة القيادة للطائرة والتي يحتلها عادة الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأثرياء فقط، فطلبت منها أولا أن تدلني على مقعدي في مكان المدخنين تحديداً وقد شدتني رؤية غرفة قيادة الطائرة الصغيرة والتي تحوي لوحات الأزرار وكأنها لغز وأحجية ومتاهة غريبة بالنسبة لي ، فقد اعتاد أحدنا أن يقود دراجة هوائية أو دراجة نارية أو سيارة على أبعد تقدير ، ولكن كلها تقاد بآلية سهل ولوحة الأزرار هذه تحتاج لخبرة كبيرة ودراسة متخصصة ودقيقة عن وعي ، وقلت لها وأنا أنتظر سكون الركاب لكي أعبر إلى مقعدي هل هناك مانع من أن ألقي نظرة على كابينة الطيار إنها مدهشة تشدني وتبهرني وكانت تقف قبالتي قائلة لا بأس في ذلك، فنظرت نظرة سريعة للفضول فإعتبرتها تحفة رائعة ومجهولة أحببتها وأنا أجهل كل معانيها . فأخذتني من يدي بلطف قائلة تفضل وسرت خلفها وكعادتي يكون حظي من السماء عند باب النجاة في الطائرة قرب الجناح فابتسمت قائلا عجيب هذا الحظ ، وقبل أن تذهب قلت لها عفوا من لطفك أن تحضري لي فنجانا من الشاي ، ابتسمت وقالت لي حاضر ، سوف يكون عندك الشاي خلال دقائق ، وبعد أن جلس الركاب بدأت أتفقد مكان صديقي الدكتور وهذه المضيفة الرقيقة المهذبة أمل فقلت من الغباء ضياع الأصدقاء ، هكذا وقد أعجبني كثيرا إسم الطائرة فهي تحفزني للكتابة والأدب الساخر لأن اسمها هو وسكي وهو ظريف جداً ، وان كنت لم أشرب ذات يوم مشروبا روحيا فها أنا الآن أسافر مع حقائبي وأصدقائي في بطن الويسكي نفسه دون أن أشعر بدوار الويسكي الآن أشعر بضخامتها وكأنها بساط سحري رقيق وأنت تسافر على متنها ، أدركت وأنا أتحدث مع نفسي وأنظر إلى الباب وكيف سوف نعبر الآن فوق البحر الأحمر من طرفه إلى طرفه الآخر طولاً وليس عرضاً فتخيلت لو أننا لا سمح الله حدث لنا شيء فماذا يفيدني باب النجاة ، لو قذفت نفسي في البحر وأنا لا أجيد السباحة ، سوف أغرق طبعاً ويأكلني السمك ، ولا يأكل أوراقي لأنه لا يهتم العلم الخارجي للبحار ، لم أكن أفكر في أصدقائي وحدي لقد فاجأني وجود المضيفة أمل إلى جانبي وهي تسألني إن كنت مرتاحاً هنا فأدركت طبعا أنها بهتم بأصدقائها ولو بحكم المهنة ولطف الأسلوب ودماثة الخلق ، فسألتها عندك كرسي فارغ أجابت طبعاً تفضل وجلست أتحدث معها حول حواري مع الدكتور فأشارت إلى كرسي قريب وقالت ها هو يجلس هناك وكنت قد اشتريت من المنطقة الحرة في مطار صنعاء قلمي حبر فضيين مزينان بأحجار شبه ماسية ، فقدمت للمضيفة قلماً كذكرى لهذه الرحلة وتوجهت إلى الدكتور وأعطيته القلم واحتفظت لنفسي بفيل صغير من البرونز اشتريته من صنعاء على شكل ميدالية ويفتح ويغلق منشطراً إلى قسمين وبطنه يشبه العلبة الصغيرة ، شكرني الدكتور على القلم ، وبدأنا دردشة بسيطة فأعطيت الدكتور الكاميرا طالباً منه تصويرنا في الطائرة ليتم تصويرنا ولتنشر هذه الصورة مع موضوع كامل عن رحلتي في مصر تحت عنوان (سلمون هذا الفردوس الصغير) وموضوع آخر تحت عنوان (نابليون ومناخير بونابرت ) ومواضيع أخرى عن مصر وزيارتي لها وكيف التقيت بالدكتور في سلمون أو بالأحرى في كوم حمادة ، وتم تصويرنا في الطائرة من قبل الدكتور وفجأة اعتذرت المضيفة المؤدبة والخلوقة قائلة سأعود بعد قليل ونهضت واتجهت نحو مقدمة الطائرة لتغيب لأقل من عشر دقائق ولتعود قائلة لقد أخبرت الطيار عن وجودك معنا في الطائرة وسوف يحضر الكابتن وهو كابتن يمني ليسلم عليك فقد ذهبت وعيدته لأنه أعلن عن العيد في اليمن غداً وكنت سعيداً بهذه اللفتة منها وهذا الإهتمام فإذا بالطيار يحضر بعد أن ترك مساعده في الكابينة وتولى جهاز الطيران الآلي عمله وصافحني وهو يبتسم قائلا وكأنه يقول طرفة ما رأيك لو أننا وصلنا إلى مصر فوجدناها صائمة ونحن جميعاً مفطرين وقد تناولنا قبل ساعة وجبة سريعة قلت مجيبا وبنفس الطريقة يا سيدي فنحن الآن في السماء ولسنا في أي من إقليم اليمن أو مصر ، وقد عيدنا مع اليمن لأن الإنسان رهن بمجتمعه وكل عام وأنتم بخير وحينما نصل إلى مصر ونجدها صائمة تكون كارثة لنا ولمن يرغب بالصيام بأنه لم يتناول وجبة السحور وأنا انفتحت شهيتي لوجبة السحور حتى لا أفاجأ فانصرف سعيداً ضاحكاً وهو يقول لعينيك سوف يأتيك السحور حالا فإذا بالمضيفات يعملن جميعاً بنقل وجبات السحور للركاب جميعاً على شرف هذا النقاش الذي دار بيننا مع الطيار اللطيف جداً قائد الطائرة بينما انطلقت مضيفتنا أمل لتحضر لنا وحدنا وجبات مكثفة وزجاجات مرطبات قائلة صحتين وعافية فانطلقت ضاحكاً وأنا أقول لها وحياتك أنا مضطر ولو صام أهل مصر أو عيدوا مع اليمن ولن أغير كلمتي وأرجع عنها ، طلبت المضيفة المهذبة ورقة فأعطيتها من حقيبتي الصغيرة ورقة كتبت عليها عنوانها في مصر وعنوانها ورقم هاتفها ووجهت لي الدعوة لزيارة أهلها وإقامة زيارتي لمصر عندهم لأن والدها ينتظرها في المطار وسوف يصحبها للبيت ويسرها لو رافقتهم ، فاعتذرت لها بأنني سأتابع سفري اليوم ظهراً إلى السودان وكانت جادة ومصممة مما جعل الدكتور مرافقنا يوجه لي دعوة الذهاب معه وأعطاني عنوانه في اليمن وعنوانه في كوم حمادة في مصر .
هنا القاهرة صباح الخير والحب يا مصر قلتها من كل أعماقي لأنها المرة الأولى التي أزور فيها مصر العريقة لأشاهد تاريخ وآثار الفراعنة اللغز والذي سيبقى لغزا حتى تحصل معجزة تحل أسرار الفراعنة التي لا تنتهي ، وكان الجو في الطائرة كما هو في اليمن دافئا لا نحتاج إلى ثياب احتياطية ولم أنتبه لاختلاف المناخ ما بين اليمن ومصر فهي المرة الأولى التي أزورها فيها ولا أعرف مناخها إن كانت صيفا أم شتاء ، الساعة الآن الخامسة صباحا هبطت بنا الطائرة في ميناء القاهرة الجوي لأقول وداعاً يا ويسكي ، ولنا لقاء آخر يا يمن وعلى الحب هانحن نلتقي يا مصر وكالعادة فإن كلمة محرر صحفي تلفت أنظر والفيزا إلى السودان جعلا الموظف يتوقف قليلاً وهو يطلب مني الجلوس ريثما يعود بجواز السفر ، وكان هناك الكثير من الناس الذين ينتظرون بعضهم نساء ومعهم أطفال وبعضهم يقول نحن ننتظر منذ ساعات طويلة وبعضهم منذ ساعة مما جعلني أنزعج جداً وأنا أرى الدكتور يعبر باتجاه الجمارك وهو يسألني إذا كنت أحب أن ينتظرني أذهب معه فأخبرته عن إصراري على السفر إلى السودان في نفس اليوم ، ووقفت الآنسة المضيفة أمل قائلة هذا هو والدي وكان يقف خلف حاجز الجوازات ، وهو رجل يتجاوز الخمسين من عمره متأنقاً ومبتسماً وسوف يسعدنا أن ترافقنا فشكرتها على اهتمامها وعلى كرم الضيافة للشعب المصري وأعلنت لها رغبتي بمتابعة السفر للسودان ، وبعد مغادرة المضيفة والدكتور بقيت في القاعة مع هؤلاء المنتظرين وكنت أقرب إلى كاونتر الجوازات فإذا بضابط يخرج من أمامي فسألته عن الباسبور فإذا به ينظر إلي قائلا متى عدت من السودان ؟ فقلت له لم أذهب بعد إليها ولكنني سوف أذهب إليها اليوم ،وإذا به يحمل جوازي ويختمه ويعطيني إياه ، لأذهب وأبحث عن حقيبتي فاستغربت ذلك والتفت خلفي لأجد حقيبتي تدور على حزام دائري أخر تبحث عني وأنا أبحث عنها على الحزام الآخر ، وحملت الحقيبة على ظهري والحقيبة الصغيرة أشاروا لي بالعبور دون أن أتوقف ومطار القاهرة لا يعرف الليل من النهار إنه حركة دائمة على مدار الساعة ، تحركت خارجاً لأجد فجأة تيار هوائي جداً جعلني أرتجف من البرد وأنا الذي كان قبل قليل يتصبب عرقاً في اليمن ، وفي الطائرة وداخل قاعة المطار المكندشة ، حينها شعرت بأني أصبت لا محالة بنزلة صدرية وكان السواقين يساومونني على إيصالي حيث أريد وكان الوقت يشارف على الخامسة والنصف صباحاً والهواء البارد مزعج جدا بالنسبة لي وأنا لا أعرف أين أذهب الآن في هذه الساعة لقضاء الوقت ريثما يطلع النهار ، فمصر لم تعلن عن العيد بل تابعت صيامها لليوم الثلاثين من شهر رمضان المبارك فقلت لأحد السواقين أريد الذهاب إلى الأهرام لأشاهد أبو الهول ريثما يبزغ النهار ، فطلب مني أجرة خمسين جنيهاً وسجلت اسم ورقم السيارة عند حاجز لشرطي عند باب المطار الخارجي ليعرف رقم السيارة إن حدث لي مكروه وهذا الإجراء لحماية الزوار والسياح ، وضعت للسائق خمسين جنيه مقابل إيصالي إلى الأهرامات ، وكنت اشعر بقشعريرة تسري في عروقي وليس بالإمكان إيقاف السائق لأقول له إنتظر لأفتح حقيبة السيارة ومن ثم حقيبتي لأخرج معطفي الثقيل وبدأت أسعل سعالاً خفيفاً وشعور بألم في صدري ، وحينما وصلنا إلى منطقة الأهرامات في الجيزة لم يكن هناك شباك للتذاكر مفتوحاً وتبرع شاب سمين كان يقف هناك بأن يتدبر الأمر بإحضار حصان لأركب عليه أنا وحقائبي لأقف عند هرم خفرع وأصور شروق الشمس من وراء الأفق مقابل خمسين جنيه فاستكثرت المبلغ المطلوب ولكنني إن دفعت له وأنا أعلم أنه يستغلني ، وأقول في نفسي مادمت ستغادر القاهرة مع طلوع النهار فلا بأس أن يستغلك أحدهم ، وحمل حقائبي حتى وصلنا قريباً من أبو الهول الصامت وآثار الندبة على أنفه من آثار قصف نابليون بونابرت له لشدة غيظه منه فقد كانت أمنية بونابرت أن ينقل أبو الهول إلى فرنسا ولكن أبو الهول ليس صامتاً عنيداً بل عنيد جداً أمام ابتعاده عن موطنه وهو حارس ضخم صامت لا يبوح بأسرار الموت الذين يقوم بحراستهم وهو رمز لأمور فرعونية لا زالت غامضة رغم اكتشاف مقبرة تحت قدميه خلال الأعوام الماضية بعد عام من زيارتي ، ذهب الرجل السمين وأحضر حصاناً وأخبرني أنه حصان هادئ لو قاده طفل صغير لسار معه بهدوء ، وقد حدث ما لم يتوقعه سمسار الخيول إذ أن الحصان ما أن أوقفوه أمامي حتى هاج وكأنه أصيب بالجنون وفر هارباً فلحق به صاحبه ورجل آخر والسمين فأعادوه وهم يستغربون لماذا جن هذا الحصان ولماذا فعل ذلك والأمر ليس كذلك بل هو يرفض أن يهدأ فأحضروا لي حصاناً آخر أخبروني أنه هادئ وسوف تكون الرحلة ممتازة فوقفت فوق عربة كارلو فارغة حتى أتمكن من الركوب على الحصان وأنا أحمل على ظهري حقيبتي الكبيرة ملتصقة بجسدي بحزام على خاصرتي وأكتافي وأحمل الحقيبة الثانية والتي تحوي الكاميرات والمسجل والمنظار وأشياء كثيرة وخاصة وركب الرجل السمين الحصان المجنون ،وبدأ الحصان الذي يركبه الرجل يضطرب مما جعل الحصان الذي أركبه يتفاعل معه فأخذت أشعر بشيء يلمس قدمي فسحبت رجلي للوراء فورا فقد كان الحصان يريد عض رجلي فنبهت السمسار فاغتاظ من الحصان قائلا أن الأمر غريب أنا أعرف الحصان منذ زمن وربما لأنه ما يزال نعسانا فقلت ساخرا هذا نعسان وأصيب بالجنون فكيف هذا الذي يريد عض رجلي وأصيب بالسعار وقد نكد علينا الحصانين إذ لم يهدأ مطلقا مما جعل الصور تخرج مضطربة فأشرت للرجل قائلا إذا سمحت إختصر الرحلة سف أغادر فق كنت اكتفيت من الآلام التي شعرت بها من جراء البرد والنزلة البردية المؤكدة ولا أريد أن أضيف إليها عضة حيوان لا أعرف نتائجها الغير سارة ، فهززت رأسي وأنا أنظر إلى أبو الهول قائلا عملتها معي لأني أزعجتك مبكراً قبل أن يبدأ موسم السياحة عفواً يا سعادة أبو الهول باي باي ..

يوميات رحالة عربي _مصر
زهرة الحب وعنوان بيت الأشباح
ما أن ترجلت عن صهوة حصاني الغاضب العضاض حتى تذكرت بأن صديق لي مصري يعمل في إحدى الكافتيريات التي أرتادها بانتظام في عمان قد أعطاني عنوان شقيقه في مصر ومعه رقم الهاتف وكان العنوان واضحاً جدا وقد قال لي أن شقيقه سيقوم بالواجب فيما لو إحتجت من يرافقني في القاهرة كدليل وسيكون شقيقه سعيداً لو يسمع أخبار أخاه المغترب خاصة وأن صديق له سوف يتكلم عنه يطمئنهم عنه ، فأرجأت الذهاب للعنوان ريثما أشتري قارورة عطر من خلاصة عطر اللوتس الشهير والتي أخذت طابع الأرستقراطية القديمة والقداسة لأنها تحافظ على نعومة الجسد، وقد ذكر عنها أساطير كثيرة وهي زهرة ترمز للحب في الزمن الفرعوني ولازالت تعتبر نادرة وتتميز بها مصر دون غيرها من مدن العالم وأيضا أول ورق استعمله البشر هو ورق البردي فنحن في مصر رمز الحضارة التي تستمر لعشرات آلاف السنين وأرض الأنبياء رضوان الله عليهم منذ سيدنا إبراهيم عليه السلام وسيدنا يوسف عليه السلام وسيدنا موسى عليه السلام وأيضا أرض وممالك الفراعنة وحضارة الألغاز والأهرامات والنيل ، وتطوع سمسار الخيول أيضا أن يخدمني لأن هناك محل لبيع القوارير ، ونسيت أن أذكر أن سمسار الخيول السمين قد أخذ إضافة للخمسين جنيه خمسة وعشرون أخرى أجرة الحصان الثاني الذي ركبه وهذا محسوب علي فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله ودفعت ، وأيضا بدأ جسدي يفقد قواه وأخذت أسعل بشكل واضح وإرتفاع في درجة الحرارة ، وحينما عاد السمسار ومعه صاحب محل العطور القائم أمام أبو الهول رحب الرجل بهذا الزبون الثقيل الدم والذي حضر قبل أن يطلع النهار ويفتح باب السياحة وباعني قارورة صغيرة جدا رضيت بها وحسب لي سعر الغرام الواحد خمسون جنيهاً ، وغص حلقي في ان أسافر وليس معي شيئاً مميزاً للذكرى فوافقت وأنا أقول هذا ثاني شخص يستغفلني وربما جعلني أدفع ثمن إزعاجه من النوم مثلما فعل الحصان ودفعت وخرجت بعد أن عرفت كل شيء عن زهرة اللوتس وكنت بعد ذلك وبعد عودتي للأردن قد كتبت عن زهرة اللوتس المقدسة وشرائي لها مع صورة في صحيفة الهدف الأردنية ، وبعد خروجي من منطقة الأهرام استأجرت سيارة ليوصلني السائق للعنوان الذي أعطاني إياه صديقي المصري ، فطلب مني السائق أربعون جنيه مقابل إيصالي من الجيزة إلى العنوان والذي تبين فيما بعد بأنه لا يبعد كثيراً عن الجيزة والجميل في السائق أنه أخذ العنوان وأضحى يسأل شخصياً عن العنوان وينزل ويسأل وبقينا ندور وندور حتى وصلنا للعنوان المطلوب ، ونفس البناية ونفس رقم الشقة ، وصعدت وأنا في غاية الإعياء فقد بدأ الإعياء الشديد يضرب بجسدي بشدة وأخذت درجة حرارتي ترتفع فشعرت أنني لا أريد سوى أن أنام فقط وأن يتوقف الضيق أو الالتهاب في صدري وهذا الإنهيار وحينما قرعت الباب تفاجأت ببواب العمارة يخبرني أن هذا الإسم لا تعرفه وهذا ليس العنوان فغضب السائق الذي يرافقني صارخا بها أن هذا العنوان هو المكتوب في الورقة هو رقم العمارة وهذا رقم الشقة فلماذا تكذب حينها أخبرته أنني لست بحاجة لصاحب العنوان وفقط كنت أريد أن أسلم عليه وأطمئنه على شقيقه في الأردن وأتابع سفري ، فإذا بالسائق يعرض علي أن أكون بضيافته لعدة أيام حتى تتحسن صحتي وبعدها أتابع السفر فشكرته وأنا أعلم بأنني في هذا الوضع الصحي أمام أمرين إما الرجوع فوراً لليمن ثم الأردن حتى أتحاشى المضاعفات المرضية فإذا بالسائق يسألني ألا تعرف أحدا هنا فقلت له نعم لأنني تذكرت الدكتور الذي تعرفت إليه في صنعاء وهو يسكن في كوم حمادة فأعاد للمرة الثانية عرضه في أن أذهب عنده بضيافته فشكرته للمرة الثانية وتوجه بي إلى مجمع سيارات وكانت قريبة من محطة القطار وحينما نزلت اخبرني أننا قد تكلفنا كثيرا وهو يريد فقط ثمن البنزين فسألته كم تريد فقال قدر ذلك لقد درنا في عدة أحياء فناولته أربعين أخرى فنظر عليها نظرة عدم رضى ولكنه في النهاية قبل وودعني وانصرف وجلست أفكر في العودة لليمن أم المتابعة للسودان وأنا في أسوأ وضع صحي لي لا أدري مدى مضاعفاته أم أتوجه إلى كوم حمادة لإنقاذ الموقف أو أزيده تعقيدا وغدا هو يوم عيد الفطر السعيد والساعة كانت بلغت الثانية عشر ظهراً، فلا أنا قادر على السفر للسودان الآن ولا أنا وجدت بيت شقيق صديقي وكأننا نبحث عن بيت وهمي سرقته الأشباح
كوم حمادة والضيف الغريب
كنت أظن أنني سأرتاح قليلا في المواصلات وسأصل سريعا فإذا بالمركبة بصل إلى إحدى القرى وينزل كافة الركاب فأخبرني السائق بأن هذا آخر موقف وسيعود للقاهرة وإنني بحاجة إلى مركبة ثانية متوجهة إلىكوم حمادة فصدق المثل القائل (الغريب أعمى ولوكان بصيراً )لأنه لا يعرف شيئا فوجدت سيارة بكب ولكنها مثيئة للركاب وكل شيئ حتى سقفها العلوي فركبت فإذا بالسائق يخبرني أنه لا يوجد ركاب ولن يتحرك قبل أن يأتي ركاب ، إلا إذا دفعت أجرة الركاب جميعا فسألته كم الحمولة فقال خمسة وثلاثين جنيها فدفعت له علني أصل قريبا فقد بدأت أشعر بالضيق من الألم وصداع ولم أعد أستطيع التدخين خشية أن أبدأ بالسعال القهري ولو كان خفيفا وشعرت وكأن صدري جاف ومتشقق من الجفاف وحار جدا أو ساخن جدا وهذا الموقف لم ينسيني جمال وروعة وإبداع الشارع المحاذي لنهر النيل ويحيط بالشارع بساط مترامي الأطراف م الخضرة والنخيل والبساتين وتدعه على جانب الشارع وبعض نسوة جلسن ينظفن أواني مطبخ ، وامرأة تقوم تحميم طفل في ماء الترعة وحولها الكثير من الدجاج والإوز كان منظرا تمنيت لو أنني نزلت وجلست على قطعة بسيطة من هذا البساط المضمخ بالشذى ومغسول بالندى وطبيعة أهل المنطقة من البساطة والطيبة والتواضع والحب إنه عالم لا يمت لعالم الماديات بشيء أو بصلة ، كدت أنسى مرضي كدت أنسى العالم كله برغم الإجهاد الشديد وشعور بالنعاس وحاجتي لمحاولة علاج نفسي قبل كل شيء وهنا الجميع يتهيأ لاستقبال العيد والذي لا يفصله عن هذه الساعة سوى ساعات قليلة تعد على أصابع اليد وكم تمنيت لو أنني أجلس هنا وأرتاح قليلا ومعي فنجان شاي دافئ فهذا يعادل العالم هنا وطبعا لم أفعل والأمنيات كثيرة وأنا ضائع لا أدري أين هو كوم حمادة هذا فوصلنا إلى قرية لا أعرف اسمها ولم يلتصق بذاكرتي لشعوري بالاجهاد وعدم التركيز وتكرر معي نفس الشيء حيث لم تصل السيارة إلى كوم حمادة بل لقرية قريبة منها فكدت أنفجر غيظا ، ويبدو أنني أستعمل مواصلات قروية أو أنه لا بديل لها أعرفها شخصيا وتوجهت لسيارة بكب أيضا على نفس الشاكلة وتكرر نفس الشيء خناك ركاب بعكس مساري وكان يقف بجانبي رجل قروي وكان هناك على ماأذكر خط سكة حديدية تدل على وجود قطار يمر من منتصف القرية فإذا بالرجل القروي يقول لي بكل بساطة تفضل وأقم مكرما عندنا حتى تستريح من السفر وتبحث عمن تريد ونحن نوصلك إليه شكرته على كرمه الأصيل فأنا بحاجة إلى أخذ حريتي ولا أرغب بمضيقة أحد ولو كان هناك طائرة تتجه لليمن يومها لعدت فوراً إلى اليمن لأنزل في فندق فأنا قادر على التصرف في اليمن بسهولة بينما هنا بت عاجزا حتى عن التفكير وأعرف الفرق بين مصر الهائلة بالمساحة والتعداد وبين اليمن فكل دلة لها خصوصيتها التي تميزها وعدت للحديث مع السائق الذي طمأنني بأنه لن يتركني حتى يوصلني لبيت صديقي فدفعت أجرة الركاب وسارت بنا السيارة وكان السائق لطيفا وذكيا فطلب مني العنوان فأعطيته العنوان مكتوبا بخط يد الدكتور شخصيا وكنت مقهورا من الظروف التي مررت بها وهذه الانتكاسة المرضية المفاجأة فقد حاولت النوم في القاهرة في فنادق أخذني لها السائق الذي صحبني من منطقة الأهرام فبحث عن عنوان شقيق صديقي والذي وجدنا عنوانه ولم يعترف مخلوق بوجود هذا العنوان وأنكروا المخلوق ، اتجهت بنا السيارة في الشارع الموازي لنهر النيل وكان المنظر مغريا جدا ورائعا وبهيجا يمنح النفس نشوة الإنطلاق وصورة لا تنمحي من الذاكرة وفجأة اختفى نهر النيل ليبرز لنا فرع منه كبير يتم اجتيازه بواسطة معديه وقد كانت إحدى المعديات تحمل ركابها من الفلاحين البسطاء الرائعين والأتقياء ونتاج أرضهم وبعض البهائم التي يستخدمونها لحمل أشياءهم ويعتمدون عليها بنقلهم من مكان إلى مكان في ارض هي أشبه ما تكون بسجادة رائعة تحمل كل الألوان بطريقة مغرية وجميلة ولوحة نادرة رسمتها يد الفالحين الخشنة ورفدها النيل بفروعه التي تهب الأرض نمائها وعطائها وفجأة برزت لنا بيوت كثيرة ومقطع لسكة حديد فولج السائق في الشارع الذي يقطعه خط السكة الحديدية متجها نحو شيء يشبه سوقا شعبية وباعة على بسطات وقد استعدت البلدة لاستقبال العيد فهذه الدويخات والمراجيح منتصبة وقليل من الصغار ينظرون إليها بلفة وينتظرون بفارغ الصبر صباح اليوم التالي وفجأة توقف السائق أمام إحدى البقالات وسأل امرأة تبيع عصير قصب سكر والذي لم يسبق أن تذوقته كعصير يباع هنا بسعر رخيص لا تتجاوز العشرة ساغ أي مايعادل قرشين ونصف بالعملة الأردنية وهو مبلغ في غاية الرخص فقررت النزول وشربت كوبا متوسطا من عصير القصب والذي يحمل طعما لذيذا لم أستطع مقاومته وكان السائق يتنقل بين البقاليات حتى وجد رجلا يجلس أمام بقالية (دكان) يشير له نحو دخلة _شارع فرعي قائلا إنه الباب الرابع على اليمن وأعتقد بأنني رأيته في الصباح يعود لاهله من اليمن فسررت أنني في النهاية وجدت مكانا أستريح فيه وأجدد نشاطي الجسدي ولأتخذ القرار الملائم والسليم للسفر أو العودة وإن يوما كيوم الوقفة يعني تعطيل كل شيء فالكل يستعد للعيد من شركات ومؤسسات حكومية ومحلات خاصة فلم أفلح بإيجاد مكان أتصل به في الأردن فالمكتب الوحيد للاتصالات الدولية في البلدة مغلق لأنه يوم الوقفة، عاد السائق مبتسما وقال لقد وجدنا العنوان الحمد لله وكل عام وأنت بخير ، كان حديثه صادقا وكان فرحا أنه حقق شيئا يسرني وهذه اللفتة المهمة كانت رائعة من إنسان لا تعرفه يتوائم معك ، يشعر بك وشعر بأنك لست من أولاد البلد وعدم إيجاد العنوان تعني مشكلة فهذا ما قد يتبادر للذهن فركبت حتى وصلنا الباب الذي أشار عليه الرجل فوقف السائق ونزل حاملا الورقة بيده وكأنه يريد الاطمئنان وقرع جرس الباب قائلا إن لم نجد العنوان فبيتي هو بيت أخ لك وصديق وكانت هذه الكلمات بمثابة دواء ، فأجمل ما في الإنسان هو شعوره الإنساني النبيل وتحركه العفوي ، فخرج شاب صغير قائلا أهلا وسهلا وقبل أن أتكلم سأله السائق بلهفة قائلا هل هذا بيت الدكتور فأجاب الشاب نعم تفضل فقلت هل الوالد موجود وقبل أن يجيب كان الدكتور يقف خلفه مندهشا من حضوري قائلا أهلا وسهلا ماذا حدث حتى أتيت ؟ فأعلمته بالحكاية وأنا لا أستطيع الآن السفر بل أفكر بالعودة فصحتي لا تسمح لي بالسفر بعد أن علمت أن القطار يقطع المسافة من القاهرة إلى أقصى الصعيد قريبا من الحدود السودانية بيوم وليلة سفرا متواصلا وهذا يعني منتهى الإرهاق وأنا في هذا الوضع الصحي المتردي، فرحب بي وسألني عن حقائبي والتي قفز السائق مسرعا وأحضرها قائلا أهلا بك في مصر بين أهلك وصحبنا إلى غرفة الضيافة والتي لها باب يؤدي إلى الباب الخارجي وباب إلى داخل البيت ، فسألني قائلا هل ترغب بتفريغ غرفة النوم لتستريح فقلت لا سوف أستريح هنا في الغرفة حتى لا أرهق أحدهم فضحك الدكتور وقال لن ترهقنا أبدا وكان مندهشا ولم يجد أن الموضوع أضحى أمرا واضحاً إلا قبل آذان المغرب بقليل وحاولت أن أتصل بالأردن بأصدقائي لأبلغهم عن سفري من اليمن حتى لا يتصلوا في الفندق في اليمن وحتى أبلغهم بما حدث معي ، إن مكاتب الاتصالات مغلقة ، مكاتب البريد مغلقة في يوم كهذا وغداً العيد، وهذا يعني أنني محاصر ومعزول حتى تمضي أيام العيد فأذهب إلى أكبر بلدة من كوم حمادة وأتصل من هناك من مكاتب البريد الحكومية وأشتري كرت اتصال دولي فلم أعد أفكر بالموضوع حتى أرى ما يحدث وبدأت أخرج الأدوية التي أحملها لساعة مفاجئة كهذه من مضادات حيوية إلى مضادات الالتهاب وأقراص فوارة فيتامينات سي وفيتامينات أخرى لتساعد على الشفاء ، وخرج الدكتور تاركاً أمامي صحناً كبيراً فيه كعكاً أخبرني بأن أحدهم فيه تمر والآخر فيه ملبن وكان فخوراً وهو يتحدث عن الكعك بالملبن وكنت أسمع به في المسلسلات المصرية وأفلامها وكنت أظنه كما هو اسمه عندنا في بلاد الشام فالملبن هنا مصنوع على شكل رقائق وردية من عصائر العنب وهي شبه مطاطة ولها حلاوة محببة ولطيفة وكنا نشتريها ونحن صغاراً حتى كبرنا ، ففتحت حبة كعك لأجد فيها شيئاً آخراً إسمه عندنا راحة وهو موجود عندنا أيضا ً وبعضهم يسميه حلقوم وهو على شكل مكعبات وأحيانا مكعبات مستطيلة وقد نشر فوقها السكر المطحون فأدركت بأن لكل أمة مصطلحاتها الغذائية ومصطلحاتها الاجتماعية حتى تجد بأن ابن القاهرة تختلف لغته في الكلام عن ابن الصعيد أو الأرياف وهنا شيء معروف في حياة الشعوب وكل إقليم له لهجة معروفة ومتميزة بها.

وتمددت على الكنبة ولم أشعر كيف نمت حتى الصباح ولأصحو مبكراً وجسدي في نهاية الإرهاق فتناولت بعض الكعك حتى أستطيع تناول الدواء وفي حوالي الثامنة فتح الباب ودخل الدكتور بدشداشة بيضاء وجاكيت وعباءة فكدت أضحك فعرف أنني مستغرب فقال لي : لكل مكان لبوسه ، وأنا الآن في بيتي وقد ارتديت ما يريحني وأستقبل به المهنئين لي بالعودة والعيد وقال لماذا لم توقظنا حتى نحضر لك الشاي فشكرته فإذا به يقول لي في حال رغبت بالخروج للتجول بالمدينة فإن ابني سوف يسره أن يرافقك ليدلك على الطريق حتى لا تتوه ، وكنت أريد هذا الموضوع أولاً حتى أرى العيد في مصر فهي أكثر مدن العالم وبلاد العالم اهتماماً بالأعياد الدينية الخاصة فتشعر بفرحهم وفرح الأطفال والترابط الأسري ، كل عام وأنتم بخير ، هنا كوم حمادة البلدة الوادعة الريفية الرائعة حيث تحتضنها البساتين الممتدة المسافات بعيدة على ضفة النيل أو أحد فروعه ربما يجد البعض بأنني لو امتدحت القاهرة أو الإسكندرية أو أي مكان كبير مشهور فسأكون منصفاً وليس بلدة بعيدة ولا يوجد فيها ما في المدن الكبرى وأنا أشعر بعكس ذلك لأنني أكره الزحام ، والضوضاء وتوهان المدينة الغول التي تبتلع كل من يدخلها فلا يدري بأي طريق يسير بعكس هذه البلدة وبساطة الريف وطيبة أهلها وكرمهم وتعاونهم معاً ، كان اليوم الأول بالعيد خرجت لأقف أمام رجل معه بندقية يعبئها أو يذخرها بطلقة تدفع بالهواء على شكل دبوس تطلقه على صورة ممثلة أو ممثل فإن أصبته فلك جائزة وإن لم تصب فلا شيء لك وكان أمامه ألعاب ومسدسات بلاستيك وأشياء كثيرة للأطفال فأعجبتني اللعبة وأطلقت عدة رصاصات هوائية ولم أصب ولو ممثلة واحدة بأذى وألقيت البندقية على البسطة وانصرفت لأرى العيد في مصر وسعادة المصريين كباراً وأطفالاً وهم في ذروة سعادتهم ، وكيف تكون الحياة البسيطة والمتواضعة ولأمضي بقية يومي أتجول في البساتين التي تحيط بكوم حمادة وكان يرافقني ابن الدكتور الكبير وهو في السابعة عشر من عمره أو الثامنة عشر ، وجلست خلال ذلك اليوم في إحدى المقاهي وطلبت نرجيلة وشربت شاي وكانت نار الأرجيلة من أكواز الذرة الجافة والتي لا تكاد تشتعل حتى تنتهي وليس كالفحم للنرجيلة ، ولم أدخنها لأن صدري وحلقي لا يسمحان لي بتلك المغامرة الصعبة في الوقت الراهن وكان الجو والهواء رائعان بالنسبة لي صحيا ً وبعد جولتي هذه طوال اليوم عدت إلى بيت الدكتور فإذا به يخبرني أن هناك عرسُ لابنة شقيقته في قرية سلمون غداً وكنت سعيداً أن أتلقى دعوى كهذه فهي تعطيني تصوراً أكثر بعداً عن الحياة في الريف المصري ونمت ليلتها بعد أن تناولت دوائي وأنا أتخيل كيف تكون الأفراح في الأرياف .

يوميات رحالة عربي _ مصر
سلمون هذا الفردوس الصغير
كنت مدعوا لحضور حفلة زفاف في قرية سلمون والتي يحتضنها فرع رشيد على ميمنتها وفرع آخر بشكل حزاماً ورافدا آخر على ميسرتها ويحتاج أهل القرية لاجتياز المعدية التي تقلني مع الدكتور والذي هو خال العروس وقريب للعريس من جهة أخرى ومعه والد العروس الذي توقف ليتحدث مع السائق بينما أشار لي وهو يبتسم أن أسبقهم إلى المعدية والتي تقف على أطراف الماء وحافتها تتكئ على حشائش وكان قد سبقني إلى المعدية فتاه صبية لم تتجاوز العشرين من العمر ومعها خضار أنزلته عن دابتها ووضعته في المعدية وأركبت دابتها وركبت على المعدية والتي تتكون من ألواح خشبية رصت على بعضها بعض وثبتت من الأسفل وشبه درابزين خشبي للاتكاء عليه للواقفين في المعدية كحاجز من السقوط (فتاة تنقذني من الغرق )
إنها المرة الأولى التي أركب فيها المعدية وليس هناك فناً بركوب المعدية بل الفن أن تعرف أين تضع قدمك فقد تقدمت أصدقائي لأركب المعدية ولم يعد يفصلني حوالي نصف متر من الحشائش التي تغطي الأرض وحينما حاولت أن أمد يدي على درابزين المعدية وأضع قدمي على الحشائش الخضراء لم أدر ماذا حدث سوى أنني لم أستطع لمس الدرابزين ولم أصل إلى المعدية بل شعرت بأنني أنزلق وكدت أهوي إلى الماء وفجأة شعرت بأنني معلق وظهري للمعدية ومن ثم شيء يرفعني بسرعة ويضعني في المعدية ولم يبتل سوى نصف البنطال وطرف جاكيت البدلة .
وحينما نظرت حولي او على الأخص نحو الجهة التي شعرت بأنها لها الدور في إنقاذي وجدتها الفتاة والتي كانت تقف على حافة المعدية ولم يحتاج إنقاذها لي سوى أن قبضت على الجاكيت من الخلف وقد تمكنت قبضتها من القميص أيضا ورفعتني كما ترفع (عروس قماش) وليس رجلا.
ووقفت تنظر إلي وكأنها لم تفعل شيئا بل على العكس كنت أرى في وجهها الارتياح والسعادة .
وحينما شكرتها لم تتكلم كانت المفاجأة والحياء لتجعل كل منا مضطربا وحضر الدكتور وزوج شقيقته والذي يعمل مدرسا في سلمون وهم مستعجلين بعد أن شاهدوا ما حدث .
وكنت أتوقع أن تتكلم حينما شكرها الدكتور و الأستاذ لكنهما من أبناء المنطقة على الأقل.فقط أطبقت رموشها باستحياء وبسرعة ردا على الشكر .
ونظرت إلينا وكأنها لا تريد شكرا بل تشعر بشيء من الفرح والثقة بالنفس بأنها فعلت شيء هي مقتنعة به وليس بحاجة للشكر لم أحاول تدقيق النظر بها .فقد حاولت مرارا أن ارسم ملامح وجهها في ذاكرتي وفي كل مرة كنت أجدها تنظر إلي باهتمام ربما لكوني غريبا في هذه المنطقة وحينما اقتربنا من الضفة الثانية كانت الصبية قد سبقت الجميع بالنزول هي وحمارها وخضارها ووقفت تنتظر نزولي منزل الأستاذ سابقا إياي محاولا أن يمسك يدي وقد حذرني بان هذه الحشائش ليست على الأرض بل هي حشائش نيلية تعيش وتنمو في مياه النيل .
وحينما تيقنت الفتاة أنني أضحيت على اليابسة استدارت مطمئنة في عينيها شيء لا افهمه أبدا .
كانت طريق القرية طريق ترابية على يمينها ترعة صغيرة جلست امرأة على حافتها تغسل بعض الأواني المنزلية، وقد غطت النظر بالنسبة لي من المنطقة الجنوبية أشجار النخيل وأشجار كثيرة قريبة من الماء لم أرى ابعد منها بينما الجهة الشمالية كانت منبسطة تماما وقد ظهرت نباتات الذرة ،وحقل ممدود في البرسيم ومساحة مربعة من الشعير ،ومساحة مستطيلة من القمح ،ومساحة قريبة من التاريخ وقد زرعت بنباتات الفول وقد كان على طرف الطريق بضعة جواميس كانت تجثر ما أكلته،وبعض الدجاجات والديوك ،وقليل من الإوز يمثل الطريق دون أن يضايق المارة الفينة والفينة يظهر شخص عابر يركب حماره وهو يحفزه على اليد فيلقي التحية ويتابع سيره حتى دخلنا القرية ذات البيوت الطينية المتميزة ويلاحظ أمام معظم البيوت مضخة يدوية للماء وأمام معظم البيوت أو على ظهرها عيدان الذرة الجافة واعتقد بأنهم يقومون بتجفيفها من اجل التدفئة والخبز والطهي على النار وربما لاستخدامات أخرى لم ألاحظها وكانت الطريق متعرجة وتحيط البساتين بالبيوت من كل ناحية ولاحظت بأنهم يعرفون بعضهم بعضا وبأن الغريب يبدو واضحا دون شيء لأن معظمهم أقارب ويعرفون بعضهم بعضا صغيرا وكبيرا ويعرفون حتى أقارب بعضهم بعضا ولاحظت وجود سماعات كبيرة تتجه واحدة منها إلى ناحية الشمال وواحدة أخرى ناحية الجنوب مثبتة على قطعة خشبية فانتبه الأستاذ والد العروس إلى ما لفت انتباهي فقال باسما ،أن هذه المكبرات هي مكبرات المسجد وهذا البيت الترابي مسجد القرية .ويعتبر المسجد هنا مثل الإذاعة أو له دور الإذاعة المحلية للقرية والمذيع هو أمام المسجد فالمسجد للعبادة ،ولكن لإمام المسجد دور اجتماعي ولهذه المكبرات دور ففي حالة الوفاة لأي شخص في القرية يتم الإعلان عنه في مكبرات الصوت ليعلم كل أهل القرية بذلك ،ولا يقتو ذلك على الوفيات بل يتعداها للإعلان عن موعد الأفراح ،والإعلان عن فقد طفل أو فقدان جاموسة أو دجاجة أو بطة ،وهذه الأشياء الاجتماعية يقوم بها الإمام أو المؤذن كخدمة اجتماعية أو إنسانية ،أو دينية لأن هذه القرية عبارة عن أسرة واحدة وأقارب متداخلين بالدم والنسب ولم يكن موقع بيت والد العروس بعيدا عن المسجد فهو لم يتم حديثه حتى كنا أمام حشد من أهل القرية وقد اجتمعوا في شارع ترابي تحيط البيوت به يمينا ويسارا بامتداد غير بعيد .
وقد جلس الرجال على مقاعد خشبية صفت قرب جدران البيوت بينما في الجهة المقابلة وضعت عربة (كارلو) بدون حصان ،ووضع فوقها كنبتان للعريس العروس بعد أن وضع على خشب العربة للتغطية حرامات ملونة وبسط صغيرة ،ككوشة مصغرة أو كوشة ريفية متواضعة ورائعة في بساطتها بينما كانت النساء والفتيات يرقصن ويزغردن أمام العروسين فيما انشغلت نسوة أخريات من صاحبات البيوت القريبة من العرس بعمل الشاي والقهوة للحضور تطوعا ومشاركة منهم مع صاحب العرس لان أهل القرية يعتبرون أن كل فتاة تتزوج هي ابنة الجميع والعرس للجميع والفرح للجميع والمشاركة للجميع ونادرا من يعتذر عن مثل هذه المناسبات أن كانت أفراحا أم أتراحاً إلا لسبب قاهر كمرض شديد أو وضع قهري يفرض عليه التخلف مع الاعتذار .
وبقي الاحتفال ساعات فقد بدأ الاحتفال بعد صلاة الظهر وبقي حتى الرابعة والنصف تقريبا ،وقد اصطحبني الدكتور إلى بيت الأستاذ والذي هو زوج شقيقته ووالد العروس الأستاذ وقد ظهرت بعض بنادق الخرطوش وهم أصحابها بإطلاق بعض الأعيرة النارية تعبيرا عن الفرح وكنا قبل نهوضنا نتحدث عن عادات بعض الشعوب والقبائل والأشخاص بالتباهي بإطلاق النار بالأفراح والمناسبات وكثيراً ما كانت مثل هذه العادات السيئة والمشاركات الغير ذكية في الأفراح تؤدي إلى كارثة وقتل أو إصابة أبرياء لا ذنب لهم .
وكان لظهور هؤلاء الرجال المتحمسين ردة فعل لدى والد العروس وخالها الدكتور والذي رحب بهم ورجاهم رجاء شديداً أن لا يتم إطلاق النار فهو يتقبل كلمة التهنئة بصدر رحب ،وأسلوب البنادق للتعبير عن الفرح غير عليه الزمن وهو أسلوب غير حضاري ، تقبل الأشخاص الموعظة وقدموا تهانيهم .
دخلت مع والد العروس سابقين لصديقي الدكتور خال العروس إلى زقاق ضيق ترابي وعلى جانبيه رصت بيوت طينية جنبا إلى جنب وكانت رائحة الأرض تعبق بروث الحيوانات والدجاج ، ولكن هدوء القرية وسكينها ولطف أهلها يجعل المكان في أتم روعته كمكان وأناس ، كان البيت الذي دخلناه لا يختلف عن بيوت القرية في منظره الخارجي فقط حوش صغير لا يزيد عن أربعة أمتار وبنفس العرض يؤدي إلى شبه صالون أو ممر للغرف ، غرفتان على اليسار وعلى اليمين مطبخ قروي وباب يؤدي إلى حوش خلفي أو ساحة خلفية كان الدجاج ينطلق منها نحونا في الغرفة الأولى على اليسار والتي تعتبر غرفة الضيافة وكانت الأريكة(طوب لبن ) وأخشاب طولية هي التي تشكل الأريكة وفراش أرضي متواضع ، وما أن جلسنا وأحضر لنا إبريق الشاي العاجل حتى حضر العريس والعروس إلى البيت وجلسنا ندردش حول الزواج في المدينة والزواج في القرية والفروق الهائلة بينهما فهذا عرس قائم في فندق فهذا عرس قائم في فندق أو صالة أفراح ، عروس وباقات ورود وعريس وأناس يحضرون للتهنئة وكل شيء زائف ومكلف جدا ومرهق للزوج ومدمر للمستقبل الأسري ، وعرس آخر في بيت متواضع أو في حي متواضع وعروس وعريس وأناس بسطاء طيبون فرحهم عفوي صادق يأتون للتهنئة وقلوبهم مليئة بالحب والعفوية والإخلاص وحياة لطيفة بسيطة خالية من التكلف والزيف والخداع والكذب ومليئة بالحب ، هذا هو الفرق بين عالمي عالم القرية وعالم المدينة ، عدت إلى عالمي الواقعي وحديثي مع العروسين بعد أن سمعت والدة العروس ترحب بنا جميعا والسعادة والفرح في عينيها وفي ملامحها وكانت تضع صينية كبيرة وفيها ذكر بط للعشاء ولكوني نباتيا لم أذقه أو لم أتذوق طعمه وكان زوجها صاحب البيت هو الغطاء لي حيث قال لي لو علمت بأنك لم تأكل من طهيها وهذا الذكر فسوف تعتبرها إهانة كبيرة ولكنني والحمد لله أقدر وضعك وسوف آكل حصتك وأبلغها بأنك امتدحت طهوها وكان سعيدا بمناسبة زواج ابنته والضيوف والذي كانوا يتكونون من ثلاثة أشخاص زوج ابنته والذي يعمل في الأردن وقد حضر لمصر من أجل الزواج ومن ثم العودة والثاني الدكتور وهو شقيق زوجته ويعمل في اليمن وقد حضر منذ أيام قليلة والثالث كنت أنا شخصيا والغريب بينهم والغريب عن القرية ، كان صوت ثغاء بعض الأغنام قريبا جدا من والدجاجات والبطات معهم مطلق الحرية للتجول في أنحاء البيت من دون موانع ورائحة خبز شهي على النار يتم خبزه ونمت نوما متقطعا من ألم تمزق في العضلات من الحقيبة التي أحملها وترافقني أينما حللت وارتحلت مع شقيقتها الحقيبة الصغرى بأدواتها والكاميرا والأوراق وأفلام التصوير الغير محمضة وصور كثيرة عن الرحلات السابقة .
• جولة على شاطئ النيل
آه ما أروع صحتك هذا كان حديثي مع نفسي وأنا أقف على حافة النيل وإلى جانبي الأستاذ المضيف لي حتى نهاية هذا اليوم فقد عاد الدكتور وزوجته وأولاده إلى كوم حمادة وبقيت أنا هنا مع الأستاذ والد العروس أراقب مركبا صغيرا فيه صياد سمك ومعه إبنه يلقي شبكته في الماء ويعبر قليلا ويعود فيسحبها بلا شيء ، كان النيل يجري باتجاهه المعتاد مانحاً كل الأراضي على جانبيه الخضرة والجمال والخصب والحياة للفلاحين البسطاء كنت أرغب بركوب القارب وأن ألمس وجه الماء ماء النيل بيدي من أوسطه وأنا في القارب أريد أن أعيش لحظتي بكل أبعادها فليس كل يوم أنا في مصر. الله وحده يعلم متى أعود هنا مرة ثانية أم لا أعود مطلقا هذا كله علمه عند الله ، نادى الأستاذ على الصياد العجوز وكان يعرفه وحينما ركبنا القارب عرفت أنه ومنذ الصباح لم يصطد سوى خمس سمكات فقط فأحيانا النيل يعطي كثيرا وأحيانا يفر السمك إلى مكان آخر هكذا كان حديثي وهو يجدف بينما أنهمك الطفل بعمل كنكة شاي في صحن مطلي تالف على نار أكواز الذرة الجافة ، كانت الكنكة عبارة عن علبة لخضار فيما مضى وثقبت في أعلاها ووضع لها سلك حتى تكون لها يد لتمسك منها أثناء عمل الشاي ، كانت ألذ كاسة شاي تفتح الدماغ كما يقول الأخوة المصريين ، كان المنظر ساحرا زرقة رائعة عميقة صامته للنهر وعلى جانبيه عباءة من الخضرة والربيع والخضار والفواكه وأشجار الموز والنخيل وتمنيت لو أنني متاح لي النوم لأنام على لذة رائحة الماء والأرض وعرس الألوان الذي يمتد بعيدا ، وبقينا نتجول في النيل لأكثر من ساعة لنعود بعدها إلى الشاطئ المشبع بالماء وعلى مقربة كانت هناك آلة ضخمة تطفو على وجه الماء عرفت أنها حصادة لحشائش النيل ، وبعدها انطلقت مع الأستاذ إلى القرية ومنها إلى كوم حمادة استعدادا لسفري في اليوم التالي ، وكنت قد كتبت عن جولتي هذه كاملة في صحيفة الهدف الأردنية تحت عنوان (سلمون هذا الفردوس الصغير)

يوميات رحالة عربي – مصر
بعد منتصف الليل في قطار الصعيد
وداعا يامصر أقولها وكأنني منذ لحظات دخلتها ومحزونا أغادرها إلى اليمن أرض التاريخ المغرق في القدم ، ولم أسافر إلى السودان بسبب مرضي المفاجئ وها أنا أستعد لمغادرة البلدة الساعة الثانية صباحا وكنت لا زلت لم أنم حتى لحظتها منتظراً أن يصحبني الدكتور إلى محطة القطار الذي سيصل بعد حوالي نصف ساعة كما يقولون وبأنه عادة يصل إلى القاهرة بحدود الساعة السابعة والنصف صباحا وإذا تأخر فإنه يصل بحدود الساعة الثامنة صباحا أي بتأخير نصف ساعة ، دخل الدكتور غرفتي فجأة وهو يلبس دشداشة بلدية ويلف رأسه بمنديل للرأس أو حطة والبعض يسميها غترة وجاكيت يقي صدره برد الصباح فاجأه أن يجدني لا زلت جالسا فابتسم قائلا الآن يحضر القطار ، توجهنا إلى المحطة والتي كانت لحسن الحظ قريبة جدا وذهب إلى شباك التذاكر وقطع لي تذكرة سفر بالقطار ثمنها فقط جنيهين مصريين للقاهرة ولم يكن في المحطة سوى عدد قليل جدا لا يتجاوز الأربعة ركاب أنا من بينهم ولم يطل مكوثنا حينما سمعنا صوته وقد بدأت تظهر لنا إضاءة هذا المصباح المضيء في جبهته أو واجهته وليقف على خطه المحاصر به وقد أخذ يخرج صوتا كأنه ينفس عن نفسه بعد أن سار مسافة لا بأس بها وصعدت للقطار بعد وداع الدكتور كانت المقطورة فارغة تماما إلا مني وكنت مرتاحا وإلى جانبي حقيبتي الكبيرة وتجلس لجانبها الحقيبة الصغيرة معززة مكرمة وكانت تتسلل إلي نسمات باردة لا أدري من أين تأتي حتى شعرت وكأن ساقاي ترتجفان من البرد ، وأنا أفكر لماذا يظهر القطار في السينما المصرية ممتلئاً بالركاب ولكنني الآن أراه فارغاً وهذه مقطورة كاملة فارغة ليس فيها غيري وقبل أن أفرح كثيراً توقف القطار أمام إحدى المحطات ليفتح الباب باب المقطورة ويدخل أكثر من عشرة أشخاص دفعة واحدة وليخرب باب المقطورة والذي لم يعد باباً ينغلق وليدخل الهواء البارد علينا بكل ارتياح وكان هناك شاب يحاول إصلاحه دون جدوى حتى وصلنا إلى محطة ثالثة لأجد أن المقطورة ضجت بالركاب ولأجد رجلا ملثما من البرد يكلمني بكل خشونة :-أبعد حقائبك سوف أجلس هنا فبدأت أستصعب الموقف فهذا يستفزني لأنني لم أجد مكانا لأضع الحقائب فوضعتهما في حضني بكل أوزانهما وقد كان لهما دور في منع رجلي المتراقصتين من البرد الداخل للمقطورة بكل ارتياح ، ويتوقف القطار في محطة رابعة وخامسة وسادسة لأرى الركاب يجلسون على رف الملابس في داخل المقطورة وحتى أن الوقوف في المقطورة كان يزداد كل وقوف للقطار عند المحطات المتتالية ، حتى أن أحدهم كان يجلس على حافة المقعد الذي أجلس عليه غير آبه بمضايقتي أو مضايقة غيري ، وبقي مسلسل التعذيب النفسي بالبرد والنظر إلى الساعة وموعد وصول القطار وكيف أصل إلى المطار قبل مغادرة الطائرة المغادرة لليمن وقد بلغ توتري لذروته وقد تجاوزت الساعة السابعة والنصف صباحا ولم نصل بعد وشعرت بجفاف في حلقي وتمنيت لو أنني أحصل على فنجان من الشاي الساخن فسألت شابا يقف قريبا مني وهو معصور من كثافة الركاب في المقطورة إن كان القطار سيتأخر فأجاب بلطف لا تقلق فقد اقتربنا كثيرا وقد أخذ القطار يخفف سرعته واندفاعه ويكاد أن يقف ولكنه لم يتوقف حتى إنعدم مسيره فلم أكن قادرا على الحركة والنزول حتى نزل كل ركاب المقطورة فحملت حقيبتي على ظهري والحقيبة الثانية على كتفي لأنزل من المقطورة وأجد نفسي بين سيل بشري ينزل من فروع المقطورات ويتجه نحو باب المحطة ، وتنفست الصعداء وأنا خارج من المحطة حتى بت لا أدري أين أتجه فسألت رجلا عن محطة باصات تتجه نحو المطار ، فقال الرجل بلطف إتبعني فتبعته بحمولتي وأنا أسير خلفه حتى وصلت إلى تقاطعات كلها جسور معلقة وساحة كبيرة محاطة بشبك وداخل الشبك سيارات ميكروباص فصعدت إلى إحدى الحافلات الصغيرة بعد أن سألت عن وجهة السائق فقال الأجرة أربع جنيهات والنزول عند فندق الشيراتون من هناك تركب أوتوبيس المطار ، وبعد نصف ساعة وصل بي الميكروباص إلى الفندق فنزلت لأجد نفسي على الرصيف ولا أعرف الأوتوبيسات المتجهة نحو المطار فكنت أشير لكل الأوتوبيسات دون أن يقف لي أحد منها رغم أنني أقف عند مظلة مكتوب عليها موقف أوتوبيس فقررت الجلوس وعدم الأشارة لأي أوتوبيس فقد تعبت من الوقوف والحقيبة على ظهري فأنزلتها ووضعتها على المقعد وجلست أدخن فإذا بي ألاحظ فتاة تقف قريبا مني لم ألاحظ حضورها ووقوفها قريبا مني فوجدتها فرصة لأسألها عن أوتوبيس المطار المجهول فقالت وهي تنظر لي باستغراب قائلة لقد مر الأوتوبيس الآن حينما كنت تنزل الحقائب على الأرض وأخبرتني أن الأوتوبيس يحمل رقما هو الوحيد المتجه للمطار وغير مكتوب عليه أنه ذاهب للمطار فأخذت أراقب كل أرقام الأوتوبيسات التي تقع على ميمنة المقدمة للباص وفجأة نبهتني الفتاة بأن أوتوبيس المطار قادم وقبل أن أشير إليه توقف أمامي وصعدت وأنا غاضب على حقيبتي الثقيلة وحينما قلت له أنزلني في المطار أجابني قائلا أي مطار تريد فهناك مطاران فقلت أريد المطار الدولي وبعد أقل من نصف ساعة كنت أمام المطار ونزلت مسرعا أتوقع ذهاب الطائرة لأنني لم أحجز للصفر للسفر ولم أؤكد الحجز وحينما دخلت لتفتيش الحقائب دخلت حقائبي وحينما حاولت الدخول كان يقرع جرس الإنذار بأنني أحلم شيئا معدنيا وتكرر ذلك عدة مرات حتى قمت بإفراغ كل جيوبي والشرطي يبتسم يبدو أنك نسيت شيئا لقد وضعت كل شيء على الطاولة ولا زال الجرس يقرع وفي كل مرة كنت تنسى فتحمل علبة السجائر والولاعة المعدنية ، لقد كانت الولاعة اللعينة وهي مغطاة بجلد بني اللون يعلو واجهتها نسر معدني فارداً أجنحته وما كدت أسير خطوات حتى فاجأني الشرطي قائلا عفوا لا تستطيع السفر وأنت لم تختم الجواز بعد ولم تقم بالحجز فقلت أنا حر لأنني سأسافر الآن فسمعت الشرطي ينادي ضابطا نشيطا جداً يتحرك بوعي ودقة قائلا له ياسيدي هذا الرجل صحفي ويريد السفر الآن ولم يحجز ولم يؤكد الحجز الآن فاكفهر وجه الضابط قائلا وكيف تمنعه من المرور فهو حر في أن يحجز هنا داخل المطار ونادى بصوت عال على مندوب شركة الطيران والذي جاء مسرعا فقال له خذ باسبور الأستاذ إحجز له فورا وابتسم بوجهي قائلا نأسف لأي إزعاج فشكرته من كل قلبي لا لكونه فعل ما فعل بل لأنه يعي عمله بدقة وحزم ويدرك أبعاد الأشياء حوله متحملا المسؤولية ومستعد لأداء الواجب بخدمة ضيوف بلده دون تعقيد ، كان شيال الشركة يضع حقائبي على حزام الشركة المتجه للطائرة وكانت التذكرة قد ختم الجز عليها ترانزيت مصر اليمن الأردن فتوجهت إلى الجوازات والتي لم تأخذ أكثر من عدة ثوان لا غير لأضحي جالسا في قاعة المسافرين استعدادا للسفر منتظرا الإعلان عنها في مكبرات الصوت للشركة وأنا أقول في نفسي آه يامصر ماذا يفعل سيئ الحظ مثلي لمرضه حتى أدخلك مسافرا وأخرج منك مريضا ولم أشف غليل قلبي وشوقي لمعرفة كل شبر في أرضك التي إن تكلمت أخرجت لنا مئات اللغات وآلاف اللهجات للأمم السابقة وحتى لا تبقى في قلبي غصة نهضت وطلبت فنجانا من الشاي حتى أتناسى لحظة الوداع ،لحظة الوجع.

اكرم كوردي
12-13-2006, 07:48 PM
شكرا على الموضوع الرائع يا محمد ...و يا ريت تضه على رابط لتحميله كاملا
بارك الله فيك

النورس-المهاجر
12-17-2006, 02:05 AM
سوريا مهد الجمال والتاريخ والحضارات:-

سوريا العريقة بحضارتها وتاريخها المدهشة بربيعها وأرضها الرائعة بكل فصول السنة، يكون مناخها معتدل إن كان في ذروة الشتاء أو الصيف . سوريا بلد الدهشة السياحية من حيث جمال شواطئها البحرية وحدائقها الدائمة الخضرة والجمال وكأنها البلد الوحيد الذي يحتفظ بربيعه دائماً طوال السنة ، حتى يكاد الزائر يجزم بأن أصعب الناس مزاجاً لابد أن يجد في سوريا ضالته وما يجعله راضياً وسعيداً . (فإن سوق الحميدية )والذي يبقى طوال النهار وكأنه نهر مضطرب من كثرة الزوار،ولا تكاد تخطوا فيه بضع خطوات حتى تشعر وكأن كل شيء فيه يجذبك إليه من البضائع الغريبة واللطيفة ، التي تجعلك تشتريها ولو لم تكن بحاجة إليها . وبما عرف عن الشعب السوري من ذكائه التجاري وعراقة مدينة دمشق التجارية عبر التاريخ . وفي نهاية السوق يشمخ (المسجد الأموي ) حيث يجثم عند بوابته الشمالية قبر ( صلاح الدين الأيوبي ) وعند مدخل السوق تقف بإجلال صامت قلعة صلاح الدين " القلعة الحربية"حيث يقف غير بعيد عن باب الفرسان تمثال ضخم لصالح الدين على فرسه حاملاً سيفه ، وعند قدميه يجلس ملوك الإفرنج مكبلين بالأغلال، بينما ينساب نهر بردى على بعد خطوات منه. إن سوريا تمثل العراقة للماضي والعراقة للحاضر وتسير بخطوات تواكب التقدم العربي والعالمي .وتطوير كل وسائل السياحة ومرافقها وإن من لم يقم بزيارة سوريا ، فكأنه لم يرى العالم قط ،لأنها المزيج الأعظم للحب والجمال والتاريخ والحضارات.


يوميات صحفي غير مسؤول " فيصل محمد عوكل"
(الشهباء – أرض العناقيد والصـــلبان)

هذه الرحلة كانت من أصعب الرحلات على نفسي وعلى جسدي ليس لبعد المسافات أو العناء . بل لكوني كنت مريضاً جداً وقد داهمني مرض التهاب القولون والذي لم أصب به سابقاً بل على العكس كنت أجهل طبيًا أن في جسم الإنسان أصلا شيئاً يسمى القولون . وكان الطبيب يزورني ليلياً بعد منتصف الليل ليحقنني بالمهدئات والمضادات الحيوية لعلي أنام ولم تفلح كل هذه الحقن في إخماد غضب القولون الهائج المجنون هذا والذي كان يسبب لي آلاماً شديدة في كافة أنحاء جسدي ورغم ذلك كنت مصراً على أن أقوم برحلتي هذه من بصرى إلى شهباء ومنها إلى السويداء عاصمة جبل العرب الروحية والتي لابد من اجتيازها كي نصل إلى جبل شيمان " الأب الأكبر لمجموعة من الجبال البركانية الخامدة " فقمت بإستئجار سيارة بكب لمدة أربع ساعات بمبلغ 1500 ليرة سورية أي مل يعادل 22 ديناراً أردنياً وطلبت من السائق أن يتمهل في السير خشية المطبات أو الحفر لان حركة واحدة (أو خضة واحدة) تجعلني أصرخ من شدة الألم والذي كنت أتحداه بقوه أن يعيقني عن الرحلة وإتمامها والكتابة عن هذه المدن العظيمة تاريخيا والغارقة في بحر النسيان بالنسبة للقارئ العربي للأسف.تحركت بنا السيارة من محطة قطار بصرى ببطء وحذر حتى أخذنا طريقاً محاذياً لبصرى ومن ثم أخذ الطريق إتجاها شمالياً مستقيماً لا يخلو من الحفر الصغيرة لكون الشارع قديماً ورغم مسيرنا والذي كان لايزيد في أقصى سرعته عن ستين كيلو متراً في الساعة إلا أن الألم كان يتزايد مع حركات السيارة يميناً ويساراً أو انخفاضا وصعوداً حتى وصلنا إلى مدينة شهباء وأنا لا أكاد أعي من الطريق شيئاً على الإطلاق لشدة انشغالي بالآلام الشديدة في جسدي كله وانحطاط في قواي . وأنا في حالة صراع شديد مع الألم ومع نفسي هل أعود فوراً أم أتابع رحلتي حتى النهاية . فنزلت من السيارة وأنا في غاية الإعياء وطلبت من السائق ومرافقي إسعافي بالماء فوراً وبقليل من السوائل إن كان شرابا من العصير أو المرطبات وجلست قرب بوابة المدينة الأثرية من الداخل تحت شجرة ضخمة جداً اختارها لي السائق ومرافقي في الرحلة حتى لا تؤثر بي حرارة الشمس علاوة على ما أنا فيه من الإعياء والمرض ولم تفلح كل مساعيهم الحميدة بالحصول على شيء من المرطبات لعدم وجودها في المخلات التي سألوا أصحابها عن وجود مثل هذه المرطبات عندهم قائلين إنها غير متوفرة لان السياح يحضرون أغراضهم معهم وهنا في القرية لا يهتمون بشراء الماء لنقاء الماء عندهم.وكان أول ما لفت نظري هو هذه الشجرة الضخمة والتي يحضر السياح نحوها ويلتقطون لها الصور للذكرى فأخبرني رجل عجوز من أهل القرية قائلاً بأن آباءه وأجداده كانوا يتحدثون عن هذه الشجرة وعدمها وبأنها منذ زمن بعيد موغل في القدم ولا يوجد أحد يستطيع أن يعرف بتاريخ أو عمر هذه الشجرة الضخمة والمعمرة والذي يعتقد البعض بأنها بكاد بكون بعمر المدينة القديمة وبأنها أثر طبيعي خالد من جملة آثار مدينة شهباء واللافت للنظر في مدينة شهباء كثافة النقوش الدائرية التي يتوسطها صليب وأيضاً النقوش الدالة على عراقة المكان كزراعة العنب " الدوالي " والتي تخلدها هذه النقوش حيث يفتخر القرويون في الشهباء بأن المنطقة من أشهر المناطق بزراعة العنب منذ القدم لكونها ارض كان للبراكين أثر بالغ على تربتها مما أعطاها تميزاً خاصاً بزراعة العنب حيث كان يعصر في الحضارات السابقة ويخمر لاستخراج الخمور منها عدا عن كونه شراباً لذيذاً ومفيداً كعنب أو مأكولات كفاكهة لذيذة لهذا خلده الأقدمون على منحوتا تهم فتركت محدثي العجوز بعد اعتذاري له وتابعت تجوالي داخل المدينة والتي تكاد أن تتوقف وأنت تتساءل هل هذه قصور .. أم كنائس وسيان عندي في هذا الأمر فظاهرها قصور رومانية هائلة رائعة بديعة قوية وليست كنائس ولكن المفاجأة أن معظم هذه القصور أيضاً يغلب عليها الطابع المسيحي بقوة واللافت للنظر أن في الجهة الجنوبية الشرقية للمدينة الأثرية توجد مقبرة قديمة ويغلب على توابيتها الحجرية الصلبان وليس العور والتعاويذ الوثنية والتي كانت في العصور اللادينية مما جعلني اعتقد بان هذه الآثار كانت على ما يبدو مدينة رومانية بكل قصورها وأبنيتها وقبورها حتى تغلغلت المسيحية في المنطقة فأضيفت الصلبان كرمز للديانة المسيحية .وان الشهباء كما أخمن ليست مدينة عادية دينيا ،بل ربما كانت من أهم المدن التبشيرية في مهد الديانة المسيحية حيث انطلقت من هناك تباشير الديانة المسيحية نحو العالم بعد أن أخذت طريقها للوجود بعد الاضطهاد والتنكيل الروماني لهم .
أن زيارة الشهباء يحتاج الى الكثير من الوقت للمتأمل، وليس للمتألم لهذا كنت سعيدا جدا وأنا أتابع رحلتي كي أقهر المرض لا أن يقهرني منطلقا من شهباء إلى مدينة السويداء والتي تعتبر العاصمة الروحية بجبل العرب ،حيث يسكن هناك في قصر متواضع وبسيط ،رمز جبل العرب سلطان باشا الأطرش ..قبل وفاته وقد بقي هذا القصر لأحفاده كرمز للشموخ والرجولة في جبل العرب . ولم يطل بنا المسير لأننا لم نتوقف في المدينة بل كنت ألقي فيها نظرة سريعة وأتابع ماضيها التاريخي في ذاكرتي . وحاضرها الذي حولها إلى مدينة عصرية في غاية التقدم ولكن بعمق وعراقة التقاليد .لقد تغيرت الأبنية والمساكن . ولكن التراث والتقاليد في جبل العرب لم تتغير بل ربما جعل التقدم الحضاري لدى أهل جبل العرب ردة فعل عكسية جعلتهم يتمسكون بتقاليدهم بقوة وعنف ،وكأنما هم يدركون بأن هذا التقدم البديع سوف يسرق منهم شيئا يحبونه ويتمنون بقائه ،لأنه رمز خصوصيتهم الإجتماعية،فتوسعوا في البناء وطوروها وكذلك نواحي التجارة والصناعة ،ولكن بقي تراثهم الخاص عميقا في أرواحهم .


المــزيـــــــريــب
"بحيـــــرة الحــــــب والنـــوارس"

منذ أن عرف العالم كيف يدون له تاريخاً وحضارة، كانت بحيرة المزيريب إحدى أهم المعالم التاريخية في تاريخ التجارة حيث أنها تقع على إحدى فروع طريق الحرير أو ما يسمى طريق روما ، والتي تمتد من الصين إلى بلاد الشام حيث محطاتها الرئيسية مدينة بصرة الشام والتي يبقى هذا الطريق ممتداً من بصرى إلى أم الجمال في الأردن وينتهي منحرفاً باتجاه الغرب نحو مدينة البتراء في الأردن ومنها إلى فلسطين ، ومن بصرى يمتد فرع من فروع التجارة للعالم القديم نحو بحيرة المزيريب والتي كانت تمثل أجمل المحطات التجارية أو المحطة المثالية للتجارة لعذوبة مائها وجمال الطبيعة فيما حولها من الأشجار الدائمة الخضرة ، وبقربها أيضاً من أهم مدن الأكروبوليس الرومانية (جدارا _أو أم قيس ) والتي تتربع على هضبة عالية بشرف على بحيرة طبريا، ونهر الأردن ، ونهر اليرموك ، ومما يزيدها أهمية قربها من حدود فلسطين الشمالية .لهذا كانت بحيرة المزيريب من أهم المواقع الجميلة ، التي تجد فيها القوافل كل ما تحتاجه من ماء للتزود ، ومن حاجاتهم التي يريدونها لإتمام مسارهم جنوباً ، أم شمالاً ، أم شرقاً، أم غرباً.
وبعد تطور العالم الحديث أضحت المزريريب شيئاً مهماً على الصعيد التجاري، وشيئاً هاماً جداً لعشاق الطبيعة وجمالها، وتحولت خلال سنوات قليلة إلى منتجع سياحي طبيعي يمتاز بكل عناصر المتعة السياحية من خلال وجود الفندق السياحي والمركز الخاص بالتخييم لعشاق وهواة التخييم ،إن كان معهم خياماً أو يقومون باستئجار الخيام . وقد أقيمت قريباً من شواطئ البحيرة بعض الكافتيريات لبيع بعض احتياجات السائح المحلي أو العربي أو الأجنبي ، ووجود زوارق أو قوارب يدوية يتم استئجارها بمبلغ ضئيل جداً لا يتعدى الخمسين ليرة سورية ، ولأول مرة منذ زمن ليس قليل كان سرب كبير من طيور النوارس يحط في البحيرة مما جعل بعض الزوار ومن سكان المنطقة يعلق قائلاً : إنها المرة الثانية التي أشاهد فيها النوارس في البحيرة ، مما جعل الكثير من الناس تفد إلى المزيريب ، ومراقبة هذا العدد الكبير والنادر من طيور النوارس البحرية تحط ضيفة على بحيرة المزيريب .
إن شراء السمك الطازج المستخرج من البحيرة والذي يتم شراؤه حياً في معظم الأحيان وعلى مدار الساعة ، أو مشوياً حسب رغبة السائح ، بحيث لا يزيد عن مئتي ليرة سورية ، أو معدل خمس دولارات أميركية .
وقد ارتدت الطبيعة هناك بساطاً عظيماً من العشب الأخضر على شواطئ البحيرة وانتشرت الطاولات المدينة المصنوعة من البلاستيك ، لأن أصحاب الكافتيريات يقدمون عليها كل الخدمات المطلوبة بطريقة مميزة جداً عن أي مكان في العالم العربي ربما رغبة منهم لتشجيع الضيوف وعودتهم إلى منطقتهم والتي تبعد عن درعا بضعة كيلومترات .
هناك قطار يومي ينطلق يومياً من درعا صباحاً ، ويعود مساءً لنقل زوار المزيريب مما يجعل متعة الزيارة أكثر جمالاً وخصوصيةً ، ولا تزيد الأجرة للنقل من درعا إلى بحيرة المزيريب عن عشر ليرات سورية .
إن زيارة بحيرة المزيريب تعطي الضيف الزائر متعة الساحة ، ومتعة الجمال والانطلاق والتعايش مع الطبيعة البكر ومتعة الغوص في أعماق التاريخ القديم وتمنح القلب نشوة الإحساس بالجمال والتجدد والنشاط ، ونسيان متاعب العصر وجنون صحب الضوضاء ، وإرهاق العمل والبعد عن هموم الأرقام ، لأن في هذه الزيارة المتعة الحقيقية.





درعا بوابة السياحة والتجارة

درعا .. أو أذرعات ، حسب التسمية القديمة والتي تقع على الحدود الشمالية للأردن وتعتبر البوابة الجنوبية للحدود السورية مع الأردن ، ومن أهم المراكز التجارية الخاصة بالتجارة مع الأردن والسعودية يقابلها في الجانب الحدودي الأردني مدينة الرمثا ، وكلاهما تقعان في منطقة ( حوران ) القديمة من بلاد الشم قبل رسم الحدود والتي لا يزيد عمرها عن الخمسين عاماً . وتعتبر مدينة درعا مركزاً هاماً قديماً حيث يربط ما بين فلسطين وسوريا والأردن خط الحجاز الحديدي، الذي تم بناؤه قبل حوالي خمس وتسعون عاماً كما هو منقوش على احد قضبان السكة الحديد ، والموجود في مدينة بصرى قرب محطة قطار بصرى الشهيرة سياحياً . والذي كان يربط درعا مع بصرى حيث ينتهي قرب قلعة (بصرى إسكي شام) القديمة ، ويمتد أيضاً ليربط درعا بتركيا شمالاً في ذلك الوقت ، ومكة جنوباً مروراً بمحطة المفرق وعمان ومعان والذي أنهى تاريخ قوافل الجمال والحمير والخيل ، يشكل قافلة واحدة تنقل الحجاج والركاب عبر المحطات التي تقع في طريقه، والذي كان شرياناً للحياة وإمداد العسكري لتركيا وألمانيا في بلاد الشام ، قبل تدمير بعض الأجزاء الهامة منه قرب مدينة معان الأردنية وبذلك أضحى من المستحيل وصول الإمداد إلى بلاد الحجاز،وذلك إبان الثورة العربية الكبرى والحرب العالمية الثانية ، وحتى هذه اللحظة فإن هناك قطارات للركاب ينطلق أسبوعياً من دمشق من محطة الحجاز فيها إلى محطة القطار في عمان ويقابلها قطارات أردنية تنطلق من عمان إلى دمشق ، وتقع مدينة درعا في الوسط حيث تقع في الشرق منها مدينة بصرى التاريخية بينما تقع المزيريب في الغرب منها وتعتبر شوارعها الرئيسية شريان التجارة والسياحة ما بينها وبين الأردن والسعودية ،وتبعد عن دمشق حوالي خمس وتسعون كيلو متراً.

( بصرى أرض الحضارات المتعاقبة )

حينما يكون في المركبة المتجهة إلى بصرى من درعا ، فإن هناك شعوراً غامضاً من الخيال يدفعك لتصور الأطلال، وبقايا هذه المدينة ذات الحجارة البركانية السوداء في قتامة تحفّز ذاكرتك الثقافية للعودة إلى الوراء ، فتخرج مخزونها من الملومات التي اختزنتها من خلال مطالعاتك ، إن كنت من عشاق الطبيعة ، لأنك في قلب عاصمة حوران ،التي يمتاز ربيعها بأجمل عباءة عرفتها الطبيعة من أغراس الزهور ، والنباتات التي يغطيها الندى كل صباح ، وسوف تنتعش ذاكرتك بقوة أعمق وأكثر بعداً إن كنت من عشاق التاريخ.لأن مدينة بصرى هي قلب مراكز التجارة في العالم القديم ، حيث كانت قوافل قريش المنطلقة إلى الشام تعتبرها المركز الرئيسي قبل انطلاقها إلى تركيا ، عبر طريق الحرير أو طريق روما التجارية ، والتي لا زالت بعض بقاياها ظاهرة للعيان ، كما شاهدتها وقمت بتصوير أحد الجسور التي يقوم عليها طريق روما، أو طريق الحرير ، والمعبدة بالحجارة لتسهيل سير القوافل والعربات التي تجرها الخيول ، إن كانت عسكرية أو من عربات الإمبراطور، المتعددة الخيول.
وتمتاز بصرى بتاريخ له خصوصية في تاريخ الأديان مما يجعل لها أهميةً روحيةً ونفسيةً لمعظم أصحاب الكتب السماوية ،ففي بصرى يقع محراب الراهب " بحيرة " وكنيسته ، ولا يكاد طفل يعتنق الديانة الإسلامية لا يعرف قصته مع الرسول العربي محمد صّلى الله عليه وسلّم حيث كان الراهب يتقبل وفود التجار يسألهم عن طفل يتيم يولد في مكة ، وأرض النخيل ، هذا الطفل اليتيم الأمين والذي سوف يحمل الرسالة السوية للعالم كله .
لا تكاد ترى موقعاً في بصرى إلا وتجد فيه منقوشاً على صخورها عروق الدوالي والصلبان ، مما يزيد من شهرتها وموقعها الزراعي ، وموقعها الديني والعسكري والتجاري، ولازالت ( بركة الحجاج )وحتى هذه اللحظة تمتلئ بالماء رغم مضي عشرات آلاف السنين، حيث كانت القوافل كلها ترتاد هذه البركة التي تقع في قلب مدينة بصرى القديمة وعلى جنوبها تقع بعض المساجد المعروفة والمهمة منذ القدم…
قلعة بصرى والمتحف الشعبي
في أطراف بصرى المدينة تقع قلعة بصرى قائمة شامخة بمدرجاتها وممراتها الكبيرة والتي تتسع لمرور المشاة ، وحتى الخيالة ركوباً وهذه الممرات منها ما هو معروف بممر الإمبراطور أو الملك ، وهو معروف بممر الأمراء وكل ممر منها يؤدي إلى أدراج معينة في المدرج عرفها القدماء ، وعرفوا مراكز الذين يجلسون عليها اجتماعيا، وهناك ممرات لها ملتقيات كبيرة تشبه القاعات، تم تطويرها حديثاً بمطاعم وكافتيريات ذات طابع قديم ، علماً أن خدماتها سريعة جداً وحديثة، ومتطورة لخدمة السياحة محلياً وعربياً وعالمياً في المناسبات والمهرجانات ، وخدمة المجموعات السياحية المتواصلة على مدار العام ، وفي الطوابق السفلية والتي تقع خلف قاعة العروض أو الغناء في قاعة المدرج، تقع ممرات تؤدي إلى ما يسمى قاعة النوافير أو النافورة ، حيث توجد قاعة كبيرة تحيط بها المقاعد وفي وسطها نافورة يقال بأن هذا المجلس كان مجلس الأميرات أو الحريم داخل القلعة أو خلف المدرج والذي يكاد يغلب عليه الطابع العسكري في أطرافه من حيث أماكن الرماة والدهاليز والمواقع الدفاعية والتحصينات المعقدة ، ولا يزال المدرج والقلعة على حالتهما الحسنة رغم مرور آلاف السنين ، وفي مدخل القلعة الحصينة يوجد متحف التراث الشعبي حيث توجد معظم أدمات الحياة القديمة الزراعية من محاريث ومناجل للحصاد ومطاحن حجرية لطحن القمح والحبوب ونماذج عن الأفران القديمة والقروية ، وبعض الثياب والعملات القديمة وبعض الأدوات الحربية كالسيوف والرماح والدروع وبعض أنواع الحيوانات المحنطة التي كانت تعيش في المنطقة . وعند البوابة الرئيسية ترى بوضوح الأخدود الذي يحيط بالقلعة مثل السوار والذي لا يقل في أعلى ارتفاع له عن ثمانية أمتار ولا يقل عرضه عن ستة عشر متراً كانت تملأ بالماء ، حتى تكون حاجزاً طبيعياً يمنع اقتراب الأعداء من الأسوار ، بعد أن يتم رفع الجسر عند الباب الرئيسي للقلعة وإغلاق الأبواب .
ويقابل القلعة نصب تذكاري حديث لشهداء من الفرنسيين الذين كانوا يمثلون سوريا في الحرب العالمية . ويحيط بالنصب ساحة كبيرة جداً وواسعة لاستقبال عدد كبير من الجماهير إن كان لمهرجانات فنية أو مهرجانات ثقافية ، وعلى أطراف الساحة تقع محلات مختصة ببيع التحف والأنتيكات للسياح من بسط وسجاد وأخشاب فنية وأدوات فلكلورية ، وأدوات شعبية تراثية لتكمل هذه المحلات القائمة في بيوت بصراوية قديمة مبنية من الحجارة الضخمة جدرانها وسقوفها وهذه الحجارة سوداء بركانية من حجارة المنطقة التي لا تبعد كثيراً عن جبل شيحان في جبل الدروز أو جبل العرب كما تسمّيه الأغلبية ، وهذا الجبل هو من الجبال البركانية الخامدة المعروفة في المنطقة والتي كانت السبب في نفث الحمم وتطاير الحجارة لمئات الأميال وتغيير المنطقة جيولوجياً أو التأثير عليها قبل آلاف السنين، فتميزت حجارة المنطقة البركانية السوداء على ما عداها في منطقة واسعة جداً تمتد من الشيخ مسكين في منتصف الطريق إلى الشام حتى مدينة الأزرق في الأردن .
سريـــــر بنــت المـلـــــك
مما يميز شهرة هذه المنطقة القريبة من باب القلعة ، عامودين من الحجر يعلوهما حجارة عريقة وضخمة تشبه السرير ، يسمونهما سرير الأميرة ابنة الملك وهي ذات قصة شعبية معروفة في بصرى،وبعض المطلعين على تراث وتاريخ المنطقة … فتقول الأسطورة أن أحج الملوك الذين كانوا يحكمون بصرى القديمة وذلك في الزمن الوثني ما قبل التاريخ . كان لا يؤمن بالموت كواقع روحي، بل يعتبره أمراً مادياً له مقوماته الحياتية، وليس هناك موتاً كما ذكرت الأديان السماوية ، فقرر أن يبني لإبنته سريرأً على باب المدينة يتيح لها أن ترى كل الداخلين والخارجين منها ووضع لها خدماً وحشماً وحراسة ً مشددة لا تتيح لأي مخلوق أن يمسها بسوء معتقداُ بأنه بذلك يمنع عنها الموت ، ولأن هناك أسطورة نقلها له الكهنة بأن ابنته ستموت بالسم، فأمر بنشر الفلاحين والحرس في مطلع موسم سعد(الجنايا) والتي يخرج فيها من الأرض الحشرات السامة من عقارب وأفاعي ، فيقومون بقتلها حتى لا بصل إحداهن إلى ابنته ، ولو خلسة على يد فاعل ،ولكن الذي يحده أن الأميرة يعجبها منظر التلال المليئة بقطوف العنب التي يحملها المزارعين للمدينة وأمرت جواريها بإحضار قطف عنب وما أن مدت يدها إليه حتى لدغتها عقربه صغيرة صفراء لا تكاد أن ترى أو تلاحظ في داخل العنقود الكبير ، فماتت بوقتها ..فلم ينج حرص الملك ابنته من الموت ، ولو وضعها في برج على قمة أعمدة كبيرة . لازالت أثراً تتناقله الأجيال ، وخلف سرير بنت الملك ممرات حجرية تؤدي إلى داخل المدينة والتي هدمت العوامل الطبيعية معظمها ، ووحدت تراثاً كبيراً ، وخلف هذه الممرات تبرز مثل العملاق الذي يتحدى العوامل الطبيعية الحمامات الرومانية والتي تقوم الحكومة السورية بالاهتمام بها وإعادتها للمياه لأنها لا زالت قائمة وتحتاج إلى ترميم ، وذلك بالتعاون مع بعثات أثرية فرنسية وبعثات عالمية .
إنّ بصرى لوحدها تحتاج لعشرات الكتب للتحدث عن تاريخها الحديث والقديم.

هنــا دمشـــــــق ..
دمـشــــق قـلـب الوطــن العــربـــي
وجــــوهرة المـدائــــن الســاحـــرة
• ابتسم فأنت في فردوس الجمال والتاريخ والدهشة .
• هنا تعيش في الماضي البعيد وفي الحاضر السعيد وفي الغد المشرق .
• من لم يزر دمشق يجهل جمال الوجود.
• أرض القداسة والتاريخ ومهد الحضارة.
جوهرة المدائن الساحرة
ليس كمثل دمشق ساحرة تشبهها إلا دمشق ذاتها ، فهنا كل شيء عريق وهنا كل شيء جميل ورائع ومدهش من مائها العذب ، عين الفيجة وألن يقال عنا من يشرب من ماء دمشق فإنه عائد إلى دمشق مرة أخرى لا محالة ، إنه سحر جميل خاص تتميز به دمشق عن غيرها بهوائها النقي المفعم بعطر حدائقها وبساتينها التي تتدلى عناقيد أعنابها كعقود الجواهر الوضّاءة فيما تشمخ أشجارها علياً وكأنها تمد بأغصانها للسماء تستمد منها الحياة وخلود الجمال فيها.. وهنا تمتد يد الأمس في قلعتها لتجذبك نحو الماضي ، حيث المجد العريق كان ولا زال قائماُ يشهد عظمة الأمس وروعة اليوم وجمال الغد والمستقبل الزاهر.وعلى غير بعيد من سوق الحميدية أو سوق الدهشة الساحر بكل ما فيه من نسيج لهذه الأكف الذهبية الصانعة ، قباب تحملك نحو مهد الحضارة الأول قباب التكية السليمانية ، والتي تعبر عن آماله تعبيراً عميقاً وعن كرم هذا الشعب المضياف عبر عهوده كلها قديمها وحديثها فقد بنيت هذه التكية ومنذ زمن بعيد، حيث كان كل مسافر قادم إلى دمشق في عصر القوافل يؤمن له هنا في التكية الطعام والشراب ومكان العبادة والنوم الآمن ، فمنذ آلاف السنين كانت سوريا ولا زالت وطناً لكل مسافر ولكل عربي ، وفيها يتمثل الكرم ، كرم الضيافة الحقيقي والأصالة المتجذرة جيلا بعد جيلٍ ، وهل أتحدث عن دمشق هاهنا وأنا أدرك بأنني سوف أكون عاجزاً عن الوفاء لأرضها وسمائها ومائها وأفيائها وأصلها ، وأيضاً كيف تجسد الكلمات القليلة ما يعجز عن بتصوير صفر الأصفار محدثاً عن مدينة دمشق التاريخ والحب والمجد العظيم.
أرض النبوءة والقداسة
من هنا من إحدى مدائن الشام القديمة من بصرى انطلقت بشارة النور والنبوة لأول مرة ، حينما خرج الراهب بجيرة يسأل عن القافلة القريشية ، وليقول لعبد المطلب عُد بإبن أخيك ، فإنّا لنرى نجمة يعلو في كتبنا وإنه لنزلن عليه الناموس الأكبر..وليقل الرسول عليه السلام بعد نزول النبوة عليه "اللهم بارك في شامها وفي يمنها ، قلها مرتين حينما وفد عليه وفد الشام.
أرض القداسة والتاريخ الحي
معلولاً تتكلم بلغة المسيح _عليه الصلاة والسلام:-
كم هو جميل ومدهش أن قرية أو مدينة لازال سكانها يحملون إرثاً دينياُ وثقافياً اندثر من العالم منذ مئات السنين ، ويتكلمون حتى اللحظة باللغة الآرامية نفسها والتي سادت منذ القرن الأول للميلاد وهي نفسها التي تكلم بها المسيح عليه الصلاة والسلام ، وبشر فيها بتعاليم السماء لازالت معلولاً تحتفظ بتاريخها الآرامي معلولاً . هذه البلدة التي تقع على بعد 56 كيلو متراً عن دمشق عاصمة الجمهورية العربية السورية على الطريق الدولي الذي يربط ما بين دمشق وحلب حيث ينحرف المسافر إليها غرباُ بستة كيلو مترات ، ليطل على بلدة معلولا حيث لا زالت مغاورها ، وبيوتها ، وكنائسها ومداخل الفجوج الصخرية تحكي رواية تاريخها منذ آلاف السنين ، حيث سماها الرومان " سليوكوبوليس" واندثر بعدها هذا الإسم باندثار الحضارة الرومانية حيث جاء العهد البيزنطي عند تحول تاريخها لتضحي مركزاً دينياً هاماُ وتصبح مركزاً لأسقفية استمرت حتى القرن السابع عشر الميلادي.
هنا كل شيء يتحدث عن تاريخ المكان والزمان بذاته اعتباراً من حجارة الجلال ومغورها وكنائسها المبنية في داخل الجبل وكأنها أعشاش نسور في حضن جبالها وروابيها ، تتحدى الزمن من أن يزيلها أو يمحو تاريخها .
وليس على زائر معلولا أن يذهب ليبحث عن جذور تاريخها ولغتها ، فهنا كل سكان البلدة يتكلمون اللغة الآرامية منذ آلاف السنين ولم تنقص من لغتهم الدينية والإنسانية بينهم رغم إنقراض هذه اللغة من العالم عبر عصور قديمة.
معلولا عبق التاريخ الإنساني وجبالها ومغاورها وبيوتها وحجارتها تختزن كل قداسة القرون الماضية وتحتضن في أحضانها أسرار الزمن . رغم أن الأرض هي الأرض التي حرقها الأجداد توارثها الأحفاد جيلاً بعد جيلٍ ليحرثونها وليزرعونها ، هنا في معلولا تستطيع أن تعيش لحظات الهشة وأنت ترى العراقة والأصالة في وجه امرأة عجوز لا زالت ترتدي ثياباُ من التراث المتوارث منذ آلاف السنين ، وإلى جانبها إحدى حفيداتها ترتدي أحدث الموديلات العصرية من الملابس.
وفي معلولا تجتمع الثقافة المتجذرة للغة المسيح عليه السلام واللغة العربية والثقافة المعاصرة ، وسوف تبقى معلولا أسطورة القداسة عبر الزمان.





هنـــا دمشـــــق جنــة اللـــّهِ فـي الأرض
سوريا حاضرة الدنيا وجنة الله في الأرض ، أرض الأساطير وعزف الشلالات والنواعير وأعراس العصافير الصباحية ، وترديد المآذن لأنشودة السماء في مدن التاريخ، والجبال التي تعانق السحاب ( كقاسيون)والذي تقول الأساطير بأن فيه مغارة الدم الذي لوّث الأرض لأول مرة في تاريخ البشرية حين قتل ( قابيل أخاه هابيل ) وهنا حيث مقام رأس ( سيدنا يحيى عليه السلام يوحنا المعمدان) وعلى هذا التراب المختلط بدم الشهداء كانت سنابك خيول الفتح الإسلامي تقدح شرراُ لينبثق منها فجر العالم .
وعلى هذه الأرض بنا الجن كما تقول الأساطير مدينة تدمر القديمة حيث تقول الأسطورة :- أن سيدنا سليمان عليه السلام قد أمر الجن ببناء مدينة عظيمة مدهشة في بلاد الشام ، وفي منتصف البناء توفي سيدنا سليمان عليه السلام نبي الله ، وهربت الجن قبل إتمام المدينة . هكذا تقول الأسطورة ،وكم من المدن المدهشة فيها والبساتين النضرة والجنات المليئة بالأعناب وأزاهير الكون وجمال الطبيعة الساحر الخلاب.
أرض الينابيع والحدائق
هناك مثل شامي يقول :من شرب من ماء بردة لابد أن يعود إليه ليشرب ثانية وثالثة لعذوبة مائه، وغوطتها الشهيرة ذات البساتين والرياض الكثيرة ، وتمتاز دمشق الحديثة بكثرة الحدائق العامة ويكاد لا يخلو شارع من شوارعها من حديقة عامة أو متنزه كبير يتيح لأهل الحي الجلوس به والتمتع بجمال الطبيعة الخلاب وللسابلة من عابري السبيل وزوار المدينة ، والسواح العرب والأجانب،واشهر الحدائق العامة فيها هي حديقة تشرين وأشهر نقطة تشرف على المدينة هي جبل قاسيون وأخفض منطقة في دمشق هي ساحة المرجة التي يشقها نهر بردى والتي تمتاز بساحتها التي يتوسطها عامود برونزي على قمته مسجد صغير تضرب به الطرائف ، ومن أشهرها أحجية تقول : أين يقع المسجد الذي لا يصلى فيه ؟ ولم يصل فيه أحد، ويكون المسجد المذكور هو المقصود لصغر حجمه وصعوبة الوصول إليه .
وتسمى هذه الساحة أيضاً بإسم آخر وهو ساحة الشهداء ، والتي تشقها في وسطها سكة للترام الصغير والذي يشبه القطار وقد ألغي الآن من قائمة المركبات التي تدخل المدينة أو قلب المدينة ، وتكثر في هذه المنطقة والتي تعتبر قلب دمشق الفنادق بكل صنوفها الرخيصة والغالية جداً ، لاعتبار هذه المنطقة من أشهر وأهم المناطق السياحية ، ففيها دمشق القديمة ببيوتها الطينية وأزقتها الصغيرة وحماماتها المشهورة والتي يكثر زبائنها يوم الخميس والجمعة ، وقريباً من ساحة المرجة يقع سوق الحميدية وقلعة دمشق التي تسمى أيضاً قلعة صلاح الدين والتي يقف قبالتها تمثال كبير يمثل ( صلاح الدين الأيوبي) يمتطي حصاناً ساخراً مستفزاً قد رفع يديه الأماميتان إلى الأعلى ، وقد حمل صلاح الدين الأيوبي سيفه وهو مرتدياً خوذته المعدنية ودرعه ، فيما جلس بذّلٍ الأسرى ملوك الفرنجة عند قاعدة التمثال وقد اعتراهم الذل وقد قيدوا بالأغلال ..وعلى مبعدة من التمثال بمسفة لا تقل عن مائتي متر وعلى ميسرة مسجد بني أمية ملاحقاً له يقع ضريح صلاح الدين الأيوبي وقائد جيشه في قبرين متلاحقين بنيت عليها قباب جميلة ،ووضع عليهما باب معدني ثقيل ، وحول القباب ساحة وفي داخل الحديقة مقبرة، عليها قبور لجنود أتراك كتب على شواهد قبورهم أسماؤهم وتواريخ استشهادهم ، ورتبهم العسكرية وإسم المعركة ومكانها في فلسطين ، وربما ضمت هذه القبور إلى المنطقة في أثناء الحرب العالمية الثانية لاعتقادهم أن هؤلاء الرجال هم شهداء وتكريماً لهم وضعت قبورهم وأضرحتهم قريباً من قبر صلاح الدين الأيوبي.
وأمام الساحة العامة لقبر صلاح الدين ساحة مبلطة بالحجارة الكبيرة وأعمدة ضخمة تدل على وجود حفارة قديمة في المكان هنا ذات يوم وفي نهاية الساحة يقع ممر وطريق قادمة من (مدرسة عنبر) أشهر المدارس القديمة التاريخية في دمشق وتتجه هذه الطريق نحو المسجد الأموي حيث يستقبلك في نهاية الممر باب ضخم مثبت بالباب الخشبي الضخم مسامير أو براغي ذات طبقة سميكة وعريقة وكأنها بوابة قلعة عسكرية قديمة . وما أن تدلف داخل البوابة حتى تكون قد وقفت في باحة كبيرة جداً للمسجد ألا وهي باحة المسجد الأموي الكبير والتي يتوسطها نافورة ماء بمظلة ، وصنابير ماء للوضوء وكلها بالبلاط القيشاني الملون ، وقد بني في نهاية الباحة للمسجد أعمدة تعلوها غرفة صغيرة ربما تتسع لإثنان أو أكثر والغرابة فيها أنها ليس لها سلم أو درج للصعود إليها أو يمكن لأحد من الصعود إليها .رغم جمالها لم أعرف سبب وجودها ، إن كانت تستعمل في السابق لسكن خادم المسجد أو لشيء له علاقة بالمسجد.
وفي الباب الواقع أمام سوق الحميدية سوف ترى على الدوام رجالاً ونساءً يدخلون المسجد للزيارة أو للعبادة في مواقيت الصلاة وسواها حيث يوجد في المسجد مقام سيدنا يحيى عليه الصلاة والسلام، والذي يحمل اسما آخر وهو (يوحنا المعمداني) والذي قام بتعميد سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام في نهر الأردن في مقتبل المسيحية الأول، حيث قتله الإمبراطور الروماني (هيرودوس) كما تقول تقض الأساطير لأنه أفتى بعدم إحلال زواج الأخ بالأخت في العهد الروماني حيث كان يعتبر بأن دماء الأباطرة وعائلاتهم مقدسة ولها صفة الآلهة الوثنية وليس من حق البشر العاديين الزواج من نساءهم ولا يجوز زواجهم من نساء عامة الشعب وتقول الأسطورة بأن المرأة التي يريد الزواج منها هي شقيقته من أم يهودية كي تصل إلى عرش الإمبراطورية بدمائها الزرقاء المقدسة ، وحينما أعلن التحريم طلبت والدة الإمبراطور رأس سيدنا يحيى عليه الصلاة والسلام، لأنه حرم زواج الأخوات مما سيجعلها محرومة من عرش الإمبراطورية ، وهذا الأمر جعل من المسجد الأموي ليس مسجداً فقط وإنما مزاراً تاريخياً دينياً شاملاً ،وقد يفاجأ الخارج من البوابات القديمة للمسجد بحواري دمشق القديمة وبيوتها المغرقة في القدم والتي يتم استغلالها الآن للسياحة كفنادق صغيرة أو مطاعم شعبية لأن جوها الشعبي هو أكثر جمالاً ورقة ويناسب النفس الإنسانية روحياً أكثر من الفنادق الأخرى.
وفي هذه الأزقة الصغيرة تقع الصناعات الشعبية التي يجيدها بقايا جيل الصناعات الشعبية القديمة والتي توارثوها أباً عن جدٍ وقد كانت في يوم من الأيام صناعة هامة لنواحي الحياة مثل القناديل النحاسية والصواني النحاسية والأباريق والفخاريات والقباقيب والصناعات الجلدية ،واللوحات الخشبية وما يتبعها من فنون ، وصناعة الزجاج القديمة والتي تحولت كلها إلى صناعات دقيقة وجميلة للسياح من زوار دمشق إن كانوا عرباً أم أجانب ، وهناك تطور كبير في نواحي التجارة السياحية كسوق الطيور والذي يوجد فيه كل أنواع الطيور وأقفاصها وهواتها وعشاقها . وسوق الحمام وهو قريب منه وهناك باعة الأرصفة والذين لا يكاد يخلو منهم شارع أو جسر، وأهم جسر من جسور دمشق هو جسر ( فكتوريا)لشهرته وليس لضخامته ، لأنه يقع في قلب دمشق حيث تقع أشهر شركات السياحة والسفر المحلية والعالمية والحدائق العامة وتوسطه مابين التكية السليمانية المشهورة كأول نزل مجاني لأهل السبيل يتواجد فيه لأهل السبيل المسكن والمأكل والعبادة ،وأيضاً على مقربة من الجسر باتجاه الجنوب أشهر موقع سياحي لا زال له دور حيوي حتى الآن وهو محطة الحجاز للقطارات والذي يربط الكثير من المدن السورية بدمشق حتى الآن وله دور حيوي سياحي وتجاري حيث ينطلق القطار لمرة أو أكثر من دمشق إلى عمان وبالعكس.
وقد أكون من أشد عشاق السفر بالقطار سابقاً وقد كانت دمشق ولا زالت تحفظ ذروة جمالها وبهجتها كفردوس زراعي وسياحي وتجاري على مستوى العالم العربي . وللزيارة لدمشق بقية فيها ببعض الدهشة أرجو أن أتمها للنشر قريباً وأهمها حادثة جميلة جعلت الشعب العربي السوري يتحدث عنها بحب طوال أكثر من أربعة شهور.

khaled qes
12-28-2006, 10:08 PM
بارك الله فيك وننتظر كل ماهو جديد منك
شكرا لك وكل عام وأنت بخير

mohamedahlawy
12-31-2006, 04:56 PM
شكراااااااااااااااااااااااا