منتدى برامج نت | برامج نت | دليل المواقع | العاب فلاش | برامج | عيادة الطب | Free software
العاب افلام موقع منتديات

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لمحة ملائكية...عن نازك الملائكة


محمود15
11-22-2006, 12:59 PM
نازك الملائكة



ولدت في بغداد في 23 من شهر آب (أغسطس) سنة 1923. وكنت كبرى اخوتي وهم: اربع بنات، وولدان.

وقد تدرجت في دراستي من الابتدائية الى المتوسطة فالثانوية، وتخرجت في الثانوية عام 1939، وكنت، منذ صغري، احب اللغة الانجليزية، والتاريخ، ودروس الموسيقى، كما كنت اجد لذة في دراسة العلوم، بخاصة علم الفلك، وقوانين الوراثة، والكيمياء، ولكني كنت امقت الرياضيات مقتاً شديداً، واعدالسنين يوماً يوماً لاصل الى انهاء المرحلة الثانوية، فاتخصص بدراسة الاداب. ثم دخلت دار المعلمين العالية، فرغ اللغة العربية، وخرجت منها بليسانس الاداب عام 1944 من مرتبة الامتياز. وهي اعلى مرتبة تمنح، وخلال سنوات دراستي فيها تعرفت الى موضوع القلسفة، واحببته حباً شديداً، فساعدني على تكوين ذهن منطقي، وكانت دراساتي الكثيرة للنحو العربي، في اصوله القديمة، قد هياتني له تهيئة واضحة. وقد بدأت نظم الشعر، وحبه منذ طفولتي الاولى، والواقع انني سمعت ابويّ وجدي يقولون عني انني "شاعرة" قبل ان افهم معنى هذه الكلمة، لانهم لاحظوا على التقفية، واذناً حساسة تميز النغم الشعري تمييزاً مبكراً. وبدأت بنظم الشعر العامي، قبل عمر سبع سنوات.

وفي سن العاشرة نظمت أول قصيدة فصيحة، وكانت في قافيتها غلطة نحوية، وعندما قرأها ابي رمى قصيدتي على الارض بقسوة، وقال لي، في لهجة جافية مؤنبة: اذهبي اولاً، وتعلمي قواعد النحو.. ثم انظمي الشعر" كانت معلمة النحو في المدرسة لا تميز الفاعل عن المفعول، وسرعان ما اضطر ابي الى ان يتولى تعليمي قواعد النحو بنفسه حين دخلت المتوسطة، وفي ظرف شهر واحد تفوقت على الطالبات جميعاً، وصرت انال اعلى الدرجات.

ولاحظ ابواي انني موهوبة في الشعر، شديدة الولع بالمطالعة، فاعفياني من المسؤوليات المنزلية، والعائلية اعفاء تاماً، وساعدني ذلك على التفرغ، والتهيؤ لمستقبل ادبي، وفكري خالص.

وكانت والدتي، في سنوات الشعرية المبكرة، تنظم الشعر، وتنشره في المجلات والصحف العراقية، باسم السيدة "ام نزار الملائكة" وهو اسمها الادبي الذي عرفت به، اما ابي، فكان مدرس النحو في الثانويات العراقية، وكانت له دراسة واسعة في النحو، واللغة والادب، وقد ترك مؤلفات كثيرة اهمها موسوعة في عشرين مجلداً، عنوانها "دائرة معارف الناس" اشتغل فيها طيلة حياته، واعتمد في تاليفها على مئات المصادر، والمراجع، ول يكن ابي شاعراً، ولكنه كان ينظم الشعر، وله قصائد كثيرة، وارجوزة في اكثر من ثلاثة الاف بيت. وصف فيها رحلة قام بها الى ايران عام 1955 وكان ابي متواضعاً، ولم يرض يوماً ان يسمي نفسه شاعراً، مع سرعة بديهته، وقدرته على الارتجال، وظرفه.

وكان لابوي تاثير عميق في حياته الفكرية، والشعرية. اما ابي، فقد بقي استاذي في النحو حتى انهيت دراسة الليسانس، وكنت اهرع اليه، بكل مشكل نحوي يعرض لي، وانا اقرأ ابن هشام، والسيوطي، والاشموني، وسواهم، والحق أني كنت، ولم ازل، شديدة الولع بالنحو.

وقد فرش لي ابي طريقاً ممهداً رائعاً، حين وضع بين يدي مكتبته التي كانت تحتوي على متون النحو، وكتب الشواهد جميعاً، ولذلك كان من الطبيعي، تماماً، ان اكون الطالبة الوحيدة بين طلبة قسم اللغة العربية التي اختارت لمرحلة الليسانس في موضوع نحوي، هو (مدارس النحو) وكان المشرف عليها استاذي الكبير العلامة الدكتور مصطفى جواد الذي كان له في حياتي الفكرية اعمق الاثر، رحمه الله، وجزاه عنا نحن تلاميذه اجمل الجزاء، ولم تزل رسالتي هذه في مكتبة كلية التربية،وعليها تعليقات بالقلم الاحمر، كتبها الدكتور مصطفى جواد في حينه.

اما والدتي، فقد كان لها اثر واضح في حياتي واضح في حياتي الشعرية، لانني كنت اعرض عليها قصائدي الاولى، فتوجه اليها النفد، وتحاول ارشادي، ولكني كنت اناقشها مناقشة عنيدة، فقد لاح علي، منذ المرحلة الثانوية، التأثر بالشعر الحديث، شعر محمود حسن اسماعيل، وبدوي الجبل، وامجد الطرابلسي، وعمر ابو ريشة، وبشاره الخوري، وامثالهم، بينما كانت هي تعجب بشعراء اقدم مثل: الزهاوي خصوصاً. فقد كان شاعرها الاثير، وكان اهتمامها بالشعر القديم اكبر من اهتمامي، ولذلك كان تاثيره في شعرها ابرز، ولكن ذوق امي نفسها بدأ يتطور كما يلاحظ من يدرس شعرها الذي طبعت المنشور منه، بعد وفاتها، في ديوان سميته، "انشودة المجد" وقد بدأت امي تتجه نحو الشعر الحديث الى درجة ملحوظة، وكانت تعجب خصوصاً بشعر ابراهيم ناجي، وصالح جودت، ولكن اتجاهاتي الشعرية بقيت مختلفة عن اتجاهاتها، بسبب معرفتي للانجليزية والفرنسية وكثرة قراءتي لشعرائهما.

ورغم ذلك فقد بقينا، انا وهي، صديقتان، فكانت تقرأ لي قصائدها، واقرء لها قصائدي، حتى وفاتها عام 1953، وهي في الثانية والاربعين من العمر. رحمها الله رحمة واسعة.

وخلال دراستي في دار المعلمين العالية، كنت اساهم في حفلات الكلية بالقاء قصائدي، وكانت الصحف العراقية تنشر تلك القصائد في حينها، غير اني اهملت ذلك الانتاج المبكر، ولم ادرج منه شيئاً في مجموعاتي الشعرية المطبوعة، لاني بقيت انظر اليه على انه شعر الصبا قبل مرحلة النضج، والواقع انني اقبلت على نظم الشعر اقبالاً شديداً منذ عام 1941 يوم كنت طالبة في الكلية. فقد دخلت في ذلك العام بداية نضجي الروحي والعاطفي والاجتماعي فضلاً عن انه العام الذي شهد ثورتنا القومية العظيمة التي هزت كياني هزاً عنيفاً وهي ثورة رشيد عالي الكيلاني، وكنت اتفجر حماسة لتلك الثورة ونظمت حولها القصائد المتحمسة التي لم انشر منها أي شيء: فسرعان ما انتصر الحكم البوليسي في العراق، ونصبت المشانق للاحرار، ولم يعد في العراق من يستطيع التنفس. ولكننا ، انا وامي، استمررنا ننظم القصائد الثائرة سراً، ونطويها في دفاترنا الحزينة.

وفي عام 1947 صدرت لي اول مجموعة شعرية، وقد سميتها "عاشفة الليل" لان الليل كان يرمز عندي الى الشعر، والخيال، والاحلام المبهمة، وجمال النجوم، وروعة القمر، والتماع دجلة تحت الاضواء، وكنت في الليل اعزف على عودي في الحديقة الخلفية للبيت بين الشجر الكثيف، حيث كنت اغني ساعات كل مساء، وقد كان الغناء سعادتي الكبرى منذ طفولتي، وكنت احبس انفاسي ادا ما سمعت صوت عبد الوهاب، او ام كلثوم يحمله الي جهاز حاك (غرامفون) يدور في بيت الجيران. وكنت سريعة الحفظ لاي اغنية اسمعها، وكانت امي لا تفتأ تندهش دهشة كبيرة عندما تسمعني اغني، وما زلت اذكر صونها في صغري وهي تتلفت، وتقول: يا الهي! من اين حفظت ابنتي كل هذا الاغاني؟ ومتى سمعتها؟ وكيف؟ ولم تدرانني كنت حين اسمع حاكياً يدور باغنية اقف مسمرة في مكاني حتى لو كنت في الشارع. وفي تلك الايام البعيدة لم يكن المذياع فد دخل الحياة في العراق طبعاً، فكان الاستماع الى الاغاني لا يتم الا عن طريق الاسطوانات، ولم تبدأ اذاعة بغداد بالبث الا في سنة 1953، كما اتذكر، يوم ان بلغت الثانية عشرة من العمر.

وبعد صدور (عاشفة الليل) باشهر قليلة عام 947 م انتشر وباء الكوليرا في مصر الشقيقة، وبدأنا نسمع الاذاعة تذكر اعداد الموتى يومياً، وخين بلغ العدد ثلاثمائة في اليوم انفعلت انفعالاً شعرياً، وجلست انظم قصيدة استعلمت لها شكل الشطرين المعتاد، مغيرة القافية بعد كل اربعة ابيات او نحو ذلك، وبعد ان انتهيت من القصيدة، قرأتها فأحسست انها لم تعبر عما في نفسي، وان عواطفي ما زالت متاججة. واهملت القصيدة وقررت ان اعتبرها من شعري الخائب (الفاشل) وبعد ايام قليلة ارتفع عدد الموتى بالكوليرا الى ستمائة في اليوم، فجلست ، ونظمت قصيدة شطرين ثانية اعبر فيها عن احساسي، واخترت لها وزناً غير القصيدة الاولى، وغبرت اسلوب تقفيتها ظانة انها ستروي ظمأ التعبير عن حزني، ولكني حين انتهيت منها شعرت انها لم ترسم صورة احساسي المتأجج، وقررت ان القصيدة قد خابت كالاولى، واحسست انني احتاج الى اسلوب آخر اعبر به عن احساسي، وجلست حزينة حائرة لا ادري كيف استطيع التعبير عن مأساة الكوليرا التي تلتهم المثات من الناس كل يوم.

وفي يوم الجمعة 27 – 10 – 1947 افقت من النوم، وتكاسلت في الفراش استمع الى المذيع وهو يذكر ان عدد الموتى بلغ الفاً، فاستولى علي حزن بالغ، وانفعال شديد، فقفزت من الفراش، وحملت دفتراً، وغادرت منزلنا الذي يموج بالحركة، والضجيج يوم الجمعة، وكان الى جوارنا بيت شاهق يبنى، وقد وصل البناؤون الى سطح طابقه الثانية، وكان خالياً لانه يوم عطلة العمل، فجلست على سياج واطيء، وبدأت انظم قصيدتي المعروفة الآن " الكوليرا" وكنت قد سمعت في الاذاعة ان جثث الموتى كانت تحمل في الريف المصري مكدسة في عربات تجرها الخيل، فرحت اكتب وانا اتحسس صوت اقدام الخيل:

سكن الليل

اصغ، الى وقع صدى الانات

في عمق الظلمة، تحت الصمت، على الاموات

ولاحظت في سعادة بالغة انني اعبر عن احساسي اروع تعبير بهذه الاشطر غير المتساوية الطول، بعد ان ثبت لي عجز الشطرين عن التعبير عن مأساة الكوليرا، ووجدتني اروي ظمأ النطق في كياني، وانا اهتف:

الموت، الموت، الموت

تشكوا البشرية تشكو ما يرتكب الموت

وفي نحو ساعة واحدة انتهيت من القصيدة بشكلها الاخير، ونزلت ركضاً الى البيت، وصحت باختي "احسان" "انظري لقد نظمت قصيدة عجيبة الشكل اظنها ستثير ضجة فظيعة، وما كادت احسان تقرأ القصيدة – وهي اول من قرأها – حتى تحمست لها تحمساً فظيعاً، وركضت بها الى امي فتلقتها ببرودة، وقالت لي: ما هذا الوزن الغريب؟ ان الاشطر غير متساوية، وموسيقاها ضعيفة يا بنتي، ثم قرأها ابي، وقامت الثورة الجامحة في البيت فقد استنكر ابي القصيدة، وسخر منها واستهزأ بها على مختلف الاشكال، وتنبأ لها بالفشل الكامل، ثم صاح بي ساخراً، "وما هذا الموت الموت الموت؟"

لكل جديد لذة عير انني وجدت جديد الموت غير لذيذِ

وراح اخوتي يضحكون وصحت انا بابي: قل ما تشاء، اني واثقة ان قصيدتي هذه ستغير خريطة الشعر العربي"وكنت مندفعة اشد الاندفاع في عبارتي هذه، وفي امثال لها كثيرة قلتها رداً على التحدي بالتحدي، ولكن الله سبحانه وتعالى كان يسبغ على رحمته في تلك اللحظات الحرجة من حياتي الشعرية، فكتب لقصيدتي ان يكون لها شأن كما تمنيت وحلمت، في ذلك الصباح العجيب في بيتنا.

ومنذ ذلك التاريخ انطلقت في نظم الشعر الحر، وان كنت لم اتطرف الى درجة نبذ شعر الشطرين نبذاً تاماً، كما فعل كثير من الزملاء المندفعين الذين احبوا الشعر الحر، واستعملوه بعد جيلنا.

وفي عام1949، صدرت ببغذاد مجموعتي الشعرية الثانية (شظايا ورماد وقد صدرتها بمقدمة ادبية ضافية عرضت فيها عرضاً موجزاً لنظرية عروضية لشعري الجديد الذي نشرت منه في المجموعة عشر قصائد، وما كاد الكتاب يظهر حتى اشعل ناراً في الصحف، والاندية الادبية، وقامت حوله ضجة عنيفة، وكتبت حوله مقالات كثيرة متلاحقة، كان غير قليل منها يرفض الشكل الجديد الذي دعوت اليه، ويأباه للشعر، عير ان الدعوة لقيت اروع القبول في الاوساط الشعرية الشابة، فما كاد يمضي عام حتى كان صدى الدعوة قد تخطى العراق الى خارجه، وبدأت أقرأ في المجلات الادبية في مصر، ولبنان، وسوريا، وسواها قصائد من الشعر الحر، كان غير قليل منها يحمل لافتات اهداء نثري: "الى الشاعرة نازك الملائكة. "



في عام 1942 بلغ نشاطي الشعري واللغوي، والفني، والادبي اوجه، فاندفعت اطلب الثقافة، والعلم في نهم لا يرتوي، وحرارة لا نتظفئ، ففي السنة نفسها سجلت نفسي طالبة في فرع العود بمعهد الفنون الجميلة، ودخلت طالبة في فرع التمثيل، وانتميت الى صف لدراسة اللغة اللاتينية، وكنت اذ ذاك – فوق هذا كله – طالبة في السنة الثانية من دار المعلمين العالية، وقد وهبت نفسي، في حرارة لا مثيل لها، الى هذه الدراسات كلها، وكنت احبها اشد الحب.

اما العزف على العود فقد كان امنيتي منذ صغري، وحين راى أبي حرقة تشوقي الى هذه الدراسة، وافق بعد تردد طويل على ان ادخل معهد الفنون الجميلة لادرس على الفنان الكبير الموسيقار الاستاذ محيي الدين حيدر الذي كان اسمه الفني في المعهد: "الشريف". ولهذا الفنان طريقة فريدة في العزف، وله في العراق اليوم تلاميذ معروفون من الموسيقيين، من مثل الاستاذ سلمان شكر، والاستاذ جميل بشير، وسواهما. وكانت مدة الدراسة ست سنوات، والمنهج يقوم على تدريسنا المقامات الشرقية على بشارف وسماعيات، وسواها، وكان الطالب يتدرج حتى يصل الى قمة المهارة الفنية في عزف مقطوعات الشريف محيي الدين التصويرية الرائعة مثل "تأمل" و "ليت لي جناحاً" و "كابريس" وكان للشريف، يرحمه الله، فكان يغير، ويعدل في البشارف، والسماعيات التي الفها كبار الموسيقيين، من مثل: طانيوس افندي، وجميل بك، وعزيز دده، ويوسف باشا، وكانت هذه التعديلات تجمل الاصل اروع تجميل، وتخرجه اخراجاً حياً وكنت انا اجلس في صف العود مسحورة، وكأني استمع الى صلاة، وكان الشريف يكرر على ان لي سمعاً موسيقياً حساساً، وموهبة ظاهرة، ولكنه كان خائفاً ان يجرفني حبي للشعر وبيعدني عن الموسيقى على أي شكل من الاشكال، ورغم انني ما زلت حتى اليوم اعزف لنفسي لكي يصحبني العود، ونا اغني الحان عبد الوهاب، وام كلثوم، وفيروز، وعبد الحليم حافظ، ونجاة. وهو انصراف محدود، غير ما كان استاذي يتوقع مني، ولعله كان ينتظر ان اكون عازفة مشهورة في الاذاعات ومؤلفة الحان.

واما دراستي للتمثيل، فالحق انه كان لي فيها دافعان اثنان:

اولهما ان اتعلم فن الالقاء.. فقد كنت ارتقي المسرح لالقي قصائدي فاقرأها قراءة رتيبة دون ان اعرف كيف الون صوتي بالانفعال وارفعه وانغمه مع معاني قصيدتي وقد خطر لي ان دراسة التمثيل ستساعدني في هذا المجال. والدافع الثاني انني اطلعت على منهج الدراسة في هذا الفرع فبهرني. كان منه دراسة مفصلة مسهبة للميثولوجيا الاغريقية، بكل تفاصيلها الدقيقة، ومداخلها، ومخارجها. وكان موضوع "تاريخ المسرح والأدب المسرحي" للسنة الثانية يشكل دراسة اسخيلوس، وسوفوكليس، ويوربيديس، واريستوفان، وكنت اعلم مدى غنى الأدب اليوناني، ومدى ضرورته للممثل، والدارس، فاندفعت في حرارة أسأل ابي ان يأذن لي بدخول فرع التمثيل، وقد رفض ابي اولاً، ولكن الله سبحانه شاءان يشملني برعايته، فاذا ابي يكلف بتدريس اللغة العربية في فرع التمثيل، وعندما وجد انني سأكون تلميذة له اخذني معه الى الاستاذ حقي الشبلي المسؤول عن الفرع، وسجلني طالبة، واكتملت سعادتي.

واما اللغة اللاتينية، فان قصة دراستي لها كانت أغرب، فقد كنت طالبة في قسم اللغة العربية، وكنا ندرس اللغة الانجليزية، وصادف ان استاذنا اشار في الصف، مراراً، الى ضرورة معرفة اللغة اللاتينية لمن يريد التخصص في الادب الانجليزي، فشوقني ذلك الى دراستها، وبقيت هذه الرغبة عابرة في نفسي حتى سمعت في آخر العام الدراسي 1941 – 1942 ان ادارة الكلية قررت اضافة مادة اللغة اللاتينية الى منهج طلبة السنة الاولى، فرع اللغة الانجليزية، وهنا بدات لهفتي، اردت ان انتمي الى هذا الصف لاتعلم اللغة اللاتينية، وراجعت استاذ المادة فاعتذر عن قبولي في الصف، وسألني مندهشاً: " ولكنك طالبة في فسم اللغة العربية، فماذا تنفعك اللاتينية؟" ولم يوهن هذا عزيمتي، وراجعت عميد الكلية، ورجوته ان يأذن لي بالدراسة مع طلبة الانجليزية، عندما رأى العميد لهفتي سمع لي، وانتميت الى صف اللغة اللاتينية، وبدأت احفظ ، بحماسة، تلك القوائم التي لا تنتهي من حالات الاسماء وفصائلها، وتصريفات الافعال، وسواها مما يعتبر من اصعب ما يعرفه طالب اللغات.

وقد بقي حب اللغة اللاتينية في دمي حتى اليوم. وما زلت اقتني كتب الشعر اللاتيني، واحاول ان اقرأها كلما وجدت فراغاً. واتذكر انني، بعد شهرين من بدئي لدراسة هذه اللغة، أصبحت اكتب مذكراتي بها، كما نظمت نشيداً لاتينياً على نغمة الاغنية المشهورة (At the Ballalika) وكان من الطبيعي ان يكون النشيد بدائياً ساذج الصياغة، فقد كنت لم أزل طالبة مبتدئة، ولقد واصلت دراسة اللغة اللاتينية سنوات كثيرة وحدي من دون أستاذ بمساعدة القواميس، ثم دخلت صفاً فيها في جامعة برنستون بالولايات المتحدة درسنا فيه نصوصاً للخطيب الروماني شيشرون. وقد اعجبت اشد الاعجاب بشعر الشاعر اللاتيني "كوتولوس" وحفظت مجموعة من القصائد له، وما زلت اترنم بها أحياناً في وحدتي، فاجد سعادة بالغة في ترديدها. والواقع اني اجد في اللغة اللاتينية نفسها سحراً يجتذب كياني كله، ولست اعرف سر هذا الافتتان بلغة يكرهها الطلبة عادة وينفرون منها اشد النفور.

وفي عام 1949 بدأت بدراسة اللغة الفرنسية، في البيت، مع أخي الذي يصغرني، نزار. وكان اذ ذاك طالباً في قسم اللغة الانجليزية بدار المعلمين العالية، وكان له ولع شديد بالأدب، واللغات، وهو شاعر ايضأ، وان كان مقلاً. وكانت تربطني بع صداقة عميقة، وكنا نشترك انا هو في غرفة واحدة تنتشر فيها الكتب على سريرينا، وطالما قام الجدل بيننا في موضوعات الادب والحياة.

بدأنا اذن، انا، ونزار، ندرس الفرنسية من دون مدرس، وذلك اعتماداً على كتاب انجليزي يعلم هذه اللغة، اهدانا اياه عمي، وقد سعدنا سعادة بالغة بتعلم هذه اللغة الجميلة، وواصلنا تعلمها حتى اصبحنا نقرأ فيها كتب الشعر، والنقد ، والفلسفة. وفي عام 1953، دخلت دورة في المعهد العراقي، قرأنا فيها نصوصاً من الادب الفرنسي، من مثل قصص: الفونس دوديه، وموباسان، ومسرحيات موليير، ولكن نطقي بهذه اللغة بقي رديئاً حتى اليوم، لانني تعلمتها من دون استاذ يلفظ امامي الكلمات، ولم تتح لي فرصة للسفر الى فرنسا، والحياة فيها فترة، وهذا ما يحزنني دائماً حين اجدني اقرأ، وافهم، ومع ذلك لا احسن الكلام، ولا النطق الصحيح.

اما الادب الانجليزي فقد بدأت عنايتي به وانا طالبة في معهد الفنون العالية يوم كنا نقرأ شعر شكسبير ومسرحية "حلم منتصف ليلة صيف." وقد ترجمت الى الشعر العربي احدى سونيتات شكسبير، اذ ذاك. واقبلت بعد ذلك على قراءة شعر بايرون، وشيللي. وفي عام 1950 ، دخلت دورة في المعهد الثقافي البريطاني لدراسة الشعر الانجليزي، والدراما الحديثة، استعداداً لاداء امتحان تقيمه جامعة كامبردج وتمنح بعده شهادة ال (proficiency) وكان مستوى هذه الدراسة اعلى من ليسانس اللغة الانجليزية، لان طالبة متقوقة في السنة الرابعة من فرع اللغة الانجليزية دخلت معي هذه الدورة، فكانت النتيجة انها رسبت، ونجحت. وكان سر نجاحي انني انهمكت طيلة العام في قراءة عشرات من كتب الشعر، والدراما، في حماسة، ونهم. والواقع ان اغلب الذين اشتركوا في الامتحان معنا قد رسبوا، ولم ينجح سواي وسوى طالب واحد خارجي لم يشترك معنا في الدراسة بالمعهد البريطاني. وكان لهذا الامتحان امتحان ثاني اعلى منه تقيمه جامعة كمبرج نفسها، ولكني لم اقدمه، وانما سافرت الى الولايات المتحدة لدراسة النقد الادبي.

وكانت هذه المرحلة تمتد عاماً، وقد اوفدتني اليها مؤسسة روكفلر الامريكية، واختارت لي ان ادرس النقد الادبي في جامعة برنستن في نبو جيرسي بالولايات المتحدة، وهي جامعة رجالية ليس في تقاليدها دخول الطالبات فيها، ولذلك كنت الطالبة الوحيدة، وكان ذلك يثير دهشة المسؤولين في الجامعة كلما التقى بي احدهم في اروقة المكتبة، او الكليات، وقد اتيحت لي في هذه الفترة الدراسة على اساطين النقد الادبي في الولايات المتحدة مثل ديتشر بالكمور، وآلن دوانر، وآلن تيت، ودونالد ستاوفر، وديلمور شوارتز، وكلهم اساتذة لهم مؤلفات معروفة في النقد الادبي، كما عرفوا بابحاثهم في مجلات الجامعات الامريكية، وسائر الصحف الادبية.



بعد عودتي الى العراق عام 1951 بدأت اتجه الى كتابة النثر بخاصة ي النقد الادبي وفي عام 1953 القيت محاضرة في نادي الاتحاد النسائي ببغذاد كان عنوانها (المرأة بين طرفين: السلبية والاخلاق) انتقدت فيها اوضاع المرأة الحاضرة. وعقم المجتمع العربي، ودعوت الى تحرير المرأة من الجمود والسلبية وقد اثارت هذه المحاضرة ضجة في بغداد، وتحدثت عنها الصحافة طويلاً بخاصة وان اذاعة بغذاد نقلتها كاملة، واذاعتها على الجمهور. وسرعان ما نشرتها مجلة (الآداب ) البيروتية التي كانت تصدرها اذ ذاك دار العلم للملايين.

وواصلت خلال ذلك نظم الشعر ونشره، ونشر مقالات النقد الادبي في مجلتي (الاديب) و(الاداب) ببيروت.

وفي عام 1953 حدث لي حادث هز حياتي الى اعماقها، فقد مرضت والدي مرضاً مفاجئاً شديداً، وقرر الاطباء ضرورة اجراء عملية جراحية لها في لندن فوراً، ولم يكن في بيتنا من يستطيع السفر معها الى انجلترا سواي، بسبب معرفتي للندن، وحياتي فيها فترة، وبسبب اتقاني للغة الانجليزية– وكان نزار قد سافر الى الولايات المتحدة للدراسة. كل هذا اضطرني الى ان اصطحب امي المريضة اشد المرض الى لندن على عجل، والرعب مستول علي، فقد كنت خائفة في اعماقي من شيء رهيب سيقع لي لم اشخصه، وقبل سفري باسبوع حلمت اني اسير في شوارع لندن واحاول شراء تابوت ملون، وابحث، وابحث، وابحث في لهفة، ورعب، فلا اجد من يبيعني تابوتاً، ولم اقص حلمي هذا على احد في البيت، وسافرت بها، وتم ادخالها الى غرفة العمليات، وخرجب منها محمولة على نقالة حيث اودعوها في عنبر الموتى بالمستشفى ريثما تتم اجراءات الدفن المعقدة، وقد رايتها، وهي تحتضر، في مشهد رهيب هز حياتي الى اعماقها، وكان علي ان احضر مشاهد الجنازة والدفن وانهض باعبائها، وهي اعمال لم اعتد القيام بمثلها، وعدت الى العراق بعد اسبوعين ذابلة حزينة مهزوزة النفس. فقد كنت احب امي حباً شديداً لا مثيل له. وما كدت ارى اخوتي، واقاربي يلبسون السواد وهم يستقبلوني في مطار بغداد حتى بدأت أبكي، وأبكي بكاء لا ينقطع ليلاً، ولا نهاراً، وسرعان ما لاح لي بوضوح انني مريضة، فبادرت الى مراجعة طبيب عالجني بالحبوب المهدئة، فتوقفت دموعي، وان بقي الحزن يحفر في حياتي حتى اليوم بعد خمسة واربعين سنة من وفاة والدتي يرحمها الله، وكانت حصيلتي الشعرية المباشرة، بعد وفاة امي، قصيدة سميتها "ثلاث مراث لامي" استعملت فيها اسلوباً جديداً في الرثاء لم يسبقني اليه احد، وسرعان ما ذاعت قصيدتي هذه، واستقبلها الشعراء بحرارة واعجاب بالغين.

وقد كان من حسن حظي – وانا في احزاني التي هدمتني بعد وفاة امي – ان انتخبتني مديرية البعثات العراقية لدراسة الادب المقارن في الولايات المتحدة، وقد قبلت في جامعة وسكنسن، احدى اول عشر جامعات في الولايات المتحدة، فسافرت متحمسة للدراسة اشد الحماسة، واتاح لي موضوع الادب المقارن ان استفيد من اللغات الاجنبية التي اعرفها، بخاصة الانجليزية، والفرنسية. وخلال هذه الدراسة اكتسبت ثقافة غنية رائعة اخصبت ذهني وملاتني سعادة. وقد كنت اقضي اغلب الوقت في مكتبة الجامعة الغربية التي كان لها اعمق الاثر في حياتي في تلك الفترة كما اغتنت حياتي بافكار عذبة كثيرة منوعة، واكتسبت من التجارب اضعاف ما كسبته في حياتي السابقة كلها. وتغيرت مفاهيمي، ومثلي، ومقاييسي، وتبدلت شخصيتي كلها.

وقد كان النظام في هذه الجامعة رائعاً، لانه لا يتطلب كتابة اطروحة كبيرة، بل يكلف الطالب باعداد مجموعة كبيرة من الابحاث في موضوعات ادبية منوعة. فكنت اجد متعة عظيمة في كتابة هذه المقالات التي مرنت قابليتي في النقد الادبي، وما زالت الابحاث المكتوبة بالانجليزية تنتظر ان اترجمها الى العربية وانشرها. وسبب اعراضي عنها حتى الان يرجع الى انها كلها تتناول الآداب الاوربية، فلا يتخللها اسم عربي، وقد الفت ان اشعر ان كتابة الادبي العربي مقالات تغص بالاعلام الاجنبية نوع من التكلف، واقحام لثقافة اجنبية على القاريء العربي البسيط. ولذلك انوي ان اوسع الجانب المقارن في ابحاثي هذه بحيث يشمل اعلاماً عربية الى جانب الاوربية، واذا ذاك ساستريح الى نشرها، وارجو ان يتاح لي يوماً ان افعل هذا.

وكان سفري الى وسكنسن عام 1954، واستغراق اعداد الماجستير في الادب المقارن سنتين كتبت خلالهما مذكرات ادبية كثيرة سجلت فيها ملاحظاتي على الكتب التي قراتها، والاشخاص الذين تعرفت اليهم، وعشت بينهم في تلك الفترة، كما احتوت على آرائي المفصلة المركزة في المرأة الامريكية، ومع هذا كله، كنت في مذكراتي اغوص غوصاً نفسياً عميقاً في تحليل نفسي، وقد اكتشفت اني كنت لا اعبر عن ذهني، وعواطفي كما يفعل كل انسان حولي، وانما الوذ بالانطواء والخجل، واتخذت قراراً حاسماً ان اخرج على هذا الطبع السلبي، وشهدت مذكراتي صراعاً عظيماً مع نفسي من اجل تحقيق هذا الهدف، فكنت اذا تقدمت خطوة تراجعت عشر خطوات بحيث اقتضاني التغير الكامل سنوات كثيرة طويلة.

وانا اليوم ادرك ان تغيير العادات النفسية من اصعب الامور، ولذلك اعتبر كفاحي المتواصل لتعديل اعماقي النفسية، ومسلكي الاجتماعي كفاحاً بطولياً لم يساعدني عليه الا الله تعالى برحمته السابغة، ورعايته الدائمة، مهما يكن فان في نيتي ان افرغ يوماً لانتخاب مختارات من مذكراتي في مادسن – وسكنسن للنشر وقد اعطيت حلقة منها الى جريدة الاهرام صيف سنة 1966، فنشرتها في عددها الصادر يوم 5 – 8 – 1966.

وعندما رجعت من الولايات المتحدة مررت في طريق العودة بايطاليا، وجنوب فرنسا، ثم عرجت على دمشق حيث مؤتمر الادباء العربي الثاني في بلودان، وكانوا قد وجهوا الي دعوة وانا في الولايات المتحدة. وكنت يومها احس بنوع من الازمة اعانية، فقد كان التعبير بالعربية لا يطاوعني تماماً بعد سنتين لم اتكلم خلالهما الا بالانجليزية، وكنت احس بذلك احساساً قاسياً بخاصة خلال وجودي في مؤتمر الادباء الذي افتتحت به عودتي الى الوطن العربي الحبيب، ولم يزايلني هذا الاحساس الا بعد مرور اشهر في العراق استعدت خلالها طلاقة التعبير بالعربية.

وفي عام 1957 صدرت في بيروت مجموعتي الشعرية الثالثة (قرارة الموجة) وقد احتوت على منتخبات من شعري بعد (شظايا ورماد) ونشرتها دار الآداب ببيروت.

وفي عام 1958 قامت في العراق ثورة 14 تموز، واثرت في حياتي اعنف تاثير حتى استغرقت كل لحظة من عمري ذلك العام. وقد استقبلتها بقصيدة ساخنة بدأتها:

فرح الايتام بضمة حب ابوية

فرحة عطشان ذاق الماء

فرحة تموز بلمس نسائم ثلجية

فرح الظلمات بنبع ضياء

فرحتنا بالجمهورية.

وكانت القصيدة تعبيراً بسيطاً عن الفرح العميق الغامر، وتحذيراً من مؤمرآت امريكا، والصهيونية العالمية:



السوق صحا يا ورد حذار

من نقمته الصهيونية

ومخالبه الامريكية



ولكن عند الكريم قاسم سرعان ما انحرف، واستهوته شهوة الحكم، وسمح للشعوبية ان تمس جمال الثورة، وتقضي على مبادئها القومية التي احبها أشد الحب، وقد اضطرني عسف الحكم، وتهديده المستمر الى ترك العراق، والسكن ببيروت عاماً كاملاً (1959 – 1960) وخلال ذلك، واصلت نشر انتاجي القومي في مجلة الآداب.

في عام 1957 عينت مدرسة معيدة في كلية التربية ببغداد ادرس النقد الادبي، العروض، وبعد عودتي من بيروت عام 1960 تعرفت الى زميل جديد في قسم اللغة العربية هو الدكتور عبد الهادي محبوبة، خريج جامعة القاهرة، وفي متنصف عام 1961 تزوجنا، فكان لي نعم الصديق والرفيق والزميل.

وفي عام 1962 صدر لي اول كتاب في النقد الادبي هو (قضايا الشعر المعاصر). وقد درست فيه الشعر الحر دراسة خاصة مفصلة، ووضعت له عروضاً كاملاً اعتماداً على معرفتي للعروض، وعلى قوة سمعي الشعري، وعلى كثرة قراءتي لشعر الزملاء من الشعراء، وقد اهديت الكتاب الى الرئيس العربي جمال عبد الناصر، متحدية عبد الكريم قاسم الذي كان تمقته اشد المقت.

وفي عام 1964 سافرنا، انا وزوجي، للعمل في تاسيس جامعة في البصرة حيث كان الدكتور عبد الهادي رئيساً للجامعة، وكنت اعمل في التدريس بقسم اللغة العربية. ثم انتخبت رئيساً للقسم واستمر عملنا هناك اربع سنوات. وغادرنا البصرة الى بغداد اواخر عام 1968 حيث عدنا الى التدريس في كلية التربية سنة واحدة، غادرنا بعدها الى الكويت للتدريس في جامعتها.

وفي عام 1964 دعاني معهد الدراسات العربية العالية بالقاهرة الى القاء محاضرات حول الشعر في موضوع اختاره، فعكفت على كتابة كتاب عن الشاعر المبدع علي محمود طه الذي كنت تاثرت بشعره خلال فترة الصبا، يوم كنت طالبة في فرع التمثيل بمعهد الفنون الجميلة، وقد طبع هذا الكتاب (شعر علي محمود طه) في القاهرة عام 1965. وكان عنوان طبعته الثانية (الصومعة والشرفة الحمراء) وقد طبعته دار العلم للملايين.

وفي اول سنة 1978 صدرت لي مجموعة شعرية رابعة عنوانها (شجرة القمر) تطور فيها شعري تطوراً واضحاً عما كان عليه في المرحلة السابقة، مرحلة (قرارة الموجة) التي كنت خلالها اميل الى الفلسفة، والفكر في شعري، ونثري جميعاً.

وفي عام 1970 صدرت مطولتي الشعرية (مأساة الحياة وأغنية للانسان) عن دار العودة ببيروت.



وبعد، فهذه خطوات مركزة مختصرة من سيرة حياتي كتبتها تلبية لطلبات كثيرة ترد علي من الباحثين، وطلبة الجامعات الذين يكتبون رسائل ماجستير ودكتوراه. اما سيرة حياتي المفصلة، ففيها كثير من الغرائب الممتعة، وارجوا ان يتاح لي ان افرغ لكتابتها يوماً قبل الموت.

محمود15
11-22-2006, 01:01 PM
خمس أغاني للألم


1

مُهْدي ليالينا الأسَى والحُرَقْ

ساقي مآقينا كؤوسَ الأرَقْ

نحنُ وجدناهُ على دَرْبنا

ذاتَ صباحٍ مَطِيرْ

ونحنُ أعطيناهُ من حُبّنا

رَبْتَةَ إشفاقٍ وركنًا صغيرْ

ينبِضُ في قلبنا

**


فلم يَعُد يتركُنا أو يغيبْ

عن دَرْبنا مَرّهْ

يتبعُنا ملءَ الوجودِ الرحيبْ

يا ليتَنا لم نَسقِهِ قَطْرهْ

ذاكَ الصَّباحَ الكئيبْ

مُهْدي ليالينا الأسَى والحُرَقْ

ساقي مآقينا كؤوس الأرَقْ

2

مِن أينَ يأتينا الأَلمْ?

من أَينَ يأتينا?

آخَى رؤانا من قِدَمْ

ورَعى قوافينا

**


أمسِ اصْطحبناهُ إلى لُجج المياهْ

وهناكَ كسّرناه بدّدْناهُ في موج البُحَيرهْ

لم نُبْقِ منه آهةً لم نُبْقِ عَبْرهْ

ولقد حَسِبْنا أنّنا عُدْنا بمنجًى من أذَاهْ

ما عاد يُلْقي الحُزْنَ في بَسَماتنا

أو يخْبئ الغُصَصَ المريرةَ خلف أغنيَّاتِنا

**


ثم استلمنا وردةً حمراءَ دافئةَ العبيرْ

أحبابُنا بعثوا بها عبْرَ البحارْ

ماذا توقّعناهُ فيها? غبطةٌ ورِضًا قريرْ

لكنّها انتفضَتْ وسالتْ أدمعًا عطْشى حِرَارْ

وسَقَتْ أصابعَنا الحزيناتِ النَّغَمْ

إنّا نحبّك يا ألمْ

**


من أينَ يأتينا الألم?

من أين يأتينا?

آخى رؤانا من قِدَمْ

ورَعَى قوافينا

إنّا له عَطَشٌ وفَمْ

يحيا ويَسْقينا

3

أليسَ في إمكاننا أن نَغْلِبَ الألمْ?

نُرْجِئْهُ إلى صباحٍ قادمٍ? أو أمْسِيهْ

نشغُلُهُ? نُقْنعهُ بلعبةٍ? بأغنيهْ?

بقصّةٍ قديمةٍ منسيّةِ النَّغَمْ?

**


ومَن عَسَاهُ أن يكون ذلك الألمْ?

طفلٌ صغيرٌ ناعمٌ مُستْفهِم العيونْ

تسْكته تهويدةٌ ورَبْتَةٌ حَنونْ

وإن تبسّمنا وغنّينا له يَنَمْ

**


يا أصبعًا أهدى لنا الدموع والنَّدَمْ

مَن غيرهُ أغلقَ في وجه أسانا قلبَهُ

ثم أتانا باكيًا يسألُ أن نُحبّهُ?

ومن سواهُ وزّعَ الجراحَ وابتسَمْ?

**


هذا الصغيرُ... إنّه أبرَأ مَنْ ظَلَمْ

عدوّنا المحبّ أو صديقنا اللدودْ

يا طَعْنةً تريدُ أن نمنحَها خُدودْ

دون اختلاجٍ عاتبٍ ودونما ألمْ

**


يا طفلَنا الصغيرَ سَامحْنا يدًا وفَمْ

تحفِرُ في عُيوننا معابرًا للأدمعِ

وتَسْتَثيرُ جُرْحَنا في موضعٍ وموضعِ

إنّا غَفَرْنا الذنبَ والإيذاء من قِدَمْ

4

كيف ننسىَ الألَمْ

كيف ننساهُ?

من يُضيءُ لنا

ليلَ ذكراهُ?

سوف نشربُهُ سوف نأكلُهُ

وسنقفو شُرودَ خُطَاه

وإذا نِمنا كان هيكلُهُ

هو آخرَ شيءٍ نَرَاهْ

**


وملامحُهُ هي أوّلَ ما

سوف نُبْصرُهُ في الصباحْ

وسنحملُهُ مَعَنا حيثُما

حملتنا المُنى والجراحْ

**


سنُبيحُ له أن يُقيم السُّدودْ

بين أشواقنا والقَمَرْ

بين حُرْقتنا وغديرٍ بَرُودْ

بين أعيننا والنَّظَرْ

**


وسنسمح أن يَنْشُر البَلْوى

والأسَى في مآقينا

وسنُؤْويه في ثِنْيةٍ نَشْوَى

من ضلوع أغانينا

**


وأخيرًا ستجرفُهُ الوديانْ

ويوسّدُهُ الصُّبَّيْر

وسيهبِطُ واديَنَا النسيان

يا أسانا, مساءَ الخَيْرْ!

**


سوف ننسى الألم

سوف ننساهُ

إنّنا بالرضا

قد سقيناهُ

5

نحن توّجناكَ في تهويمةِ الفجْرِ إلهَا

وعلى مذبحكَ الفضيّ مرّغْنَا الجِبَاهَا

يا هَوانا يا ألَمْ

ومن الكَتّانِ والسِّمْسِمِ أحرقنا بخورَا

ثمّ قَدّمْنا القرابينَ ورتّلْنَا سُطورَا

بابليَّاتِ النَّغَمْ

**


نحنُ شَيّدنا لكَ المعبَدَ جُدرانًا شَذيّهْ

ورَششنا أرضَهُ بالزَّيتِ والخمرِ النَّقيَّهْ

والدموع المُحرِقهْ

نحن أشعلنا لكَ النيرانَ من سَعف النخيلِ

وأسانا وَهشيم القمح في ليلٍ طويلِ

بشفاهٍ مُطْبَقَهْ

**


نحنُ رتّلْنَا ونادَيْنا وقدّمْنا النذورْ:

بَلَحٌ من بابلِ السَّكْرَى وخُبْزٌ وخمورْ

وورودٌ فَرِحَهْ

ثمّ صلّينا لعينيك وقرّبنا ضحيّهْ

وجَمَعْنا قطَراتِ الأدمُعِ الحرّى السخيّهْ

وَصنَعْنا مَسْبَحَهْ

**


أنتَ يا مَنْ كفُّهُ أعطتْ لحونًا وأغاني

يا دموعًا تمنحُ الحكمةَ, يا نبْعَ معانِ

يا ثَرَاءً وخُصوبَهْ

يا حنانًا قاسيًا يا نقمةً تقطُرُ رحْمَه

نحنُ خبّأناكَ في أحلامنا في كلّ نغْمهْ

من أغانينا الكئيبهْ

.......................

محمود15
11-22-2006, 01:02 PM
مأساة الحياة
عبثاً تَحْلُمين شاعرتي ما
من صباحٍ لليلِ هذا الوجود
عبثاً تسألين لن يُكْشف السرُ
ولن تَنْعمي بفكِ القيودِ
في ظلال الصفصافِ قَضَيتِ ساعاتكِ
حَيْرى تُمضُك الأسرارُ
تسألين الظلالَ و الظلُ
لا يعلم شيــــــئاً....
أبداً تنظرين للأُفق المجهول
حَيْرى فهل تجلّى الخفيُّ؟
أبداً تسأليـــــن...
...صمتٌ مُسْتغلِقٌ أبديُّ
فيمَ لا تيأسينَ؟ ما أدركَ الأسرارَ
قلبٌ من قبلُ كي تدركيها
أسفاً يا فتاةُ لن تفهمي الأيامَ
فلتقنعي بأن تجهليها
أُتركي الزورق الكليل تسِّيرْه
أكفُّ الأقدارِ كيف تشاءُ
ما الذي نلتِ من مصارعة الموجِ؟
وهل نامَ عن مناكِ الشقاءُ؟
آهِ يا من ضاعتْ حياتك في الأحلامِ
ماذا جَنَيْتِ غير الملالِ؟
لم يَزَلْ سرُّها دفينا فيا ضياعهَ
عُمْرٍ قضَّيتِهِ في السؤالِ
هُوَ سرُّ الحياة دقَّ على الأفهامِ
حتى ضاقت به الحكماءُ
فيأسي يا فتاةُ ما فُهمتْ من
قبلُ أسرارُها ففيم الرجاءُ؟
جاء من قبلِ أن تجيئي إلى الدُّنْيا
ملايينُ ثم زالوا و بادوا
ليتَ شعري ماذا جَنَوْا من لياليهمْ؟
وأينَ الأفراحُ و الأعيادُ؟
ليس منهم إلاَّ قبورٌ حزيناتٌ
أقيمت على ضفاف الحياةِ
رحلوا عن حِمَى الوجودِ ولاذوا
في سكونٍ بعالم الأمواتِ
كم أطافَ الليلُ الكئيب على الجو
وكم أذعنت له الأكوانُ
شهد الليلُ أنّه مثلما كان
فأينَ الذينَ بالأمس كانوا؟
كيف يا دهرُ تنطفي بين كفَّيك
الأماني وتخمد الأحلامُ؟
كيف تَذْوي القلوبُ وهي ضياءٌ
ويعيشُ الظلام ُوهو ظلام

محمود15
11-22-2006, 01:03 PM
فى وادى العبيد
ضاع عُمْري في دياجيرِ الحياة
وخَبَتْ أحلامُ قلبــي المُغْرَقِ

ها أنا وحدي على شطِّ المماتِ
والأعاصيــرُ تُنادي زورقي

ليس في عينيّ غيـرُ العَبَراتِ
والظلالُ السودُ تحمي مفرقي

ليس في سَمْعيَ غيرُ الصَرَخاتِ
أسفاً للعُمْـــرِ، ماذا قد بَقِي ؟

سَنَواتُ العُمْر مرّت بي سِراعا
وتوارتْ في دُجَى الماضي البعيدْ

وتبقَّيْتُ على البحْر شِراعـــا
مُغرَقاً في الدمْع والحزنِ المُبيدْ

وحدتـي تقتلُني والعُمْرُ ضاعا
والأَسى لم يُبْقِ لي حُلماً "جديدْ"

وظلامُ العيْش لم يُبْقِ شُعَاعـا
والشَّبابُ الغَضُّ يَذْوي ويَبِيـدْ

أيُّ مأساةٍ حياتي وصِبايــا
أيّ نارٍ خلفَ صَمْتي وشَكاتي

كتمتْ روحي وباحتْ مُقْلتايا
ليتها ضنّتْ بأسرار حياتـي

ولمن أشكو عذابي وأسَايا ؟
ولمن أُرْسلُ هذي الأغنياتِ ؟

وحوالــيَّ عبيــــدٌ وضحايــا
ووجـودٌ مُغْــرَقٌ فــي الظُلُماتِ

أيُّ معنــىً لطُموحـي ورجائــي
شَهِدَ الموتُ بضَعْفــــي البَشريّ
ِ
ليس في الأرض لُحزْني مـن عزاءِ
فاحتدامُ الشرِّ طبْعُ الآدمـــــيِّ

مُثُلي العُلْيا وحُلْمـــي وسَمَائـي
كلُّها أوهامُ قلبٍ شاعـــــريِّ

هكذا قالوا ... فما مَعْنـى بَقائـي ؟
رحمةَ الأقدارِ بالقلب الشقــــيِّ

لا أُريدُ العيشَ في وادي العبيـــدِ
بين أَمواتٍ ... وإِن لم يُدْفَنـــوا ...

جُثَثٌ ترسَفُ في أسْرِ القُيـــــودِ
وتماثيلُ اجتــوتْها الأَْعيُــــنُ

آدميّونَ ولكـــنْ كالقُــــرودِ
وضِبَاعٌ شَرْســــةٌ لا تُؤمَــنُ

أبداً أُسْمعُهـم عذْبَ نشيــــدي
وهُمُ نومٌ عميـقٌ مُحْـــــزنُ

قلبيَ الحُرُّ الــذي لم يَفْهمــوهُ
سوف يلْقَى في أغانيــه العَزَاءَ

لا يَظُنّوا أَنَّهم قــد سحقــوهُ
فهو ما زالَ جَمَالاً ونَقَــاءَ

سوف تمضي في التسابيح سِنوهُ
وهمُ في الشرِّ فجراً ومســاءَ

في حَضيضٍ من أَذاهْم ألفـوهُ
مُظْلمٍ لا حُسْنَ فيه ، لا ضياءَ

إِن أَكنْ عاشقةَ الليلِ فكأســي
مُشْرِقٌ بالضوءِ والحُبِّ الوَريقِ

وجَمَالُ الليلِ قد طهّرَ نفســي
بالدُجَى والهمس والصمْتِ العميقِ

أبداً يملأ أوهامــي وحسِّــي
بمعاني الرّوحِ والشِعْرِ الرقيـقِ

فدعوا لي ليلَ أحلامي ويأسي
ولكم أنتم تباشيرُ الشُــروقِ.ِ

محمود15
11-22-2006, 01:03 PM
من أنــا؟؟؟
من أنا

الليلُ يسألُ مَن أنا

أنا سرُّهُ القلقُ العميقُ الأسودُ

أنا صمتُهُ المتمرِّدُ

قنّعتُ كنهي بالسكونْ

ولففتُ قلبي بالظنونْ

وبقيتُ ساهمةً هنا

أرنو وتسألني القرونْ

أنا من أكون ؟

الريحُ تسألُ مَنْ أنا

أنا روحُهَا الحيرانُ أنكرني الزمانْ

أنا مثلها في لا مكان

نبقى نسيرُ ولا انتهاءْ

نبقى نمرُّ ولا بقاءْ

فإذا بلغنا المُنْحَنَى

خلناهُ خاتمةَ الشقاءْ

فإذا فضاءْ !

والدهرُ يسألُ مَنْ أنا

أنا مثله جبارةٌ أطوي عُصورْ

وأعودُ أمنحُها النشورْ

أنا أخلقُ الماضيْ البعيدْ

من فتنةِ الأملِ الرغيدْ

وأعودُ أدفنُهُ أنا

لأصوغَ لي أمساً جديدْ

غَدُهُ جليد

والذاتُ تسألُ مَنْ أنا

أنا مثلها حيرَى أحدّقُ في الظلام

لا شيءَ يمنحُني السلامْ

أبقى أسائلُ والجوابْ

سيظَلّ يحجُبُه سرابْ

وأظلّ أحسبُهُ دَنَا

فإذا وصلتُ إليه ذابْ

وخبا وغابْ

محمود15
11-22-2006, 01:05 PM
دكان القرائين الصغيرة
في ضباب الحُلْم طوّفتُ مع السارين في سوق عتيقِ
غارق في عطر ماء الورد, وامتدّ طريقي
وسّع الحُلْم عيوني, رش سُكْرًا في عروقي
ثملت روحي بأشذاء التوابلْ
وصناديق العقيقِ
وبألوان السجاجيد,
بعطر الهيل والحنّاء,
بالآنية الغَرْقى الغلائلْ
سرقت روحي المرايا, واستداراتْ المكاحلْ
كنتُ نَشْوى, في ازرقاق الحُلْم أمشي وأسائلْ
أين دكّان القرائين الصغيرهْ
أشتري من عنده في الحلم قرآنًا جميلاً لحبيبي
يقتنيه لحن حبٍّ,
قَمرًا في ليلةٍ ظلماء,
خبزًا وخميرهْ
عندما في الغد يَرْحَلْ
من مطار الأمس والذكرى حبيبي
يتوارى وجهه خلف التواءات الدروبِ

****

سرتُ في السوق,
إذا مرّ بقربي عابرٌ ما,
أتمهّل
ثم أسألْ:
سيّدي في أي دكّان ترى ألقى القرائين الصغيرهْ
أيّ قرآن, سواءٌ أحواشيه حروف ذهبيّهْ
أم نقوش فارسيّهْ
أي قرآن؟..... وفي حلمي يقول العابرُ
لحظة يا أختُ, قرآنكِ في آخر هذا المنحنى, في (مندلي)
اسألي عن (مندلي)
فهو دكان القرائين الصغيرهْ
ويغيب العابرُ...
وجهه في الحُلْم لونٌ فاترُ...
ثم أمضى في الكرى باحثةً عن (مندلي)
حيث أبتاعُ بما أملك قرآنًا وأهديه حبيبي
حينما يرحلُ عني في غدٍ وجه حبيبي
وتغطيه المسافاتُ وأبعاد الدروبِ
حيث أبتاع من الدكان قرآنًا صغيرًا لحبيبي
ثم أهديه له عند الوداعْ
ليخبّي ضوءه في صدره بُرْعَم طيبِ
وليؤويه إليه حرز حبي
وعصافيري المشوقاتِ,
وتلويح ذراعي
واختلاجاتِ شراعي

****

سرتُ في حلميَ في السوق قريرهْ
أسرتْ روحي السجاجيدُ الوثيرهْ
وأواني عطرِ ماء الورد, والكعبةُ صورهْ
نعستْ ألوانها في حضن حانوتٍ,
وفي حلمي مضيتُ
في دمي شوقٌ لدكان القرائين الصغيرهْ
وحلمتُ
وحلمتُ
بقرائينَ كثيراتٍ, وأختارُ أنا منها, وأهدي لحبيبي
في صباح الغد قرآنًا, ويؤويه حبيبي
صدرَهُ تعويذةً تدرأ عنه الليلَ والسَّعْلاة في أسْفَارِهِ
تزرع اسم الله في رحلته, تسقيه من أسرارِه

****

كان كلّ الناس لي يبتسمون
وعلى لهفة أشواق سؤالي ينحنونْ
زرعوا حلمي ورودا
وسّعوا السوقَ زوايا وحدودا
كلهم كانوا يشيرون إلى بعض مكانٍ غامض إذ يعبرونْ
يهمسون:
اسألي عن (مندلي)
ابحثي عن (مندلي)
دكّة في آخر السوق وتُلْفين القرائين الصغيرهْ
أطعموا قلبيَ من نكهة كُتْبٍ عنبريّاتِ كثيرهْ
بينها ألقى عصافيري القرائين الصغيرهْ
حيث أختارُ وأهدي لحبيبي
واحدًا يحميه من ليل الدروبِ
ووشايات المغيبِ
واحدًا يحمله في الطائرهْ
باقةً من زنبق الله, وسُحْبًا ماطرهْ

****
سرتُ طول الليل في حلمي, ولكن أين ألقى (مندلي)؟
شَعَّب السوق حناياه,
ترامَى,
وتَمدّدْ
صار عشرين, دوربًا وزوايا
وفروعًا وخبايا
وتعدّدْ
وتعدّدْ
حيرتي أبصرتها طالعة من قعر آلاف المرايا
قذفتني الامتداداتُ ومصتني الحنايا
وأنا أشرب كوبًا فارغًا, والسوق مُجْهَدْ
تحت خطوي, ودمي يلهث شوقًا
وأنا أعطش في أرض الرؤى, أذرعها غربًا وشرقًا
لستُ أُسْقى, لست أُسْقَى
ضاع مني (مندلي)
ضاعَ, لا القرآنُ, لا الأشذاء لي
ما الذي بعد عطوري, وقرائيني تَبَقَّى

****

مرَّ بي في سوق حلمي ألفُ عابرْ
كلهم قالوا: - وراء المنحنى التاسع يحيا (مندلي)
حيث قرآني وعطري المتناثر
حيث أَلْقَى (مندلي)
(مندلي) يا أنهرا من عَسَلِ
يا ندًى منتثرًا فوق بيادرْ
يا شظايا قمر مغتسلِ
في دموعي,
يا أزاهيرُ من الياقوت نامت في غدائرْ
يا هتافاتِ أذان الفجر من فوق منائر
(مندلي) يا (مندلي)
اسمه فوق الشفاهْ
فلّة غامضة اللون,
وشمعٌ,
وتراتيلُ صلاهْ
وزروع ومياهْ
وأنا مأخوذة الأشواق أدعوه ولكن لا أراهْ
وأنا من دون قرآن حبيبي
ومع الفجر سيرحَلْ
في انبلاج الغَسَق القاني حبيبي
وشفاهي صلواتٌ تترسَّل
وعناقيد دموع تتهدّلْ
انبثق يا عطش السوق انبثق يا (مندلي)
يا قرائين حبيبي
يا ارتعاش السنبلِ
في حقول الحلم من ليلى العصيبِ

****

أين مني (مندلي)؟ والبائع المصروع من عطر القرائينْ؟
ذاهلاً مستغرقًا في حُلُمِ؟
ضائعًا هيمان مأخوذًا بأفق مبهمِ
يتشاجى, وجدُهُ سُكْرٌ وتلوينْ
صاعدًا من ولهٍ في عالم من عنبر مضطرمِ
تائهًا من شوقه عَبْرَ بساتينْ
عطشات النخل, والقرآن في تمُّوزها أمطار تشرينْ
(مندلي) يا ظمأى يا جرح سكّينْ
في خدود وشرايينْ

****

وطريقي نحو دكان القرائين الصغيرهْ
فيه أوراد لها عطر عجيبُ
كل من ذاق شذاها تائهٌ,
منسرق الروح,
شريدٌ
لا يؤوبُ
مندلي يا حقل نسرينْ
ذقتُ أسرارَكَ واستبعدتُ كوبي
لم أعد أعرف فجري من غروبي
وتواجدْتُ وضيّعتُ دروبي
وتشوقت لقرآنٍ, على رفّكَ غافٍ,
أشتريه لحبيبي

****

وسمعتُ العابرينْ
يصفون المخزن المنشود: تسري فيه أصداءْ
وتلاوين, وموسيقى وأضواءْ
تصرع السامع صرعًا باختلاجاتِ حنينْ
وشموعٍ ودوالي ياسمينْ
آه لو أني وصلتُ
آه حتى لو تمزقْتُ,
تبعثرتُ,
اكتويتْ
لو تذوقتُ العطورَ السارباتِ
حول دكان القرائين الصغيرهْ
آه لو أمسكتُ في كفّي قرآنًا,
كدوريّ حنون القَسَماتِ
واحد من ألف قرآن حواليه ضبابٌ,
وشذى وردٍ,
وموسيقى مثيرهْ
ليس يقوَى قَطُّ إنسانٌ بأن يصغي إليها
يسقط الصاحي صريعًا, غير واعٍ, ضائعًا في شاطئيها
آه لو أني أطبقتُ عليه شفتَيّا
هو قرآنُ حبيبي
آه لو لامستُ رياهُ بأطراف يديّا
هو وِرْدى, وامتلائي, ونضوبي
والنشيد المحرق المخبوء في قعر دمي, في مقلتيّا

****

وانتهى السوقُ وفي حلمي يَئستُ
وعلى دكّة آمالي الطعينات جلستُ
وانتحبتُ
لم يَعُدْ في السوق من ركن قصيِّ
لم أقلّبْهُ... وتاهتْ (مندلي)...
غرقَتْ في عمق بحر من ضبابٍ سندسيِّ
واختفت في ظل غابات سكونٍ أبديِّ
لم يدع يأسيَ حتى سحبة القوس على الأوتار لي
ضاع حتى الظلّ مني, وتبقّتْ لي روًى من طَللِ
أين أبوابكِ يا ترتيلتي,
يا (مندلي)
يا عطور الهَيْل والقرآنِ يا وجه نبيِّ
يا شراعًا أبيضًا تحت مساء عنبيِّ

****

وإذن ماذا سأهدي لحبيبي
في غد حينَ يسافر؟
فرغتْ كفّي من القرآنِ غاضتْ في صَحَارايَ المعاصِر
وخوى خدّايَ إلاّ من غلالات شحوبي
وحبيبي سيغادرْ
دون قرآنٍ, هديّه...
غضة تلمس خدّيهِ كما يلمس عصفورٌ مُهَاجرْ
جبهة الأفق برشّات غناءٍ عسليّهْ
وحبيبي سيسافر
خاوى الكف من القرآن, من عطر البيادرْ
وحكايات المنائر
وأنا أبقى شجيه
كظهيرات من الحزن عرايا غيهبيّهْ
ضاع قرآني, وضاعت (مندلي)
واختفى وجهُ حبيبي
خلف غيم مُسْدَلِ
وامتدادات سهوبٍ وسهوبِ
فوداعًا يا قرائيني, وداعًا (مندلي)
وإلى أن نتلاقى يا حبيبي
وإلى أن نتلاقى يا حبيبي

محمود15
11-22-2006, 01:06 PM
رسائل نازك الملائكة إلي عيسي الناعوري خلال الخمسينات

بالتعاون ما بين دار مجدلاوي للنشر والتوزيع في عمان واللجنة الوطنية العليا لعمان عاصمة ثقافية صدر كتاب الباحث والصحافي الأردني تيسير النجار (رسائل نازك الملائكة - رسائل مخطوطة إلي عيسي الناعوري) وهذه الرسائل لم يسبق لها أن نشرت بالرغم من مرور أكثر من نصف قرن علي مكوثها طي الأدراج كما يقول النجار، ويتابع في مقدمته مبينا أهمية هذا الجهد (تكشف العديد من المسائل من حياة الأديبة نازك الملائكة وتوثق انفعالاتها عبر فترة ماتت فيها أمها وجدها وعمها، كما تقدم وثيقة ذاتية وإنسانية وفكرية عن ريادة الملائكة للشعر الحر ففي رسالتها المؤرخة في 16/11/1953 تقول يوأنا أعلم أن بدر السياب بدأ يحاول في إلحاح منذ سنة 1950 أن يخبر كل إنسان أنه هو الذي بدأ الحركة وأنني أنا لست سوي تابعة ..، ولكن الزميل سامحه الله علي كل حال ينسي أن القصائد كثيرا ما تنشر في الصحف قبل جمعها في دواوين مطبوعة، وهو لا يعلم علي الإطلاق أن قصيدتي الحرة الوزن ( الكوليرا) المنشورة في (شظايا ورماد ) قد نشرت في عدد كانون الأول (ديسمبر) 1947 في بيروت في مجلة العروبة التي كان يصدرها الأستاذ محمد علي الحوماني ،وأنني كنت قبل ذلك بشهرين قد أرسلتها إلي أديب صديق من لبنان أستطلع رأيه في هذا الأسلوب الجديد الذي وفقت إليه وأنا أحاول في جهد نفسي منفعل التعبير عن إحساسي تجاه الآلاف من الموتي الذين قضي عليهم داء الكوليرا الذي تفشي في مصر آنذاك، وقد استلمت من الأديب المذكور رسالة ما زلت أحتفظ بها يخبرني فيها أنه عرض القصيدة علي عمر أبو ريشة ونقولا فياض وعبدالله العلايلي وغيرهم فانقسموا حولها في الرأي .. ويتابع معد الكتاب النجار مقدمته التوضيحية قائلا وفي هذه الفترة من المراسلات 14-9-1952وحتي 16 ـ 5 ـ 1954 كان الأديب الناعوري يصدر مجلته الشهرية (القلم الجديد) في عمان وصدر منها اثنا عشر عددا .....، وإن مضامين الرسائل توضح فيما بينهما بأنها محض أدبية وأهميتها لا تكمن في كونها بين أديبين كبيرين ولكنها بالقدر نفسه تشكل ثروة أدبية تتيح للدارسين والنقاد إعادة النظر في حياة هذين الأديبين وفي إنتاجهما الإبداعي من جهة ثانية إذ ليس من سبيل إلي إنكار ما تتضمنه الرسائل من كشف خصوصيات حياتية أو صراعات أدبية أو جوانب في التأليف ما زالت غامضة علي الباحثين والدارسين، ثم أنها تجعل قارئها يقف علي حقيقة الشخصيات الأدبية والأعلام الذين ورد ذكرهم ضمنا في هذه الرسائل كما أنها تجلي جوانب مجهولة من حياتهم، وبالقدر ذاته تكشف ملامح من الحياة السياسية والاجتماعية في إطارها التاريخي آنذاك، وهي كذلك اعترافات شخصية لا تحب الملائكة أن تري النور أو تصل إلي الأسماع والعيون وإلا ما الذي يدعو نازك أن ترجو الناعوري بأن لا يقدم علي نشر رسائلها لو لم تكن فيها تلك الخصوصية الحميمة التي تضن بها علي الآخرين وتجعلها في منأي عن الرأي العام، وكيف كان يمكن لنا أن نقف علي جوانب الخصومة الأدبية بين نازك و السياب فيما يتعلق بريادة الشعر الحر، ولعل المتأمل في طريقة الخطاب الذي يتصدر هذه الرسائل يدرك مدي التوفير والاحترام والمكانة المميزة التي كان يحظي بها الناعوري في نفس نازك، وهو ما يكشفه أيضا الزمان المتواصل في المكاتبة) الكتاب ضم صور هذه الرسائل وطباعة لها وعددها 15 رسالة جري تبادلها خلال الفترة من 1952 وحتي منتصف العام 1954، ومما يجدر ذكره هنا أن الشاعرة نازك الملائكة من مواليد بغداد العام 1923 وتخرجت من دار المعلمين العالية العام 1947 وانضمت إلي معهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقي ـ العزف علي العود، وقد أصدرت ديوانها الأول (عاشقة الليل ) العام 1949 وفيما بعد أصدرت (شظايا ورماد )، ( شجرة القمر ) وغيرها إضافة إلي عدد من الكتب النقدية مثل (قضايا الشعر المعاصر) العام 1962، و( شعر علي محمود طه ) ( مأساة الحياة وأغنية الإنسان) 1970 وغيرها، وهي اليوم تعيش علي فراش المرض في القاهرة، أما الأديب الأردني عيسي الناعوري فهو من مواليد قرية ناعور قرب عمان العام 1918 وأتم دراسته الابتدائية في القرية، ثم تابع في المدرسة الأكليركية في القدس، وعمل في التدريس مدة 15 سنة في الأردن وفلسطين ،وقد كتب الرواية والقصة القصيرة والمقالة والشعر والنقد الأدبي كما ترجم عن الإيطالية والإنكليزية واليها وله نحو ستين كتابا مطبوعا، وترجمت أعماله إلي العديد من اللغات العالمية الحية، وقد عمل أمينا عاما لمجمع اللغة العربية الأردني منذ تأسيسه العام 1976 وحتي العام 1985تاريخ وفاته . من رسالة لها مؤرخة في 7 ـ 5 ـ 1953 أي قبل نصف قرن بالتمام نقرأ ( ... الجو عندنا حار هذه الأيام حرارة عالية لا تتيح كتابة الرسائل المترفة الطويلة، وبغداد تمر بفترة انفعال شديد نادر المثيل بسبب تتويج الملك العزيز، والحق أنني لم أشهد طيلة حياتي شعبا يحب ملكا إلي هذا الحد، وقد كان منظر الجماهير الهائلة مثيرا في بغداد يوم أقسم الملك اليمين، انه شيء تقصر اللغة عن وصفه وقد تضاءلت إلي جانبه مظاهر الزينة الفخمة التي كلفت الحكومة ثلاثة ملايين دينارا، فما قيمة المهرجانات إلي جانب هذا النهر الجارف من حب جماهير الشعب ؟ لقد وقفت أرقب الكتل المندفعة من الناس في افتتان لا حد له، انهم قوة هائلة هؤلاء الجماهير، ولو ألبسناهم أحذية وكسونا أجسامهم التي خشّنها البرد والحر وثقفناهم ..، ولكن دعنا من الأحلام المؤلمة التي لا فائدة منها ولنعد الي الحديث عن الأدب والشعر . لقد كان هذا خروجا علي سياق رسالة تكتبها شاعرة إلي صاحب مجلة ..أليس كذلك ؟ ولا أدري لماذا يخطر لي أن أرجوك ألا تنشر هذه الرسالة علي الرغم من أنك كنت مدركا دائما فلم تنشر رسالة مني . رسائلي علي كل حال فظيعة عادة بحيث لا يمكن نشرها وهذا هو الذي يحميني ..لك مودتي - المخلصة نازك الملائكة ) 2.



يحيي القيسي - عمان - 2003/04/29 - القدس العربي

محمود15
11-22-2006, 01:06 PM
نازك الملائكة تحتفل بعيد ميلادها الثمانين



تحتفل نازك الملائكة في 23 اب (أغسطس) بعيد ميلادها الثمانين، مع ابنها الوحيد براق عبدالهادي، استاذ الأدب، الذي يقيم معها مؤنسا وحدتها بعد رحيل زوجها الدكتور عبدالهادي محبوبة استاذ الأدب ومؤسس جامعة البصرة وأول رئيس لها.

ارتبط شعر نازك بأخصب مراحل المد الوطني والقومي في العالم العربي، فقد تفجرت موهبتها بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة حيث تفجرت المقاومة الوطنية في العالم العربي، ضد الاستعمار وأنظمة الحكم الفاسدة، وكانت نازك بشعرها في أتون المعركة معبرة عن ذلك المد الوطني والقومي الجارف، وفاتحة الطريق أمام الشعراء العرب، بتحرير الشعر العربي من قيود واغلال القصيدة الكلاسيكية ليتمكن من التعبير عن عصر عربي جديد يشق الطريق محطما قيوده واغلاله.

ولدت الملائكة في 23 اب (أغسطس) 1923 في بغداد، في عائلة معظمها من الشعراء، وحصلت على بكلوريوس الآداب عام 1944 وسافرت الى الولايات المتحدة لدراسة النقد الأدبي، وأصدرت أول مجموعة شعرية لها بعنوان «عاشقة القمر» عام 1947، وبعدها «شظايا ورماد» 1949، ثم «قرارة الموجة» 1957، و«شجرة القمر»، 1968 و«مأساة الحياة»، 1970.

لم تكتف نازك بتأسيس اتجاه شعري جديد لكنها اشتغلت أيضا بالتنظير النقدي لهذه المدرسة، وحاولت وضع عروض كاملة للقصيدة الجديدة، التي سار على نهجها فيما بعد معظم الشعراء العرب، وجاء تنظيرها للشعر الجديد، في كتاب هام اصدرته عام 1962، هو (قضايا الشعر المعاصر)

محمود15
11-23-2006, 08:45 AM
الأعداء








نحن إذن أعداء

من عالم لا يفهم الأشواق

ولا يعي أغنية الحداق

أعيننا لا تفهم النجوى

الحبّ فيها سيرة تروى

كان لها أمس

وضمّه رمس

من تربة البغضاء

***

نحن إذن أعداء

تفصلنا عوالم شاسعة

حدودها الجهولة الضائعه

تبثّ في دروبنا المستحيل

فنذرع العمر الجديب الطويل

بحثا عن الباب

وحبّنا الخابي

يغري بنا الصحراء

***

نحن إذن أعداء

ترقد في أعماقنا الذكرى

مشلولة , ضائعة , حيرى

المقت يلقي فوقها ظلاّ

والحقد لم يبق لها شكلا

ولعنة الأيّام

خّلفت الأحلام

فوق الثرى أشلاء

***

نحن إذن أعداء

وإن تكن تجمعنا أحلام

من أمسنا أودت بها الأيّام

وإن تكن قد خلّفت أشياء

في المقل الفارغة الجدباء

في الأوجه الذاوية

كنجمة خابيه

تغرب في الظلماء

***

نحن إذن أعداء

وإن طغت في دمنا الأشواق

ودّبت اليقظة في الأرماق

وبيننا عوالم شتّى

ندركها كما يعي الموتى

تحت التراب المهين

وقع خطى العابرين

وضجّة الأحياء

محمود15
11-23-2006, 08:46 AM
أول الطريق







لنلتق , فالريح تعصف والمنحنى لا يعي

وغمغة الهاجس المتهدّد في سمعي

وهذا الطريق الذي سلبته خطاي السكون

غريب مخيف المعابر يشبه لون المنون

أحسّ السراب

وراء الهضاب

وألمس في لونه مصرعي

وأنت بعيد وراء الظنون

لنلتق , .. إني أخاف المساء الغريق الضياء

أرى ماردا من أساي الممزّق يطوي الفضاء

ينقل أقدامه السود بين عيون السنا

ويطفئها , عدت أخشى أذاه على نجمنا

فعين الإله

غفت عن أذاه

وقد يستعير لهيب البكاء

ويغمده في ابتساماتنا

***

لنلتق..ما أطول الإنتظار على الخائفين

لنلتق , تحجبنا فكرة عن عيون السنين

هنالك ترصدنا نجمة من هوانا الرقيق

تمدّ يديها لترشدنا لمكان سحيق

وراء الجراح

ولسع الرّياح

بعيدا وراء كهوف الأنين

هنالك يبدأ كلّ طريق

***

هنالك تبتدىء الذكريات سجلا جديد

وتبدو حدود طريق يشقّ الفضاء المديد

إلى موضع في المدى المرتمي حجبته الظلال

وما كشفت عن خفاياه حتى عيون الخيال

سنعبر فيه

إلى ألف تيه

سدى يتحرّى الزمان البليد

خطانا فنحن وراء المحال

***

سنحيا معا في عوالم حافلة بالوعود

ونملك ليلا يبيع النّعاس وعطر الورود

سينبجس الماء حيث لمسنا أديم الثرى

ويرقص حول خطانا بأجنحة من شذى

سنمحو الزّمان

وننسى المكان

هناك ونقسم ألاّ نعود

إلى أمسنا المنطوي

سر بنا !
***

محمود15
11-23-2006, 08:46 AM
لنفترق


لنفترق الآن ما دام في مقلتينا بريق

وما دام في قعر كأسي وكأسك بعض الرحيق

فعمّا قليل يطلّ الصباح ويخبو القمر

ونلمح في الضوء ما رسمته أكفّ الضجر

على جبهتينا

وفي شفتينا

وندرك أن الشعور الرقيق

مضى ساخرا وطواه القدر

***

لنفترق الآن , ما زال في شفتينا نغم

تكّبر أن يكشف السر فاختار صمت العدم

وما زال في قطرات الندى شفة تتغنّى

وما زال وجهك مثل الظلام له ألف معنى

كسته الظلال

جمال المحال

وقد يعتريه جمود الصّنم

إذا رفع الليل كفيّه عنّا

***

لنفترق الآن , أسمع صوتا وراء النخيل

رهيبا أجشّ الرنين يذكّرني بالرحيل

وأشعر كفّيك ترتعشان كأنّك تخفي

شعورك مثلي وتحبس صرخة حزن وخوف .

لم الإرتجاف ؟

وفيم نخاف ؟

ألسنا سندرك عمّا قليل

بأن الغرام غمامة صيف

***

لنفترق الآن , كالغرباء , وننسى الشّعور

وفي الغد يشرق دهر جديد وتمضي عصور

وفيم التذكّر ؟ هل كان غير رؤى عابره

أطافت هنا برفيقين في ساعة غابره ؟

وغير مساء

طواه الفناء

وأبقى صداه وبعض سطور

من الشعر في شفتي شاعره ؟

***

لنفترق الآن , أشعر بالبرد والخوف , دعنا

نغادر هذا المكان ونرجع من حيث جئنا

غريبين نسحب عبء ادّكاراتنا الباهته

وحيدين نحمل أصداء قصتنا المائته

لبعض القبور

وراء العصور

هنالك لا يعرف الدهر عنّا

سوى لون أعيننا الصامته
***

محمود15
11-23-2006, 08:47 AM
يوتوبيا الضائعة







صدى ضائع كسراب = بعيد يجاذب روحي صباح مساء
أنام على رجعه الأبديّ = ويوقظني برقيق الغناء
صدى لم يشابهه قطّ صدى = تغنّيه قيثارة في الخفاء
إذا سمعته حياتي ارتمت = حنينا ونادته ألف نداء
يموت على رجعه كلّ جرح = بقلبي ويشرق كل رجاء
ويمضي شعوري في نشوة = يخدّره حلم يوتوبيا
ويوتوبيا حلم في دمي= أموت وأحيا على ذكره
تخيلته بلدا من عبير على = أفق حرت في سرّه
هنالك عبر فضاء بعيد= تذوب الكواكب في سحره
يموت الضياء ولا يتحقق= ما لونه ما شذى زهره
هنالك حيث تذوب القيود = وينطلق الفكر من أسره
وحيث تنام عيون الحياة =هنالك تمتدّ يوتوبيا
***

وحيث يظلّ عبير البنفسج = حيّا ولا يذبل النرجس
وحيث تفيض الحياة رحيقا = نميرا ولا تفرغ الأكؤس
وحيث تضيع حدود الزمان = وحيث الكواكب لا تنعس
هناك الحياة امتداد الشباب = تفور بنشوتها الأنفس
هناك يظلّ الربيع ربيع= ا يظلّل سكان يوتوبيا
***

هنالك حيث وعت شهرزاد = أقاصيص غنّت بها ألف ليله
هنالك يوتوبيا في الضباب = على شفق لم تر العين مثله
يحفّ بها أبد من عطور = ويمنحها ألف لحن وقبله
وترقد في سكرة لا تحدّ = على رجع أغنية مضمحلة
على شاطيء كضياء النجوم = أسميّه شاطىء يوتوبيا
***

هنالك طوّفت ذات مساء = وكان معي هيكل كالسراب
أحسّ خطاه على الرمل لكن = أرى غير شيء وبعض سحاب
وكان أمامي ممر غريب = تغلّفه دفقات الضباب
ويمتدّ عن جانبيه خليج = وبعض جزائر بعض هضاب
وفي حلمي صحت : أين أسير = ؟ فرد صدى:قرب يوتوبيا!
***

أحسست في قعر روحي جنونا = وشوقا عميقا كبحر عميق
تريد انتهاء الطريق الغريب = إلى البلد المتمّنى السحيق
لي ذلك الأفق الأزليّ = وحيث يعيش أبولو الرقيق
على ظمأ لوجود عجيب = يذوب عليه الندى والبريق
على ظمأ صارخ وأخيرا = صحوت ولم أر يوتوبيا
***

وفي حلم آخر كنت أمشي = على شاطيء من حصى ورمال
غريب غريب بلون الأثير = يحفّ به أفق كالخيال
تناهى بأقدامي المتعبات = إلى صخرة رسخت كالمحال
تسلّقها أمل مضمحل = فقد تتزحلق حتى الظلال
وساءلت ماذا ترى خلفها ؟ فقال لي الرمل : يوتوبيا !
***

وفي حلم ثالث خلت نفسي = على بابها المرمريّ الكبير
أحدّق في نشوة لا تحدّ = أكاد أجنّ .. أكاد أطير
أحقا أرى الباب ؟ ألواحه =تلوح مبطنّة بالحرير
تقدمت واجفة في خشوع = وفي مقلتي ومض حلم قرير
أدقّ على الباب في نشوة = ولا ردّ غير السكون المرير
***

ومرت حياتي مرّت سدى= ولا شيء يطفىء نار الحنين
سدى قد عبرت صحارى الوجود = سدى قد جررت قيود السنين
وما زلت أذرع صمت القفار = وأسأل عن سرّها العابرين
يطول على قلبي الإنتظار= وأغرق في بحر يأس حزين
أحاول أن أتعزى بشيء = بغاب , بواد , بظلّة تين
دقائق...ثم أخيب وأهتف: = لا شيء يشبه يوتوبيا
سأبقى تجاذبني الأمنيات = إلى الأفق السرمديّ البعيد
وأحلم وأحلم لا أستفي = ق إلا لأحلم حلما جديدا
أقّبل جدرانها في الخيال = وأسأل عنها الفضاء المديد
وأسأل عنها انسكاب العطور= وقطر الندى وركام الجليد
وأسأل حتى يموت السؤال = على شفتّي ويخبو النشيد
وحين أموت..أموت وقلبي = على موعد مع يوتوبيا
دقائق...ثم أخيب وأهتف: = لا شيء يشبه يوتوبيا
***

سأبقى تجاذبني الأمنيات = إلى الأفق السرمديّ البعيد
وأحلم وأحلم لا أستفي ق = إلا لأحلم حلما جديدا
أقّبل جدرانها في الخيال = وأسأل عنها الفضاء المديد
وأسأل عنها انسكاب العطور = وقطر الندى وركام الجليد
وأسأل حتى يموت السؤال = على شفتّي ويخبو النشيد
وحين أموت..أموت وقلبي =على موعد مع يوتوبيا
***

محمود15
11-23-2006, 08:47 AM
كبرياء


لا تسلني عن سرّ أدمعي الحرّ= ى فبعض الأسرار يأبى الوضوحا
بعضها يؤثرالحياة وراء ال =حسّ لغزا وإن يكن مجروحا
***

بعضها إن كشفته يستحل حّب= ا مهانا يموت موتا حزينا
بعضها بعضها تكّبر أن يك = شف عما وراءه أو يبينا
***

ومئات الأسرار تكمن في دم = عة حزن تلوح في مقلتين
ومئات الألغاز في سكتة ته = تزّ خلف انطباقة الشفتين
***

وعيون وراء أهدابها أش= باح يأس في حيرة وانكسار
تؤثر الظلّ والظلام ارتياعا = من ضياء يبوح بالأسرار
***

وقلوب تضمّ أشلاءها فو = ق جراح وأدمع وذهول
تؤثر الموت كبرياء ولا تنط = ق بالسرّ بالرجاء الخجول
***

وشفاه تموت ظمآى ولا تس = أل أين الرحيق ؟ أين الكأس ؟
ونفوس تحسّ أعمق إحسا = س وتبدو كأنها لا تحس
***

وأكفّ تودّ لو مزّقت لو = قتلت لو تمرّدت في جنون
لو رأتها الحياة قالت : هدوء = وادع في براءة وسكون
***

لو رأتها ماذا ترى ؟ كلّ شيء = مغرق خلف داكنات السّتور
ألف ستر وألف ظلّ من الكب = ت عميق وألف قيد ونير
***

لا تسلني لا تجرح السرّ في نف = سي ولا تمح كبرياء سكوتي
لو تكلمت كان في كلّ لفظ =قبر حلم وفجر جرح مميت
***

لو تكلمت كيف ترتعش الأش = عار حزنا .وترتمي في عياء
لو كشفت السرّ العميق فماذا = يتبقى مني سوى الأشلاء ؟
***

لو تكلمت رعشة في حياتي = وكياني تلحّ أن أتكلم
وسكوتي العميق يكتم أنفا = سي وقلبي يكاد أن يتحطّم
***

لو تكلمت لو سكتّ نداءا = ن عميقان كالحياة استعارا
تتلاقى عليهما كلّ أسرا = ري فأبقى شعرا وحبّا ونارا
***

وتظلّ الحياة تخلق من وج = هي قناعا صلدا يفيض رياءا
جامدا باردا أصمّا ويخفي =بعض شيء سّميته كبرياء
***

محمود15
11-23-2006, 08:48 AM
مر القطار


الليل ممتدّ السكون إلى المدى

لا شيء يقطعه سوى صوت بليد

لحمامة حيرى وكلب ينبح النجم البعيد ,

والساعة البلهاء تلتهم الغدا

وهناك في بعض الجهات

مرّ القطار

عجلاته غزلت رجاء بتّ انتظر النهار

من أجله.. مرّ القطار

وخبا بعيدا في السكون

خلف التلال النائيات

لم يبق في نفسي سوى رجع وهون

وأنا أحدّق في النجوم الحالمات

أتخيل العربات والصفّ الطويل

من ساهرين ومتعبين

أتخيل الليل الثقيل

في أعين سئمت وجوه الراكبين

في ضوء مصباح القطار الباهت

سئمت مراقبة الظلام الصامت

أتصوّر الضجر المرير

في أنفس ملّت وأتعبها الصفير

هي والحقائب في انتظار

هي والحقائب تحت أكداس الغبار

تغفو دقائق ثم يوقظها القطار

ويطلّ بعض الراكبين

متثائبا , نعسان , في كسل يحدّق في القفار

ويعود ينظر في وجوه الآخرين

في أوجه الغرباء يجمعهم قطار

ويكاد يغفو ثم يسمع في شرود

صوتا يغمغم في برود

"هذي العقارب لا تسير !

كم مرّ من هذا المساء ؟ متى الوصول ؟ "

وتدقّ ساعته ثلاثا في ذهول

وهنا يقاطعه الصفير

ويلوح مصباح الخفير

ويلوح ضوء محطة عبر المساء

إذ ذاك يتئد القطار المجهد

...وفتى هنالك في انطواء

يأبى الرقاد ولم يزل يتنهد

سهران يرتقب النجوم

في مقاتيه برودة خطّ الوجوم

أطرافها ..في وجهه لون غريب

ألقت عليه حرارة الأحلام آثار احمرار

شفتاه في شبه افترار

عن شبه حلم يفرش الليل الجديب

بحفيف أجنحة خفّيات اللحون

عيناه فس شبه انطباق

وكأنّها تخشى فرار أشعة خلف الجفون

أو أن ترى شيئا مقيتا لا يطاق

هذا الفتى الضجر الحزين

عبثا يحاول أن يرى في الآخرين

شيئا سوى اللغز القديم

والقصّة الكبرى التي سئم الوجود

أبطالها وفصولها ومضى يراقب في برود

تكرارها البالي السقيم

هذا الفتى..

وتمرّ أقدام الخفير

ويطلّ وجه عابس خلف الزجاج ,

وجه الخفير !

ويهزّ في يده السراج

فيرى الوجوه المتعبه

والنائمين وهم جلوس في القطار

والأعين المترقبه

في كلّ جفن صرخة باسم النهار ,

وتضيع أقدام الخفير الساهد

خلف الظلام الراكد

وبقيت وحدي أسأل الليل الشرود

عن شاعري متى يعود ؟

ومتى يجيء به القطار ؟

أتراه مرّ به الخفير

ورآه لم يعبأ به ..كالآخرين

ومضى يسير

هو والسراج ويفحصان الراكبين

وأنا هنا ما زلت أرقب في انتظار

وأودّ لو جاء القطار..

وأودّ لو جاء القطار..

محمود15
11-23-2006, 08:48 AM
ذات مساء
ثورة من ألم , من ذكريات


خلف نفسي , ملء إحساسي العنيف

وجموح في دمي , في خلجاتي

في ابتساماتي , في قلبي اللهيف

إن أكن أبسم كالطفل السعيد

فابتساماتي وهم وخداع

إن أكن هادئة , بين الورود

ففؤادي في جنون وصراع

أيّ ماساة تراها مقلتايا !

أيّ حزن عاصر في نظراتي

جمدت فوق شقائي شفتايا

وانحنت كفّاي تحت الرعشات

لا تسلني عن خيالاتي ولحني

فالدجى الآن بغيض في عيوني

أين ألقي بصري الباكي وحزني

إن أنا حوّلت عن كفّي عيوني

أين أرنو ؟ كلّما حوّلت عيني

طالعتني صورة الوجه اللهيف

ذلك الوجه الذي الهب فنّي

بمعاني الشعر والحبّ العنيف

أيّها الغادر , لا تنظر إليّا

قد سئمت الأمل المرّ الكذوبا

حسب أقداري ما تجني عليّا

وكفى عمري حزنا ولهيبا

فيم أبقى الآن حيرى في مكاني ؟

آه لو أرجع , لو أنسى شقائي

أدفن الأحزان في صدر الأغاني

وأناجي بالأسى صمت المساء

ليتنا لا نلتقي , ليت شقائي

ظل نارا , ظلّ شوقا وسهاد

يا دموعي , أيّ معنى لّلقاء

إن ذوى الحبّ وأبلاه البعاد

أيّها الأقدار , ما تبغين منّا ؟

فيم قد جئت بنا هذا المكانا ؟

آه لو لم نك يا أقدار جئنا

ها هنا , لو لم تقدنا قد مانا

ما الذي أبقيت في قلبي الجريح

ليس إلا الألم المرّ الشديدا

لم يعد في جسمي الذاوي وروحي

موضع يحتمل الجرح الجديدا

أكذا تنطفىء الذكرى ؟ ويفنى

حبنا ؟ والأمل الشعريّ يخبو

أكذا تذبل آمالي حزنا

وهي أشعار وأنغام وحبّ ؟

خدّر الحزن حياتي وطواها

لم تعد تعنيني الآن الحياة

أبدا ينطق باليأس دجاها

وتغنّي في فضاها العاصفات

لم يعد من حلمي غير ظلال

من أسى مرّ على وجهي المرير

آه لا كان بكائي وخيالي

أيّها الليل , ولا كان شعوري

والتقينا , لا فؤاد يتغنّى

لا ابتسام رسمته الشفتان

لم يعد إحساسنا شعرا وفنّا

ليتنا ضعنا ومات الخافقان

لم يعد في نفسي الولهى مكان

لأسى أو فرحة أو ذكريات

أيّ معنى للمنى ؟ فات الأوان

وذوت عيناي , تحت العبرات

والتقينا في الدجى , كالغرباء

تحت جنح الصمت يطوينا الوجوم

كل شيء ضاحك تحت السماء

وأنا وحدي تذويني الهموم

هكذا يا ليل صوّرت شقائي

في نشيد من كآباتي وحزني

قصّة قد وقعت ذات مساء

وحوت روحي واحزاني ولحني
***

محمود15
11-23-2006, 08:49 AM
المقبرة الغريقة
من ذكريات الفيضان المخيف الذي ألمّ ببغداد سنة 1946 , هذه القصيدة تسجل فيها الشاعرة اثر سماعها بقصة مقبرة غمرتها مياه النهر المتوحش في مساء عاصف"

- - -


قبر على التلّ وحيد غريب= رانت عليه ظلّة العوسج
قبر وحيد لم تنله المياه= معتصم بالقّمة الساخرة
بالأمس قد كان هنا عالم = يغمره الموت بأستاره
يهفو عليه العدم القاتم = في وجمة الصمت وأسراره
يا جثثا ما كفّنتها المنون = بغير أطباق الثرى العارية
هذي الوجوه الشاحبات الجباه = وهذه الأشلاء والأعين
يا نهر لا تقس على المّيتين = حسبك ما سبّبته من شقاء
حسبك ما شرّدت من بائسين = وارفق بسكّان الثرى الأبرياء
يا رحمة بالجثث الباردة وليك = في موجك بعض الشعور
في كلّ ركن من دجى المقبره= تسبح أجساد وتطفو عظام
والرّيح في صيحاتها المنكرة= والليل ما زال رهيب الظلام
يا للمساكين , أحتّى الممات = تلحقهم لعنة أيّامهم؟
حّتى الرقاد الهادىء الآمن = يأباهم إيّاه قلب السنين
يشهد هذا المنظر الساكن = أيّ سهاد , أي ليل حزين
وأنت يا أمواج لا تهزأي = بذلك الطافي على وجهك
لم يبق منه الدود شيئا يرى = ولم يذر منه الردى باقيا
ينسج تحت الليل ثوب الضياء = وينثر الحبّ على العالم
جذلان لا يعرف معنى الفناء = مستغرقا في نشوة الحالم
وتملأ الدنيا أناشيدها يوما = , ونثوي تحت أحجارها
ما أفظع المبدأ والمنتهى ما =أعمق الحزن الذي نحمل
وهذه المقبرة المظلمه ن= هاية المسعى , فيا للشقاء
أبعد هذي الجنّة الملهمه = نسقط,فوق الشوك,صرعى الفناء
بكيتي للأموات طول المساء = وصغت من دمعي النشيد الحزين
وفي غد أرقد تحت السماء = قبرا سيبكي عنده العابرون
في ظلمة الليل العميق الرهيب = وتحت هول العاصف الأهوج
جذلان لا يعرف معنى الفناء = مستغرقا في نشوة الحالم
أهكذا تفنى أغاريدنا = ويهزأ الموت بأزهارها
وتملأ الدنيا أناشيدها = يوما , ونثوي تحت أحجارها
ما أفظع المبدأ والمنتهى = ما أعمق الحزن الذي نحمل
ترفعنا الأحلام فوق السّها = وتهدم الأيّام ما نأمل
وهذه المقبرة المظلمه = نهاية المسعى , فيا للشقاء
أبعد هذي الجنّة الملهمه = نسقط,فوق الشوك,صرعى الفناء
بكيتت للأموات طول المساء= وصغت من دمعي النشيد الحزين
وفي غد أرقد تحت السماء قبر اً= سيبكي عنده العابرون
قبر , على التلّ , وحيد = غريب رانت عليه ظلّة العوسج
في ظلمة الليل العميق الرهيب = وتحت هول العاصف الأهوج

محمود15
11-23-2006, 08:49 AM
على وقع المطر







أمطري , لا ترحمي طيفي في عمق الظلام

أمطري صبّي عليّ السيل , يا روح الغمام

لا تبالي أن تعيديني على الأرض حطام

وأحيليني , إذا شئت , جليدا أو رخام

اتركي ريح المساء الممطر الداجي تجنّ

ودعي الأطيار , تحت المطر القاسي , تئنّ

أغرقي الأشجار بالماء ولا يحزنك غصن

زمجري , دوّي , فلن أشكو , لن يأتيك لحن

أمطري فوقي , كما شئت , على وجهي الحزين

لا تبالي جسدي الراعش , في كفّ الدجون

أمطري , سيلي على وجهي , أو غشّي عيوني

بللي ما شئت كّفيّ وشعري وجبيني

أغرقي , في ظلمة الليل , القبور الباليه

وألطمي , ما شئت أبواب القصر العاليه

أمطري , في الجبل النائي , وفوق الهاويه

أطفئي النيران , لا تبقي لحيّ باقيه

آه ما أرهبك الان , وقد ساد السكون

غير صوت الرّيح , في الأعماق , تدوي في جنون

لم تزل تهمي , من الأمطار , في الأرض , عيون

لم يزل قلبي حزينا , تحت أمواج الدجون

أيّها الأمطار , قد ناداك قلبي البشريّ

ذلك المغرق في الأشواق , ذاك الشاعريّ

إغسليه , أم ترى الحزن حماه الأبديّ

إنه , مثلك يا أمطار , دفّاق نقيّ

ابدا يسمع , تحت الليل , وقع القطرات

ساهما يحلم بالماضي وألغاز الممات

يسأل الأمطار : ما أنت ؟ وما سرّ الحياة ؟

وأنا , فيم وجودي ؟ فيم دمعي وشكاتي ؟

أيها الأمطار ما ماضيك ؟ من أين نبعت ؟

أابنة البحر أم السحب أم الأجواء أنت ؟

أم ترى أدمع الموتى الحزانى قد عصرت ؟

أم دموعي أنت يا أمطار في شدوي وصمتي ؟

ما أنا ؟ ما أنت يا أمطار ؟ ما ذاك الخضمّ ؟

أهو الواقع ما أسمع ؟ أم صوتك حلم ؟

أيّ شيء حولنا ؟ ليل وإعصار وغيم

ورعود وبروق وفضاء مدلهمّ

أسفا لست سوى حلم على الأرض قصير

تدفن الأحزان أيّامي ويلهو بي شعوري

لست إلا ذرة في لجّة الدهر المغير

وغدا يجرفني التيّار , والصمت مصيري

وغدا تدفعني الأرض سحابا للفضاء

ويذيب المطر الدفّاق دمعي ودمائي

ما أنا إلا بقايا مطر ,ملء السماء

ترجع الريح إلى الأرض به , ذات مساء

أمطري , دوّي , اغلبي ضجّة أحزاني ويأسي

أغرقيني , فلقد أغرقت في الآلام نفسي

إملأي كأسي أمطارا فقد أفرغت كأسي

واحجبي عني دجى أمسي فقد أبغضت أمسي

محمود15
11-23-2006, 08:50 AM
إلى الشاعر" كيتس
"

الإشارات إلى قصيدته "Ode to a Nightingale "

- - -

حياتي وآلام روحي الحزين

وأحلامي المرّة الذاويه

وموكب أيّامي الذاهبات

وأطياف أيّامي الآتيه

تجمّعن في باقة من عبير

ثوت خلفها روحي الفانيه

وأهديتها نغما حالما

إلى روحك الحرة الباقيه

حياتي ,يا شاعري ,كلها

حياة فتاة من الحالمين

إلهّية الروح لكنها

على الأرض حفنة ماء وطين

تعذّبها صرخات الأسى

وترعشها صدمات السنين

ولولاك ما وجدت في الثرى

عزاء,ولم يحتذ بها الحنين

أناشيدك الخالدات العذاب

نشيدي وأغنيتي الهاتفه

فكم ليلة من ليالي الشتاء

دفعت بها ضجّة العاصفة

وأسمعتها النار في موقدي

وغّنيتها الظلّة الوارفه

وأيقظت في ظلّها فتنتي

ونار عواطفي الجارفه

وكم في ليالي الخريف الكئيب

وقفت أحدّق عند النهر

أصيخ إلى صوت قمريّة

سجت فوق بعض غصون الشجر

أفتش في صوتها عن شجاك

وشكواك بين الأسى والفكر

واسألها عن شباب ذوى

وظلّ صبا راقد في الحفر

أقول لها : صوّري من جديد

ظلام المساء الكئيب البعيد

وما كان من شاعري في دجاه

وآهاته وأساه المبيد

صفي حزنه عند رأس المريض

ووحشته والرجاء البديد

صفي ذلك الجسد الآدميّ

وما قال عند وداع الوجود

صفي شاعري كيف أمضى المساء

على قدمي ذلك المّيت

يصيخ إلى النغمات الحنون

ويطرق إطراقه المنصت

صفيه,كما أرعشته الحياة

أسى تحت سيف الردىالمصلت

على كفّه رأسه الشاعريّ

وحيدا إلى جانب الجثّة

وكيف تولّى المساء الحزين

على شعلة الشمعة الشاحبه؟

وهل صرخت في الظلام الرياح

كما صرخت نفسه الصاخبه؟

"هنالك حيث يموت الشباب

وتذوي أشعته الغاربه"

هنالك حيث الذهول الغريب

يودّع روح المنى الذاهبه

وتمضي الليالي إلى قبرها

وتمشي الحياة مع الموكب

أسير أنا في شعاب الوجود

أفتّش عن حلمي المتعب

تخادعني كل قمريّة

وتعبث كا الأغاريد بي

وما زال طيفك طيّ الخفاء

تحجّبه ظلمة المغرب

محمود15
11-23-2006, 08:51 AM
صور من زقاق بغدادي


نازك الملائكة


ذهبت ولم يشحب لها خد ولم ترجف شفاه
لم تسمع الابواب قصة موتها تُروى وتروى

لم ترتفع أستار نافذةٍ تسيلُ أسىً وشجواً

لتتابع التابوت بالتحديقِ حتى لا تراه

الا بقية هيكلٍ في الدربِ تُرعشه الذكر

نبأ تعثر في الدروب فلم يجد مأوى صداه

فأوى الى النسيانِ في بعض الحُفر

يرثي كآبته القمر





والليلُ أسلم نفسهُ دون أهتمامٍ، للصباح

واتى الضياءُ بصوت بائعةِ الحليبِ وبالصيام

بمُواء قط جائعٍ لم تبق منه سوى عظام،

بمُشاجرات البائعين، وبالمرارة والكفاحُ،

بتراشق الصبيان بالاحجار في عُرض الطريقُ

بمسارب الماء الملوثٍ في الازقةِ، بالرياح،

تلهو بابواب السطوح بلا رفيق

في شبه نسيانٍ عميق



9-7- 1952

محمود15
11-23-2006, 08:51 AM
سوسنة اسمها القدس

نازك الملائكة



اذا نحن مُتنا وحاسبنا اللهُ:

قال: ألم أعطكم موطنا؟

أما كنت رقرقتُ فيه المياه مرايا؟

وحليته بالكواكب؟ زينتُهُ بالصبايا؟

وعرشت فيه العناقيد ، بعثرت فيه الثمر؟

ولونت حتى الحجر؟

اما كنتُ انهضت فيه الذُرى والجبال؟

فرشت الظلال؟

وغلفتُ وديانهُ بالشجر؟

أما كنتُ فجرتُ فيه الينابيع، كللتُهُ سوسنا؟

سكبتُ التآلق والاخضرار على المنحنى؟

جعلتُ الثرى عابقاً ليناً؟

أما كنت ضوأت بالأنجم المُنحدر؟

وفي ظلماتٍ لياليكمو ، أما قد زرعتُ القمر؟

فماذا صنعتم به؟ بالروابي؟ بذاك الجنى ؟

بما فيه من سكرٍ وسنا ؟



سيسألنا اللهُ يوماً ، فماذا نقولُ؟

نعم ! قد مُنحنا الذُرى السواقي ومجد التلول

وهُدب النجوم ، وشعر الحقول

ولكننا لم نصُنها

ولم ندفع الريح والموت عنها

فباتت كزنبقةٍ في هدير السيول

نعم ! ودفعنا بأقمارها للأفول

وقامر جُهالنا بالضحى

بالربى

بالسهول

بسوسنةٍ اسمها القدسُ ، نامت على ساقية

الى جانب الرابية

وتُمطر فيها السماءُ خُشُوعاً ، تُصلي الفصول

ويركعُ سُنبلها، تتهجدُ فيها الحقول

وعبر مساجدها العنبرية أسرى الرسول

فماذا صنعنا بوردتنا الناصعة؟



الهي تعلم أنت ، ونعلمُ، ماذا صنعنا

بوردتنا ، قد نزعنا، نزهنا

وُريقاتها ودلقنا شذاها الخجول

وهبنا صباها لأذرع عول

لأشداع عقربةٍ جائعة

فكيف اليها الوصول؟

ونخشى غداّ ان يجيء الضبابُ

وليلُ الضباب يطول

ويفصل ما بين أقدامنا والوصول

وقد تتمطى عصور الضباب بنا ، وتزول

كواكبُنا ثم تأتي السيول

وتجرف شتلاتنا، وتطول

ظلالُ الكآبةْ تغرقُ في غمرات الذُهُول

وتأتي الرياح وتمسحُ جنتنا الضائعة

وتخبو امانينا ، وأمتداداتها الشاسعة

ويطوي الذبول

سنابلنا رب عفوك ، ماذا نقول

وفي عتباتك كيف تُرى سيكون المثول؟

فأنت منحت الجناح الطليق ، ونحن اخترعنا القيود

وهبت لنا القُدس ، ونحنُ

دفعنا بها لليهود..

الكويت 12 ربيع الآخر 1393 هـ

محمود15
11-23-2006, 08:52 AM
إلى زائر لم يجئ
نازك الملائكة



..ومر المساء ، وكاد يغيب جبينُ القمر
وكدنا نشيع ساعاتِ امسيةٍ ثانية

ونشهد كيف تسير السعادةُ للهاوية

ولم تأتِ انت.. وضعت مع الامنياتِ الاخر

وأبقيت كرسيك الخاويا

يُشاغل مجلسنا الذاويا

ويبقى يضج ويسأل عن زائرٍ لم يجيء



وما كنت أعلم انك ان غبت خلف السنين

تخلف ظلك في كل لفظٍ وفي كل معنى

وفي كل زاوية من رؤاي وفي كل منحنى

وما كنت اعلمُ انك أقوى من الحاضرين

وان مئاتٍ من الزائرين

يضيعون في لحظةٍ من حنين

يمُدُ ويجزُرُ شوقاً الى زائرٍ لم يجيء



ولو كنت جئت ... وكنا جلسنا مع الآخرين

ودار الحديث دوائر وانشعب الاصدقاء

أما كنت تصبح كالحاضرين وكان المساء

يمر ونحن نقلب اعيننا حائرين

ونسأل حتى فراغ الكراسي

عن الغائبين وراء الاماسي

ونصرخ ان لنا بينهم زائراً لم يجيء



ولو جئت يوماً – وما زلت أوثر الا تجيء

لجف عبيرُ الفراغ الملون في ذكرياتي

وقُص جناح التخيل واكتابت اغنياتي

وامسكت في راحتي حطام خيالي البريء

وادركت اني احبك حلما

وما دمت قد جئت لحماً وعظماً

ساحلم بالزائر المستحيل الذي لم يجيء

18 – 8 - 1952

محمود15
11-23-2006, 08:52 AM
نازك الملائكة
الليل



يا ظلام الليل يا طاوي أحزان القلوبِ
أنظرُ الآن فهذا شبحٌ بادي الشُحوبِ
جاء يسعى، تحت استارك، كالطيف الغريب

حاملاً في كفه العود يُغني للغيوبِ

ليس يعنيه سُكونُ الليلِ في الوادي الكئيبِ



هو ، ياليلُ، فتاة شهد الوادي سُراها

أقبل الليل عليها فأفاقت مقلتاها

ومضت تستقبلُ الوادي بألحان أساها

ليت آفاقك تدري ما تُغني شفتاها

آه يا ليلُ ويا ليتك تدري ما مُناها



جنها الليلُ فأغرتها الدياجي، والسكونُ

وتصباها جمالُ الصمتِ، والصمتُ فنونُ

فنضت برد نهارٍ لف مسراهُ الحنينُ

وسرت طيفاً حزيناً فاذا الكونُ حزينُ

فمن العودِ نشيجٌ ومن الليلِ أنينُ

* * *

أيهِ يا عاشقة الليلِ وواديه الأغن

هو ذا الليلُ صدى وحيٍ ورؤيا مُتمنى

تضحكُ الدنُيا وما أنتٍ سوى آهةِ حزنِ

فخذي العود عن العُشبِ وضميه وغني

وصفي ما في المساءِ الحُلوِ من سحر وفنِّ



ما الذي، شاعرة الحيرةِ، يُغري بالسماءِ؟

أهي أحلامُ الصبايا أم خيالُ الشعراءِ؟

أم هو الاغرام بالمجهولِ أم ليلُ الشقاءِ؟

أم ترى الآفاق تستهويك أم سحرُ الضياءِ؟

عجباً شاعرةً الصمتِ وقيثار المساءِ

طيفُكِ الساري شحوبٌ وجلالٌ وغموضُ

لم يزل يسري خيالاً لفه الليل العريضُ

فهو يا عاشقة الظُلمة أسرارٌ تفيضُ

آه يا شاعرتي لن يرحم القلبُ المهيضً

فارجعي لا تسألي البرق فما يدري الوميضُ



عجباً، شاعرة الحيرةِ، ما سرُ الذهولِ؟

ما الذ ي ساقكِ طيفاً حالماً تحت النخيلِ؟

مُسند الرأسِ الى الكفين في الظل الظليلِ
مُغرقاً في الفكر والأحزان والصمتِ الطويلِ
ذاهلاً عن فتنة الظُلمة في الحقلِ الجميلِ



أنصتي هذا صُراخُ الرعدِ، هذي العاصفاتُ

فأرجعي لن تُدركي سراً طوتهُ الكائناتُ

قد جهلناه وضنت بخفاياهُ الحياةُ

ليس يدري العاصف المجنون شيئاً يا فتاةُ

فارحمي قلبكِ، لن تنطق هذي الظُلماتُ

4 - 4 - 1945

محمود15
11-23-2006, 08:53 AM
نازك الملائكة
دعوة إلى الحياة


أغضب، أحبك غاضباً متمردا
في ثورة مشبوبةٍ وتمزقِ

أبغضت نوم النار فيك فكن لظى

كن عرق شوقٍ صارخٍ متحرقِ
* * *


أغضب، تكاد تموت روحك، لا تكن

صمتاً ، اضيعُ عندهُ اعصاري

حسبي رماد الناس، كن انت اللظى

كن حرقة الابداع في اشعاري
* * *


أغضب، كفاك وداعة، انا لا احب الوادعين

النار شرعي لا الجمود ولا مهادنة السنين

اني ضجرت من الوقار ووجهه الجهم الرصين

وصرخت لا كان الرماد وعاش عاش لظى الحنين

اغضب على الصمت المهين

انا لا احب الساكنين

* * *

اني احبك نابضاً ، متحركاً

كالطفل، كالريح العنيفةِ كالقدر

عطشان للمجد العظيم فلا شذى

يروى رؤاك الظامئات ولا زهر
* * *


الصبرُ؟ تلك فضيلة الاموات، في

برد المقابر تحت حكم الدود

رقدوا واعطينا الحياة حرارةً

نشوى وحُرقة أعينٍ وخدود

* * *

انا لا احبك واعظاً بل شاعراً قلق النشيد

تشدو ولو عطشان دامي الحلق محترق الوريد

اني احبك صرخة الاعصار في الافق المديد

وفماً تصباه اللهيب فبات يحتقر الجليد

اني التحرق والحنين

انا لا اطيق الراكدين

* * *

قطب، سئمتك ضاحكاً، ان الربى

بردٌ ودفء لا ربيعٌ خالدُ

العبقرية، يا فتاي، كئيبةُ

والضاحكون رواسبٌ وزوائدُ

* * *

أني أحبك غصةً لا ترتوي

يفنى الوجود وانت روحٌ عاصفُ

ضحكٌ جنوني ودمعٌ محرِق

وهدوء قديسٍ وحسٌ جارف



اني احبُ تعطش البركان فيك الى انفجار

وتشوق الليل العميق الى ملاقاة النهار

وتحرق النبع السخي الى معانقة الجرار

اني اريدك نهر نارٍ ما للجته قرار

* * *

فاغضب على الموت اللعين

اني مللت الميتين
* * *

محمود15
11-23-2006, 08:53 AM
نازك الملائكة
الكوليرا



سكن الليل
اصغِ الى وقع صدى الانات

في عُمق الظلمةِ، تحت الصمت، على الاموات

صرخاتٌ تعلو، تضطرب

حزنٌ يتدفقُ، يلتهبُ

يتعثر فيه صدى الآهات

في كل فؤادٍ غليان

في الكوخٍ الساكنِ احزان

في كل مكان روحٌ تصرع في الظلمات

في كل مكان يبكي صوت

هذا ما قد مزقه الموت

الموتُ الموتُ الموتُ

يا حزن النيلِ الصارخ مما فعل الموت

* * *

طلع الفجرُ

أصغِ الى وقع خُطى الماشين

في صمتِ الفجرِ، أصخ، انظُر ركب الباكين

عشرة امواتـ عشرونا

لا تُحصِ ، اصخ للباكينا

اسمع صوت الطفل المسكين

موتى، موتى، ضاع العددُ

موتى، موتى، لم يبق غدُ

في كل مكانٍ جسدٌ يندبه محزون

لا لحظة اخلادٍ لا صمت

هذا ما فعلت كف الموت

تشكو البشرية تشكو ما يرتكبُ الموت

* * *

الكوليرا

في كهفِ الرُعب مع الأشلاء

في صمت الابدِ القاسي حيثُ الموتُ دواء

استيقظ داءُ الكوليرا

حقداً يتدفق موتوراً

هبط الوادي المرح الوضاء

يصرخُ مضطرباً مجنوناً

لا يسمع صوت الباكينا

في كل مكانٍ خلف مخلبُهُ أصداء

في كوخ الفلاحة في البيت

لا شيء سوى صرخات الموت

الموت الموت الموت

في شخص الكوليرا القاسي ينتقم الموت


* * *
الصمت مرير

لا شيء سوى رجع التكبير

حتى حفار القبر ثوى لم يبق نصير

الجامعُ مات مؤذنهُ

الميت من سيؤبنه

لم يبق سوى نوحٍ وزفير

الطفلُ بلا أمٍ وأبٍ

بيكي من قلبٍ ملتهبٍ

وغداً لا شك سيلقفه الداءُ الشرير

* * *
يا شبح الهيضة ما أبقيت

لا شيء سوى احزان الموت

الموتُ، الموتُ ، الموتُ

يا مصر شعوري مزقه ما فعل الموت..

* * *

محمود15
11-23-2006, 08:55 AM
اقوى من القبر- نازك الملائكة


أنبعث صوت أمي مسجلاً على شريط وهي تلقي شعرها، بعد ان فقدنا صوتها عشرين عاماً، منذ وفاتها شهيدة سنة 1953 ودفنها في لندن..


صوت أمي أتى دافئاً كأريج التراب

في مروج فلسطين، صوت أنسياب

لجداول مغمي عليها من العطر. صوتُ

انسكاب

لرحيق كواكب فجرية بيضاء

بضة الاشذاء
* * *

كل يوم تموتين في القُدس، كل صباح

يقتلونك، تنقل أخبار موتك سودُ الرياح

تسقطين شهيدة

في الشعاب القريبة والطُرقات البعيده

ترقدين مُخضبة بدماء العقيدة

تقعين بنابلس مُثخنة بالجراح

وتهيمين ظمأى شريده

في دروب الظلام وحيده

تسكنين جراح القصيدة

فالخيامُ البريئة يُقصف سكانُها وتُباح

والجراحُ التي نشفت حفرتها جراح

والدموعُ القديمةُ تغسلُها

كل يومٍ دموعٌ جديده
خسيء الدمعُ، ان الخيام عنيده

وأماني العدو بليدة

والنجوم بعيدة

* * *
كثُر القتل يا أمي

وتعدد موتُك حين رأيت حمانا

يُستباح ونُرمى ولا نرمي

والعدو يصادر حتى تسابيحنا وكرانا

وطفولتنا ودُمانا

ويعشش ملء بساتيننا وقُرانا

يسكن منا مزق الدم والعظمِ

وترين عدوكِ يا أمي

يتبادل أرضكِ، أرض الجدودِ، هدايا

وله النصر في كل حربٍ، ونحن الضحايا

والمآذنُ والعتباتُ تُساق سبايا

والقرآئينُ حول نحور الصبايا

يقطعون سلاسلها بالسكاكين يا أمي

وتثورين في القبر يا أمي

تستحيلين جُرحاً ينابيعُهُ القانية

تصبغُ الحُلم والموت، أمطارُهُ تهمي

وقصائُدك الدامية

ملحُها يُشعل الحزن والنار في عظمي

وأحسُ لظى غليانك في جسمي

وأضيع كياني وأغنيتي وأسمي
* * *

وأحسُكِ، أمي، في قبرك العربي الحزين

تدفعين الردى في عنادٍ، وتنتصبين

يستحيل تُرابُك عاصفةً، يُصبحُ الياسمين

فوق قبرك لغماً يُقاتل

وعظامُك تُصبح تكبيرة وقنابل

وقصائُدكِ المُحرقات تهز كرى الحالمين

تنهضين من القبر غاضبةً تنهضين

من دمائك ينطلق الصاروخ وتنتفض السكين

من شفاهكِ تنمو المروجُ، وتعلو السنابِل،

وعلى رجع شعركٍ يورق غُصن الجليل

تنهض القُدسُ، تزحف أنهارُنا، يستحيل

صمتنا خنجراً، مدفعاً، ويصيرُ النخيل

لهباً زاحفا ويُقاتل

وتُحاربُ أعداءنا شُرفاتُ المنازل

والشبابيك،

والبحر،

والمُنحنى، والمناجل

ويحاربُ حتى النسيم البليل

وعلى رجع شعرك ينهض كل قتيل

يتحدى صواريخهم، يتحدى المقاصل

وعلى رجع شعرك سوف تسيلُ الجداول

وتحن الحقول لوقع المعاول

ويصير الظلام نهار مشاعل

آهِ، أمي، وتستقبلين

يوم نصرْ، وخضبٍ وضيء الجبين

عربي الجدائل

عربي الجدائل..


المنزل..

محمود15
11-23-2006, 09:00 AM
أسطورة نهر النسيان
مخلب الخوف والتشاؤم قد = جرّ ح أيامنا وأدمى صبانا
ليت نهر النسيان لم يك = وهما صوّرته أحلامنا لأسانا
ليته كان ليت أخباره حق = لننسى ما كان أو ما يكون
ونعيش الأحرار من قيد بلوا =نا ويعفو عنا الغد المكنون
يا ضفاف النسيان قد جاءك = الشا عر فلترحمي جراح أساه
إنضحيه بمائك الأسود البا = رد ولتشفقي على بلواه
فهو ذاك القلب الذي طوّقته = حادثات السنين بالأشواك
منحته الحس الرهيف وقالت = : لتكن في الحياة أوّل باك
يا ضفاف النسيان يا ليت هذا = ال موج يطغى على الوجود الحزين
يغسل الإثم والدموع ويأسو = كلّ جرح في قلبه المطعون
ألم العيش يا ضفاف قويّ = وشقاء الممات أقوى وأقسى
في ظلام الحياة نضطرب = الآ ن ونفنى عما قليل وننسى
كل عمر قصيدة كتبتها في = كتاب الحياة كفّ الزمان
وغدا يمحّي الكتاب جميعا = وتذوب الحروف في الأكفان
***

















إلى الشعر







من بَخور المعابدِ في بابل الغابرهْ

من ضجيج النواعيرِ في فَلَواتِ الجَنوبْ

من هتافاتِ قُمْريّةٍ ساهرهْ

وصدى الحاصدات يغنّين لحنَ الغروبْ

ذلكَ الصوتُ, صوتُكَ سوف يؤوبْ

لحياتي, لسمع السنينْ

مُثخَنًا بعبيرِ مساءٍ حزينْ

أثقلتهُ السنابِلُ بالأرَجِ النَّشْوانْ,

بصدًى شاعريّ غريبْ

من هُتافاتِ ضفدعةٍ في الدجى النعسان

يملأُ الليلَ والغدْرانْ

صوتُها المتراخي الرتيبْ

**

ذلك الصوتُ, صوتُكَ سوف يؤوب

لحياتي, لسَمْع المساءْ

سيؤوبُ وأسمعُ فيه غناءْ

قمريَّ العُذوبةِ فيه صَدًى من ليالي المطر

من هدوءِ غُصونِ الشجر

وهي تمتصّ سَكْرى, رحيق السَّماءْ

الرحيقَ الذي عطّرتْهُ الغيومْ

بالرؤى, بتحايا النجومْ

**

سأجوبُ الوجودْ

وسأجمَعُ ذرّاتِ صوتِكَ من كل نَبْعٍ بَرودْ

من جبال الشِّمالْ

حيث تهمسُ حتى الزنابقُ بالأُغنياتْ

حيثُ يحكي الصنوبرُ للزَّمَنِ الجوّالْ

قصصًا نابضاتْ

بالشَّذى, قصصًا عن غرامِ الظِّلالْ

بالسواقي, وعن أغنياتِ الذئابْ

لمياهِ الينابيعِ في ظُلَلِ الغاباتْ

عن وقَارِ المراعي وفلسفة الجَدْولِ المُنْسابْ

عن خَروفٍ يُحسّ اكتِئابًا عميقْ

ويُقضِّي النَّهارْ

يقضِمُ العُشْبَ والأفكارْ

مُغْرَقًا في ضَبابِ وجودٍ سحيقْ

**

وسأجمعُ ذرّاتِ صَوْتِك من ضَحِكاتِ النعيمْ

في مساءٍ قديمْ

من أماسيِّ دِجلةَ يُثْقلُ أجواءَهُ بالحنينْ

مرحُ الساهرينْ

يرشفونَ خرير المياهْ

وهي تَرْطُمُ شاطئَهُمْ, وضياءُ القَمَرْ

قَمَرِ الصيفِ يملأ جوّ المَساءِ صُوَرْ

والنسيمُ يمرّ كلمس شِفاهْ

من بلادٍ أُخَرْ

ليلةٌ شهرزاديّةُ الأجواءْ

في دجاها الحَنونْ

كلّ شيءٍ يُحسّ ويحلُمُ حتى السكونْ

ويهيم بحبِّ الضياءْ

**

وسأسمَع صوتَكَ حيثُ أكونْ

في انفعال الطبيعةِ, في لَحَظاتِ الجنونْ

حينَ تُثْقل رجعَ الرُّعودْ

ألفُ أسطورةٍ عن شَبابِ الوجودْ

عن عصورٍ تَلاَشَتْ وعن أُمَم لن تعودْ

عن حكاياتِ صبيانِ (عادْ)

لصبايا (ثمودْ)

وأقاصيصَ غنَّتْ بها شهرزادْ

ذلك الملكَ المجنونْ

في ليالي الشتاءْ

وسأسمَعُ صوتَكَ كلّ مَسَاءْ

حين يغفو الضياءْ

وتلوذُ المتاعبُ بالأحلامْ

وينامُ الطموحُ تنامُ المُنَى والغَرَامْ

وتنامُ الحياةُ, ويبقى الزَّمَانْ

ساهرًا لا يَنَامْ

مثل صوتك, ملء الدُّجَى الوَسنانْ

صوتُكَ السهرانْ

في حنيني العميق

صوتك الأبديّ الذي لا يَنَامْ

فهو يبقَى معي سهرانْ

وأُحسّ صداهُ الملوّنَ يملأ كل طريقْ

بالشَّذَى بندى الألوانْ

صوتُكَ المجهولْ

أنا أدركتُ - يا فرحتا - سرّهُ المَعْسُولْ

أنا أدركتُهُ أنا وَحْدي وصمْتُ الزَّمَانْ







الغروب







هبط الليل وما زال مكاني= عند شطّ النهر , في الصمت العميق
شردت روحي,وغابت عن عياني =صور الحاضر والماضي السحيق
وامحي في خاطري ذكر الزمان =وتلاشت ذكر الدهر المحيق
ليس إلا الحزن يمشي في كياني= وأنا في ظلمة الليل الصديق
غرق الضوء وراء الأفق =وخلا العالم من لون الضياء
ليس إلا رمق من الشفق= حائل قد كان يمحوه الفناء
وأنا تمثال حزن محرق= وشقاء مطبق فوق شقاء
أرمق الأفق بطرف مغرق= تائه يطوى دياجير الفضاء
أيّ معنى هاج في نفسي الغروب؟ =أجفلت في جسدي منه الحياة
وسرى في مسمعي همس غريب= كلّه هول ورعب وشكاة
واعتراني خاطر مشج رهيب =وتجلّى لخيالاتي الممات
ها أنا وحدي تناجيني غمومي =وكآباتي وأشباح الفناء
كلّ ما حولي مثير للوجوم= مصرع الشمس وأحزان المساء
عبثا أطرد عن نفسي همومي= عبثا أرجو شعاعا من رجاء
غرقت أحلام قلبي في الغيوم =وتلاشت مثل أحلام الضياء
أقفر العالم حولي لا نشيد= من صبي أو هتاف أو حفيف
أنا والأمواج واليأس الشديد =وانحدار الشطّ والظلّ الوريف
وحواليّ ظلام وركود =ألقيا الحزن على حسّي الرهيف
من بعيد أبصر الراعي الحزين= يرجع الأغنام في صمت الغروب
مطرقا أتعبه ركب السنين= فقضاها في نحول وشحوب
هو والأغنام حزن وسكون= وخطى في مسمع الليل الرهيب
وأنا أرمقهم غرقى الجفون= تحت أحلام شبابي وكروبي
وبعيدا في الفضاء المدلهمّ= خفقة من جنح طير عابر
فاجأته ظلمة الليل الملمّ =وجبال من سحاب ماطر
فسرى بين دياجير وغيم= كخيال في فؤاد الشاعر
لحظة , ثم تواى في الخضمّ =بين أمواج الظلام الغامر
آه ما أرهبه الآن سكونا= لا أعي فيه سوى دّقات قلبي
صمت الكون ونام المتعبونا= وهو ما زال صدى حزن وحبّ
نظراتي لم تزل حلما حزينا= وخيالات مسائي لم تعد بي
طفقت تصعد بي أفق السنينا =وترود الكون من شرق لغرب
ونباح الكلب في الحقل البعيد= رفّ في سمعي ضئيلا مجهدا
موحشا في ظلمة الليل الوليد= غامض الوقع , غريبا كالصدى
ذا فؤاد مرهف الحسّ شريد= دفن الأمس ولم يرج الغدا
ومياه النهر تجري في شحوب = تحت أكداس الغيوم الجاثمات
وصدى طاحونة القمح الغريب= يكئب النفس بأشجى النغمات
هكذا مرّ على روحي الغريب= غامض الظلّ حزين الخطوات
فوداعا أيّها الجرف الكئيب = ووداعا يا غمار الظلمات














مدينة الحب


في عمق صحراء الحياة,هناك فوق لظى الرمال= حيث الرياح الداويات,مدينة بين التلال
في قلبها نهر تحيط به المفاوز والصخور= وشواطىء لا ظلّ فيها,لا خمائل,لا عطور
الماء يبدو وادعا ووراءه الألم العميق= أمواجه السمّ الزعاف وإن بدا حلو البريق
كم زورق خدعته جنيّاته ورسومه= كم حالم أودت به أمواجه وسمومه
والشاطىء الثاني يلوّح بالجمال وبالفتون= حتى إذا قاربته أبصرت إعصار المنون
لا شىء غير الشوك والأشلاء فوق صخوره= لا صوت يسمع غير ضجّة دوده ونسوره
الليل فيه مخاوف ووساوس لا تخمد =أبدا يزلزله صراخ غامض وتنّهد
يا طارق الباب المروّع عد ولا تهبط هنا= هذا الجمال سيستحيل دما وماء آسنا
هذي الشواطىء , كلّ ما فيها أسى وتحسّر= فحذار منها فالسموم معدّة والخنجر
عيناك لا تسكب بريقهما في ظلماتها =وصباك لا تدفن مناه في شقاء حياتها
وفؤادك الخفّاق صنه من قذى آثامها= ماذا رأيت من الحياة لتحتمي بظلامها؟
عد , عد إلى لهب الصحاري وانج من حمم المدينه= لا تلق قلبك في اللظى وأصخ لشاعرة حزينه















خواطر مسائية






إذا زحف الليل فوق السهوب

ومرّت على الأفق كفّ الغيوم

ولم يبق غير السكون الرهيب

ونام الدجى تحت جنح الوجوم

ولم يبق إلا نواح اليمام

وهمس السواقي وأنّاتها

ووقع خطى عابر في الظلام

تمرّ وتخفت أصواتها

جلست أناجي سكون المساء

وأرمق لون الظلام الحزين

وارسل أغنيتي في الفضاء

وأبكي على كلّ قلب غبين

أصيخ إلى همسات اليمام

وأسمع في الليل وقع المطر

وأّنات قمريّة في الظلام

تغنّي على البعد بين الشجر

وآهات طاحونة , من بعيد

تنوح المساء وتشكو الكلال

تمرّ على مسمعي بالنشيد

وتفتا تصدح خلف التلال

أصيخ ولا صوت غير الأنين

وأرنو ولا لون غير الدجى

غيوم وصمت وليل حزين

فلا عجب أن أحسّ الشجا

رأيت الحياة كهذا المساء

ظلام ووحشة جوّ كئيب

ويحلم أبناؤها بالضياء

وهم تحت ليل عميق رهيب

طبيعتها أبدا باكية

فصمت الدجى وأنين الرياح

وتنهيدة النسم السارية

ودمع الندى في عيون الصباح

وابصرت عند ضفاف الشقاء

جموع الحزانى وركب الجياع

تشردهم صرخات القضاء

وما أرسلوا همسات الوداع

وأصغيت لكن سمعت النشيج

يدوّي صداه على مسمعي

وراء القصور وفوق المروج

فمن يا ترى يتغنّى معي؟

سأحمل قيثارتي في غد

وأبكي على شجن العالم

وأرثي لطالعه الأنكد

على مسمع الزمن الظالم





























صراع

أحبّ..أحبّ..فقلبي جنون = وسورة حبّ عميق المدى
أحبّ فروحي حسّ غريب= يضيع لديه جمودي سدى
حياتي في العالم الشاعريّ= لهيب من الحبّ لن يخمدا
وجسمي قلب خفوف خفوق= سيلبث ملتهبا موقدا
وأكره أكره قلبي لهيب =وسورة مقت كبير كبير
وروحي مستعر الإحتقار= يرى الكون أفقا وضيعا حقير
حياتي تحسّ وجيب الحقود= على عالم مغرق في الشرور
ونفسي في ثورة لا تفرّ= تحقّر ما حولها من صخور
أحبّ وأكره ..حبّي شقاء

أحبّ وأكره..كرهي ألم

ففيم أعيش ؟ سئمت البقاء

وشاق حياتي صمت العدم

***

وأبكي ..وأبكي..فدمعي لهيب =يحطّم روحي ويذوي المنى
تعذبي حيرتي في الوجود =وأصرخ من ألمي : من أنا
منحت عيونا تحبّ الدموع =وقلبا يحبّذ أن يطعنا
وروحا تعّثر فيما يريد= فمجّ الظلام وعاف السنا
وأضحك من كلّ ما في الوجود= وفي ضحكي مرح ساخر
فقلبي سخرّية واحتقار= يثيرهما العالم العاثر
أحدّق من قمّتي في الثرى= فيضحكني دوده الناخر

وأبكي وأضحك..دمعي دماء

وأبكي وأضحك..ضحكي ندم

ففيم أمرّغ تحت الضياء

فؤادا سيرقد تحت الظلم

***

أريد وأجهل ماذا أريد = أريد وعاطفتي لا تريد
أحبّ السماء ولون النجوم و = أمقتها كلّ فجر جديد
أريد وأشعر أني أحسّ = ويسخر مما أحس الوجود
وأرغب في حلم غامض= فليس له هيكل أو حدود
وأنفر من كلّ ما في الوجود= وأهرب من كل شيء أراه
ففي عمق نفسي صوت غريب= يعلّم قلبي ازدراء الحياه
ويصرخ بي : اهربي اهربي= ويتعب أحساس روحي صداه
فأهتف يا عالمي : لا أريد ! = وتصرخ بي ذكرياتي : النجاه !
أريد وأنفر تحت السماء

فأرسم كلّ صراعي نغم

ومن أجل لحني سأرضى البقاء

وعار الحياة وذلّ الألم

***

أحبّ وأكره ماذا أحبّ = وأكره ؟ أيّ شعور عجيب ؟
وأبكي وأضحك ماذا ترى= يثير بكائي وضحكي الغريب ؟
أريد وأنفر , ايّ جنون= حياتي ؟ أيّ صراع رهيب ؟
لماذا أغني , لماذا أعيش = ؟ ومنذا أصارعه , من يجيب ؟






















تواريخ قديمة وجديدة



لنسر كان أمس ومات = منذ بضع مئات السنين
مسحت ذكره السنوات = وطوته مع المّيتين
وبحثنا زمانا طويل عن= ى كواكبه الآفلات
واستعرنا يد المستحيل= لنعيد إليه الحياة
وأهبنا بركب العصور =أن يعود على بدء
علّنا نستعيد الشعور = فرجعنا بلا شيء
كم شققنا هناك الظلام = وعبرنا سكون الركود
ونبشنا ركام العظام = لم نجد شيئنا المفقود
ورأينا هناك جباه= لا ترى فهي عمياء
وعيونا طوتها الحياه = صمتت فهي خرساء
ورأينا رفات قلوب = حنّطتها يد الذكريات
وسدى حاولت أن تؤوب = معنا فهي..فهي رفات
ورأينا شفاها خوت = لم تعد تشتكي أو تجوع
وأكفّا ذوت وانطوت = لم يعد لأساها دموع
وسألنا عن الأمس = فعثرنا على تابوت
وهناك على الرمس = يجثم الزمن المبهوت
ورجعنا إلى التقويم = علّنا نخدع الأيام
فسمعنا صراخ الهشين = خلف سخرية الأرقام
ورأينا الغد المنتظر = ساحبا نصفه المشلول
ساحبا نصفه المحتقر = نصفه الجامد المملول
وهناك انطوى سفر = واختتمنا النشيد القديم
وغدا ينبت العمر = فوق جرح الزمان الأليم
ويتيه صدى الأمس = في مدار الزمان العميق
ونحسّ على الكأس= فورة الحلم المستفيق



























سخرية الرماد


لو رجعنا غدا وأراد الزمان

أن يرانا كما كنّا

والتقينا فهل ينبض الميّتان

خلف ألواح صدرينا

***

لو رجعنا غدا ورآنا القمر

بعد غيبتنا الكبرى

ورأى كيف نمنح ما قد غبر

ومضى فرصة أخرى

***

لو رجعنا غدا ورأتنا النجوم

نجمع الذكر الذابله

نستعيد الهوى ونظلّ نحوم

حول أحلامنا الراحله

***

لو رآنا الطريق نشقّ السكون

بتعابيرنا الجامده

ويخادعنا ما طوته المنون

من رغائبنا الخامده

***

ونزيل رماد شهور طوال

عن هوى لفّه المستحيل

فوق أشلائه ذكريات ثقال

من دموعي وحزني الطويل

***

سترانا النجوم نسير معا

يخدع الليل مرآنا

خلف أهدابنا شغف مدّعى

ساتر سرّ ما كانا

***

وسيسخر من شبحينا القمر

وهو يرقب كيف نسير

كيف ننشر ما قد طواه القدر

واحتواه سكون المصير

***

وهناك نرى جثث الأشواق

في خمود طويل عميق

ويخادعنا لونها البرّاق

فتؤمّل أن تستفيق

***

ونرى ركب أيّامنا الماضيه

لم يزل لاهث الأنفاس

فنمدّ له الأذرع الذاويه

علّه يوقظ الإحساس

***

ويرانا الدّجى راكعين على

تربة المرقد الجافيه

نلمس الجثث المرسلات إلى

الأفق أعينها الخابيه

***

ويرانا الدّجى فجأة في عياء

في أسى غامق شارد

واقفين نحسّ اصطدام الرجاء

بثرى الواقع البارد

***

ويمرّ على جبهتينا المساء

باردا مثل لوح جليد

وتعود كواكبه البيضاء

أعينا طفحت بالوعيد

***

ويشيّعنا القمر الهادىء

ببرود مثير غريب

ويلاحقنا وجهه الهازىء

حيث سرنا بصمت مريب

***

ونحسّ أخيرا بأنّ القضاء

قد طوى حبّنا الآفلا

وبقينا حيارى هنا غرباء

نذرع العمر القاحلا

***

وهنالك سوف يغنّي الرّماد

وسيسخر حتى القمر

من أسانا ومن أمل لا يعاد

كان يوما لنا واندثر










النائمة في الشارع



في الكرّدة , في ليلة أمطار ورياح

والظلمة سقف مدّ وستر ليس يزاح

انتصف الليل وملء الظلمة أمطار

وسكون رطب يصرخ فيه الإعصار

الشارع مهجور تعول فيه الريح

تتوجّع أعمدة وتنوح مصابيح

والحارس يعبر جهما مرتعد الخطوات

يكشفه البرق وتحجب هيكله الظلمات

ليل يجرفه السيل وينهشه البرد

تنتفض الظلمة فيه ويرتعش الرعد

***

في منعطف الشارع , في ركن مقرور

حرست ظلمته شرفة بيت مهجور

كان البرق يمرّ ويكشف جسم صبيه

رقدت يلسعها سوط الريح الشتويه

الإحدى عشرة ناطقة في خدّيها

في رقة هيكلها وبراءة عينيها

رقدت فوق رخام الأرصفة الثلجيّه

تعول حول كراها ريح تشرينيّه

ضمّت كفّيها في جزع في إعياء

وتوسّدت الأرض الرطبة دون غطاء

لا تغفو , لا تغفل عن إعوال الرّعد

والحمّى تلهب هيكلها ويد السّهد

ظمأى , ظمأى للنوم ولكن لا نوما

ماذا تنسى ؟ ألبرد ؟ الجوع ؟ أم الحمّى

ألم يبقى ينهش , لا يرحم مخلبه

السّهد يضاعفه والحمّى تلهبه

نار الحمّى تلهمها صورا وحشيّه

أشباح تركض , صيحات شيطانّيه

عبثا تخفي عينيها وسدى لا تنظر

الظلمة لا تدري , والحمّى لا تشعر

وتظلّ الطفلة راعشة حتى الفجر

حتى يخبو الإعصار ولا أحد يدري

***

أيّام طفولتها مرّت في الأحزان

تشريد , جوع , أعوام من حرمان

إحدى عشرة كانت حزنا لا ينطفىء

والطفلة جوع أزلي , تعب , ظمأ

ولمن تشكو ؟ لا أحد ينصت أو يعنى

البشرية لفظ لا يسكنه معنى

والناس قناع مصطنع اللون كذوب

خلف وداعنه اختبأ الحقد المشبوب

والمجتمع البشري صريع رؤى وكؤوس

والرحمة تبقى لفظا يقرأ في القاموس

ونيام في الشارع يبقون بلا مأوى

لا حمّى تشفع عند الناس ولا شكوى

هذا الظلم المتوحّش باسم المدنيّه ,

باسم الإحساس , فواخجل الإنسانيه
***

محمود15
11-23-2006, 09:03 AM
خصام

زمان الصفاء مضى وتلاشى مع الذكريات

وها نحن مختصمان

وجاء زمان الصراع فلا لطف لا بسمات

ولا دفقة من حنان

وها نحن مختصمان دفنّا الوئام

وراء التوتّر في قعر ألفاظنا البارده

ولم نبق كأسا ولا منهلا للغرام

ولم نبق عشّا لأحلامنا الساهده

***

بأعماق أنفسنا من عيوب جميله

ويدرك كلّ بأنّ الهوى

طوى ما طوى من معايبنا المترفات الأصيله

ولم نبق إلا محاسننا الفجّة المستحيله

***

وها نحن نعرف أبعادنا الشاسعه

وكيف ملكنا عيوبا منوّعة رائعه

تخبّيء أوجهها خلف ستر الرضى والليونه

وخلف الوداعة خلف السكينه

***

وفي لحظات الصفاء لمسنا شذاها الرصينا

وذقنا محاسننا السمحة المنعمه

وغطّى الحماقة والضعف فينا

***

وفي لحظات الحنين هوينا

بساطتنا وعشقنا العذوبه

وها نحن نعشق ما تخلق الآدميّة فينا

وما في حماقتنا من جمال شذ وخصوبه

***

وكنّا عشقنا انبثاق الحرارة في مقلتينا

فدعنا نحبّ النضوب

وكنّا هوينا التورّد والشعر في شفتينا

فلم لا نحبّ الشحوب

***

وكنّا عقدنا الصداقة بين المحاسن فينا

فدعنا نقم أسس الحبّ والودّ بين العيوب

وأفسح مكانا لبعض الحماقات بعض الذنوب

ودعنا نكن بشرا طافحين نفيض جنونا

وننصح ضحكا ودمعا سخينا

***

وكنّا عقدنا الصداقة بين المحاسن فينا

فدعنا نقم أسس الحبّ والودّ بين العيوب

وأفسح مكانا لبعض الحماقات بعض الذنوب

ودعنا نكن بشرا طافحين نفيض جنونا

وننصح ضحكا ودمعا سخينا
***













ث أغنيات عربي


-1-

الساعة

دقّت الساعة في أرض بلادي العربيّه

جلجلت , ضجّت , ودوّت ملء وديان قصيّه

غلغلت عبر بساتين النخيل العنبريّه

وتلوّت في صحاررسخت كالأبديّه

دقّت الساعة واهتزّت لها سمر الصحاري

وارتوت بيد عطاش لانبلاج , لانفجار

ورمال لم تزل منذ عصور في انتظار

فتحت أذرعها العطشى وألوت بالإسار

***

إحملي أغنية الصحو إلى خضر المروج

ووعودا مورقات عربيّات الأريج

نبضت بين المحيط المترامي والخليج

***

إثنتا عشرة من دقّاتها هزّت ربانا

غلغلت عبر صحارينا النشاوى وقرانا

وسمعناها تنادي وأفقنا من كرانا

***

-2-

اللصوص
ولصوص هناك كثار
أقبلوا من وراء البحار

***
يأخذون الثرى والهواء

***
يخنقون الأغاني الحنون

***
إنّهم يقطعون الطرق

-3-

النسر المطعون
حيث النخيل السامق المزدهي
وحيث أغنيات أنهارنا
هناك ألقى طائر ظلّه

***
في كبرياء الريش تحيا ذرى
أقام فوق الأرض لا يرتقي
واللانهايات تنادي وفي
في قلبه النابض قد أغمدوا
من صدره الحرّ يغذّي الثرى
يا رمح اسرائيل مهما ارتوى

-3-

النسر المطعون
حيث النخيل السامق المزدهي
حيث الينابيع وكاساتها
وحيث أغنيات أنهارنا
هناك ألقى طائر ظلّه

***
جنحاه مبسوطان فوق المدى
في كبرياء الريش تحيا ذرى
أقام فوق الأرض لا يرتقي
واللانهايات تنادي وفي

***
في قلبه النابض قد أغمدوا
من صدره الحرّ يغذّي الثرى
يا رمح اسرائيل مهما ارتوى
يبقى ثرانا عربيّ الشذى

***
يافا وحيفا في غد نلتقي
تبقى فلسطين لنا نغمة
ونسرنا الشامخ لن ينثني
غدا فلسطين لنا كلّها
















ثلج ونار



تسأل ماذا أقصد ؟ لا , دعني , لا تسأل

لا تطرق بوّابة هذا الركن المقفل

اتركني يحجب أسراري ستر مسدل

إنّ وراء الستار ورودا قد تذبل

إن أنا كاشفتك , إن عرّيت رؤى حبّي

وزوايا حافلة باللهفة في قلبي

فستغضب مني , سوف تثور على ذنبي

وسينبت تأنيبك أشواكا في دربي

***

هل يقبل ثلج عتابك قلبي الملتهب ؟

أترى أتقبّل ؟ لا أغضب ؟ لا اضطراب ؟

لا ! بل سأثور عليك..سيأكلني الغضب

***

وإذا أنا ثرت عليك وعكّرت الأجواء

فستغضب أنت وتنهض في صمت وجفاء

وستذهب يا آدم لا تسأل عن حوّاء

***

وإذا ما أنت ذهبت وأبقيت الشوقا

عصفورا عطشانا لا يحلم أن يسقى

وإذا ما أنت ذهبت..فماذا يتبقّى ؟

***

لا , لا تسأل..دعني صامتة منطويه

أترك أخباري وأناشيدي حيث هي

اتركني أسئلة وردودا منزويه

***

يا آدم لا تسأل.. حوّاؤك مطويّه

في زاوية من قلبك حيرى منسّيه

ذلك ما شاءته أقدار مقضيّه

آدم مثل الثلج , وحوّاء ناريّه

***

يا آدم لا تسأل.. حوّاؤك مطويّه

في زاوية من قلبك حيرى منسّيه

ذلك ما شاءته أقدار مقضيّه

آدم مثل الثلج , وحوّاء ناريّه
***











مشغول في آذار



ينام الورد أو يصحو

ويبسم في المدى ليل ند أو ينتشي صبح

سواء ذاك أو هذا , حبيبي , أنت مشغول

سدى مني أوتار تصّلي وتراتيل

على مكتبك البارد تنكبّ بلا أحلام

وتسرق روحك الأرقام

وعند رتاجك المسدود ترتدّ المواويل

وقد أضحك , قد أبكي , وأسهر في الدّجى وأنام

سواء ... أنت مشغول

بأوراقك , والحبّ على المكتب مقتول ,

ألا فلتسقط الأوراق والأقلام

وآذار الندي وأنا ..وراء الباب

نرشّ جبينك الجديّ بالأطياب

نرقرق في دواة الحبر بعض تحرّق الموج

وننجي خشب المكتب من برد ومن ثلج

ونهديك الندى والعطر كأس شراب

حبيبي فافتح الأبواب

أنا والقمر المشتاق جئنا نطرق الشبّاك

عبرنا الصخر والأشواك

ووديانا من الآهات والأوصاب

أتينا هاهنا لنراك

حبيبي فافتح الشبّاك

***

حبيبي فافتح الأبواب , نحن هنا

جميعا :

أنت , آذار , وفرحة حبّنا , وأنا

أنا والشمس نحمل سمرة النهر

وأكوابا من العطر

وحزمة أنجم وسنا

حبيبي فافتح الأبواب , نحن هنا

جميعا :

أنت , آذار , وفرحة حبّنا , وأنا
***








صائدة الماضي




انتظرني , غدا سيقذف بي المو = ت إلى شطّك الغريب البعيد
ثم تمشي بي السنين إلى با = بك بعد البحث الطويل المديد
وتراني خاف الزجاج أجرّ ال =أمس في لهفة المشوق العنيد
أتحدّى الصخور في الشاطىء العا =ري وألوي شموخها بنشيدي
انتظرني , وإن تمزّق في صد =رك ما كان ذات يوم رجاء
أو سمعت الرياح تصرخ عاد ال =حبّ ذكرى ورغبة عمياء
أو رأيت النجوم تنكر في أه =دابك الشوق والصّدى والنداء
أو أبت مقلتاك أن ترسما حل =ما جديدا وثارتا كبرياء

***
ومضت توقظ الشكوك وتغري= بلياليك عاصفات الظنون
وتخيّلت أنّني بعت ذكرا = ك وأمعنت في الجمود المهين
فانتظرني , لا بد أن نلتقي يو =ما وألوي بشكّك المجنون

***
ساصيد الأحلام من أمسنا الها =رِب حلما حلما , وراء الزمان
ألقط الذكريات دون كلال= من غبار السكون والنسيان
وأناشيدنا ألمّ صداها =وأعيد الحياة للأوزان

***
ثم أمضي , ينير وجهك التأ =ريخ بحثا عن حبّنا المغدور
ذلك الأمس , لو عثرت عليه =في زوايا التاريخ بين العصور
ثم نمشي معا إليك , إلى شط =طك فوق الأمواج بين الصخور

***
وترانا فجاءة نصعد السّل =م في لهفة وشوق كلانا
أنا والأمس كلّه , نطرق البا =ب غريبين لامسا الأوطانا
وتحسّ النجوم أنّا رجعنا =نعصر الدهر لحظة من هوانا
ويقول الزمان : عادا إلى الحب = وعاد الفراق وهما كانا
وترانا فجاءة نصعد السّل =م في لهفة وشوق كلانا
أنا والأمس كلّه , نطرق البا =ب غريبين لامسا الأوطانا
وتحسّ النجوم أنّا رجعنا =نعصر الدهر لحظة من هوانا
ويقول الزمان : عادا إلى الحب =وعاد الفراق وهما كانا








إلى أختي سها



هيّا معي فالليل مختلج الدجى حبا وشعرا

وعرائس الأحلام تفرش دربنا لونا وعطرا

وهناك في أعماقنا نبرات آلهة تغنّي

ونحسّها تلقي إلينا ألف أغنية ولحن

هيّا معي تتبسم الدنيا إذا أنت ابتسمت

ماذا يثير أساك ما دمنا نظلّ , أنا وأنت ؟

ألليل يعرفنا , خطانا طالما زرعت دجاه

والنجم يذكرنا فكم سهرت علينا مقلتاه

أختاه هاتي كفّك اليمنى فقد حان المسير

ألمجد يصرخ يستحث خطاك والحلم الكبير

لا , لا تخافي أن تخادعك الرؤى إن أنت جئت

فالليل يعرفنا ونحن معا نظل أنا وأنت

***

سيري معي فتحرّق المجهول يصخب في دمانا

والأمس , تلك الغرفة الصمّاء غابت عن رؤانا

ماذا يشدّ هنا ليالينا الحزينات الشقيّه ؟

وهناك في الأفق البعيد ضباب شطآن خفيّه

ستريق أنجمها على أقدامنا إن أنت جئت

وصحبتني لنجوب آفاق الوجود , أنا وأنت

***

وصحبتني ونسيت درب الذكريات الكاسفه

حيث الصخور السود والحيّات تلهث زاحفه

حيث انجرحنا ثم لملمنا الجراح على عجل

ونهضت تتبعني خطاك الحائرات بلا أمل

أختاه لا تبكي على الماضي سدى ما قد بكيت

لن يرجع الماضي وإن نحنا عليه , أنا وأنت








الهاربون




إلام نجوب سحيق البلاد ؟

يعيث السراب بنا

تناولنا وهدة لوهاد

ويخدعنا المنحنى

***

وفيم أتينا ؟ يسائلنا البحر : ماذا نريد ؟

وتلحقنا عربات الرياح وتبقى تعيد

تعيد السؤال

ولا ردّ إلا خطوط الملال

على صمت أوجهنا في الليالي الطوال

نفرّ وتدركنا من جديد

***

ويسألنا الأفق أين نسافر ؟ أين نسير ؟

ومن أيّ شيء هربنا ؟ وفيم ؟ لأي مصير ؟

وفي صمتنا

قلوب تدقّ , ووقع المنى

على يأسنا فرح لا يطاق فهيّا بنا

لنبحث عن جرح حزن صغير

***

وفي سيرنا نسمع الليل يسخر من سرّنا

يلاحقنا بالظلام ويغري الرياح بنا

يقول الطريق

لماذا نجوب الوجود السحيق

يلاحقنا أمسنا ورؤانا ووجه صديق

وحتام نهرب من ظلّنا ؟

***

وفي سيرنا في الدياجير نبصر هزء القمر

ويغضبنا في سناه البرود , وبعض الشجر

يسدّ السبيل

علينا , ويسخر منّا الأصيل

وينبئنا أنّنا الباحثون عن المستحيل

وأنّا , برغم منانا , بشر

***

ونسمع من جنبات المسالك ذات مساء

صدى هامسا في الدجى أنّنا.. أنّنا جبناء

نخاف الأصيل

ونرحل لا رغبة في الرحيل

ولكن نهرب من ذاتنا , من صراع طويل

ومن أنّنا لم نزل غرباء

***

وها نحن , حيث بدأنا , نجوب الظلام الفظيع

شتاء يموت , وأسئلة لم يجبها ربيع

حيارى العيون

يسائلنا غدنا من نكون ؟

ويتركنا أمسنا المنطوي في ضباب القرون

فيا ليل , يا بحر , أين نضيع ؟
***










ماذا يقول النهر ؟


ماذا يقول النهر؟

أقصوصة

ينسجها من رقص ضوء القمر

ينسجها من غزل ناعم

يداعب النخل به المنحدر

من نور مصباح يغذّي الدجى

حرارة ويستثير الشجر

من وقع مجداف خفيف الخطى

يشقّ في الظلمة صدر النهر

ماذا يقول النهر؟

أغنية

قديمة , بنت ليال طوال

غنّى أساها مرّة عاشق

والليل سكران بكأس الجمال

مثقلة بالدفء , ما زال في

ألحانها بعض حنين الجمال

وخشعة الهودج تحت الدجى

ووقع أقدام الداة الثقال

***

تسبيحة

من بابل النشوى بعطر البخور

وموكب الكهّان في معبد

دجلة يطوي سرّه والصخور

وذكريات الليل والشمس عن

(مدينة الشمس ) وراء العصور

وعن (حمورابي ) وعن حبّه

وما طوى سفر الزمان الغدور

***

ماذا يقول النهر؟

دعي غلاف السرّ كثّا عميق

لو كشف الزّنبق ألغازه

لم يبق معنى لشذاه الرقيق

دعي غلاف السرّ كثّا عميق

لو كشف الزّنبق ألغازه

لم يبق معنى لشذاه الرقي

محمود15
11-23-2006, 09:05 AM
الراقصة المذبوحة

إرقصي مذبوحة القلب وغنّي

واضحكي فالجرح رقص وابتسام

إسألي الموتى الضحايا أن يناموا

وارقصي أنت وغنّي واطمئني

أدموع , أسكتي الدمع السخينا

واعصري من صرخة الجرح ابتساما

اانفجار ؟ هدأ الجرح وناما

فاتركيه واعيدي القيد المهينا

***

أيّ معنى لاختلاجات الضحايا ؟

بعض أحزان ستنسى , ورزايا

وقتيل أو قتيلان , وجرحى

***

إقبسي من جرحك المحرق لحنا

لم تزل فيها بقايا من حياة

لنشيد لم يفض بؤسا وحزنا

***

صرخة ؟ أيّ جحود وجنون !

أتركي قتلاك صرعى دون دفن

أيّ معنى لانتفاضات السجين ؟

***

إنتفاضات ؟ وفي الشعب بقايا

من عروق لم تسل نبع دماء ؟

إنجارات ؟ وبعض الأبرياء

بعضهم لم يسقطوا بعد ضحايا ؟

***

لم يكن جرحك بدعا في الجروح

فارقصي في سكرة الحزن المميت

الأرقّاء الحيارى للسكوت

***

إضحكي للمدية الحمراء حبّا

واسقطي فوق الثرى دون اختلاج

منّة أن تذبحي ذبح النعاج

منّة أن تطعني روحا وقلبا

وجنون يا ضحايا أن تثوري

وجنون غضبة الأسرى العبيد

أرقصي رقصة ممتنّ سعيد

وابسمي في غبطة العبد الأجير

***

وابسمي للقاتل الجاني افتتانا

إمنحيه قلبك الحرّ المهانا

ودعيه ينتشي حزّا وطعنا

***

وارقصي مذبوحة القلب وغنّي

إسألي الموتى الضحايا أن يناموا

وارقصي أنت وغنّي واطمئني

وابسمي للقاتل الجاني افتتانا

إمنحيه قلبك الحرّ المهانا

ودعيه ينتشي حزّا وطعنا

***

وارقصي مذبوحة القلب وغنّي

واضحكي فالجرح رقص وابتسام

إسألي الموتى الضحايا أن يناموا

وارقصي أنت وغنّي واطمئني
***












الشخص الثاني




و جئت غدا وعبرت حدود الأمس إلى غدي الموعود

وشدا فرحا بمجيئك حتى المعبر والباب المسدود

ولقيتك أبحث فيك عن المتبقّي من أمسي الفقود

لو جئت ولم أجد الماثل في ألحاني

وأطلّ على روحي منك الشخص الثاني

الشخص الثاني , من أعماق شهور التيه المطموره

حاكته دقائق تلك الأيّام الجانية المغروره

وترّسب في عينيه تثاقلها ورؤاها المذعمره

وسأبحث فيك عن الماضي في اطمئنان

فيفاجىء لهفتي الحرّى الشخص الثاني

***

ومكان الواحد في عينيك المرهفتين أحس اثنين

ويقابلني الشخصان معا وسدى أرجو فصل الضدّين

وسأسأل عمّا خلّفه لي عامان

من وجهك , والردّ جبين الشخص الثاني

***

وسيسكن هذا الشخص الثاني الأحمق حتى في البسمات

وسيرمقني في خبث , مختبئا حتى خلف الكلمات

ولمن أشكو هذا المخلوق الشيطاني

والأول فيك محته يد الشخص الثاني ؟

عندما قتلت حبي

وأبغضتك لم يبق سوى مقتي أناجيه

وأسمعه صراخ الحقد في أغنية جهمه

وأبغضت اسمك الملعون والأصداء والظلاّ

وتلك الذكريات الخشنة الممقوتة الفظّه

هوت وتأكّلت وثوت مع الآباد في لحظه

وعدت قصيدة فجرية جذلى

وقلت الأمس ما عاد سوى لفظه

***

وتمّ النصر لي وهويت تمثالا إلى الهوّه

وراح الرفش في كفّي يشقّ الأرض في نهم

فلامس في الثرى جسدا رهيبا بارد القدم

ورحت أجرّه للضوء مزهوّه

فمن كان ؟

بقايا جثّة الندم

***

وكان الليل مرآة فأبصرت بها كرهي

وكنت قتلتك الساعة في ليلي وفي كأسي

وكنت أشيّع المقتول في بطء إلى الرمس

فأدركت ولون اليأس في وجهي

بأني قطّ لم أقتل سوى نفسي

فلامس في الثرى جسدا رهيبا بارد القدم

ورحت أجرّه للضوء مزهوّه

فمن كان ؟

بقايا جثّة الندم

***

وكان الليل مرآة فأبصرت بها كرهي

وأمسي الميت لكني لم أعثر على كنهي

وكنت قتلتك الساعة في ليلي وفي كأسي

وكنت أشيّع المقتول في بطء إلى الرمس

فأدركت ولون اليأس في وجهي

بأني قطّ لم أقتل سوى نفسي
























إلى وردة بيضاء


كنز البرودة والرحيق وخبأ اللين العطر

يا من عصرت من الثلوج من الحليب من القمر

يا ضوء خدّ من حرير أبيض ملء النظر

بيضاء يا ملقى فراشات الربيع المنتظر

الشمس ودّت لو سقيت ضياءها منحا أخر

والفجر تابعك الأمين يريق ظلّك في النهر

يا ملتقى حبّ السّواقي والقنابر والشجر

واحسرتاه على البشر

مرّوا بكنزك سائلين

مسكينة ما تملكين ؟

***

بيضاء : نحن أنا وأنت سنكتم السرّ المثير

سرّي وسرّك لن نبوح به إلى الركب الضرير

ماذا ملكنا ؟ لا ضياع ولا عبيد ولا قصور

لا شيء إلا رعشة القمر المرّنح في الغدير

وغناء أنسام المساء المخمليّات المرور

وصداقة العصفور والفجر الملوّن والعبير

ومودّة الشمس الحنون وقبلة المطر الغزير

ووساد أعشاب وثير

وارحمتا للسائلين

وسؤالهم : ما تملكين ؟

***


















أغنية لطفلي




ماما ماما ماما ماما ماماما

برّاق الحلو اللثغة ينوي النوما

والنوم وراء الربوة هيّأ حلما

والحلم له أجنحة ترقى النجما

والنجم له شفة ويحبّ اللثما

واللثم سيوقظ طفلي :

ماما ماما

***

بابا بابا بابا بابا بابابا

برّاق الغافي الساهي يسرق قلبا

والقلب سيمرع ينبت وردا رطبا

والورد يرشّ المهد أريجا عذبا

وأريج الورد لعوب يهوى الوثبا

والوثب سيوقظ طفلي :

بابا بابا

***

دادا دادا دادا دادا دادادا

الحقل مشوق للخضرة لا يهدا

والخضرة خاوية لا تملك وردا

والورد إلى الحمرة مرتعش وجدا

والحمرة عند صغيري ثغرا خدّا

وسيصحي الورد صغيري :

دادا دادا
***


__________________
حدود الرجاء


كنّا نراها في ضباب الكرى = ملفوفة الهيكل بالمستحيل
كنّا شفاها عطشت والتظت = وكان مرآها يروّي الغليل
كنّا ملايين نعاني اللّظى = وظلّها فوق منانا ظليل
وكانت الأحلام تلقي بنا = في كلّ فجر فوق صحو ثقيل
وكم عبرنا نحوها من مدى= الرّيح فيه تلتقي بالأنين
دماء مقتولين من يعرب = تضجّ في أعماق ليل حزين
وموكب يعقبه موكب = من شهداء سقطوا هاتفين
يا صوتها , يا وجهها , يا اسمها = إبقي ضياء يتحدّى السنين

***
وكم بنينا صرحها المشتهى =على تلال الرّمل في أمسنا
وكم حسبنا أنّها قد دنت منّا = فأخفى ضوءها المنحنى
وجه سرابيّ السّنا كم هوى = كلّ رجاء دونه مثخنا

***
من دونها ضعنا فلا زهرة = توقظنا أشذاؤها الساريه
لا نخلة تضحك في أرضنا = لا زارع ينشد لا راعيه
جفّت أراضينا وأشجارنا = وارتحلت أطيارنا باكيه

***
نحن عبرنا كلّ أفق نأى = نبحث عن شذاها الجميل
عن لونها عن روحها عن صدى = منها يدوّي في السكون الثقيل
وانصرمت تلك السنين التي= تاهت خطاها في ضباب العويل

***
واليوم حان الفجر يا أمتّي =فنحن قاربنا حدود الرّجاء
تلالها تبدو وراء المدى = مغرقة في غمرة من ضياء
الوحدة الكبرى دنا ركبها = منّ ف