شاعرة الاقصى
07-23-2006, 12:21 PM
http://www.eqraa.com/forums/local/msgs/images/image001.gif
هذه هي أحدث مقالة و أحدث قصيدة للشاعر أحمد مطر و الصادرتين عن جريدة الراية القطرية بتاريخ 2 - 3 - 2006 م / 3 - 3 -2006
بعنوان ( ما بين خفق ٍ في الفؤاد . . و كلمة فوق اللسان . . )
في أول هدأة للمرض كنت أنوي أن أنفض الليل المطبق على الأوراق وأشرع في الكتابة، مهما كلفني ذلك من جهد، أنا الذي وجدتني أخوض صراعات شاقة من أجل القيام بأمور معتادة وبسيطة كالصلاة، أو القراءة أو حتى مشاهدة فيلم مسلٍّ لتخفيف حمّى الوقت.
كنت سأقول: أليس من الغريب أن يصطفي المرض من عمري سنواته الأقسى والأكثر ألماً ويدسّ سمّه فيها؟
أن يتسلّل على أطراف أصابعه ويعبث بكريات دمي فيما أنا واقف على أطراف أصابعي أتأمل من نافذة غربتي "عراقي" الحزين، وقد آل إلى ضياع جديد، وأفكر في جدوى أن أعرق كلما ارتفعت حرارة الوطن فيما العصابات هناك تعيث في روحه فساداً وتسرق الحياة من شرايينه؟
كنت سأقول: أليس من المؤلم جداً، ولم تمض أربعة أشهر بعد، على كتابتي قصيدة (ثلاثون)، تلك السيرة القصيرة الطويلة التي ضبطت نفسي وأنا أغالب عبرتي أثناء كتابتها، أن يؤمّن المرض على رحلة السندباد ويهديني زوبعة جديدة بغرض التلهّي عن الزوبعة الأولى ربما؟
هل يملك من يحمل في داخله وطناً كالعراق طاقة إضافية للصراع مع مرض آخر، وهل يستطيع حقاً أن ينشغل بعلاج بدنه عن علاج روحه؟
كنت سأقول وأسهب عن موسم واحدٍ فقط يعرفه سرير المرض وهو موسم الشتاء، فلا صيف ولا ربيع ولا حتى خريف وإنما برودة ضارية تتخلل الأغطية البيضاء وتوسع قاموس الأدوية والمضادات وتحيل حتى كأس الماء إلى قطعة جليد.
كنت سأقول أنّ ( سبتمبر)، الذي وعيت فيه على مرضي، هو أقسى الشهور وليس ( أبريل)، وإنّ "إليوت" مات قبل أن يرى الأرض الخراب الحقيقية.
كنت سأضحك من شرّ البلية وأنا في البرزخ بين جرعة علاج وأخرى وقد رجتني الطبيبة أن أغمض عينيّ وأسترخي قليلاً كأن ألوذ بالتفكير في شيء جميل "فكر مثلاً في بلدك .." قالت ذلك قبل أن تستدرك وهي ترى معالم الدهشة على وجهي وتتذكر أنني من البلد الذي يلعب الآن دور البطولة التراجيدية على شاشات التلفزيون " لا لا .. بل فكّر في أي شيء آخر عدا بلدك!" ثم تتحول الضحكة إلى نوبة نشيج مكتوم عندما يعيد ابني الأكبر على إخوته رواية الحادثة مرة واثنتين وثلاثاً!
كنت سأقول ألست أنا من أردّد – صادقاً – أنني لم أعتد على الإستسلام، منذ كنت طفلاً غرّاً، وأنني أستطيع الوقوف وحيداً في وجه أقسى الهزائم لأحيلها إلى انتصارات تشبه إرادتي، وأنني لم أتخلّ يوماً عن إيماني العميق برحمة الله التي أنجتني أيضاً، منذ كنت يافعاً، من شرّ خلق الله، وأنّ هذه الأشهر هي اختبار لا مفرّ منه لصلابة نفسي؟
كنت سأقول إنه لو كان للمرض من حسنة فهي أنه أبعدني – قسراً- عن الاستماع إلى نشرات الأخبار وعن قراءة الصحف وعن كل ما له صلة بالموت هناك، سواء بوجهه الفيزيائي من خلال المجازر التي ترتكب بشكل يومي أو بوجهه الآخر المتبدي جلياً في الضمائر الملوثة التي تبيع وتشتري باسم الوطن والوطنية، لولا أنّ الأخبار تتسلل، رغم حيطة المقربين، عن طريق ملاحظة عابرة أو هامش صغير أو تداع لكلمة من هنا وصوت من هناك أو عنوان رئيسي لصحيفة مهملة، وأن كل ذلك كاف لأيقاظ الآلام التي تتصنّع الغفوة داخلي وعودة أبنائي إلى التوسّل إليّ أن أضرب عرض الحائط بكل شيء وأفكر فقط في نفسي "على الأقل في فترة مرضك، حاول أن تنسى كل ما من شأنه أن يثير انفعالك وأساك"!
كنت سأقول أشياء كثيرة عن خطورة المرض والشروط القاسية التي يمليها على أبسط طقوس الحياة وعن جبهته الواسعة والمفتوحة على معارك شتى، وعن الوطن الذي يبتعد كلما اقتربت وعن اللصوص المتنفذين بداخله والمحيطين به من كلّ جانب، وعن الإرادة والوقت وأشياء أخرى مصطفة بأدب جم في انتظار أن أفضح صمتها، غير أن كلّ هذه الأشياء، كلها دون استثناء، يمكن تأجيلها، أو بالأحرى يجب عليها أن تجلس على كراسي الصفّ الثاني وتشخص بأعينٍ ممتلئة بالامتنان لأصحاب الصفّ الأول، أولئك الذين رافقوني مع أسرتي طيلة الرحلة الصعبة، فكانوا وطناً آمناً وشفاءً، وكانوا كل ما يجب أن يقال الآن في هذه اللحظة: صحيفة الراية ورئيس تحريرها الصديق الأستاذ يوسف درويش، الذي لم يكفّ عن السؤال والاطمئنان، والذي احتوى فترة مرضي وانقطاعي الطويل عن الكتابة بكثير من النُبل والأريحية وأصرّ على أن أبقى بينهم حاضراً في الغياب وكأنّ قلمي لم يتوقف عن النبض لحظة وكأنّ صوتي لم يتحشرج لثانية.
ثم ثلّة الأصدقاء والصديقات الذين تركوا العواصم المتباعدة خلفهم وطووا المسافات الطويلة لكي يغتالوا وحشتي بحضورهم ويمدوا أيديهم، ولو لبضع ساعات، إلى كتفي ويهمسوا في أذني لعلّ المرض يسمعهم فينكمش خجلاً: إننا هنا يا أحمد.
ومثلهم ذلك الجيش الملائكي الذي أسميه مجازاً (قرائي)، وهم شعب من الأجناس المختلفة والأعمار المختلفة والمستويات المختلفة وربما القلوب المختلفة أيضاً، الذين بلغني أنهم يتابعون أخباري بكل الوسائل المتاحة لديهم، وهي أكثر صدقاً ونقاء من جميع وسائل الإعلام العربية، ويتبادلون الدعاء من أجلي عبر رسائلهم الهاتفية، ويلاحقون أنباء صحتي في مواقعهم الشخصية على الإنترنت، والذين اجتمعوا على أن يوصلوا إليّ حبّهم وكلماتهم ودعواتهم التي كان لها فعل السحر عند رجلٍ يعلمون جيداً أنه أعزل!
أنتم جميعاً، أيها الأعزاء، سندي وقرّة عيني، وأنتم الرهان الذي لا يخيب، وأنتم الوطن الخافق في الفؤاد والساكن تحت المداد.
هذا تماماً ما أريد قوله في أول هدأة للمرض، ومن دفء هذا الإحساس يمكنني أن أقتبس النور في بلدٍ لا تزوره الشمس إلا بشكلٍ عابر.
من كل قلبي: شكراً لكم.
أحمد مطـر
يـوم الجمعة 3 -3 -2006
hr
و هذه القصيدة و المعنونة تحت اسم ( المجرّد )
وَطَنانِ لي:
نارٌ لإطفائي تَفورُ..
وَجَنَّةٌ تُضري اتّقادي!
وَزّعْتُ بَينَهُما خُلاصةَ ثَروتي
فَهُنا دَمي.. وهُنا مِدادي.
وَظننتُ أنّي
بالضِّمادِ سأتّقي نَزْفي
فَجرَّحَني ضِمادي!
وَبَلَوتُ أقسي البُعْدِ في قُربي
وأبلاني اقترابيَ في البِعادِ
فإذا جَحيمي ينتهي
مِن حَفْلِ إحراقي هُنا..
وإذا نَعيمي ها هُنا
يَذْرو رَمادي.
وإذا دِمائي ها هُنا فَمُ مَصْرَعي
وإذا مِدادي ها هُنا صَوتُ الحِدادِ!
وأَنَا المُجَّردُ مِن ثَرايَ وثَرْوَتي
آوي لمِوْطِنِ غُربتي
مُستنجداً
مِن فَرْطِ هَوْلِ مُصيبتي
بِمُصيبتي!
وَمُواسِياً فَقْدي بداهِيَةِ افتِقادي:
ما أَهْوَنَ الوَطَنَ البِلادَ
على المُصابِ
بِضَيْعَةِ الوَطَنِ الفُـؤادِ!
أحمد مطر
* عن جريدة (الرايـة) القطريـة
يـوم الخميس 2 -3 -2006
هذه هي أحدث مقالة و أحدث قصيدة للشاعر أحمد مطر و الصادرتين عن جريدة الراية القطرية بتاريخ 2 - 3 - 2006 م / 3 - 3 -2006
بعنوان ( ما بين خفق ٍ في الفؤاد . . و كلمة فوق اللسان . . )
في أول هدأة للمرض كنت أنوي أن أنفض الليل المطبق على الأوراق وأشرع في الكتابة، مهما كلفني ذلك من جهد، أنا الذي وجدتني أخوض صراعات شاقة من أجل القيام بأمور معتادة وبسيطة كالصلاة، أو القراءة أو حتى مشاهدة فيلم مسلٍّ لتخفيف حمّى الوقت.
كنت سأقول: أليس من الغريب أن يصطفي المرض من عمري سنواته الأقسى والأكثر ألماً ويدسّ سمّه فيها؟
أن يتسلّل على أطراف أصابعه ويعبث بكريات دمي فيما أنا واقف على أطراف أصابعي أتأمل من نافذة غربتي "عراقي" الحزين، وقد آل إلى ضياع جديد، وأفكر في جدوى أن أعرق كلما ارتفعت حرارة الوطن فيما العصابات هناك تعيث في روحه فساداً وتسرق الحياة من شرايينه؟
كنت سأقول: أليس من المؤلم جداً، ولم تمض أربعة أشهر بعد، على كتابتي قصيدة (ثلاثون)، تلك السيرة القصيرة الطويلة التي ضبطت نفسي وأنا أغالب عبرتي أثناء كتابتها، أن يؤمّن المرض على رحلة السندباد ويهديني زوبعة جديدة بغرض التلهّي عن الزوبعة الأولى ربما؟
هل يملك من يحمل في داخله وطناً كالعراق طاقة إضافية للصراع مع مرض آخر، وهل يستطيع حقاً أن ينشغل بعلاج بدنه عن علاج روحه؟
كنت سأقول وأسهب عن موسم واحدٍ فقط يعرفه سرير المرض وهو موسم الشتاء، فلا صيف ولا ربيع ولا حتى خريف وإنما برودة ضارية تتخلل الأغطية البيضاء وتوسع قاموس الأدوية والمضادات وتحيل حتى كأس الماء إلى قطعة جليد.
كنت سأقول أنّ ( سبتمبر)، الذي وعيت فيه على مرضي، هو أقسى الشهور وليس ( أبريل)، وإنّ "إليوت" مات قبل أن يرى الأرض الخراب الحقيقية.
كنت سأضحك من شرّ البلية وأنا في البرزخ بين جرعة علاج وأخرى وقد رجتني الطبيبة أن أغمض عينيّ وأسترخي قليلاً كأن ألوذ بالتفكير في شيء جميل "فكر مثلاً في بلدك .." قالت ذلك قبل أن تستدرك وهي ترى معالم الدهشة على وجهي وتتذكر أنني من البلد الذي يلعب الآن دور البطولة التراجيدية على شاشات التلفزيون " لا لا .. بل فكّر في أي شيء آخر عدا بلدك!" ثم تتحول الضحكة إلى نوبة نشيج مكتوم عندما يعيد ابني الأكبر على إخوته رواية الحادثة مرة واثنتين وثلاثاً!
كنت سأقول ألست أنا من أردّد – صادقاً – أنني لم أعتد على الإستسلام، منذ كنت طفلاً غرّاً، وأنني أستطيع الوقوف وحيداً في وجه أقسى الهزائم لأحيلها إلى انتصارات تشبه إرادتي، وأنني لم أتخلّ يوماً عن إيماني العميق برحمة الله التي أنجتني أيضاً، منذ كنت يافعاً، من شرّ خلق الله، وأنّ هذه الأشهر هي اختبار لا مفرّ منه لصلابة نفسي؟
كنت سأقول إنه لو كان للمرض من حسنة فهي أنه أبعدني – قسراً- عن الاستماع إلى نشرات الأخبار وعن قراءة الصحف وعن كل ما له صلة بالموت هناك، سواء بوجهه الفيزيائي من خلال المجازر التي ترتكب بشكل يومي أو بوجهه الآخر المتبدي جلياً في الضمائر الملوثة التي تبيع وتشتري باسم الوطن والوطنية، لولا أنّ الأخبار تتسلل، رغم حيطة المقربين، عن طريق ملاحظة عابرة أو هامش صغير أو تداع لكلمة من هنا وصوت من هناك أو عنوان رئيسي لصحيفة مهملة، وأن كل ذلك كاف لأيقاظ الآلام التي تتصنّع الغفوة داخلي وعودة أبنائي إلى التوسّل إليّ أن أضرب عرض الحائط بكل شيء وأفكر فقط في نفسي "على الأقل في فترة مرضك، حاول أن تنسى كل ما من شأنه أن يثير انفعالك وأساك"!
كنت سأقول أشياء كثيرة عن خطورة المرض والشروط القاسية التي يمليها على أبسط طقوس الحياة وعن جبهته الواسعة والمفتوحة على معارك شتى، وعن الوطن الذي يبتعد كلما اقتربت وعن اللصوص المتنفذين بداخله والمحيطين به من كلّ جانب، وعن الإرادة والوقت وأشياء أخرى مصطفة بأدب جم في انتظار أن أفضح صمتها، غير أن كلّ هذه الأشياء، كلها دون استثناء، يمكن تأجيلها، أو بالأحرى يجب عليها أن تجلس على كراسي الصفّ الثاني وتشخص بأعينٍ ممتلئة بالامتنان لأصحاب الصفّ الأول، أولئك الذين رافقوني مع أسرتي طيلة الرحلة الصعبة، فكانوا وطناً آمناً وشفاءً، وكانوا كل ما يجب أن يقال الآن في هذه اللحظة: صحيفة الراية ورئيس تحريرها الصديق الأستاذ يوسف درويش، الذي لم يكفّ عن السؤال والاطمئنان، والذي احتوى فترة مرضي وانقطاعي الطويل عن الكتابة بكثير من النُبل والأريحية وأصرّ على أن أبقى بينهم حاضراً في الغياب وكأنّ قلمي لم يتوقف عن النبض لحظة وكأنّ صوتي لم يتحشرج لثانية.
ثم ثلّة الأصدقاء والصديقات الذين تركوا العواصم المتباعدة خلفهم وطووا المسافات الطويلة لكي يغتالوا وحشتي بحضورهم ويمدوا أيديهم، ولو لبضع ساعات، إلى كتفي ويهمسوا في أذني لعلّ المرض يسمعهم فينكمش خجلاً: إننا هنا يا أحمد.
ومثلهم ذلك الجيش الملائكي الذي أسميه مجازاً (قرائي)، وهم شعب من الأجناس المختلفة والأعمار المختلفة والمستويات المختلفة وربما القلوب المختلفة أيضاً، الذين بلغني أنهم يتابعون أخباري بكل الوسائل المتاحة لديهم، وهي أكثر صدقاً ونقاء من جميع وسائل الإعلام العربية، ويتبادلون الدعاء من أجلي عبر رسائلهم الهاتفية، ويلاحقون أنباء صحتي في مواقعهم الشخصية على الإنترنت، والذين اجتمعوا على أن يوصلوا إليّ حبّهم وكلماتهم ودعواتهم التي كان لها فعل السحر عند رجلٍ يعلمون جيداً أنه أعزل!
أنتم جميعاً، أيها الأعزاء، سندي وقرّة عيني، وأنتم الرهان الذي لا يخيب، وأنتم الوطن الخافق في الفؤاد والساكن تحت المداد.
هذا تماماً ما أريد قوله في أول هدأة للمرض، ومن دفء هذا الإحساس يمكنني أن أقتبس النور في بلدٍ لا تزوره الشمس إلا بشكلٍ عابر.
من كل قلبي: شكراً لكم.
أحمد مطـر
يـوم الجمعة 3 -3 -2006
hr
و هذه القصيدة و المعنونة تحت اسم ( المجرّد )
وَطَنانِ لي:
نارٌ لإطفائي تَفورُ..
وَجَنَّةٌ تُضري اتّقادي!
وَزّعْتُ بَينَهُما خُلاصةَ ثَروتي
فَهُنا دَمي.. وهُنا مِدادي.
وَظننتُ أنّي
بالضِّمادِ سأتّقي نَزْفي
فَجرَّحَني ضِمادي!
وَبَلَوتُ أقسي البُعْدِ في قُربي
وأبلاني اقترابيَ في البِعادِ
فإذا جَحيمي ينتهي
مِن حَفْلِ إحراقي هُنا..
وإذا نَعيمي ها هُنا
يَذْرو رَمادي.
وإذا دِمائي ها هُنا فَمُ مَصْرَعي
وإذا مِدادي ها هُنا صَوتُ الحِدادِ!
وأَنَا المُجَّردُ مِن ثَرايَ وثَرْوَتي
آوي لمِوْطِنِ غُربتي
مُستنجداً
مِن فَرْطِ هَوْلِ مُصيبتي
بِمُصيبتي!
وَمُواسِياً فَقْدي بداهِيَةِ افتِقادي:
ما أَهْوَنَ الوَطَنَ البِلادَ
على المُصابِ
بِضَيْعَةِ الوَطَنِ الفُـؤادِ!
أحمد مطر
* عن جريدة (الرايـة) القطريـة
يـوم الخميس 2 -3 -2006



