محمد المهدى
08-09-2006, 10:40 PM
زين العابدين الركابي
ماذا لو كان ديفيد قورش قد صار رئيسا للولايات المتحدة؟... من هو قورش هذا؟.. هو صاحب (العقيدة الدينية المتطرفة) التي يعمل أتباعها (ويجاهدون) في سبيل تهيئة المناخ والأرضية والمسرح لـ (مجيء المسيح). ولقد اصطدم قورش عام 1993 بـ (FBI) فحوصر في معسكره هو ومن معه 51 يوما ثم أُحرق ومعه 73 من أتباعه. وكان من ردود فعل هذه الجماعة على (المحرقة): أن فجر تيموثي ماكفي المبنى الاتحادي في اوكلاهوما عام 1995 (ليس هناك دليل على أن قورش وماكفي قد تلقيا تعليمهما وأفكارهما في جامعة الأزهر بمصر، ولا في جامعة الإمام في السعودية)..
ما عقيدة (الجماعة الديفيدية) هذه؟.. هي ـ باختصار ـ: إن العالم قد ساده الشر، وان قورش وجماعته ملزمون عقديا بالقيام بدور في (خلاص البشرية) من الشر السائد. وان رسالة ديفيد قورش العظمى هي: أن يفض الأختام السبعة التي وردت في سفر الرؤيا كمقدمة لـ (نهاية التاريخ)، وان عدد أتباعه سيبلغ 199 ألفا وفق رؤيا يوحنا، وانه سينتقل هو وأتباعه إلى إسرائيل، ليقودوا حرب النهاية في معركة (هرمجدون)، وسيصعدون إلى السماء ويحكمون مع المسيح ألف عام.
ماذا لو حكم قورش هذا الولايات المتحدة وأدار شؤونها: بهذه العقلية وبمقتضى هذا المعتقد؟
سيمتلئ العالم رعبا وفوضى وخرابا بلا ريب.. وهذا حاصل الآن، لأنه بإحلال اسم (جورج دبليو بوش) محل اسم (ديفيد قورش): يتبدل الشكل والاسم فحسب، في حين يظل المعتقد كما هو، وتظل العقلية كما هي، والفارق ـ إلى جانب الاسم والشكل ـ هو: نوع الإمكانات وحجمها. فبينما كان قورش لا يملك إلا أسلحة متواضعة، وأجهزة تقنية محدودة، فإن بوش يملك أعظم الإمكانات الاقتصادية والعلمية والعسكرية.. ومن هنا قلنا: إن الرعب والخراب والفوضى العالمية حاصلة الآن، وهي وقائع مفزعة: أشد ما يكون الفزع. فالإدارة الأمريكية تنشر الفوضى في العالم ببرهان:
أ- ما يجري ـ على يديها ـ في لبنان والعراق وفلسطين الخ.
ب- تقويض النظام الدولي: من حيث القوانين التي تحكم العلاقات الدولية فقد تجاوزت بل مرقت هذه الدولة من كل قانون دولي، ومن حيث خنق منظمة الأمم المتحدة حتى أصبحت في حالة احتضار.
ج- التخطيط لسيادة (القوة والبطش) في العلاقات الدولية ثم مباشرة هذا التخطيط على ارض الواقع..
وإذ يستقر في عقول العقلاء: إن تلك وقائع وأوضاع مرعبة جد مرعبة، ومهددة ـ في الصميم ـ للأمن الدولي والسلام العالمي، فإن هذه الوقائع والأوضاع مريحة ومبهجة جدا بالنسبة للمحافظين الجدد الذين زرعوا اكبر عدو للأمم المتحدة وللقانون الدولي: في هذه المنظمة الدولية، وهو (بولتون) ممثل الولايات المتحدة في هذه المنظمة البائسة، فهو رجل يجهر بأن الأمم المتحدة: إما أن تكون (أداة) في يد المحافظين الجدد، وإما أن تلغى (وكان قد شكل ميليشيات لمناهضة الأمم المتحدة)، وهو بذلك يترجم (تفكير) هؤلاء الناس الذين وصفهم مستشار الرئيس نكسون بأنهم (محافظون بلا ضمير).. ألم يقل مرشدهم ومفتيهم القس بات روبرتسون في كتابه: النظام العالمي الجديد.. تمهيد للنظام العالمي الإلهي ـ : «إن إعلان النظام العالمي الجديد بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج ليس إلا بداية لنهاية التاريخ»؟..
ونهاية التاريخ في مفهوم هذه الفئة هو: الوصول إلى نقطة أو لحظة معركة هرمجدون التي تسحق فيها الكثرة الشريرة، وتبقى القلة الخيرة التي تستقبل المسيح وتسعد بجنة الأرض.. ألم يقل (رائدهم السياسي) : الرئيس الأسبق رونالد ريغان: «في سفر حزقيال: إن الرب سيأخذ أولاد إسرائيل من بين الوثنيين ويعودون جميعا مرة ثانية إلى الأرض الموعودة. لقد تحقق ذلك أخيرا بعد ألفي سنة، ولأول مرة يبدو كل شيء في مكانه، من انتظار هرمجدون والمجيء الثاني للمسيح».
بالحسابات السياسية والإستراتيجية والعقلية والمصلحية الموضوعية: ليس لأمريكا، ولا لإسرائيل مصلحة مؤكدة أو راجحة في هذه الفوضى العالمية الدامية التي يصنعانها، والتي يتسع نطاقها يوما بعد يوم. فسمعة أمريكا وصورتها في الحضيض على المستوى العالمي. فصورتها هي: إن أمريكا عمياء لا تبصر، مستكبرة لا تصغي لنصح، مخلفة للوعود، ناكثة للعهود، كذابة في الحرب والسلم، أتيحت لها فرصة نادرة في قيادة العالم فتعاملت مع هذه الفرصة باستهتار وعبث وحمق فقادت العالم إلى المهالك، ولذا أصبح الناس في العالم يصبون عليها اللعنات ويكنون لها أطنانا من الحقد والكراهية مما يوسع ـ بيقين ـ دائرة العنف والإرهاب ضدها.. وإسرائيل بأفعالها النازية أقامت (حواجز نفسية طويلة المدى) بينها وبين أهل المنطقة والعالم العربي الإسلامي، واغتالت فرص السلام، وأوقدت جذوة المقاومة في نفوس الكافة.
وإذا انعدم مقياس العقل والحساب والمصلحة فيما تفعله أمريكا وإسرائيل في المنطقة والعالم، فكيف يفسر سلوكهما الغريب الأحمق المجنون؟ .
يفسر بـ (العقيدة الأيدلوجية المهووسة).. وقبل أن نقيم البرهان بل البراهين على هذه العقيدة العجيبة نستحضر نموذجين من نماذج (غياب العقل، والتضحية بالمصالح الحقيقية في سبيل أوهام أيدلوجية)،
1- نموذج هتلر، فقد دمر بلاده وأذلها وأشعل حربا عالمية مدمرة في سبيل وهم أيدلوجي وهو (ألمانيا فوق الجميع).
2- نموذج الاتحاد السوفيتي، فالسبب العميق في أزمة الاتحاد السوفيتي وسقوطه هو: انه ضحى بمصالحه الحيوية وإمكاناته الهائلة في سبيل (وهم أيدلوجي) وهو: نشر الشيوعية في العالم.
أما الأيدلوجية التي تتحكم في تفكير قادة أمريكا وإسرائيل، فإن أدلتها هي:
1ـ «ابتهجي يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم، هوذا ملك يأتي إليك، وهو عادل ومنصور ووديع وراكب حمار، وعلى جحش ابن اتان» سفر زكريا 9/9.. (ومن تحرير الكلم ووزنه أن نقول: إننا لا ننكر عودة المسيح عيسى بن مريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهذه العودة من العقائد التي نلتقي فيها مع المسيحيين، لكن مسيحنا ومسيح النصارى مختلف عن المسيح الذي ينتظره اليهود.. نعم لا ننكر عودة المسيح ولكننا ننكر هذا (الخراب العالمي) الذي يخطط له ويفعله أهل هذا الهوس الأيدلوجي: زاعمين بأن هذا الخراب ضرورة يقتضيها استقبال المسيح).. وكأن المسيح يبتهج بالخراب ويرتضيه: حاشاه.
2 ـ توثق الكاتبة الأمريكية جريس هالسيل المعلومة التالية وهي: ان عددا كبيرا من الانجيليين يستدلون بما ورد في سفر دانيال من العهد القديم، وسفر الرؤيا من العهد الجديد على أن الله كتب على البشرية الدخول في حرب نووية، وهي حرب هرمجدون التي بشر بها الكتاب المقدس: التوراة والإنجيل (كما يزعمون). وقد أصبح ألوف القسس ـ الذين يتبعهم الملايين من الأمريكيين ـ يؤمنون بحتمية الحرب العالمية التي تدمر العالم فيظهر المسيح من ثم.
3 ـ ورد في دورية (القرن المسيحي) بتاريخ 17 فبراير 1992 ما يلي: «لقد شهدت أمريكا مع انتخابات سنة 1992 ظهور (حزب الله) بالتحالف بين اليمين المسيحي ويمين الحزب الجمهوري».. وهذا الحزب يؤمن بعودة المسيح، ولكن بعد حرب عالمية ساحقة ماحقة.
4 ـ في هذا الشهر (أغسطس 2006) يعقد حزب (شهود يهوه) ـ ومركزه الرئيسي في نيويورك ـ مؤتمرا موسعا في لندن. والنقطة الرئيسة في أجندة المؤتمر هي: التبشير بأن معركة هرمجدون قد اقترب وقتها، وستدور في فلسطين، وان قيادة لوائها ستكون في يد بني إسرائيل، وإنها ستكون معركة عالمية حاسمة تميز بين أهل الخير وأهل الشر، فتبقي على الأوائل، وتهلك الآخرين هلاكا أبديا.
5 ـ يقول أرون ميلر ـ الوسيط بين العرب واسرائيل في عهد بوش الأب: «هناك خطر حينما لا يكون هناك أي فارق بين حكومتي إسرائيل والولايات المتحدة. لم يكن بوش الأول وجيمس بيكر سيسمحان بما يجري حاليا». ويقول مارتن انديك: «توجد رابطة ذات طابع ديني بإسرائيل يشعر بها جورج بوش كرئيس، تجاه إسرائيل. وقد جاء بوش الابن إلى منصبه عازما على بناء قاعدته المسيحية».
6 ـ ويقول فرانسيس فوكاياما ـ في كتابه الجديد: أمريكا على مفترق طرق ـ: «لقد جاءت إدارة بوش إلى البيت الأبيض من منطلق عقائدي متحيز ومتصلب ضد الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ومنها محكمة العدل الدولية. كما أساءت توصيف ما زعمت انه خطر إسلامي يواجه الولايات المتحدة.. والحقيقة إن عددا كبيرا من غلاة الداعين إلى حرب العراق مثل بول وولفويتز، ودوغلاس فيث، وريتشارد بيرل كانوا من اليهود. ولذا كانت سياسة أمريكا تجاه العراق ترمي في التحليل النهائي إلى جعل الشرق الأوسط منطقة آمنة ومروضة لصالح إسرائيل».
7 ـ إن كتاب (محافظون بلا ضمير) الذي ألفه المستشار السابق للرئيس الأمريكي ريتشارد نكسون: جون دين هو أهم (وثيقة) تكشف (الخطر الأيدلوجي) الذي تمثله الإدارة الأمريكية الحالية.. يقول جون دين: «إن أجندة المحافظين الجدد تتطابق مع أجندة أخرى متطرفة وهي أجندة الأصوليين في اليمين المسيحي. فقيادة الحزب الجمهوري الآن ـ كما الحزب الشيوعي السوفيتي سابق ـ متشبعة بايدولوجيا رسمية.. وبوش نفسه سقيم الفكر ذو شخصية يمينية متطرفة وسلطوية، وهو ومن حوله يعتقدون أنهم (رسل العناية الإلهية). ولقد ردد بوش عدة مرات: «إن الرب دعاه ليرشح نفسه لرئاسة الولايات المتحدة.. في مهمة تدخل في نطاق الخطة الإلهية لتصدير الموت والخراب إلى أنحاء العالم لتطهيره من رموز الشر. وقد قال ـ كذلك ـ: «لقد أبلغني الرب بأن أهاجم القاعدة والعراق ففعلت.. إنهم يقودون العالم إلى حرب مهلكة كما فعل هتلر». فإذا تشابهت الأيدلوجيات تشابهت الأفعال.
عندما تعذر التفسير العقلاني الموضوعي المصلحي لسلوك قادة أمريكا وإسرائيل: أصبح (البعد الأيدلوجي) هو المتاح في تفسير هذا السلوك المشحون بأعلى درجات الجنون السياسي والعسكري..
وتمام المقال هو:
أ- إن الغلو الأيدلوجي يصيب القادة الحكام كما يصيب الأفراد والجماعات.
ب- لو أراد مؤرخ تلخيص انجازات المحافظين الجدد للخصها في هذه الجملة: إنهم أحدثوا (فتنة كونية) في مطالع الألفية الثالثة للميلاد.
ج ـ إن أكثر المسيحيين وكثيرا من اليهود لا يتبنون هذه الأيدلوجية العمياء. وهذا مدخل جيد لحركة دبلوماسية عالمية مطلوبة تعزل هؤلاء وتحمي العالم من تهورهم، بمعنى انه على عقلاء العالم أن يتحدوا لإنقاذ الكوكب من تفكير هؤلاء وفعلهم، ويجب أن يكون عقلاء أمريكا في الطليعة، وإلا فإنهم لن يتورعوا عن إشعال حرب كونية، ولاسيما أن فترة رئاسة بوش تقترب من نهايتها، فشعارهم ـ من ثم ـ: اضرب قبل أن يذهب.. وحدقوا جيدا فيما يمور في لبنان وفلسطين والعراق.. و.. و.. و!!
-----------------------
- المصدر : جريدة الشرق الأوسط 5/8/2006
ماذا لو كان ديفيد قورش قد صار رئيسا للولايات المتحدة؟... من هو قورش هذا؟.. هو صاحب (العقيدة الدينية المتطرفة) التي يعمل أتباعها (ويجاهدون) في سبيل تهيئة المناخ والأرضية والمسرح لـ (مجيء المسيح). ولقد اصطدم قورش عام 1993 بـ (FBI) فحوصر في معسكره هو ومن معه 51 يوما ثم أُحرق ومعه 73 من أتباعه. وكان من ردود فعل هذه الجماعة على (المحرقة): أن فجر تيموثي ماكفي المبنى الاتحادي في اوكلاهوما عام 1995 (ليس هناك دليل على أن قورش وماكفي قد تلقيا تعليمهما وأفكارهما في جامعة الأزهر بمصر، ولا في جامعة الإمام في السعودية)..
ما عقيدة (الجماعة الديفيدية) هذه؟.. هي ـ باختصار ـ: إن العالم قد ساده الشر، وان قورش وجماعته ملزمون عقديا بالقيام بدور في (خلاص البشرية) من الشر السائد. وان رسالة ديفيد قورش العظمى هي: أن يفض الأختام السبعة التي وردت في سفر الرؤيا كمقدمة لـ (نهاية التاريخ)، وان عدد أتباعه سيبلغ 199 ألفا وفق رؤيا يوحنا، وانه سينتقل هو وأتباعه إلى إسرائيل، ليقودوا حرب النهاية في معركة (هرمجدون)، وسيصعدون إلى السماء ويحكمون مع المسيح ألف عام.
ماذا لو حكم قورش هذا الولايات المتحدة وأدار شؤونها: بهذه العقلية وبمقتضى هذا المعتقد؟
سيمتلئ العالم رعبا وفوضى وخرابا بلا ريب.. وهذا حاصل الآن، لأنه بإحلال اسم (جورج دبليو بوش) محل اسم (ديفيد قورش): يتبدل الشكل والاسم فحسب، في حين يظل المعتقد كما هو، وتظل العقلية كما هي، والفارق ـ إلى جانب الاسم والشكل ـ هو: نوع الإمكانات وحجمها. فبينما كان قورش لا يملك إلا أسلحة متواضعة، وأجهزة تقنية محدودة، فإن بوش يملك أعظم الإمكانات الاقتصادية والعلمية والعسكرية.. ومن هنا قلنا: إن الرعب والخراب والفوضى العالمية حاصلة الآن، وهي وقائع مفزعة: أشد ما يكون الفزع. فالإدارة الأمريكية تنشر الفوضى في العالم ببرهان:
أ- ما يجري ـ على يديها ـ في لبنان والعراق وفلسطين الخ.
ب- تقويض النظام الدولي: من حيث القوانين التي تحكم العلاقات الدولية فقد تجاوزت بل مرقت هذه الدولة من كل قانون دولي، ومن حيث خنق منظمة الأمم المتحدة حتى أصبحت في حالة احتضار.
ج- التخطيط لسيادة (القوة والبطش) في العلاقات الدولية ثم مباشرة هذا التخطيط على ارض الواقع..
وإذ يستقر في عقول العقلاء: إن تلك وقائع وأوضاع مرعبة جد مرعبة، ومهددة ـ في الصميم ـ للأمن الدولي والسلام العالمي، فإن هذه الوقائع والأوضاع مريحة ومبهجة جدا بالنسبة للمحافظين الجدد الذين زرعوا اكبر عدو للأمم المتحدة وللقانون الدولي: في هذه المنظمة الدولية، وهو (بولتون) ممثل الولايات المتحدة في هذه المنظمة البائسة، فهو رجل يجهر بأن الأمم المتحدة: إما أن تكون (أداة) في يد المحافظين الجدد، وإما أن تلغى (وكان قد شكل ميليشيات لمناهضة الأمم المتحدة)، وهو بذلك يترجم (تفكير) هؤلاء الناس الذين وصفهم مستشار الرئيس نكسون بأنهم (محافظون بلا ضمير).. ألم يقل مرشدهم ومفتيهم القس بات روبرتسون في كتابه: النظام العالمي الجديد.. تمهيد للنظام العالمي الإلهي ـ : «إن إعلان النظام العالمي الجديد بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج ليس إلا بداية لنهاية التاريخ»؟..
ونهاية التاريخ في مفهوم هذه الفئة هو: الوصول إلى نقطة أو لحظة معركة هرمجدون التي تسحق فيها الكثرة الشريرة، وتبقى القلة الخيرة التي تستقبل المسيح وتسعد بجنة الأرض.. ألم يقل (رائدهم السياسي) : الرئيس الأسبق رونالد ريغان: «في سفر حزقيال: إن الرب سيأخذ أولاد إسرائيل من بين الوثنيين ويعودون جميعا مرة ثانية إلى الأرض الموعودة. لقد تحقق ذلك أخيرا بعد ألفي سنة، ولأول مرة يبدو كل شيء في مكانه، من انتظار هرمجدون والمجيء الثاني للمسيح».
بالحسابات السياسية والإستراتيجية والعقلية والمصلحية الموضوعية: ليس لأمريكا، ولا لإسرائيل مصلحة مؤكدة أو راجحة في هذه الفوضى العالمية الدامية التي يصنعانها، والتي يتسع نطاقها يوما بعد يوم. فسمعة أمريكا وصورتها في الحضيض على المستوى العالمي. فصورتها هي: إن أمريكا عمياء لا تبصر، مستكبرة لا تصغي لنصح، مخلفة للوعود، ناكثة للعهود، كذابة في الحرب والسلم، أتيحت لها فرصة نادرة في قيادة العالم فتعاملت مع هذه الفرصة باستهتار وعبث وحمق فقادت العالم إلى المهالك، ولذا أصبح الناس في العالم يصبون عليها اللعنات ويكنون لها أطنانا من الحقد والكراهية مما يوسع ـ بيقين ـ دائرة العنف والإرهاب ضدها.. وإسرائيل بأفعالها النازية أقامت (حواجز نفسية طويلة المدى) بينها وبين أهل المنطقة والعالم العربي الإسلامي، واغتالت فرص السلام، وأوقدت جذوة المقاومة في نفوس الكافة.
وإذا انعدم مقياس العقل والحساب والمصلحة فيما تفعله أمريكا وإسرائيل في المنطقة والعالم، فكيف يفسر سلوكهما الغريب الأحمق المجنون؟ .
يفسر بـ (العقيدة الأيدلوجية المهووسة).. وقبل أن نقيم البرهان بل البراهين على هذه العقيدة العجيبة نستحضر نموذجين من نماذج (غياب العقل، والتضحية بالمصالح الحقيقية في سبيل أوهام أيدلوجية)،
1- نموذج هتلر، فقد دمر بلاده وأذلها وأشعل حربا عالمية مدمرة في سبيل وهم أيدلوجي وهو (ألمانيا فوق الجميع).
2- نموذج الاتحاد السوفيتي، فالسبب العميق في أزمة الاتحاد السوفيتي وسقوطه هو: انه ضحى بمصالحه الحيوية وإمكاناته الهائلة في سبيل (وهم أيدلوجي) وهو: نشر الشيوعية في العالم.
أما الأيدلوجية التي تتحكم في تفكير قادة أمريكا وإسرائيل، فإن أدلتها هي:
1ـ «ابتهجي يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم، هوذا ملك يأتي إليك، وهو عادل ومنصور ووديع وراكب حمار، وعلى جحش ابن اتان» سفر زكريا 9/9.. (ومن تحرير الكلم ووزنه أن نقول: إننا لا ننكر عودة المسيح عيسى بن مريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهذه العودة من العقائد التي نلتقي فيها مع المسيحيين، لكن مسيحنا ومسيح النصارى مختلف عن المسيح الذي ينتظره اليهود.. نعم لا ننكر عودة المسيح ولكننا ننكر هذا (الخراب العالمي) الذي يخطط له ويفعله أهل هذا الهوس الأيدلوجي: زاعمين بأن هذا الخراب ضرورة يقتضيها استقبال المسيح).. وكأن المسيح يبتهج بالخراب ويرتضيه: حاشاه.
2 ـ توثق الكاتبة الأمريكية جريس هالسيل المعلومة التالية وهي: ان عددا كبيرا من الانجيليين يستدلون بما ورد في سفر دانيال من العهد القديم، وسفر الرؤيا من العهد الجديد على أن الله كتب على البشرية الدخول في حرب نووية، وهي حرب هرمجدون التي بشر بها الكتاب المقدس: التوراة والإنجيل (كما يزعمون). وقد أصبح ألوف القسس ـ الذين يتبعهم الملايين من الأمريكيين ـ يؤمنون بحتمية الحرب العالمية التي تدمر العالم فيظهر المسيح من ثم.
3 ـ ورد في دورية (القرن المسيحي) بتاريخ 17 فبراير 1992 ما يلي: «لقد شهدت أمريكا مع انتخابات سنة 1992 ظهور (حزب الله) بالتحالف بين اليمين المسيحي ويمين الحزب الجمهوري».. وهذا الحزب يؤمن بعودة المسيح، ولكن بعد حرب عالمية ساحقة ماحقة.
4 ـ في هذا الشهر (أغسطس 2006) يعقد حزب (شهود يهوه) ـ ومركزه الرئيسي في نيويورك ـ مؤتمرا موسعا في لندن. والنقطة الرئيسة في أجندة المؤتمر هي: التبشير بأن معركة هرمجدون قد اقترب وقتها، وستدور في فلسطين، وان قيادة لوائها ستكون في يد بني إسرائيل، وإنها ستكون معركة عالمية حاسمة تميز بين أهل الخير وأهل الشر، فتبقي على الأوائل، وتهلك الآخرين هلاكا أبديا.
5 ـ يقول أرون ميلر ـ الوسيط بين العرب واسرائيل في عهد بوش الأب: «هناك خطر حينما لا يكون هناك أي فارق بين حكومتي إسرائيل والولايات المتحدة. لم يكن بوش الأول وجيمس بيكر سيسمحان بما يجري حاليا». ويقول مارتن انديك: «توجد رابطة ذات طابع ديني بإسرائيل يشعر بها جورج بوش كرئيس، تجاه إسرائيل. وقد جاء بوش الابن إلى منصبه عازما على بناء قاعدته المسيحية».
6 ـ ويقول فرانسيس فوكاياما ـ في كتابه الجديد: أمريكا على مفترق طرق ـ: «لقد جاءت إدارة بوش إلى البيت الأبيض من منطلق عقائدي متحيز ومتصلب ضد الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ومنها محكمة العدل الدولية. كما أساءت توصيف ما زعمت انه خطر إسلامي يواجه الولايات المتحدة.. والحقيقة إن عددا كبيرا من غلاة الداعين إلى حرب العراق مثل بول وولفويتز، ودوغلاس فيث، وريتشارد بيرل كانوا من اليهود. ولذا كانت سياسة أمريكا تجاه العراق ترمي في التحليل النهائي إلى جعل الشرق الأوسط منطقة آمنة ومروضة لصالح إسرائيل».
7 ـ إن كتاب (محافظون بلا ضمير) الذي ألفه المستشار السابق للرئيس الأمريكي ريتشارد نكسون: جون دين هو أهم (وثيقة) تكشف (الخطر الأيدلوجي) الذي تمثله الإدارة الأمريكية الحالية.. يقول جون دين: «إن أجندة المحافظين الجدد تتطابق مع أجندة أخرى متطرفة وهي أجندة الأصوليين في اليمين المسيحي. فقيادة الحزب الجمهوري الآن ـ كما الحزب الشيوعي السوفيتي سابق ـ متشبعة بايدولوجيا رسمية.. وبوش نفسه سقيم الفكر ذو شخصية يمينية متطرفة وسلطوية، وهو ومن حوله يعتقدون أنهم (رسل العناية الإلهية). ولقد ردد بوش عدة مرات: «إن الرب دعاه ليرشح نفسه لرئاسة الولايات المتحدة.. في مهمة تدخل في نطاق الخطة الإلهية لتصدير الموت والخراب إلى أنحاء العالم لتطهيره من رموز الشر. وقد قال ـ كذلك ـ: «لقد أبلغني الرب بأن أهاجم القاعدة والعراق ففعلت.. إنهم يقودون العالم إلى حرب مهلكة كما فعل هتلر». فإذا تشابهت الأيدلوجيات تشابهت الأفعال.
عندما تعذر التفسير العقلاني الموضوعي المصلحي لسلوك قادة أمريكا وإسرائيل: أصبح (البعد الأيدلوجي) هو المتاح في تفسير هذا السلوك المشحون بأعلى درجات الجنون السياسي والعسكري..
وتمام المقال هو:
أ- إن الغلو الأيدلوجي يصيب القادة الحكام كما يصيب الأفراد والجماعات.
ب- لو أراد مؤرخ تلخيص انجازات المحافظين الجدد للخصها في هذه الجملة: إنهم أحدثوا (فتنة كونية) في مطالع الألفية الثالثة للميلاد.
ج ـ إن أكثر المسيحيين وكثيرا من اليهود لا يتبنون هذه الأيدلوجية العمياء. وهذا مدخل جيد لحركة دبلوماسية عالمية مطلوبة تعزل هؤلاء وتحمي العالم من تهورهم، بمعنى انه على عقلاء العالم أن يتحدوا لإنقاذ الكوكب من تفكير هؤلاء وفعلهم، ويجب أن يكون عقلاء أمريكا في الطليعة، وإلا فإنهم لن يتورعوا عن إشعال حرب كونية، ولاسيما أن فترة رئاسة بوش تقترب من نهايتها، فشعارهم ـ من ثم ـ: اضرب قبل أن يذهب.. وحدقوا جيدا فيما يمور في لبنان وفلسطين والعراق.. و.. و.. و!!
-----------------------
- المصدر : جريدة الشرق الأوسط 5/8/2006
