ورود مقتطفة
08-13-2006, 12:22 PM
48 ساعة مع أعوان الجمارك بغرداية
مكافحة التهريب والإرهاب تحت درجة 45
أول يوم من عمر المغامرة
المصدر: ب· زينب
كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحا عندما تحركت قافلة الفرقة المتنقلة للجمارك إلى وجهة يعرفها قائد القافلة فقط·· بعد وقت من السير توقفت القافلة في مسالك جد وعرة وجبلية، قال خلالها النخي ''إنها وقفة جس النبض''، وأكد لنا أن المهربين ليسوا بأناس أغبياء وأنهم يستعملون في كل مرة حيلا متعددة ومختلفة·· لم تدم الوقفة طويلا حتى قال القائد ياسين الذي كان على متن السيارة التي كانت تقلنا ''دق يا نخي''·· في البداية لم نفهم ما كان يقصده بهذه العبارة، إلا بعد توقفنا الثاني لقضاء القيلولة وتناول وجبة الغذاء في وادي ''أديكل'' تحت أشعة الشمس الحارقة·· بضعة دقائق من التوقف وشددنا الرحال من جديد، ''حسيني'' السائق المرشد للقافلة من أصل ترفي عيناه الثاقبتان لم تتوقف من اللف والدوران وكأنه صقر، كما وصفه النخي، قبل الرحلة، بأنه ''ذئب الصحراء ولا تخفى عليه خافية وأنه عدو المهربين ولقد سبق لهم وأن أرادوا شراءه بمال كثير وعندما لم يفلحوا وضعوا هبة لمن يأتيهم برأسه ميتا أو حيا''، فمن حسن حظنا أنه هو الذي كان يقود السيارة التي كانت تقلنا طوال الرحلة·
ساعات وساعات من السير عبر مسالك وعرة·· في كل لحظة كان يخيل إلينا بأننا سنقع في كمين يدبّره المهربون في أي مكان من هذه الصحراء الشاسعة، وراء قمة جبل أو في إحدى الشعاب، خاصة وأن الجميع أكدوا لنا نشاط المافيا في المنطقة وخطورتها· وصلنا مع مغيب الشمس إلى منطقة ''تبقهين'' مرورا بقرية ''أقرنداي'' التي تسكنها قبائل التوارق في عرض الصحراء، وأنت تمر بهذه الأماكن تكتشف طبيعة هؤلاء السكان الذين يحبون العيش في مثل هذه المناطق الخالية من أبسط متطلبات الحياة·· بيوت من قش وطوب وأطفال يلعبون على أرض يصعب حتى على الجمال الركض عليها، وأشعة الشمس الحارقة من على رؤوسهم·
قبل أن تتوقف القافلة للمبيت في أول ليلة من رحلتنا، شرع كل سائق في البحث عن المكان الذي يخبئ فيه سيارته حتى لا يراها المهربون، وعندما تم ذلك قرر القائد المبيت في ذات المكان خاصة وأن عجلات سيارات المهربين من نوع ''ستايشن'' لا زالت آثارها ظاهرة للعيان، وكأن القائد قرر التوقف في هذا المكان وقضاء الليلة لينطلق في صباح الغد في متابعة آثار السيارات·· هذا الطريق، حسب النخي، يستعملونه المهربون للتوجه نحو المالي لتهريب البنزين·
قضى الجميع الليلة في هناء، خاصة وأن الفرقة لم تصادف المهربين، وتحت سماء صافية تشع بالنجوم وضوء القمر، كنا نسمع لـ''حسيني'' وهو يفسر كيف يعرف الطريق من خلال النجوم، وحكايته الغريبة مع النجمة ''القطبية'' التي يتسابق معها ''لأنها تغيب في ساعة مبكرة من الصباح، وإن غابت يمكنه الخروج عن الطريق ويتيه في الصحراء وبذلك يجب أن يسبقها وأن يكون أذكى منها''·
في صبيحة اليوم الثاني، كانت الحرارة تفوق الـ50 درجة والزوابع الرملية تهب في كل اتجاه عندما شددنا الرحال من جديد باتجاه وجهة أخرى، وكل ما سمعناه عنها أنها منطقة تقع في مفترق طريقين الأول يربط بين تمنراست ومالي والثاني بين برج باجي المختار وتيمياويين، كما أخبرنا المرافق بأن المهربين يكثفون نشاطهم بالليل على مستوى هذا الطريق المؤدي إلى مالي، وفي الطريق، وبالضبط على الساعة الواحدة زوالا، توقفت القافلة لقضاء القيلولة وتناول الغداء تحت حرارة قاتلة، لكن الغريب في الأمر أن الجمركيين لم يبدوا أي انزعاج من قرار قائدهم القاضي بالتوقف، لأنهم يعرفون جيدا ما يجب فعله وأنهم ليسوا في نزهة بل في مطاردة أشخاص خطيرين لن يترددون في استعمال أسلحتهم من أجل إيصال سلعهم المهربة نحو الوجهة المحددة مسبقا، كل هذه الأمور يعرفها القائد ورفاقه، ومن الواجب عليهم أن يأخذوا لأنفسهم أوقاتا من الراحة والاسترخاء حتى في عز المطاردة، لأن المهمة تتطلب دائما اليقظة والحذر، وهذا لن يتأتى إلا إذا كان الجمركي في كامل قواه العقلية والجسدية·· وهكذا لم يتردد عناصر الفرقة في أخذ نصيب من الراحة تتخللها لحظات من الضحك والمزاح ''إننا نحاول الترفيه عن أنفسنا بطريقة بسيطة بالإمكانيات المتاحة لنا لقهر الطبيعة التي لا ترحم لا الإنسان ولا الحيوان ولا حتى النبات''·· عبارات بسيطة رددها عنصر من الجمارك كان بالقرب منا، والذي لم يبد أي أسف على المهنة التي اختارها عن حب وقناعة كما قال ''لقد قطعت مئات الكيلومترات من أجل خدمة بلدي''·
بصعوبة قضينا الساعتين في المنطقة لنواصل المشوار نحو المنطقة التي تقرر نصب كمين فيها للمهربين، ونحن في الطريق نسير في أمان حتى انطلقت إحدى السيارات ذات الدفع الرباعي بسرعة وكأنها ''برق''، لم نفهم في الحين ماذا يحدث ولكن سرعان ما قال ''حسيني'' كعادته وبلهجته الترفية ''راح الشيباني راح'' لينطلق مسرعا من وراء السيارة الأولى حتى شاهدنا من بعيد سيارة من نوع ''ستايشن'' تسير بسرعة فائقة لم يرد صاحبها التوقف بالرغم من إشارات الإنذار التي كان يرسلها نحوه عناصر الجمارك·· في تلك اللحظات حسيني يأخذ رشاشه مصوبا إياه نحو السيارة قائلا ''إن لم يتوقف بعد هذه الإشارة الأخيرة سوف أرميه بالرصاص''، ليرد عليه قائده ''في العجلات من فضلك''، لم نفهم كيف وصلت سيارة أخرى للجمارك في الاتجاه المعاكس لنا، ليجد الرجل نفسه مجبرا على التوقف، توجه إليه ''علي'' وطلب منه وثائقه في الوقت الذي كان فيه زملاؤه منهمكين في تفتيش السيارة بكل عناية، وفي الوقت الذي تعين لهم أن السيارة لا تحمل أي شيء من الممنوعات سأله أحد الجمركيين لماذا لم تتوقف؟ ليرد الرجل ''لم أراكم ولم أرى الأضواء حتى شاهدت السيارة من أمامي''· لحسن حظ الرجل أنه كان يحمل وثائق سيارته ولم يكن على متنها أي من المواد المحظورة في المنطقة خاصة البنزين، ليخلوا سبيله مباشرة·
ونحن في طريق العودة أخبرنا حسيني بأن المهربين الليلة لن يتركونا في سلام، وهذا ما كان عليه حال الليلة الثانية·· مطاردات شرسة تواصلت إلى ساعة مبكرة من النهار الموالي، حتى أن الفرقة استغنت عن وجبة العشاء، فالمهمة أكبر من الأكل، كما قال أحد الجمركيين·· الملاحظة التي لفتت انتباهي وأنا أراقب الوضع أن الجمركيين فرضوا على أنفسهم برنامج حراسة شديدة بالتناوب، فالوضع لا يسمع بأية هفوة ''إنهم يروننا ويتابعون خطواتنا، لذا لا يجب أن نغفل'' أضاف الجمركي·· الحادثة التي سجلت حضورها خلال الرحلة هي تلك المطاردة التي شنها عناصر الجمارك لسيارة كان يقودها شاب في مقتبل العمر، دامت قرابة النصف من الساعة، وعندما أوقفه ''ذئب الصحراء'' حسيني قال له إنني لم أر الأضواء ولم أسمع حتى صفارة الإنذار، ولكن حسب حسيني هذا الجواب يردده الجميع خاصة المموهين -السيارة التي تنير الطريق للمهربين- ولكن هذا الأخير لم يكن يحمل وثائق سيارته ليجبره الجمركيون على السير معهم، كان الأمر عجيبا، حيث أمر رئيس الفرقة المتنقلة ''النخي'' بحبس الشاب الذي كان رفقة آخرين في وسط الصحراء وركن سيارته بالقرب من سيارات الجمارك وتفتيشها بعناية وخاصة البحث عن الهاتف النقال الذي يشغل عبر الساتل، لأنه حسب الرئيس كثيرا ما يجدون هواتف من هذا النوع في السيارات، وتكون مغلقة، وعندما يطلق سراحه يسارع للاتصال بالمهربين ويخبرهم بوضعية رجال الجمارك·
مرت الليلة وانتهت المطاردات ولم يبق لنا إلا العودة إلى مقر المديرية الجهوية للجمارك، ولكن هذه المرة عبر الطريق المعبد وفي سلام· إلا أن ما شاهدناه وما سمعناه من أفواه هؤلاء الشباب وعن معركتهم مع الحياة، وما قاله أحدهم وهو يتحدث عن صعوبة التنقل لرؤية أمه في الشمال، لا يمكن أن تمر عليه مرور الكرام ولن تكفيك لا الكتب والموسوعات لنقل معاناة هؤلاء في وسط الصحاري الخالية·
http://elkhabar.com/images/key4press/ph-18-photo-daoudi.jpg
كانت الساعة تشير إلى الواحدة زوالا إلا قليلا حين توجّهت بنا سيارات الجمارك إلى أقصى صحراء غرداية مدعومة بقوات من الجيش· المهمة محفوفة دوما بالمخاطر ولا بد من أخذ الاحتياطات والإعداد الجيد لها مثلما يقول عبد القادر لخضاري رئيس مفتشية أقسام الجمارك لغرداية بالنيابة· والإعداد الجيد ليس إلا اختيار عناصر ذات كفاءة عالية ومعرفة تامة بشعاب الصحراء و''عروقها'' والتزوّد بزاد لمهمة تمتد أحيانا لثمانية أيام بأيامها ولياليها يعيش فيها أعوان الجمارك أحلك الظروف وأقساها بوجود تهريب يتحول إلى إرهاب أحيانا وحرارة لا تنزل درجتها عن 45 درجة، فضلا عن مخاطر التعرّض للدغات العقارب والأفاعي وحشرات أخرى'' مثلما يقول عبد القادر رسيوي رئيس الفرقة المتنقلة المفتش الرئيسي للفرق·
وفي الطريق إلى أقصى صحراء الولاية على مسافة تزيد عن 250 كيلومتر خلت الطريق الرئيسية بين متليلي والبيض من الحركة ومن يقوى على الحركة في جو تجاوزت حرارته 45 درجة·· فلا حجر ولا شجر ولا بشر وأفق يرى على مدّ البصر·· سائق شاحنة نصف مقطورة أوقف شاحنته واستلقى تحتها يستظل بظلها، وعلى بعد كيلومترات شاحنة أخرى ذات ترقيم ولاية بومرداس كانت حاملة لبناء جاهز انقلبت، ليلا فيما يبدو، بأحد المنعرجات الخطرة أوحى منظرها أن من كان فيها قد لا يكتب لهم النجاة رغم أن الأعمار بيد الله·
على جانبي الطريق الطويلة التي لا يرى فيها سوى سراب يغري العطشان تتمايل كثبان من الرمال وتتنوع التربة بألوان مختلفة يقطعها وادي زرقون الذي تقرر أن ينجز فيه جسر يقي عابريه من فيضاناته التي تأتي على حين غرة·· وسجل المشروع وبقي بأدراج المكاتب· وغير بعيد عن الواد تنعطف القافلة يسارا حيث إشارة صغيرة مثبتة على الطريق تشير إلى وجود زاوية ''سيدي بلبكري العسكري''·· لم تكن ترى على بعد رغم أن الإشارة تؤكد وجودها على بعد ثلاث كيلومترات، فقد غطت الكثبان الرملية الذهبية الطريق إليها ولولا إطارات العجلات التي وضعت دليلا بالطريق لما اهتدى السائر إليها··
آثار العجلات·· دليل ''الإدانة''
من هذه الطريق الرملية تبدأ ''المغامرة مجهولة العواقب'' مثلما يصفها رئيس الفرقة· ولضمان نجاحها تتباعد سيارات القافلة، وهي من نوع تويوتا لكنها قديمة وبوضع سيئ وأحدثها تعود إلى سنة 1999 وتعهد قيادتها لأحد ''خبراء'' المنطقة ولم يكن أخبرهم سوى السائق ''ابراهيم· ش''·· هذا الأخير كان ''ظاهرة'' فإلى جانب مهنته كسائق ماهر فهو ميكانيكي محترف وخبير بشعاب المنطقة وكثبانها، ويصفه أصحابه بأنه ''جي· بي· أس'' حقيقي، فلا تحتاج الجماعة معه إلى خريطة أو هاتف الثريا لتحديد وضعية المجموعة''·
قال لي أنه يعرف المنطقة شبرا شبرا وحاسي بحاسي منذ كان صغيرا يهوم بالمنطقة يبحث عن الترفاس ويصطاد حيواناتها، وهي العملية التي يستغرقها في أيام تصل أحيانا إلى أسبوعين''·
أما قيادة الفرقة، فقد أوكلت للمفتش الرئيسي عبد القادر رسيوي المعروف بـ ''قادة'' الذي يصفه زملاؤه ورؤساؤه بـ''أنه أحد الركائز الأساسية للفرقة'' وكان ''السبب، بعد الله، في نجاة الفرقة من كمين إرهابي في سبتمبر الماضي بحاسي الفحل''، وكلاهما وبعض آخر من زملائهما متمرسون في معرفة تحركات المهربين·· ودليلهم في ذلك، يقول رئيس الفرقة أثار العجلات· والأغرب ما في الحكاية أن الجماعة تفرق بين آثار مضت عليها ساعة وأخرى مضى عليها نحو أسبوع·
تنطلق القافلة نحو ما يعرف محليا بـ''حاسي عبازة'' وهو عبارة عن بئر تم حفرها منذ سنين يلجأ إليها الجميع بينهم البدو الرحل ورعاة الإبل والمهربون أنفسهم بحثا عن قطرة ماء تقي ظمأهم·· المسافة إلى الحاسي ليست بعيدة لكن بلوغها يتطلب مشقة كبيرة وتجاوز كثبان رملية عديدة ذات علو كبير وقدرة على السياقة لتفادي حوادث وتعطلات بالرمل·· لم يكن وضعنا سيئا هذه المرة فقد سارت القافلة كما خطط لها وبلغت الحاسي بسلام·· للتو عاد منه راعيا إبل كانا يسقيان به إبلهما، ما إن رأونا حتى نزلوا منهما وبادروا بالتحية والسلام، شعثا كانا وأغبرين يكشف هندامهما حالة الفقر المدقع الذي أصابهما، لكن الابتسامة لا تفارق محياهما· ''هكذا هم هؤلاء القوم·· بسطاء وكرماء راضون بقدرهم لا تفارقهم الابتسامة رغم فقرهم الشديد'' يقول قادة مضيفا: ''يأتون إلى الحاسي من أقصى المنيعة بداية فصل الصيف في شهر جوان، يبحثون عن الحواسي لسقي إبلهم على أن يعودوا إلى موطنهم مع بداية الخريف''· أحدهما قال لي: ''نريد من الدولة أن تحفر لنا آبارا تسمح لنا بإرواء إبلنا·· فلا يعقل أن نقطع مسافة تزيد عن 250 كلم للبحث عن قطرة ماء، وربما ساء حالنا عندما نبلغ الحاسي فلا نعثر على شيء''· كانت الساعة في حدود السادسة مساء حين أخذ القوم مكانا للمبيت بينما اختار أفراد الجيش مكانا آخر غير بعيد·· حينها بدأ أفراد المجموعة بتولي مهام أخرى غير مهمتهم الرئيسية، فقد تسابق الشريف ومحمد ومعهما إبراهيم إلى جمع الحطب وتولى ''محمد· م'' عبر هاتف الثريا بإرسال رسائل إلى مقر المفتشية لإعلامهم بوضعية المجموعة، وهي المهمة التي يعاودها كل ساعتين·· وفي حين اشتغل كمال وعبد الله بأخذ موقعيهما في الحراسة واصطياد ''الورن'' وما يسمى محليا بـ''سمك الصحراء''، شرع صالح والهاشمي واسماعيل وخالد بمساعدة مفتاح في طهي العشاء الذي لم يكن سوى ''مقرونة'' و''سلطة'' وخبز وماء كان ختامه شاي مركّز ·· الصنعة التي لا يتقنها سوى أهل الصحراء·
شعر وسمر على ضوء القمر··
كان القمر في غير تمامه، وكان الخوف سيد المكان·· تصادف أن كانت ليلتنا الأولى التي نقضيها بالعراء مستلقين على رمال المنطقة باحثين عن متعة يقطع الأوروبيون لأجلها آلاف الكيلومترات، تصادف أن كان ضوء القمر ينبعث ويضيء المكان بقوة· يقول أحد أفراد المجموعة: ''أنتما محظوظان لأن القمر كان باستقبالكما''·
في أثنائها أخذ السائقان ''إبراهيم· ز'' و''الزاوي'' في التباري بإلقاء ما جادت عليهما قريحتهما من شعر ملحون·· فقد رثى أحدهما حاله مع سيارة ''''403 بينما وصف الثاني معاناته بمركز الخدمة الوطنية ببئر العاتر، وتحولت السهرة إلى سمر كشف فيه ''المميزان'' عن موهبتهما الشعرية نال فيها الغزل نصيبا كبيرا·· يقول أحدهما: ''في النهار عمل ومطاردة للمهربين، وفي الليل حراسة وسمر وضحك للتخفيف والترويح عن النفس''
http://elkhabar.com/images/key4press/hardaia-hmidtest.jpg
مكافحة التهريب والإرهاب تحت درجة 45
أول يوم من عمر المغامرة
المصدر: ب· زينب
كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحا عندما تحركت قافلة الفرقة المتنقلة للجمارك إلى وجهة يعرفها قائد القافلة فقط·· بعد وقت من السير توقفت القافلة في مسالك جد وعرة وجبلية، قال خلالها النخي ''إنها وقفة جس النبض''، وأكد لنا أن المهربين ليسوا بأناس أغبياء وأنهم يستعملون في كل مرة حيلا متعددة ومختلفة·· لم تدم الوقفة طويلا حتى قال القائد ياسين الذي كان على متن السيارة التي كانت تقلنا ''دق يا نخي''·· في البداية لم نفهم ما كان يقصده بهذه العبارة، إلا بعد توقفنا الثاني لقضاء القيلولة وتناول وجبة الغذاء في وادي ''أديكل'' تحت أشعة الشمس الحارقة·· بضعة دقائق من التوقف وشددنا الرحال من جديد، ''حسيني'' السائق المرشد للقافلة من أصل ترفي عيناه الثاقبتان لم تتوقف من اللف والدوران وكأنه صقر، كما وصفه النخي، قبل الرحلة، بأنه ''ذئب الصحراء ولا تخفى عليه خافية وأنه عدو المهربين ولقد سبق لهم وأن أرادوا شراءه بمال كثير وعندما لم يفلحوا وضعوا هبة لمن يأتيهم برأسه ميتا أو حيا''، فمن حسن حظنا أنه هو الذي كان يقود السيارة التي كانت تقلنا طوال الرحلة·
ساعات وساعات من السير عبر مسالك وعرة·· في كل لحظة كان يخيل إلينا بأننا سنقع في كمين يدبّره المهربون في أي مكان من هذه الصحراء الشاسعة، وراء قمة جبل أو في إحدى الشعاب، خاصة وأن الجميع أكدوا لنا نشاط المافيا في المنطقة وخطورتها· وصلنا مع مغيب الشمس إلى منطقة ''تبقهين'' مرورا بقرية ''أقرنداي'' التي تسكنها قبائل التوارق في عرض الصحراء، وأنت تمر بهذه الأماكن تكتشف طبيعة هؤلاء السكان الذين يحبون العيش في مثل هذه المناطق الخالية من أبسط متطلبات الحياة·· بيوت من قش وطوب وأطفال يلعبون على أرض يصعب حتى على الجمال الركض عليها، وأشعة الشمس الحارقة من على رؤوسهم·
قبل أن تتوقف القافلة للمبيت في أول ليلة من رحلتنا، شرع كل سائق في البحث عن المكان الذي يخبئ فيه سيارته حتى لا يراها المهربون، وعندما تم ذلك قرر القائد المبيت في ذات المكان خاصة وأن عجلات سيارات المهربين من نوع ''ستايشن'' لا زالت آثارها ظاهرة للعيان، وكأن القائد قرر التوقف في هذا المكان وقضاء الليلة لينطلق في صباح الغد في متابعة آثار السيارات·· هذا الطريق، حسب النخي، يستعملونه المهربون للتوجه نحو المالي لتهريب البنزين·
قضى الجميع الليلة في هناء، خاصة وأن الفرقة لم تصادف المهربين، وتحت سماء صافية تشع بالنجوم وضوء القمر، كنا نسمع لـ''حسيني'' وهو يفسر كيف يعرف الطريق من خلال النجوم، وحكايته الغريبة مع النجمة ''القطبية'' التي يتسابق معها ''لأنها تغيب في ساعة مبكرة من الصباح، وإن غابت يمكنه الخروج عن الطريق ويتيه في الصحراء وبذلك يجب أن يسبقها وأن يكون أذكى منها''·
في صبيحة اليوم الثاني، كانت الحرارة تفوق الـ50 درجة والزوابع الرملية تهب في كل اتجاه عندما شددنا الرحال من جديد باتجاه وجهة أخرى، وكل ما سمعناه عنها أنها منطقة تقع في مفترق طريقين الأول يربط بين تمنراست ومالي والثاني بين برج باجي المختار وتيمياويين، كما أخبرنا المرافق بأن المهربين يكثفون نشاطهم بالليل على مستوى هذا الطريق المؤدي إلى مالي، وفي الطريق، وبالضبط على الساعة الواحدة زوالا، توقفت القافلة لقضاء القيلولة وتناول الغداء تحت حرارة قاتلة، لكن الغريب في الأمر أن الجمركيين لم يبدوا أي انزعاج من قرار قائدهم القاضي بالتوقف، لأنهم يعرفون جيدا ما يجب فعله وأنهم ليسوا في نزهة بل في مطاردة أشخاص خطيرين لن يترددون في استعمال أسلحتهم من أجل إيصال سلعهم المهربة نحو الوجهة المحددة مسبقا، كل هذه الأمور يعرفها القائد ورفاقه، ومن الواجب عليهم أن يأخذوا لأنفسهم أوقاتا من الراحة والاسترخاء حتى في عز المطاردة، لأن المهمة تتطلب دائما اليقظة والحذر، وهذا لن يتأتى إلا إذا كان الجمركي في كامل قواه العقلية والجسدية·· وهكذا لم يتردد عناصر الفرقة في أخذ نصيب من الراحة تتخللها لحظات من الضحك والمزاح ''إننا نحاول الترفيه عن أنفسنا بطريقة بسيطة بالإمكانيات المتاحة لنا لقهر الطبيعة التي لا ترحم لا الإنسان ولا الحيوان ولا حتى النبات''·· عبارات بسيطة رددها عنصر من الجمارك كان بالقرب منا، والذي لم يبد أي أسف على المهنة التي اختارها عن حب وقناعة كما قال ''لقد قطعت مئات الكيلومترات من أجل خدمة بلدي''·
بصعوبة قضينا الساعتين في المنطقة لنواصل المشوار نحو المنطقة التي تقرر نصب كمين فيها للمهربين، ونحن في الطريق نسير في أمان حتى انطلقت إحدى السيارات ذات الدفع الرباعي بسرعة وكأنها ''برق''، لم نفهم في الحين ماذا يحدث ولكن سرعان ما قال ''حسيني'' كعادته وبلهجته الترفية ''راح الشيباني راح'' لينطلق مسرعا من وراء السيارة الأولى حتى شاهدنا من بعيد سيارة من نوع ''ستايشن'' تسير بسرعة فائقة لم يرد صاحبها التوقف بالرغم من إشارات الإنذار التي كان يرسلها نحوه عناصر الجمارك·· في تلك اللحظات حسيني يأخذ رشاشه مصوبا إياه نحو السيارة قائلا ''إن لم يتوقف بعد هذه الإشارة الأخيرة سوف أرميه بالرصاص''، ليرد عليه قائده ''في العجلات من فضلك''، لم نفهم كيف وصلت سيارة أخرى للجمارك في الاتجاه المعاكس لنا، ليجد الرجل نفسه مجبرا على التوقف، توجه إليه ''علي'' وطلب منه وثائقه في الوقت الذي كان فيه زملاؤه منهمكين في تفتيش السيارة بكل عناية، وفي الوقت الذي تعين لهم أن السيارة لا تحمل أي شيء من الممنوعات سأله أحد الجمركيين لماذا لم تتوقف؟ ليرد الرجل ''لم أراكم ولم أرى الأضواء حتى شاهدت السيارة من أمامي''· لحسن حظ الرجل أنه كان يحمل وثائق سيارته ولم يكن على متنها أي من المواد المحظورة في المنطقة خاصة البنزين، ليخلوا سبيله مباشرة·
ونحن في طريق العودة أخبرنا حسيني بأن المهربين الليلة لن يتركونا في سلام، وهذا ما كان عليه حال الليلة الثانية·· مطاردات شرسة تواصلت إلى ساعة مبكرة من النهار الموالي، حتى أن الفرقة استغنت عن وجبة العشاء، فالمهمة أكبر من الأكل، كما قال أحد الجمركيين·· الملاحظة التي لفتت انتباهي وأنا أراقب الوضع أن الجمركيين فرضوا على أنفسهم برنامج حراسة شديدة بالتناوب، فالوضع لا يسمع بأية هفوة ''إنهم يروننا ويتابعون خطواتنا، لذا لا يجب أن نغفل'' أضاف الجمركي·· الحادثة التي سجلت حضورها خلال الرحلة هي تلك المطاردة التي شنها عناصر الجمارك لسيارة كان يقودها شاب في مقتبل العمر، دامت قرابة النصف من الساعة، وعندما أوقفه ''ذئب الصحراء'' حسيني قال له إنني لم أر الأضواء ولم أسمع حتى صفارة الإنذار، ولكن حسب حسيني هذا الجواب يردده الجميع خاصة المموهين -السيارة التي تنير الطريق للمهربين- ولكن هذا الأخير لم يكن يحمل وثائق سيارته ليجبره الجمركيون على السير معهم، كان الأمر عجيبا، حيث أمر رئيس الفرقة المتنقلة ''النخي'' بحبس الشاب الذي كان رفقة آخرين في وسط الصحراء وركن سيارته بالقرب من سيارات الجمارك وتفتيشها بعناية وخاصة البحث عن الهاتف النقال الذي يشغل عبر الساتل، لأنه حسب الرئيس كثيرا ما يجدون هواتف من هذا النوع في السيارات، وتكون مغلقة، وعندما يطلق سراحه يسارع للاتصال بالمهربين ويخبرهم بوضعية رجال الجمارك·
مرت الليلة وانتهت المطاردات ولم يبق لنا إلا العودة إلى مقر المديرية الجهوية للجمارك، ولكن هذه المرة عبر الطريق المعبد وفي سلام· إلا أن ما شاهدناه وما سمعناه من أفواه هؤلاء الشباب وعن معركتهم مع الحياة، وما قاله أحدهم وهو يتحدث عن صعوبة التنقل لرؤية أمه في الشمال، لا يمكن أن تمر عليه مرور الكرام ولن تكفيك لا الكتب والموسوعات لنقل معاناة هؤلاء في وسط الصحاري الخالية·
http://elkhabar.com/images/key4press/ph-18-photo-daoudi.jpg
كانت الساعة تشير إلى الواحدة زوالا إلا قليلا حين توجّهت بنا سيارات الجمارك إلى أقصى صحراء غرداية مدعومة بقوات من الجيش· المهمة محفوفة دوما بالمخاطر ولا بد من أخذ الاحتياطات والإعداد الجيد لها مثلما يقول عبد القادر لخضاري رئيس مفتشية أقسام الجمارك لغرداية بالنيابة· والإعداد الجيد ليس إلا اختيار عناصر ذات كفاءة عالية ومعرفة تامة بشعاب الصحراء و''عروقها'' والتزوّد بزاد لمهمة تمتد أحيانا لثمانية أيام بأيامها ولياليها يعيش فيها أعوان الجمارك أحلك الظروف وأقساها بوجود تهريب يتحول إلى إرهاب أحيانا وحرارة لا تنزل درجتها عن 45 درجة، فضلا عن مخاطر التعرّض للدغات العقارب والأفاعي وحشرات أخرى'' مثلما يقول عبد القادر رسيوي رئيس الفرقة المتنقلة المفتش الرئيسي للفرق·
وفي الطريق إلى أقصى صحراء الولاية على مسافة تزيد عن 250 كيلومتر خلت الطريق الرئيسية بين متليلي والبيض من الحركة ومن يقوى على الحركة في جو تجاوزت حرارته 45 درجة·· فلا حجر ولا شجر ولا بشر وأفق يرى على مدّ البصر·· سائق شاحنة نصف مقطورة أوقف شاحنته واستلقى تحتها يستظل بظلها، وعلى بعد كيلومترات شاحنة أخرى ذات ترقيم ولاية بومرداس كانت حاملة لبناء جاهز انقلبت، ليلا فيما يبدو، بأحد المنعرجات الخطرة أوحى منظرها أن من كان فيها قد لا يكتب لهم النجاة رغم أن الأعمار بيد الله·
على جانبي الطريق الطويلة التي لا يرى فيها سوى سراب يغري العطشان تتمايل كثبان من الرمال وتتنوع التربة بألوان مختلفة يقطعها وادي زرقون الذي تقرر أن ينجز فيه جسر يقي عابريه من فيضاناته التي تأتي على حين غرة·· وسجل المشروع وبقي بأدراج المكاتب· وغير بعيد عن الواد تنعطف القافلة يسارا حيث إشارة صغيرة مثبتة على الطريق تشير إلى وجود زاوية ''سيدي بلبكري العسكري''·· لم تكن ترى على بعد رغم أن الإشارة تؤكد وجودها على بعد ثلاث كيلومترات، فقد غطت الكثبان الرملية الذهبية الطريق إليها ولولا إطارات العجلات التي وضعت دليلا بالطريق لما اهتدى السائر إليها··
آثار العجلات·· دليل ''الإدانة''
من هذه الطريق الرملية تبدأ ''المغامرة مجهولة العواقب'' مثلما يصفها رئيس الفرقة· ولضمان نجاحها تتباعد سيارات القافلة، وهي من نوع تويوتا لكنها قديمة وبوضع سيئ وأحدثها تعود إلى سنة 1999 وتعهد قيادتها لأحد ''خبراء'' المنطقة ولم يكن أخبرهم سوى السائق ''ابراهيم· ش''·· هذا الأخير كان ''ظاهرة'' فإلى جانب مهنته كسائق ماهر فهو ميكانيكي محترف وخبير بشعاب المنطقة وكثبانها، ويصفه أصحابه بأنه ''جي· بي· أس'' حقيقي، فلا تحتاج الجماعة معه إلى خريطة أو هاتف الثريا لتحديد وضعية المجموعة''·
قال لي أنه يعرف المنطقة شبرا شبرا وحاسي بحاسي منذ كان صغيرا يهوم بالمنطقة يبحث عن الترفاس ويصطاد حيواناتها، وهي العملية التي يستغرقها في أيام تصل أحيانا إلى أسبوعين''·
أما قيادة الفرقة، فقد أوكلت للمفتش الرئيسي عبد القادر رسيوي المعروف بـ ''قادة'' الذي يصفه زملاؤه ورؤساؤه بـ''أنه أحد الركائز الأساسية للفرقة'' وكان ''السبب، بعد الله، في نجاة الفرقة من كمين إرهابي في سبتمبر الماضي بحاسي الفحل''، وكلاهما وبعض آخر من زملائهما متمرسون في معرفة تحركات المهربين·· ودليلهم في ذلك، يقول رئيس الفرقة أثار العجلات· والأغرب ما في الحكاية أن الجماعة تفرق بين آثار مضت عليها ساعة وأخرى مضى عليها نحو أسبوع·
تنطلق القافلة نحو ما يعرف محليا بـ''حاسي عبازة'' وهو عبارة عن بئر تم حفرها منذ سنين يلجأ إليها الجميع بينهم البدو الرحل ورعاة الإبل والمهربون أنفسهم بحثا عن قطرة ماء تقي ظمأهم·· المسافة إلى الحاسي ليست بعيدة لكن بلوغها يتطلب مشقة كبيرة وتجاوز كثبان رملية عديدة ذات علو كبير وقدرة على السياقة لتفادي حوادث وتعطلات بالرمل·· لم يكن وضعنا سيئا هذه المرة فقد سارت القافلة كما خطط لها وبلغت الحاسي بسلام·· للتو عاد منه راعيا إبل كانا يسقيان به إبلهما، ما إن رأونا حتى نزلوا منهما وبادروا بالتحية والسلام، شعثا كانا وأغبرين يكشف هندامهما حالة الفقر المدقع الذي أصابهما، لكن الابتسامة لا تفارق محياهما· ''هكذا هم هؤلاء القوم·· بسطاء وكرماء راضون بقدرهم لا تفارقهم الابتسامة رغم فقرهم الشديد'' يقول قادة مضيفا: ''يأتون إلى الحاسي من أقصى المنيعة بداية فصل الصيف في شهر جوان، يبحثون عن الحواسي لسقي إبلهم على أن يعودوا إلى موطنهم مع بداية الخريف''· أحدهما قال لي: ''نريد من الدولة أن تحفر لنا آبارا تسمح لنا بإرواء إبلنا·· فلا يعقل أن نقطع مسافة تزيد عن 250 كلم للبحث عن قطرة ماء، وربما ساء حالنا عندما نبلغ الحاسي فلا نعثر على شيء''· كانت الساعة في حدود السادسة مساء حين أخذ القوم مكانا للمبيت بينما اختار أفراد الجيش مكانا آخر غير بعيد·· حينها بدأ أفراد المجموعة بتولي مهام أخرى غير مهمتهم الرئيسية، فقد تسابق الشريف ومحمد ومعهما إبراهيم إلى جمع الحطب وتولى ''محمد· م'' عبر هاتف الثريا بإرسال رسائل إلى مقر المفتشية لإعلامهم بوضعية المجموعة، وهي المهمة التي يعاودها كل ساعتين·· وفي حين اشتغل كمال وعبد الله بأخذ موقعيهما في الحراسة واصطياد ''الورن'' وما يسمى محليا بـ''سمك الصحراء''، شرع صالح والهاشمي واسماعيل وخالد بمساعدة مفتاح في طهي العشاء الذي لم يكن سوى ''مقرونة'' و''سلطة'' وخبز وماء كان ختامه شاي مركّز ·· الصنعة التي لا يتقنها سوى أهل الصحراء·
شعر وسمر على ضوء القمر··
كان القمر في غير تمامه، وكان الخوف سيد المكان·· تصادف أن كانت ليلتنا الأولى التي نقضيها بالعراء مستلقين على رمال المنطقة باحثين عن متعة يقطع الأوروبيون لأجلها آلاف الكيلومترات، تصادف أن كان ضوء القمر ينبعث ويضيء المكان بقوة· يقول أحد أفراد المجموعة: ''أنتما محظوظان لأن القمر كان باستقبالكما''·
في أثنائها أخذ السائقان ''إبراهيم· ز'' و''الزاوي'' في التباري بإلقاء ما جادت عليهما قريحتهما من شعر ملحون·· فقد رثى أحدهما حاله مع سيارة ''''403 بينما وصف الثاني معاناته بمركز الخدمة الوطنية ببئر العاتر، وتحولت السهرة إلى سمر كشف فيه ''المميزان'' عن موهبتهما الشعرية نال فيها الغزل نصيبا كبيرا·· يقول أحدهما: ''في النهار عمل ومطاردة للمهربين، وفي الليل حراسة وسمر وضحك للتخفيف والترويح عن النفس''
http://elkhabar.com/images/key4press/hardaia-hmidtest.jpg
