yasser_x
09-12-2006, 04:24 AM
الرئيس مبارك ليس على رأسه ريشة، وليس إلها ولا نصف إله، ولاهو سيدنا الحسين ولا السيدة زينب، بل بشرا يخطئ غالبا فيما نظن، ليس عمدة ولا كبير عائلة، وإنما موظف عام يباح فى حقه النقد وإلى أبعد حد، تتيحه حريات الصحافة بالمعايير المعترف بها دوليا.
الرئيس مبارك موظف عام، والنقد مباح فى حق الموظف العام بأوسع من المواطن العادى، صحيح أن الرئيس لا يفقد صفة المواطن العادى، له حق الشكوى وله حقوق التقاضى، وتماما كالمواطن العادى، لكن الرئيس ـ كموظف عام ـ يختلط فى حاله الشخصى بالعام، خصوصا لو كانت إقامته فى الرئاسة طويلة، كما هو حال مبارك، وتتسع فى حاله دائرة النقد المباح، وبعض ما يمكن أن يعد سبا فى حق المواطن العادى، ليس كذلك فى حق الموظف العام، هذه بداهات العقل، وهى ـ أيضا ـ صحيح القانون، أحكام محكمة النقض المصرية تؤكد القاعدة، ومساءلات البرلمان والصحافة فى الدنيا المحترمة تتسع لما هو أكثر، ولابد أن مبارك سمع عن وصف بوش فى صحافة أمريكا بالأحمق والغبى والجاهل، أو وصف بلير فى الصحافة البريطانية بالكذاب وذيل الكلب، لابد أن مبارك سمع، ولابد أن المجلس الأعلى للصحافة سمع، ولابد أن كلاب الصيد التى تنبح ضد >الكرامة< الآن قد سمعت، ولم يسمع أحد أن بوش ـ مثلا ـ أغلق صحيفة لأنها انتقدته بما يستحق، ولا أن بلير دبر اعتداء على صحفى لأنه يضايقه، ولا أن الرئيس ـ فى أى دولة ديمقراطية ـ غضب من شىء فادعى أن الرأى العام هو الذى غضب، أو ساوى بين شخصه والوطن على طريقة المرحوم السادات، فبوش ليس أمريكا، وبلير ليس بريطانيا، ومبارك ليس مصر ذات السبعة آلاف سنة حضارة.
الرئيس مبارك سلطة، وكل سلطة تقابلها مساءلة، وسلطات الرئيس ـ بنص الدستور ـ متضخمة جدا، وفى الممارسة تبدو السلطات شبه إلهية، فنظامنا السياسى ـ إن صح وصفه بالنظام ـ يدور حول فرد هو الرئيس، الرئيس هو الذى يعين الكل، من الوزير إلى العمدة، ومن المحافظ إلى شيخ الخفر، ورئيس الوزراء ـ عندنا ـ ليس كذلك، إنه أشبه بكبير ياوران سياسى، مجرد موظف كبير صادفه حظه، وقائم على إدارة الاجتماعات، ورعاية سياسة ليست سياسته، فهو يعمل بتكليفات الرئيس، وأولوياته هى أولويات الرئيس، وبقاؤه من زواله بحسب مزاج الرئيس، ولا يجوز ـ خلقا ولا قانونا ـ أن نسائل الموظف وننسى المدير، أن نسائل الخولى ونعفى صاحب العزبة، فكل اختيارات السياسة والاقتصاد والمجتمع من صنع الرئيس، وكل اخفاق ينسب إليه، والمؤكد ـ بظاهر وباطن الحال ـ أننا انتهينا إلى إخفاق وأزمة مرعبة، انتهينا إلى شفط وتجريف بلد مكانة وثروة ودورا، انتهينا إلى دهس المصريين بالقهر والفقر والحرق والغرق، انتهينا إلى بلد فى مأتم، وانتهينا إلى شعب فى مأساة، وبديهى أن المأساة من صنع الرئيس أولا، خصوصا لو كان عمر الرئاسة قد امتد به إلى 25 سنة وتزيد، فهل نسائل السيد رئيس الوزراء ـ مثلا ـ عما جرى، ومن هو رئيس الوزراء المقصود؟، هل هو فؤاد محىى الدين الذى انتقل ـ قبل عقدين ـ لرحمة الله؟ أم عاطف صدقى الذى لحق لجواره؟ أم عاطف عبيد الذى ذهب للمصرف العربى؟! أم أحمد نظيف الذى يحزم حقائبه؟ كلهم ـ بالطبع ـ شاركوا بالنصيب الأصغر فى المسئولية عما جرى، لكن النصيب الأكبر ـ الأصلى لا الفرعى ـ يبقى من حق الرئيس، فهو الرئيس الفعلى للحكومات ما سبق منها ويلحق، وهو صاحب السلطان والمحل الأولى بالنقد.
الرئيس مبارك صاحب سلطة لا صاحب حصانة، الرئيس مبارك محكوم بالقانون مثلنا تماما، وحرية الصحافة ليست منحة من أحد، فالحرية التى تُمنح تُمنع، والحرية التى تكتسب تبقى وتدوم، ونحن ـ لا سمح الله ـ لا ندعى العصمة، ولا نقبل ـ بالقدر نفسه ـ أن يدعى أحد لنفسه العصمة، فالرئيس مبارك ليس المعصوم ولا النبى، إنه محض موظف عام جرت به المقادير إلى مقام الرئاسة الرفيع، وحقنا أن ننتقده ـ ولأوسع مدى ـ وفاء لشرط الضمير، وأن نعلق تاريخه فى رقبته كما الجرس فى رقبة القط، لا يغرينا ذهب ولا يخيفنا السيف.
د/عبد الحليم قنديل - رئيس التحرير التنفيذي لجريدة الكرامة المصرية
الرئيس مبارك موظف عام، والنقد مباح فى حق الموظف العام بأوسع من المواطن العادى، صحيح أن الرئيس لا يفقد صفة المواطن العادى، له حق الشكوى وله حقوق التقاضى، وتماما كالمواطن العادى، لكن الرئيس ـ كموظف عام ـ يختلط فى حاله الشخصى بالعام، خصوصا لو كانت إقامته فى الرئاسة طويلة، كما هو حال مبارك، وتتسع فى حاله دائرة النقد المباح، وبعض ما يمكن أن يعد سبا فى حق المواطن العادى، ليس كذلك فى حق الموظف العام، هذه بداهات العقل، وهى ـ أيضا ـ صحيح القانون، أحكام محكمة النقض المصرية تؤكد القاعدة، ومساءلات البرلمان والصحافة فى الدنيا المحترمة تتسع لما هو أكثر، ولابد أن مبارك سمع عن وصف بوش فى صحافة أمريكا بالأحمق والغبى والجاهل، أو وصف بلير فى الصحافة البريطانية بالكذاب وذيل الكلب، لابد أن مبارك سمع، ولابد أن المجلس الأعلى للصحافة سمع، ولابد أن كلاب الصيد التى تنبح ضد >الكرامة< الآن قد سمعت، ولم يسمع أحد أن بوش ـ مثلا ـ أغلق صحيفة لأنها انتقدته بما يستحق، ولا أن بلير دبر اعتداء على صحفى لأنه يضايقه، ولا أن الرئيس ـ فى أى دولة ديمقراطية ـ غضب من شىء فادعى أن الرأى العام هو الذى غضب، أو ساوى بين شخصه والوطن على طريقة المرحوم السادات، فبوش ليس أمريكا، وبلير ليس بريطانيا، ومبارك ليس مصر ذات السبعة آلاف سنة حضارة.
الرئيس مبارك سلطة، وكل سلطة تقابلها مساءلة، وسلطات الرئيس ـ بنص الدستور ـ متضخمة جدا، وفى الممارسة تبدو السلطات شبه إلهية، فنظامنا السياسى ـ إن صح وصفه بالنظام ـ يدور حول فرد هو الرئيس، الرئيس هو الذى يعين الكل، من الوزير إلى العمدة، ومن المحافظ إلى شيخ الخفر، ورئيس الوزراء ـ عندنا ـ ليس كذلك، إنه أشبه بكبير ياوران سياسى، مجرد موظف كبير صادفه حظه، وقائم على إدارة الاجتماعات، ورعاية سياسة ليست سياسته، فهو يعمل بتكليفات الرئيس، وأولوياته هى أولويات الرئيس، وبقاؤه من زواله بحسب مزاج الرئيس، ولا يجوز ـ خلقا ولا قانونا ـ أن نسائل الموظف وننسى المدير، أن نسائل الخولى ونعفى صاحب العزبة، فكل اختيارات السياسة والاقتصاد والمجتمع من صنع الرئيس، وكل اخفاق ينسب إليه، والمؤكد ـ بظاهر وباطن الحال ـ أننا انتهينا إلى إخفاق وأزمة مرعبة، انتهينا إلى شفط وتجريف بلد مكانة وثروة ودورا، انتهينا إلى دهس المصريين بالقهر والفقر والحرق والغرق، انتهينا إلى بلد فى مأتم، وانتهينا إلى شعب فى مأساة، وبديهى أن المأساة من صنع الرئيس أولا، خصوصا لو كان عمر الرئاسة قد امتد به إلى 25 سنة وتزيد، فهل نسائل السيد رئيس الوزراء ـ مثلا ـ عما جرى، ومن هو رئيس الوزراء المقصود؟، هل هو فؤاد محىى الدين الذى انتقل ـ قبل عقدين ـ لرحمة الله؟ أم عاطف صدقى الذى لحق لجواره؟ أم عاطف عبيد الذى ذهب للمصرف العربى؟! أم أحمد نظيف الذى يحزم حقائبه؟ كلهم ـ بالطبع ـ شاركوا بالنصيب الأصغر فى المسئولية عما جرى، لكن النصيب الأكبر ـ الأصلى لا الفرعى ـ يبقى من حق الرئيس، فهو الرئيس الفعلى للحكومات ما سبق منها ويلحق، وهو صاحب السلطان والمحل الأولى بالنقد.
الرئيس مبارك صاحب سلطة لا صاحب حصانة، الرئيس مبارك محكوم بالقانون مثلنا تماما، وحرية الصحافة ليست منحة من أحد، فالحرية التى تُمنح تُمنع، والحرية التى تكتسب تبقى وتدوم، ونحن ـ لا سمح الله ـ لا ندعى العصمة، ولا نقبل ـ بالقدر نفسه ـ أن يدعى أحد لنفسه العصمة، فالرئيس مبارك ليس المعصوم ولا النبى، إنه محض موظف عام جرت به المقادير إلى مقام الرئاسة الرفيع، وحقنا أن ننتقده ـ ولأوسع مدى ـ وفاء لشرط الضمير، وأن نعلق تاريخه فى رقبته كما الجرس فى رقبة القط، لا يغرينا ذهب ولا يخيفنا السيف.
د/عبد الحليم قنديل - رئيس التحرير التنفيذي لجريدة الكرامة المصرية



