douja_brada
09-20-2006, 11:53 AM
مؤتمر موسع في القاهرة حول الدكاترة زكي مبارك صاحب أول دكتوراه في تاريخ الجامعة المصرية:
القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: علي مدار ثلاثة أيام متصلة أقام المجلس الأعلي للثقافة ـ ضمن باكورة نشاطاته للعام الثقافي الجديد ـ مؤتمرا موسعا عن الكاتب والمفكر والمبدع الراحل الدكتور زكي مبارك اب (اغسطس) 1891 ـ كانون الثاني (يناير) 1952م .
تضمن المؤتمر عددا من المحاور الواسعة التي غطت معظم جوانب الانتاج الوفير الذي قدمه الراحل زكي مبارك فكانت الجلسة الأولي مكرسة للمنجز النثري للراحل وقدم فيها عدد من الباحثين أوراقا أحاطت بدقائق هذه المشروعات فقدم الدكتور إبراهيم عوض ورقة حول النثر الفني في القرن الرابع لزكي مبارك بين الأصل الفرنسي والطبيعة العربية وقدم الدكتور أحمد درويش ورقة في اعادة قراءة لتراث النثر، وقدم سعد أبو الرضا ورقة اخري حول أثر زكي مبارك في نهضة النثر الحديث وقدم مدحت الجيار ورقة حملت نفس هموم الورقة المقدمة من الدكتور ابراهيم عوض حول النثر الفني في القرن الرابع الهجري.
كذلك توزعت عدة محاور دون ضبط يذكر علي العديد من باقي الندوات التي بلغت ثماني ندوات بالاضافة الي الافتتاح الرسمي والأمسية الشعرية الشاحبة في ختام المؤتمر والتي شارك فيها شعراء ليس لهم وزن يذكر علي الساحة الشعرية فيما عدا الشاعر فاروق شوشة. فقد توزعت بين الندوات الأطروحات الشعرية لزكي مبارك وكذلك علاقته بالتصوف والفلسفة والسلطة.
وقد حصل الدكتور زكي مبارك علي شهادة الأهلية من الجامع الأزهر عام 1916، وليسانس الآداب من الجامعة المصرية عام 1921، الدكتوراه في الآداب من الجامعة ذاتها عام 1924 ثم دبلوم الدراسات العليا في الآداب من مدرسة اللغات الشرقية، في باريس عام 1931 ثم الدكتوراه في الآداب من جامعة باريس عام 1937، وربما لذلك فقد استحق لقب الدكاترة زكي مبارك كما أطلقها عليه الشاعر محمد الأسمر، ونحاول هنا ان نرصد أهم المحاور التي لمت بها بحوث الندوة الموسعة حول الدكتور زكي مبارك.
مقدمات النثر
الفني لرجل بلا تلاميذ
في ورقته التي قدمها الدكتور ابراهيم عوض حول كتاب النثر الفني في القرن الرابع لزكي مبارك، يشير بدءا الي ان الكتاب كان موضوع رسالة الدكتوراه التي قدمها الرجل لجامعة باريس عام 1931 وقد قام فيما بعد بترجمتها بنفسه من الفرنسية بعد ان نشرتها له المكتبة الشرقية والأمريكية بباريس، ثم قيام المكتبة التجارية بنشرها في القاهرة عام 1934 ويقارن ابراهيم عوض بين النسخة الفرنسية والنسخة العربية، فحيث لا يتجاوز الاصل الفرنسي 290 صفحة، يصل النص العربي الي 750 صفحة مع أن عدد كلمات الصفحة الفرنسية يقل عن نظيره في الصفحة العربية، ويضيف الدكتور ابراهيم عوض في ورقته ان النسخة العربية توجه ـ في بعض مواضعها ـ نقدا شديدا بل تهكما واخزا موجها الي المستشرقين، وكذلك يختلف الأمر في التبويب والمراجع والفهارس، كذلك أضاف زكي مبارك الي الطبعة العربية كتابا لم يكن موجودا في النص الفرنسي وكذلك موضوعا حول الفكاهة والنسيب والاخوانيات.
اما الدكتور احمد درويش فقد تناولت ورقته الجهود التي بذلها زكي مبارك لاعادة قراءة التراث النثري التي يراها تشكل مرحلة نقدية مهمة في تاريخ تحليل الابداع العربي، انطلاقا من المكونات والمواهب والمؤهلات التي كان يتمتع بها الرجل حيث كان متعدد المواهب والقنوات في ابداعه، فهو شاعر وكاتب مقالة وخاطرة وباحث في العديد من الثقافات لذلك فقد استفاد من كافة المناهج المستحدثة، وكذلك استفاد من جهود علماء الاستشراق الذين أثار الحوار معهم اتفاقا واختلافا.
اما الدكتور سعد أبو الرضا فيفتح قوسا اكبر لدور زكي مبارك في نهضة النثر الحديث ويقول انه كان ـ الي جانب ابداعه ـ ناقداً متميزاً ألف اكثر من ثلاثين كتاباً في النثر والنقد ومختلف المعارف. ويتناول أبو الرضا دراسات زكي مبارك عن عمر بن أبي ربيعة، وكذلك كتابه عبقرية الشريف الرضي ، وكذلك كتابه الموازنة بين الشعراء ، ويتناول ايضا ديوان زكي مبارك ألحان الخلود وكتابه النثر العربي في القرن الرابع الهجري كما يشير أبو الرضا الي كتاب زكي مبارك ذكريات باريس الذي هدف به الي اطلاع الناس في الشرق علي أسرار الحياة في الغرب ومن ثم فهو يراه كتابا تنويريا لكنه في الوقت نفسه يتناول بعض الكتاب المصريين مثل العقاد ومحمد السباعي. وقد ألف زكي مبارك كتابا تحت عنوان ليلي المريضة بالعراق وهو مجموعة مقالات نشرها بمجلة الرسالة من وحي قيامه بالعمل معارا بالعراق لمدة عام واحد، ويشير أبو الرضا الي أن زكي مبارك في هذا الكتاب يحاول ان يعالج عاطفة الحب بطريقة تتجاوز كتابات راسين الفرنسي وينقل عن علي الجارم رأيه في هذا الكتاب الذي يراه فنا جديدا نقل الغزل والتشبيب من الشعر الي النثر، ويضيف الدكتور سعد أبو الرضا أن زكي مبارك امتدت جهوده لمجال التحقيق فقد نشر كتاب زهر الآداب للحصري، والرسالة العذراء لابراهيم بن المدبر، وقدم له بمقدمة بالفرنسية عن فن الانشاء ومذاهب الكتاب في القرن الهجري.
ويشير أبو الرضا الي ان زكي مبارك خاض الكثير من المعارك الفكرية ومنها ما كان بينه وبين الرافعي، وكان في الوقت نفسه دائم الثناء علي نفسه وكتبه، وهي ظاهرة ـ حسب ابو الرضا ـ يعللها الشيخ عبدالعزيز الرفاعي بافتقاد زكي مبارك لتلاميذ في حينه ممن يمكن أن يتوبوا في الدفاع عنه، أما أبو الرضا نفسه فيوعز الأمر الي أن الرجل لم يكن يهادن أو يماليء أو يحيد عن الحق، مما جعله هدفا لبعض من لم يحسنوا التعامل مع فكره، وتقدير جهوده.
أما شوقي بدر يوسف فقد تناول كتاب مبارك ليلي المريضة بالعراق باعتباره منجزا في الابداع السردي الذي يختلف عما سبقه من اصدارات، باعتباره دفعة وجدانية وضع فيها الكاتب جوانب متعددة ومتشعبة من السرد القصصي والشعر الوجداني والسخرية المرة والتمرد علي الواقع والتحدي لكل من وقفوا أمامه.
زكي مبارك الذي خرج
علي التصنيف الشعري كغيره
من الصناع
أما شعرية زكي مبارك فقد تناولتها عدة أوراق قدمها المؤتمر بدأت بورقة للدكتور حسن فتح الباب الذي رصد ملمح الاطناب في شعر زكي مبارك باعتباره ملمحا يعود الي الثقافة الواسعة المتشعبة، حيث يصفه بأنه كان من أكبر المثقفين في عصره، غير ان حسن فتح الباب يلوم زكي مبارك علي ظاهرة التكرار اللغوي في شعره رغم انه يرد هذه الظاهرة الي الشعر العربي القديم لا سيما لدي مالك بن الريب في مرثيته لنفسه وحنينه الي موطنه في وادي الغضي، ويذكر حسن فتح الباب ان زكي مبارك دافع عن صيغة التكرار بأن مرجعها هو القرآن الكريم بالاضافة الي شيء آخر له علاقة بالطبيعة الوظيفية لزكي مبارك كمعلم لسنوات طويلة، ويرصد حسن فتح الباب تعدد موضوعات قصائده بسبب سعة الخيال والقلق والشرود الذهني، وكذلك يرصد تضفير الشاعر في قصائده بين الفصحي والعامية سواء كان ذلك في الشعر أو المقالة بالاضافة الي إحيائه للمفردات غير المألوفة في كثير من قصائده وكذلك التجديد في النظام العروضي وتنويع القافية.
اما الورقة التي قدمها الشاعر فاروق شوشة فتناولت طغيان شهرة زكي مبارك ككاتب وناقد علي مكانته كشاعر، مثلما حدث مع العقاد، وكذلك صعوبة تصنيف زكي مبارك بين شعراء عصره ووضعه في اطار تيار شعري بعيد عن الفعالية، ذلك ان شعره يتجلي أحيانا في صورة ما يسمي بالكلاسيكية الجديدة مثل قرنائه اسماعيل صبري وأحمد شوقي وحافظ ابراهيم، وأحيانا خليل مطران، ويقول فاروق شوشة: قد يقترب زكي مبارك من النهج الرومانسي عند شعراء جماعة أبوللو مثل ناجي وأبي شادي وأحمد رامي غير انه في احيان اخري يكون اقرب الي نهج جماعة الديوان وهم العقاد وشكري والمازني، ويشير شوشة ايضا الي تلك النزعة الاستطرادية التي اشار اليها حسن فتح الباب وأطلق عليها الإطناب ، ويري شوشة ان هذه النزعة جعلت مبارك ـ في الكثير من كتاباته لا يركز علي موضوع أساسي، بل تتشعب الأمور والقضايا والاهتمامات، ويرد شوشة هذه النزعة الي عدة أسباب منها ما يتصل بميل زكي مبارك الاستعراضي للاعلان عن مواهبه وقدراته وملكاته، وبعضها يوعزه الي حسه النقدي الساخر، المستهزيء بالآخرين والذي ـ يراه ـ جلب عليه عداوات وخصومات شتي وكثير منها لرغبة في احتواء العديد مما يتصل بمجال قوله الشعري في قبضة قصيدة واحدة لا تستطيع بالضرورة ان تتسع لكل شيء.
ويتساءل فاروق شوشة: هل لغة زكي مبارك الشعرية وتأرجحها الدائم بين نزعة بيانية واضحة ولغة جيدة مفصحة وفي نفس الوقت لغة يومية الي حد الصدمة، هل كل ذلك جعل من زكي مبارك شاعرا متفردا؟ يقول فاروق شوشة: ان هذه المستويات اللغوية المتعددة في ابداعه الشعري هي أحد الاسباب التي حجبت الرؤية المنصفة لشعره ولم تساعد علي وضوح النظرة الي هذا الشعر.
زكي مبارك المتصوف والزاهد
وحول موقفه الفلسفي ومكانته في الفكر العربي قدم الدكتور عاطف العراقي ورقة تحت عنوان زكي مبارك والفكر العربي الفلسفي، اشار العراقي الي دراسة مبارك وموقفه النقدي من الغزالي وكشفه عن تأثره تأثراً هائلا بالسابقين وكذلك كشف عن بعض تناقضات الغزالي في أكثر من مجال.
وفي كتابه عن التصوف الاسلامي في الأدب والأخلاق يتوقف الدكتور العراقي عند دراسة موسوعية وشاملة لهذا الموضوع لكنه يري أن مبارك كان عليه أن يحلل موضوعه تحليلا دقيقا لا سيما فيما يتعلق بالأفكار الخاصة بالهنود والفرس، وأيضا فكرة الجذب عند أفلوطين، ويقول: ان هذا التحليل كان ضروريا إذا أراد زكي مبارك أن يقدم لنا رأيا دقيقا وحاسما حول مصادر التصوف السني من جهة، والتصوف الفلسفي من جهة أخري وكيف ان التفرقة بين هذين النوعين من التصوف كانت ستؤدي به الي حل مشكلة مصادر التصوف الاسلامي، وخاصة إذا كان وضعنا في اعتبارنا أن التصوف السني إذا كان بالامكان رده الي المصدر الاسلامي وكما فعل ذلك ابن خلدون في مقدمته إلا أننا لا نستطيع ذلك بالنسبة للتصوف الفلسفي، إذ قد يبدو أن الصواب يتمثل في ارجاع التصوف الفلسفي الي بعض المصادر الأجنبية، وذلك لكي نبرر وجود مصطلحات كالفناء والحلول والاتحاد ووحدة الوجود والفناء والبقاء.
أما الدكتور عبدالحميد مدكور فقدم ورقة تحت عنوان زكي مبارك والتصوف بدأها باعترافه بالأثر الضخم الذي تركه مبارك وطاول به أبناء وأعلام عصره من المفكرين والأدباء والنقاد والشعراء ويري مدكور ان اهمية دراسات زكي مبارك في التصوف تأتي من أن اثنين منها كانا موضوعا لرسالتي دكتوراه الأولي كانت من الجامعة المصرية عام 1924 وكانت عن الاخلاق عنـد الغزالي والثانية كانت في عام 1937 وكانت عن التصوف الاسلامي في الأدب والاخلاق وينضم الي هذين المؤلفين كتابه المدائح النبوية ويتناول الاقباس الروحية التي بثها الاسلام في أرجاء الوجود، ولهذا يستحق هذا الجانب ـ حسب مدكور ـ دراسة موسعة، حيث كانت رسالة مبارك حول الغزالي أول دكتوراه تمنحها الجامعة المصرية.
ويرد الباحث هذه البواعث لدي مبارك الي نشأته الأولي وطبيعته والظروف التي احاطت بحياته التي وصفها بأنها قامت علي قواعد من الأحزان الثقال، وقد دفعته الي أنواع من الصراع والمنازلات التي خاض فيها حربا مع الناس ومع الزمان، كما دفعته الي شعور مرير بالغربة في كل مكان، وينقل عنه الدكتور مدكور قوله عن نفسه غريب في باريس، غريب في بغداد، غريب في سنتريس، وغريب في جميع البلاد، ان الغربة هي وطني الأول والأخير .
أما محمد علي عبدالعال فقدم ورقة بعنوان التصوف السياسي عند زكي مبارك وهي ورقة تتناول في معظمها الموقف الأخلاقي لزكي مبارك، لذلك يتناول الكاتب بالشرح معظم أعماله الدينية ويعدد خصاله التي تراوحت بين الصدق والصراحة والوضوح هو لم يتزلف لأحد علي حساب عقيدته وكانت له مواقف مشهودة في محاربة الزيف والنفاق وينقل الباحث عنه قوله لو كان للدين سلطان علي أرواح الناس لما رأينا شهود الزور يضللون القضاة بلا حياء ويقول الباحث: كان مبارك يمقت الرياء والمرائين ويعتبرهم بابا للخراب لأن الرياء يوحي بأنه لباقة وذكاء.
وقد حمل علي الذين يعتبرون أن الصراحة خلق بغيض، وأن النفاق يسمو بصاحبه أحيانا الي أرفع الدرجات، ويشير الباحث ايضا الي تحذير زكي مبارك من النفاق الذي يراه بأنه خليق بأن يأتي علي بناء الوطن من القواعد وعدم الإصغاء الي كل مشاء بنميم، ثم يوصي ـ حسب مدكور ـ بالحذر من مرض الحذلقة والمراءاة وافتعال النزاهة والإخلاص.
القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: علي مدار ثلاثة أيام متصلة أقام المجلس الأعلي للثقافة ـ ضمن باكورة نشاطاته للعام الثقافي الجديد ـ مؤتمرا موسعا عن الكاتب والمفكر والمبدع الراحل الدكتور زكي مبارك اب (اغسطس) 1891 ـ كانون الثاني (يناير) 1952م .
تضمن المؤتمر عددا من المحاور الواسعة التي غطت معظم جوانب الانتاج الوفير الذي قدمه الراحل زكي مبارك فكانت الجلسة الأولي مكرسة للمنجز النثري للراحل وقدم فيها عدد من الباحثين أوراقا أحاطت بدقائق هذه المشروعات فقدم الدكتور إبراهيم عوض ورقة حول النثر الفني في القرن الرابع لزكي مبارك بين الأصل الفرنسي والطبيعة العربية وقدم الدكتور أحمد درويش ورقة في اعادة قراءة لتراث النثر، وقدم سعد أبو الرضا ورقة اخري حول أثر زكي مبارك في نهضة النثر الحديث وقدم مدحت الجيار ورقة حملت نفس هموم الورقة المقدمة من الدكتور ابراهيم عوض حول النثر الفني في القرن الرابع الهجري.
كذلك توزعت عدة محاور دون ضبط يذكر علي العديد من باقي الندوات التي بلغت ثماني ندوات بالاضافة الي الافتتاح الرسمي والأمسية الشعرية الشاحبة في ختام المؤتمر والتي شارك فيها شعراء ليس لهم وزن يذكر علي الساحة الشعرية فيما عدا الشاعر فاروق شوشة. فقد توزعت بين الندوات الأطروحات الشعرية لزكي مبارك وكذلك علاقته بالتصوف والفلسفة والسلطة.
وقد حصل الدكتور زكي مبارك علي شهادة الأهلية من الجامع الأزهر عام 1916، وليسانس الآداب من الجامعة المصرية عام 1921، الدكتوراه في الآداب من الجامعة ذاتها عام 1924 ثم دبلوم الدراسات العليا في الآداب من مدرسة اللغات الشرقية، في باريس عام 1931 ثم الدكتوراه في الآداب من جامعة باريس عام 1937، وربما لذلك فقد استحق لقب الدكاترة زكي مبارك كما أطلقها عليه الشاعر محمد الأسمر، ونحاول هنا ان نرصد أهم المحاور التي لمت بها بحوث الندوة الموسعة حول الدكتور زكي مبارك.
مقدمات النثر
الفني لرجل بلا تلاميذ
في ورقته التي قدمها الدكتور ابراهيم عوض حول كتاب النثر الفني في القرن الرابع لزكي مبارك، يشير بدءا الي ان الكتاب كان موضوع رسالة الدكتوراه التي قدمها الرجل لجامعة باريس عام 1931 وقد قام فيما بعد بترجمتها بنفسه من الفرنسية بعد ان نشرتها له المكتبة الشرقية والأمريكية بباريس، ثم قيام المكتبة التجارية بنشرها في القاهرة عام 1934 ويقارن ابراهيم عوض بين النسخة الفرنسية والنسخة العربية، فحيث لا يتجاوز الاصل الفرنسي 290 صفحة، يصل النص العربي الي 750 صفحة مع أن عدد كلمات الصفحة الفرنسية يقل عن نظيره في الصفحة العربية، ويضيف الدكتور ابراهيم عوض في ورقته ان النسخة العربية توجه ـ في بعض مواضعها ـ نقدا شديدا بل تهكما واخزا موجها الي المستشرقين، وكذلك يختلف الأمر في التبويب والمراجع والفهارس، كذلك أضاف زكي مبارك الي الطبعة العربية كتابا لم يكن موجودا في النص الفرنسي وكذلك موضوعا حول الفكاهة والنسيب والاخوانيات.
اما الدكتور احمد درويش فقد تناولت ورقته الجهود التي بذلها زكي مبارك لاعادة قراءة التراث النثري التي يراها تشكل مرحلة نقدية مهمة في تاريخ تحليل الابداع العربي، انطلاقا من المكونات والمواهب والمؤهلات التي كان يتمتع بها الرجل حيث كان متعدد المواهب والقنوات في ابداعه، فهو شاعر وكاتب مقالة وخاطرة وباحث في العديد من الثقافات لذلك فقد استفاد من كافة المناهج المستحدثة، وكذلك استفاد من جهود علماء الاستشراق الذين أثار الحوار معهم اتفاقا واختلافا.
اما الدكتور سعد أبو الرضا فيفتح قوسا اكبر لدور زكي مبارك في نهضة النثر الحديث ويقول انه كان ـ الي جانب ابداعه ـ ناقداً متميزاً ألف اكثر من ثلاثين كتاباً في النثر والنقد ومختلف المعارف. ويتناول أبو الرضا دراسات زكي مبارك عن عمر بن أبي ربيعة، وكذلك كتابه عبقرية الشريف الرضي ، وكذلك كتابه الموازنة بين الشعراء ، ويتناول ايضا ديوان زكي مبارك ألحان الخلود وكتابه النثر العربي في القرن الرابع الهجري كما يشير أبو الرضا الي كتاب زكي مبارك ذكريات باريس الذي هدف به الي اطلاع الناس في الشرق علي أسرار الحياة في الغرب ومن ثم فهو يراه كتابا تنويريا لكنه في الوقت نفسه يتناول بعض الكتاب المصريين مثل العقاد ومحمد السباعي. وقد ألف زكي مبارك كتابا تحت عنوان ليلي المريضة بالعراق وهو مجموعة مقالات نشرها بمجلة الرسالة من وحي قيامه بالعمل معارا بالعراق لمدة عام واحد، ويشير أبو الرضا الي أن زكي مبارك في هذا الكتاب يحاول ان يعالج عاطفة الحب بطريقة تتجاوز كتابات راسين الفرنسي وينقل عن علي الجارم رأيه في هذا الكتاب الذي يراه فنا جديدا نقل الغزل والتشبيب من الشعر الي النثر، ويضيف الدكتور سعد أبو الرضا أن زكي مبارك امتدت جهوده لمجال التحقيق فقد نشر كتاب زهر الآداب للحصري، والرسالة العذراء لابراهيم بن المدبر، وقدم له بمقدمة بالفرنسية عن فن الانشاء ومذاهب الكتاب في القرن الهجري.
ويشير أبو الرضا الي ان زكي مبارك خاض الكثير من المعارك الفكرية ومنها ما كان بينه وبين الرافعي، وكان في الوقت نفسه دائم الثناء علي نفسه وكتبه، وهي ظاهرة ـ حسب ابو الرضا ـ يعللها الشيخ عبدالعزيز الرفاعي بافتقاد زكي مبارك لتلاميذ في حينه ممن يمكن أن يتوبوا في الدفاع عنه، أما أبو الرضا نفسه فيوعز الأمر الي أن الرجل لم يكن يهادن أو يماليء أو يحيد عن الحق، مما جعله هدفا لبعض من لم يحسنوا التعامل مع فكره، وتقدير جهوده.
أما شوقي بدر يوسف فقد تناول كتاب مبارك ليلي المريضة بالعراق باعتباره منجزا في الابداع السردي الذي يختلف عما سبقه من اصدارات، باعتباره دفعة وجدانية وضع فيها الكاتب جوانب متعددة ومتشعبة من السرد القصصي والشعر الوجداني والسخرية المرة والتمرد علي الواقع والتحدي لكل من وقفوا أمامه.
زكي مبارك الذي خرج
علي التصنيف الشعري كغيره
من الصناع
أما شعرية زكي مبارك فقد تناولتها عدة أوراق قدمها المؤتمر بدأت بورقة للدكتور حسن فتح الباب الذي رصد ملمح الاطناب في شعر زكي مبارك باعتباره ملمحا يعود الي الثقافة الواسعة المتشعبة، حيث يصفه بأنه كان من أكبر المثقفين في عصره، غير ان حسن فتح الباب يلوم زكي مبارك علي ظاهرة التكرار اللغوي في شعره رغم انه يرد هذه الظاهرة الي الشعر العربي القديم لا سيما لدي مالك بن الريب في مرثيته لنفسه وحنينه الي موطنه في وادي الغضي، ويذكر حسن فتح الباب ان زكي مبارك دافع عن صيغة التكرار بأن مرجعها هو القرآن الكريم بالاضافة الي شيء آخر له علاقة بالطبيعة الوظيفية لزكي مبارك كمعلم لسنوات طويلة، ويرصد حسن فتح الباب تعدد موضوعات قصائده بسبب سعة الخيال والقلق والشرود الذهني، وكذلك يرصد تضفير الشاعر في قصائده بين الفصحي والعامية سواء كان ذلك في الشعر أو المقالة بالاضافة الي إحيائه للمفردات غير المألوفة في كثير من قصائده وكذلك التجديد في النظام العروضي وتنويع القافية.
اما الورقة التي قدمها الشاعر فاروق شوشة فتناولت طغيان شهرة زكي مبارك ككاتب وناقد علي مكانته كشاعر، مثلما حدث مع العقاد، وكذلك صعوبة تصنيف زكي مبارك بين شعراء عصره ووضعه في اطار تيار شعري بعيد عن الفعالية، ذلك ان شعره يتجلي أحيانا في صورة ما يسمي بالكلاسيكية الجديدة مثل قرنائه اسماعيل صبري وأحمد شوقي وحافظ ابراهيم، وأحيانا خليل مطران، ويقول فاروق شوشة: قد يقترب زكي مبارك من النهج الرومانسي عند شعراء جماعة أبوللو مثل ناجي وأبي شادي وأحمد رامي غير انه في احيان اخري يكون اقرب الي نهج جماعة الديوان وهم العقاد وشكري والمازني، ويشير شوشة ايضا الي تلك النزعة الاستطرادية التي اشار اليها حسن فتح الباب وأطلق عليها الإطناب ، ويري شوشة ان هذه النزعة جعلت مبارك ـ في الكثير من كتاباته لا يركز علي موضوع أساسي، بل تتشعب الأمور والقضايا والاهتمامات، ويرد شوشة هذه النزعة الي عدة أسباب منها ما يتصل بميل زكي مبارك الاستعراضي للاعلان عن مواهبه وقدراته وملكاته، وبعضها يوعزه الي حسه النقدي الساخر، المستهزيء بالآخرين والذي ـ يراه ـ جلب عليه عداوات وخصومات شتي وكثير منها لرغبة في احتواء العديد مما يتصل بمجال قوله الشعري في قبضة قصيدة واحدة لا تستطيع بالضرورة ان تتسع لكل شيء.
ويتساءل فاروق شوشة: هل لغة زكي مبارك الشعرية وتأرجحها الدائم بين نزعة بيانية واضحة ولغة جيدة مفصحة وفي نفس الوقت لغة يومية الي حد الصدمة، هل كل ذلك جعل من زكي مبارك شاعرا متفردا؟ يقول فاروق شوشة: ان هذه المستويات اللغوية المتعددة في ابداعه الشعري هي أحد الاسباب التي حجبت الرؤية المنصفة لشعره ولم تساعد علي وضوح النظرة الي هذا الشعر.
زكي مبارك المتصوف والزاهد
وحول موقفه الفلسفي ومكانته في الفكر العربي قدم الدكتور عاطف العراقي ورقة تحت عنوان زكي مبارك والفكر العربي الفلسفي، اشار العراقي الي دراسة مبارك وموقفه النقدي من الغزالي وكشفه عن تأثره تأثراً هائلا بالسابقين وكذلك كشف عن بعض تناقضات الغزالي في أكثر من مجال.
وفي كتابه عن التصوف الاسلامي في الأدب والأخلاق يتوقف الدكتور العراقي عند دراسة موسوعية وشاملة لهذا الموضوع لكنه يري أن مبارك كان عليه أن يحلل موضوعه تحليلا دقيقا لا سيما فيما يتعلق بالأفكار الخاصة بالهنود والفرس، وأيضا فكرة الجذب عند أفلوطين، ويقول: ان هذا التحليل كان ضروريا إذا أراد زكي مبارك أن يقدم لنا رأيا دقيقا وحاسما حول مصادر التصوف السني من جهة، والتصوف الفلسفي من جهة أخري وكيف ان التفرقة بين هذين النوعين من التصوف كانت ستؤدي به الي حل مشكلة مصادر التصوف الاسلامي، وخاصة إذا كان وضعنا في اعتبارنا أن التصوف السني إذا كان بالامكان رده الي المصدر الاسلامي وكما فعل ذلك ابن خلدون في مقدمته إلا أننا لا نستطيع ذلك بالنسبة للتصوف الفلسفي، إذ قد يبدو أن الصواب يتمثل في ارجاع التصوف الفلسفي الي بعض المصادر الأجنبية، وذلك لكي نبرر وجود مصطلحات كالفناء والحلول والاتحاد ووحدة الوجود والفناء والبقاء.
أما الدكتور عبدالحميد مدكور فقدم ورقة تحت عنوان زكي مبارك والتصوف بدأها باعترافه بالأثر الضخم الذي تركه مبارك وطاول به أبناء وأعلام عصره من المفكرين والأدباء والنقاد والشعراء ويري مدكور ان اهمية دراسات زكي مبارك في التصوف تأتي من أن اثنين منها كانا موضوعا لرسالتي دكتوراه الأولي كانت من الجامعة المصرية عام 1924 وكانت عن الاخلاق عنـد الغزالي والثانية كانت في عام 1937 وكانت عن التصوف الاسلامي في الأدب والاخلاق وينضم الي هذين المؤلفين كتابه المدائح النبوية ويتناول الاقباس الروحية التي بثها الاسلام في أرجاء الوجود، ولهذا يستحق هذا الجانب ـ حسب مدكور ـ دراسة موسعة، حيث كانت رسالة مبارك حول الغزالي أول دكتوراه تمنحها الجامعة المصرية.
ويرد الباحث هذه البواعث لدي مبارك الي نشأته الأولي وطبيعته والظروف التي احاطت بحياته التي وصفها بأنها قامت علي قواعد من الأحزان الثقال، وقد دفعته الي أنواع من الصراع والمنازلات التي خاض فيها حربا مع الناس ومع الزمان، كما دفعته الي شعور مرير بالغربة في كل مكان، وينقل عنه الدكتور مدكور قوله عن نفسه غريب في باريس، غريب في بغداد، غريب في سنتريس، وغريب في جميع البلاد، ان الغربة هي وطني الأول والأخير .
أما محمد علي عبدالعال فقدم ورقة بعنوان التصوف السياسي عند زكي مبارك وهي ورقة تتناول في معظمها الموقف الأخلاقي لزكي مبارك، لذلك يتناول الكاتب بالشرح معظم أعماله الدينية ويعدد خصاله التي تراوحت بين الصدق والصراحة والوضوح هو لم يتزلف لأحد علي حساب عقيدته وكانت له مواقف مشهودة في محاربة الزيف والنفاق وينقل الباحث عنه قوله لو كان للدين سلطان علي أرواح الناس لما رأينا شهود الزور يضللون القضاة بلا حياء ويقول الباحث: كان مبارك يمقت الرياء والمرائين ويعتبرهم بابا للخراب لأن الرياء يوحي بأنه لباقة وذكاء.
وقد حمل علي الذين يعتبرون أن الصراحة خلق بغيض، وأن النفاق يسمو بصاحبه أحيانا الي أرفع الدرجات، ويشير الباحث ايضا الي تحذير زكي مبارك من النفاق الذي يراه بأنه خليق بأن يأتي علي بناء الوطن من القواعد وعدم الإصغاء الي كل مشاء بنميم، ثم يوصي ـ حسب مدكور ـ بالحذر من مرض الحذلقة والمراءاة وافتعال النزاهة والإخلاص.




