douja_brada
09-19-2006, 12:12 PM
ابراهيم نصر الله
اتيح لي ان اشارك في جنازات عدد من الكتاب العرب الذين اعطوا الثقافة العربية والانسان العربي اجمل ما انجزه العرب في القرن العشرين، ودائما كنت اعود حزينا وساخرا وانا اهمس لهذا الصديق او ذاك: انها جنازات لا تشجع المرء ان يموت!!
لا اريد ان اتحدث عن اسماء بعينها، لان عدد الحضور لم يكن في اي يوم ما مؤشرا علي الاهمية الابداعية لهؤلاء الراحلين، بقدر ما يشير الي مأساة حضارية تعصف بالعقل العربي والوجدان العربي والمعني الذي تحتله الثقافة في حياتنا، وفي احوال كثيرة من هذه الجنازات كان الشيء الاكثر وضوحا هو ثقافة الكراهية التي تسكن وتتغلغل عميقا في نفوس عدد لا يستهان به من اصحاب (المهنة) الواحدة، الذين لم نعد قادرين علي ان نطلق عليهم اصحاب القضية الواحدة او الهم المشترك او رفاق الطريق الصعب من اجل كرامة الانسان وحرية الكلمة، في حالات كثيرة للاسف.
كانت كل جنازة تحمل في جوهرها جرحين عميقين: الاول هو ذلك الجرح الذي يصيب الروح بسبب الخسارة الانسانية والروحية والابداعية الناجمة عن هذا الفقدان، مبكرا كان او غير ذلك، والجرح الثاني قائم في رؤية هذا العدد القليل من الناس الذي يوصف عادة بانه (اصدقاء الراحل ورفاق دربه)، لكن الحقيقة تثبت غالبا ان معظم الحضور من بسطاء اقاربه وجيرانه الذين يشغلهم بصورة اولي غياب عزيز اكثر مما يدميهم غياب قيمة ابداعية اعطت العالم العربي اجمل وافضل ما لديها.
لم يكن هذا الحديث بحاجة الي مناسبة، ولكنه يجيء في ايام ودّعنا فيها نجيب محفوظ، وقد انتظرت كما انتظر غيري ان تكون جنازته واحدة من اعظم جنازات الكبار في العالم العربي، لكن النتيجة كانت حزينة الي ابعد الحدود ومخيبة لآمالنا ومخيبة لامل واحد من اهم المثقفين العرب الذين تفاءلوا بجنازة تليق بالراحل الكبير وابداعه المتنوع العميق والاستثنائي، وأعني هنا الدكتور جابر عصفور الذي كتب في صبيحة اليوم الذي شيّع فيه محفوظ الي مثواه (تخرج مصر صباح اليوم عن بكرة ابيها، مواطنيها ومثقفيها، يودعون نجيب محفوظ (المولود عام 1911) رمزهم الادبي الاكبر الذي تشاركهم في تقديره الاقطار العربية كلها، والمؤسسات والتجمعات الفكرية والابداعية علي امتداد العالم، وذلك منذ ان انتزع ابداع محفوظ، للمرة الاولي في تاريخ العرب المعاصر، جائزة نوبل التي كان حصوله عليها حدثاً تاريخياً نقل موقع الادب العربي الي صدارة المشهد الادبي العالمي، وفتح الابواب المغلقة امام نقل الاعمال الادبية، خصوصاً الرواية، الي لغات العالم الحية. ومن يومها تشهد حركة الترجمة الادبية، في محافلها الدولية، اقبالاً متزايداً علي الترجمة من اللغة العربية للاعمال الروائية التي كتبتها اجيال متعددة، استمر حضورها الابداعي وتواصل، بعد ان قبست النار المقدسة التي اشعلتها اعمال محفوظ علي امتداد الارض العربية... وكان ذلك في مسيرة استثنائية رادها عقل فذ، قادر علي ان يجمع الرؤي الكونية في رموز لا نهاية لثرائها، تبهر القراء بقدرتها علي ان تجعل من الحارة المصرية تكثيفاً مصغراً للكون، باسراره الفيزيقية والميتافيزيقية التي لم يتوقف نجيب محفوظ عن قرعها بالسؤال تلو السؤال).
يكثف قول الدكتور جابر عصفور كثيرا مما قاله الكتاب العرب في هذا الرحيل، لكن هذا القول يُجرح بنتيجة حزينة لا توقَّعها هو ولا توقَّعها احد في العالم العربي ابدا.
وفي هذا ما يصيب المرء في الصميم.
ما الذي كان يمكن ان يقوله نجيب محفوظ لو انه رفع طرف نعشه لُيلقي النظرة الاخيرة علي اصدقائه وعلي اولئك الذين كتب عنهم ولهم وكرس حياته كلها ليقطِّر تجاربهم الروحية والانسانية والوطنية ومسيرة حياتهم، لا في القرن العشرين فقط بل في ذلك العهد البعيد (الفرعوني) حين ابدع عددا من رواياته الاولي حول ذلك الفجر الاول (فجر الضمير)؟!
ما الذي كان سيقوله، حين يري ان عدد الحضور كان اقل من شخصيات رواية واحدة من رواياته مثل (الحرافيش) مثلا؟
ما الذي كان يمكن ان يقوله حين لا يجد مصر هناك في وداعه.
(السيد المعروف بالحاج صبري ، طويل القامة، سبعيني بدأت ملامح شيخوخة مبكرة تنفذ الي شيء من بصره وسمعه يكاد يمثّل صورة الموظف المصري كما رسمه الاديب الكبير الراحل نجيب محفوظ في العديد من رواياته ، فقد كان موظفا عاديا يعمل في نادي القصة المصري مما سمح له بالاحتكاك عن مسافة معينة بكبار الكتاب المصريين والالمام ايضا بخبايا عالم الادب المصري من حياة الكتاب وعاداتهم وانتهاء بالنميمة، وقد ساقه القدر عام 1988 وبعد حصول محفوظ علي جائزة نوبل الي ان يكون جزءا من حياة الكاتب الكبير اليومية، كانت البداية في ان يقرأ لمحفوظ الذي لم يعد قادرا علي الرؤية تماما، الجرائد والمجلات المصرية ثلاث مرات اسبوعيا في مكتبه بجريدة الاهرام، وبعد ان هاجم متطرف اصولي محفوظ عام 94 لزم محفوظ بيته ولازم الحاج صبري صباحات الكاتب الكبير في بيته ليقرأ له الجرائد يوميا ومع الايام اتسعت مهمة الحاج صبري ولم يكتف بالقراءة بل اصبح كاتبا لما يمليه عليه نجيب محفوظ من احلامه التي كانت تأتيه في المنام ثلاث مرات اسبوعيا وقد نُشر جزء من هذه الاحلام تحت عنوان احلام النقاهة ولكن مئات الاحلام لا تزال بخط الحاج صبري تنتظر طريقها الي النشر).
جريدة الدستور الاردنية التقت الحاج صبري الذي تحدّث عن علاقته بالراحل الكبير فقال: الي جانب الصفحات الثقافية كان يصر علي قراءة صفحة الوفيات وكان يسميها بصفحة الواجب وكان حريصا علي ارسال التعازي لكلّ من عرفه حتي وان كانت معرفته بهذا الشخص سطحية ولو قابله مرة او اثنتين.
يتحدث الحاج صبري الذي دوّن اكثر من خمسمائة حلم من احلام محفوظ عن حلم محفوظ بالموت والنهايات واحلامه عن نفسه، ولعل في ذلك اجابة بالغة الحزن عن سؤالنا الذي طرحناه: ما الذي كان يمكن ان يقوله حين لا يجد مصر هناك في وداعه؟
يقول محفوظ حول فكرة الوفاة والموت (يا له من بهو عظيم يتلألأ نورا وجدتني فيه مع اخوتي واخواتي واعمامي واخوالي وابنائهم وبناتهم ثم جاء اصدقاء الجمالية واصدقاء العباسية والحرافيش وراحوا يغنون ويضحكون حتي بحت حناجرهم ويرقصون حتي كلّت اقدامهم ويتحابون حتي ذابت قلوبهم والآن جميعهم يرقدون في مقابر تاركين وراءهم صمتا ونذيرا بالنسيان وسبحان من له الدوام).
يحدد نجيب هنا طبيعة اولئك الذين التفوا حوله، لكن المفارقة ايضا تكمن في ان هؤلاء موتي!! يضيء الوصف الصحافي لجنازة محفوظ مساحة معتمة، الوصف الذي لم اصدقه في الصحيفة الاولي، فذهبت باحثا عن صحيفة ثانية وثالثة قد تشير الي ان حلم محفوظ قد كذب عليه!! يقول الخبر (شيعت مصر امس الاديب العالمي الكبير نجيب محفوظ في جنازة عسكرية اعقبت جنازة شعبية لم تكن بالحشد الذي توقعه اهل حي الحسين الشعبي لرمز يفتخرون به اذ لم يزد عدد الحاضرين علي 200 مواطن بينهم بعض اصدقائه)!
ورغم ان عنوان الخبر الذي تصدر الصفحة الاولي يقول (الدولة خطفت جنازة محفوظ من الشعب فشيّعه مائتا شخص فقط) الا ان الامر كله يفضي الي مرثاة لواقع عربي عام، حين تقرأ تصريح احدي المواطنات المصريات للصحيفة ذاتها، معللة سبب اختفاء الشعب من الجنازة (ان موعدها مبكر جدا بالنسبة للبعض ـ العاشرة بتوقيت القاهرة) في حين يعلق المراسل الصحافي ان الناس سهروا طول الليل لمشاهدة نقل تمثال رمسيس الثاني فجر الجمعة الماضي من وسط القاهرة والذي احتفل به ما لا يقل عن مليون مواطن في رحلة بلغ طولها 30 كيلومترا حتي موقعه الجديد امام هضبة الاهرام!!
تستدعي جنازة محفوظ تلك الواقعة الشهيرة التي تحدّث عنها الفيلم الوثائقي الجميل والذكي الذي اُنتج عن رواية البؤساء، الفيلم الذي تتبع رحلة الرواية في الادب والسينما والمسرح والموسيقي، كما تتبع فكرة (البؤس) عبر التاريخ وصولا لنهايات القرن العشرين، لكن الذي يهمنا هو تلك المعلومة التي تشير الي ان مليون فرنسي خرجوا في جنازة فكتور هوغو عام 1885!!! ولا اظن ان عدد سكان فرنسا في ذلك اليوم، كان يوازي نصف عدد سكان مصر الآن، بل لعله لم يكن يساوي عدد سكان القاهرة الآن ايضاً، كما لا اظن ان نجيب محفوظ كان اقل عظمة من صاحب البؤساء بحيث يغيب هذا العدد، علي الاقل، عن جنازته.
ليست هذه محاولة للنيل من احد ابداً ولكنها محاولة لرثاء النفس قبل الاوان، محاولة لرثاء الكتابة والكتاب والمبدعين والابداع، محاولة لرثاء ذلك الزمن الذي انقضي دون عودة، الزمن الذي كانت الجماهير فيه هي التي تنتزع جثامين ابطالها من بين يدي السلطات الرسمية لتشيّعهم بالطريقة التي يستحقونها والاناشيد التي يستحقونها والحب الذي يستحقونه.
يملي نجيب محفوظ علي الحاج صبري ذلك الحلم المفزع الذي لا يخفف من حدته حتي ذلك الحضور البهي لتلك الفتاة الجميلة!!
يقول الحلم (تأبطت الجميلة الشابة ذراعي ووقفنا الي بائع الكتب الذي يفرش الارض بكتبه ورأيت كتبي تشغل مساحة كبيرة، تناولتُ كتابا وقلَّبتُ غلافه ففوجئتُ بانني لم اجد سوي ورق ابيض فتناولتُ كتابا اخر وهكذا جميع الكتب، لم يبق منها شيء، فنظرتُ الي فتاتي ورأيتها تنظر الي برثاء).
لست ادري، هل كان علي الفتاة ان تنظر الي نجيب محفوظ برثاء ام تنظر الي نفسها والي كل من حولها برثاء، بحيث يمكننا القول بأسي: يبدو ان نجيب محفوظ لم (يذهب لمعانقة البياض) كما جاء في احد العناوين الجميلة، بقدر ما ذهب مجروحا بهذا البياض.
ہہہ
ليست هذه مناسبة، لان الموت ليس مناسبة، والجحود ليس مناسبة، والكراهية ليست مناسبة، في زمن بات فيه كثير من الكتاب ينتظرون خبر رحيل زملائهم بلهفة اكبر من انتظارهم لصدور عمل ابداعي لهؤلاء الزملاء، وبات القتل شريعة هذا الوسط (الحساس، الواعي، الانساني، الذكي، الشفاف) الذي تجاوز كثير منه الخمسين عمرا ولكنه ما زال متشبثا بهذا الحجم المرعب من الكراهية والنميمة والكذب، بحيث بات علي استعداد ان يشيع عديد الزملاء الي قبورهم عشر مرات في اليوم، اما حين يموت هؤلاء الزملاء فان هؤلاء غير مستعدين للسير خطوة واحدة في الجنازة، اللهم، الا اذا ارادوا ان يكونوا علي يقين اعمق من ان الميت قد مات فعلا!!
ہہہ
جنازة محفوظ، ليست مناسبة بل هي السؤال الاكثر قتامة: كم عدد الذين سيسيرون بعد اليوم في جنازاتنا؟
... ...
سر في جنازتك وحيدا
لا تنتظر احدا
لان العالم كله فيك
سر في جنازتنا وحدك
كنت دائما الاكثر
شاعر وكاتب من الاردن
اتيح لي ان اشارك في جنازات عدد من الكتاب العرب الذين اعطوا الثقافة العربية والانسان العربي اجمل ما انجزه العرب في القرن العشرين، ودائما كنت اعود حزينا وساخرا وانا اهمس لهذا الصديق او ذاك: انها جنازات لا تشجع المرء ان يموت!!
لا اريد ان اتحدث عن اسماء بعينها، لان عدد الحضور لم يكن في اي يوم ما مؤشرا علي الاهمية الابداعية لهؤلاء الراحلين، بقدر ما يشير الي مأساة حضارية تعصف بالعقل العربي والوجدان العربي والمعني الذي تحتله الثقافة في حياتنا، وفي احوال كثيرة من هذه الجنازات كان الشيء الاكثر وضوحا هو ثقافة الكراهية التي تسكن وتتغلغل عميقا في نفوس عدد لا يستهان به من اصحاب (المهنة) الواحدة، الذين لم نعد قادرين علي ان نطلق عليهم اصحاب القضية الواحدة او الهم المشترك او رفاق الطريق الصعب من اجل كرامة الانسان وحرية الكلمة، في حالات كثيرة للاسف.
كانت كل جنازة تحمل في جوهرها جرحين عميقين: الاول هو ذلك الجرح الذي يصيب الروح بسبب الخسارة الانسانية والروحية والابداعية الناجمة عن هذا الفقدان، مبكرا كان او غير ذلك، والجرح الثاني قائم في رؤية هذا العدد القليل من الناس الذي يوصف عادة بانه (اصدقاء الراحل ورفاق دربه)، لكن الحقيقة تثبت غالبا ان معظم الحضور من بسطاء اقاربه وجيرانه الذين يشغلهم بصورة اولي غياب عزيز اكثر مما يدميهم غياب قيمة ابداعية اعطت العالم العربي اجمل وافضل ما لديها.
لم يكن هذا الحديث بحاجة الي مناسبة، ولكنه يجيء في ايام ودّعنا فيها نجيب محفوظ، وقد انتظرت كما انتظر غيري ان تكون جنازته واحدة من اعظم جنازات الكبار في العالم العربي، لكن النتيجة كانت حزينة الي ابعد الحدود ومخيبة لآمالنا ومخيبة لامل واحد من اهم المثقفين العرب الذين تفاءلوا بجنازة تليق بالراحل الكبير وابداعه المتنوع العميق والاستثنائي، وأعني هنا الدكتور جابر عصفور الذي كتب في صبيحة اليوم الذي شيّع فيه محفوظ الي مثواه (تخرج مصر صباح اليوم عن بكرة ابيها، مواطنيها ومثقفيها، يودعون نجيب محفوظ (المولود عام 1911) رمزهم الادبي الاكبر الذي تشاركهم في تقديره الاقطار العربية كلها، والمؤسسات والتجمعات الفكرية والابداعية علي امتداد العالم، وذلك منذ ان انتزع ابداع محفوظ، للمرة الاولي في تاريخ العرب المعاصر، جائزة نوبل التي كان حصوله عليها حدثاً تاريخياً نقل موقع الادب العربي الي صدارة المشهد الادبي العالمي، وفتح الابواب المغلقة امام نقل الاعمال الادبية، خصوصاً الرواية، الي لغات العالم الحية. ومن يومها تشهد حركة الترجمة الادبية، في محافلها الدولية، اقبالاً متزايداً علي الترجمة من اللغة العربية للاعمال الروائية التي كتبتها اجيال متعددة، استمر حضورها الابداعي وتواصل، بعد ان قبست النار المقدسة التي اشعلتها اعمال محفوظ علي امتداد الارض العربية... وكان ذلك في مسيرة استثنائية رادها عقل فذ، قادر علي ان يجمع الرؤي الكونية في رموز لا نهاية لثرائها، تبهر القراء بقدرتها علي ان تجعل من الحارة المصرية تكثيفاً مصغراً للكون، باسراره الفيزيقية والميتافيزيقية التي لم يتوقف نجيب محفوظ عن قرعها بالسؤال تلو السؤال).
يكثف قول الدكتور جابر عصفور كثيرا مما قاله الكتاب العرب في هذا الرحيل، لكن هذا القول يُجرح بنتيجة حزينة لا توقَّعها هو ولا توقَّعها احد في العالم العربي ابدا.
وفي هذا ما يصيب المرء في الصميم.
ما الذي كان يمكن ان يقوله نجيب محفوظ لو انه رفع طرف نعشه لُيلقي النظرة الاخيرة علي اصدقائه وعلي اولئك الذين كتب عنهم ولهم وكرس حياته كلها ليقطِّر تجاربهم الروحية والانسانية والوطنية ومسيرة حياتهم، لا في القرن العشرين فقط بل في ذلك العهد البعيد (الفرعوني) حين ابدع عددا من رواياته الاولي حول ذلك الفجر الاول (فجر الضمير)؟!
ما الذي كان سيقوله، حين يري ان عدد الحضور كان اقل من شخصيات رواية واحدة من رواياته مثل (الحرافيش) مثلا؟
ما الذي كان يمكن ان يقوله حين لا يجد مصر هناك في وداعه.
(السيد المعروف بالحاج صبري ، طويل القامة، سبعيني بدأت ملامح شيخوخة مبكرة تنفذ الي شيء من بصره وسمعه يكاد يمثّل صورة الموظف المصري كما رسمه الاديب الكبير الراحل نجيب محفوظ في العديد من رواياته ، فقد كان موظفا عاديا يعمل في نادي القصة المصري مما سمح له بالاحتكاك عن مسافة معينة بكبار الكتاب المصريين والالمام ايضا بخبايا عالم الادب المصري من حياة الكتاب وعاداتهم وانتهاء بالنميمة، وقد ساقه القدر عام 1988 وبعد حصول محفوظ علي جائزة نوبل الي ان يكون جزءا من حياة الكاتب الكبير اليومية، كانت البداية في ان يقرأ لمحفوظ الذي لم يعد قادرا علي الرؤية تماما، الجرائد والمجلات المصرية ثلاث مرات اسبوعيا في مكتبه بجريدة الاهرام، وبعد ان هاجم متطرف اصولي محفوظ عام 94 لزم محفوظ بيته ولازم الحاج صبري صباحات الكاتب الكبير في بيته ليقرأ له الجرائد يوميا ومع الايام اتسعت مهمة الحاج صبري ولم يكتف بالقراءة بل اصبح كاتبا لما يمليه عليه نجيب محفوظ من احلامه التي كانت تأتيه في المنام ثلاث مرات اسبوعيا وقد نُشر جزء من هذه الاحلام تحت عنوان احلام النقاهة ولكن مئات الاحلام لا تزال بخط الحاج صبري تنتظر طريقها الي النشر).
جريدة الدستور الاردنية التقت الحاج صبري الذي تحدّث عن علاقته بالراحل الكبير فقال: الي جانب الصفحات الثقافية كان يصر علي قراءة صفحة الوفيات وكان يسميها بصفحة الواجب وكان حريصا علي ارسال التعازي لكلّ من عرفه حتي وان كانت معرفته بهذا الشخص سطحية ولو قابله مرة او اثنتين.
يتحدث الحاج صبري الذي دوّن اكثر من خمسمائة حلم من احلام محفوظ عن حلم محفوظ بالموت والنهايات واحلامه عن نفسه، ولعل في ذلك اجابة بالغة الحزن عن سؤالنا الذي طرحناه: ما الذي كان يمكن ان يقوله حين لا يجد مصر هناك في وداعه؟
يقول محفوظ حول فكرة الوفاة والموت (يا له من بهو عظيم يتلألأ نورا وجدتني فيه مع اخوتي واخواتي واعمامي واخوالي وابنائهم وبناتهم ثم جاء اصدقاء الجمالية واصدقاء العباسية والحرافيش وراحوا يغنون ويضحكون حتي بحت حناجرهم ويرقصون حتي كلّت اقدامهم ويتحابون حتي ذابت قلوبهم والآن جميعهم يرقدون في مقابر تاركين وراءهم صمتا ونذيرا بالنسيان وسبحان من له الدوام).
يحدد نجيب هنا طبيعة اولئك الذين التفوا حوله، لكن المفارقة ايضا تكمن في ان هؤلاء موتي!! يضيء الوصف الصحافي لجنازة محفوظ مساحة معتمة، الوصف الذي لم اصدقه في الصحيفة الاولي، فذهبت باحثا عن صحيفة ثانية وثالثة قد تشير الي ان حلم محفوظ قد كذب عليه!! يقول الخبر (شيعت مصر امس الاديب العالمي الكبير نجيب محفوظ في جنازة عسكرية اعقبت جنازة شعبية لم تكن بالحشد الذي توقعه اهل حي الحسين الشعبي لرمز يفتخرون به اذ لم يزد عدد الحاضرين علي 200 مواطن بينهم بعض اصدقائه)!
ورغم ان عنوان الخبر الذي تصدر الصفحة الاولي يقول (الدولة خطفت جنازة محفوظ من الشعب فشيّعه مائتا شخص فقط) الا ان الامر كله يفضي الي مرثاة لواقع عربي عام، حين تقرأ تصريح احدي المواطنات المصريات للصحيفة ذاتها، معللة سبب اختفاء الشعب من الجنازة (ان موعدها مبكر جدا بالنسبة للبعض ـ العاشرة بتوقيت القاهرة) في حين يعلق المراسل الصحافي ان الناس سهروا طول الليل لمشاهدة نقل تمثال رمسيس الثاني فجر الجمعة الماضي من وسط القاهرة والذي احتفل به ما لا يقل عن مليون مواطن في رحلة بلغ طولها 30 كيلومترا حتي موقعه الجديد امام هضبة الاهرام!!
تستدعي جنازة محفوظ تلك الواقعة الشهيرة التي تحدّث عنها الفيلم الوثائقي الجميل والذكي الذي اُنتج عن رواية البؤساء، الفيلم الذي تتبع رحلة الرواية في الادب والسينما والمسرح والموسيقي، كما تتبع فكرة (البؤس) عبر التاريخ وصولا لنهايات القرن العشرين، لكن الذي يهمنا هو تلك المعلومة التي تشير الي ان مليون فرنسي خرجوا في جنازة فكتور هوغو عام 1885!!! ولا اظن ان عدد سكان فرنسا في ذلك اليوم، كان يوازي نصف عدد سكان مصر الآن، بل لعله لم يكن يساوي عدد سكان القاهرة الآن ايضاً، كما لا اظن ان نجيب محفوظ كان اقل عظمة من صاحب البؤساء بحيث يغيب هذا العدد، علي الاقل، عن جنازته.
ليست هذه محاولة للنيل من احد ابداً ولكنها محاولة لرثاء النفس قبل الاوان، محاولة لرثاء الكتابة والكتاب والمبدعين والابداع، محاولة لرثاء ذلك الزمن الذي انقضي دون عودة، الزمن الذي كانت الجماهير فيه هي التي تنتزع جثامين ابطالها من بين يدي السلطات الرسمية لتشيّعهم بالطريقة التي يستحقونها والاناشيد التي يستحقونها والحب الذي يستحقونه.
يملي نجيب محفوظ علي الحاج صبري ذلك الحلم المفزع الذي لا يخفف من حدته حتي ذلك الحضور البهي لتلك الفتاة الجميلة!!
يقول الحلم (تأبطت الجميلة الشابة ذراعي ووقفنا الي بائع الكتب الذي يفرش الارض بكتبه ورأيت كتبي تشغل مساحة كبيرة، تناولتُ كتابا وقلَّبتُ غلافه ففوجئتُ بانني لم اجد سوي ورق ابيض فتناولتُ كتابا اخر وهكذا جميع الكتب، لم يبق منها شيء، فنظرتُ الي فتاتي ورأيتها تنظر الي برثاء).
لست ادري، هل كان علي الفتاة ان تنظر الي نجيب محفوظ برثاء ام تنظر الي نفسها والي كل من حولها برثاء، بحيث يمكننا القول بأسي: يبدو ان نجيب محفوظ لم (يذهب لمعانقة البياض) كما جاء في احد العناوين الجميلة، بقدر ما ذهب مجروحا بهذا البياض.
ہہہ
ليست هذه مناسبة، لان الموت ليس مناسبة، والجحود ليس مناسبة، والكراهية ليست مناسبة، في زمن بات فيه كثير من الكتاب ينتظرون خبر رحيل زملائهم بلهفة اكبر من انتظارهم لصدور عمل ابداعي لهؤلاء الزملاء، وبات القتل شريعة هذا الوسط (الحساس، الواعي، الانساني، الذكي، الشفاف) الذي تجاوز كثير منه الخمسين عمرا ولكنه ما زال متشبثا بهذا الحجم المرعب من الكراهية والنميمة والكذب، بحيث بات علي استعداد ان يشيع عديد الزملاء الي قبورهم عشر مرات في اليوم، اما حين يموت هؤلاء الزملاء فان هؤلاء غير مستعدين للسير خطوة واحدة في الجنازة، اللهم، الا اذا ارادوا ان يكونوا علي يقين اعمق من ان الميت قد مات فعلا!!
ہہہ
جنازة محفوظ، ليست مناسبة بل هي السؤال الاكثر قتامة: كم عدد الذين سيسيرون بعد اليوم في جنازاتنا؟
... ...
سر في جنازتك وحيدا
لا تنتظر احدا
لان العالم كله فيك
سر في جنازتنا وحدك
كنت دائما الاكثر
شاعر وكاتب من الاردن




