صقر قريش
07-18-2006, 10:00 PM
مسرحية "انتحار غير معلن" للدكتور حمدي موصللي
والمسرحية في الملفات المرفقة
تبدا مسرحية " انتحار غير معلن " للكاتب المسرحي د. حمدي موصللي من نهايتها . فالمشهد الاول فيها مؤسس على فعل موت الشخصية الرئيسة التي سنعرف بعد اطلاع المحقق على هويتها انها شخصية د . مامون الرفاعي . وان موقع هذا الفعل ( الموت / النتيجة ) ياتي في نهاية جملة المسببات التي ادت اليه . فحيات مامون الرفاعي لم تبدا ، منطقيا ، بالموت . وما هذا التقديم والتاخير الا لاضفاء الاهمية على المسببات الى ادت الى هذه النتائج الاستباقية الظاهرية التي تقاطعت مع المنطق العام لاحتكامها الى منطق مغاير هو منطق النص الذي فرض على الكاتب اشتغاله على الاستذكار ( فلاش باك ) ولكن دون ان يترك هذا الامر لشخصياته ، كما هو سائد في اغلب الاعمال الفنية ، بل جعله مرهونا بشخصيته كمبرمج لاحداث المسرحية . وعليه استطاع ان يتحرر من التسلسل المنطقي، وان يعتمد على التسلسل الفني للنص فأتاح له هذا ان يقدم النهاية ويؤخر البداية ويتلاعب فنيا بالزمن .
فعل الانتحار اذن لم يكن فعل المسرحية الذي عول عليه د . حمدي موصللي . ولو كان قد عول عليه لجاء تسلسل المشاهد تسلسلا تقليديا ، فضلا عن جعل المتلقي ، في حالتي القراءة والمشاهدة ، يتوق الى معرفة الاسباب التي ادت الى هذا الفعل التدميري من ناحية ، وجرانتباهه ، منذ البدء ، عن طريق تقديم فعل العنف الذي يستهويه ويستدرجه الى عالم البروفيسور الرفاعي واسراره الخفية من ناحية اخرى .
ومع ان عملية التقديم والتاخير لم تكن جديدة على الفن المسرحي ، ولم تكن من ابتكارات الموصللي الا انه استثمرها بشكل اضفى على لانص تشويقا مطلوبا لشد المتلقي ، منذ البدء ايضا ، الى عالم الشخصية المنتحرة وتثبيتا عمليا لطرفي المعادلة التي اشتغل عيها في نصه فكانت البداية مسبوقة بنهايتها ، ونتيجتها مسبوقة بمسببها ففتحت هذه الاستباقية المجال امامهم ككاتب ليقفز من عام 1981 ، وهو العام الذي انتحر في الشخصية ، قفزة استرجاعية ، الى عام 1970 ، وهو العام الذي القى فيه مامون الرفاعي اخر محاضراته في قاعة المحاضرات بكلية علوم الفيزياء والفلسفة في بون .
موضوعة النص
ركزت موضوعة النص على طبيعة العلاقات القائمة بين شخصيات المسرحية من جهة ، و الوضع القائم ، وظروفه المعطاة في المهجر ، من جهة اخرى . فالشخصيات ما تزال تمارس دورها وتخصصاتها خارج دائرتها الاجتماعية بعيدا عن جذور مواطنتها واصالتها بعد ان فرضت عليها ضروف بلدانها هجرة قسرية سببتها الموازنة العلمية والمعرفية والسياسية غير المتكافئة بينها وبين انظمة تلك البلدان الشمولية .
تبدا الاشارة الى هذه الموضوعة داخل النص منذ المشهد الثاني عندما حاورت " الرفاعي " طالبة المانية مذكورة اياه بخبث ودهاء انه (( مجرد لاجئ سياسي اكتسب الجنسية الالمانية )) متعمدة نكران دوره كعالم في علوم الفيزياء واستاذ في كلية علوم الفيزياء والفلسفة ، المعهد الحكومي في بون .
" الرفاعي " يعقلن هذا اللجوء ويلقي بتبعته على طبيعة الانظمة السائدة سياسيا والمسيطرة على مفاصل الحياة كلها فيقول :
" صودرنا في اوطاننا .. هاجرنا خفافا وثقالا "
مستخدما فعلين حدد بهما مسار حركتهم : الاول " صودرنا " ويغني به وجود مجهول خفي قام بفعل المصادرة ، مع انه معرف للمتلقي بهيئة سلطة استبدادية متخلفة . والثاني " هاجرنا " وفيه حدد مسار المغادرة وحجمها . ولكي لا تكون القطيعة ابدية يقرر مستقبلها سلفا :
" حتى هذه الساعة احلم بانسي اعود الى وطني .. ان ابني وطني الذي ولدت فيه و عشت طفولتي وشبابي فيه "
ان المؤلف حاول ، من خلال التصاق الرفاعي بوطنه ، وحلمه بالعودة اليه، ان يصل به الى اعلى درجات التشاخص الدرامي الذي اكده المؤلف من خلال شخصيات اخرى كابنة الرفاعي المولودة في بون . وامراته ذات الاصول العربية لاتي لا تعرف عن وطنها الا ما عرفته من خلال بضع زيارات قامت بها لذلك الوطن ، لقد اراد المؤلف ان يحدد نوعية المواطنة ودرجتها واصولها بتحديده الانموذج الاكمل الذي جسدته شخصية الرفاعي ولكنه تنازل عن انموذجه عندما عرض لنا حالة المواطنة التي صنعتها ظروف تهجينية غير ظروف الوطن الاصل . وحتى شخصية الرفاعي ، على الرغم من كل مبررات هجرتها ، الا انها ، في راينا ، لا تصلح ان تكون انموذجا متكاملا للمواطنة الحقة على وفق المفهوم التقليدي السائد .
وتاتي المشاهد الثلاثة الاخرى الثالث والرابع والخامس مساندة لفكرة الانحياز المطلق للوطن .. ففي صيف 1972 واثناء انعقاد الدورة الاولمبية في ميونخ ، نزل الدكتور الرفاعي وعائلته ضويفا على هذه المدينة ليلتقي بصديقه العربي السعودي عبد العزيز اولا وليلتقي باعضاء الفرق العربية ثانيا وباعضاء الفرق العراقية تحديدا . ولم يترك المؤلف شخصياته الرئيسة لتتصرف بعيدا عن موضوعته الاساسية اذ اقحمها في جدال اخر قامت به الطالبة الالمانية نفسها ودارت رحاه هذه المرة حول قضية احتجاز الرهائن الاسرائيليين من قبل فدائيي منظمة ايلول الاسود وتواطؤ السلطة الالمانية مع السلطة الاسرائيلية لانهاء العملية بالاجهاض والانقضاض على الفدائيين والرهائن وطاقم الطائرة في ميونيخ. وهنا يقدم المؤلف موقفه الواضح من الارهاب والمقاومة على لسان بطله او انموذجه الوطني الدكتور الرفاعي من خلال مناقشته مع طالبته الالمانية وزميلتها ومحاولته تجميل شكل الفعل الذي قام به الفدائيون العرب . وهو نقاش يحتاج، في رأينا، الى مراجعة دقيقة لوضع المحددات السليمة لمصطلحي الارهاب والمقاومة خاصة عندما يكون فعلهما واقعا خارج محدداته الوطنية ، فضلا عن عدم موائمة موقف الرفاعي كشيوعي مع موقف الشيوعية الانتقادي لانتهاكات مثل هذه .
العائلة تعود الى بون (الام والابنة) بينما يظل الرفاعي في ميونيخ متشبثا بحجة اللقاء مع اعضاء الفرق العراقية المشاركة في الاولمبياد. ومتابعة نتائجها متابعة تتحول تلقائيا من متابعةالرياضة ونتائجها الى العملية الفدائية ونتائجها . وكمحصلة حاصل ارى ان الكاتب تبنى رأيا اعلاميا اثبتت الظروف عدم قدرته اللحاق بالمسيرة الاعلامية المتقدمة وذلك عن طريق الترويج لقضية ابطاله ترويجا عسكريا اكثر منه اعلاميا ، في الوقت الذي يحتاج ابطاله الى حركة اعلامية عربية متطورة قادرة على جعل اصواتهم واضحة ومسموعة ومؤثرة بين ضجيج الاصوات العالمية وزعيق فضائياتها ووسائلها الاخرى وتاثيراتها المباشرة وغير المباشرة على الناس في كل مكان.
نهايات المتون الافتراضية وبداياتها المدونة
بدءا يمكنناالقول ان مسرحية "انتحار غير معلن" مسرحية افكار. وهي لهذا تحتاج لمساحة واسعة تنشئ عليها منظومة افكارها المتضاربة او المتقاطعة او المتصارعة بهدف ابراز فكرة يتبناها النص ويحاول تقريبها من المتلقي بشئ من الفرض المبطن بطريقة فنية . ولما كانت مساحاتها غير محدودة ولا محددة تقنيا ، ولان المؤلف اراد الاستغناء عن الكثير من السرد والاستطراد ليجنب قارئه مغبة الوقوع في الاطالة والرتابة لذا اشتغل على اسلوب نهايات المتون الافتراضية ، وذلك بجعل اي فكرة داخل النص تبدأ من النقطة التي انتهت اليها فكرة سبقتها في السرد وادت اليها في النتيجة . هذه الفكرة تنشأ عادة في ذهن الم تلقي اعتمادا على ما توحي فكرة مدونة بما قبلها وتأسيسا على قدرته التأويلية لها . وهكذا بدلا من ان يدون الموصللي كل ما جاء في محاضرة الدكتور الرفاعي التي القاها في المشهد الاول يكتفي بالاشارة اليها في لحظة الانتهاء منها يقول على لسان رئيس الجلسة :
"انتهت المحاضرة القيمة للسيد البروفيسور د. مأمون الرفاعي شكرا له ....الخ.."
ويصار الى الدخول مباشرة في محاورته من قبل المحاضرين وبهذا يكتفي الكاتب بتفعيل ذهنية المتلقي لمعرفة فحوى المحاضرة ومضمونها .
ويقول على لسان المذيع:
"لاحقا لخبرنا السابق فقد تأكد...... الخ.. "
ومن طبيعة الخبر اللاحق يتم استقراء الخبر السابق ، وهو خبر افتراضي ، فيتجنب الكاتب بهذه الطريقة الاسترسال في السرد والاستطراد اللذين قد يسقطانه في ترهات وترهلات هو في غنى عنها .
ويقول مراسل الاذاعة :
"كما اكدنا سابقا انه بين الواحدة..... الخ.. "
وفي هذا اشارة طفيفة واختصار كبير لما حدث بين الواحدة و...... ان الاستغناء عما حدث في الساعة المشار اليها سابقا جنب الكاتب اعادة الخبر وتكراره وبهذا تجنب الاطالة والزيادة غير النافعتين .
وفي مواضع اخرى نجد الكاتب يعتمد هذه الطريقة من دون ان يضع جملة ما تشير الى نهاية فكرة افتراضية كما هو الحال في المشهد الرومانسي الذي دارت احداثه بين البروفيسور الرفاعي وبين عشيقته هيلكا براون.
خيبات الرفاعي وبنية المأساة
في الفصل الثاني من المسرحية يناقش الموصللي ما تبقى من افكار النص. ففي عام 1981 وهو العام الذي وقع فيه فعل الانتحار غير المعلن للبروفيسور الرفاعي، تستعرض ابنته امام مدربها الروسي فاسيلي احدى رقصات الباليه الشهيرة ، فتنال استحسانه الفني لادائها المتقن واعجاب ابيها بروعة جسدها وهو يرسم في الفضاء ابجدية لغته التعبيرية الصامتة . وبدلا من ان ينصب الحديث بينهما على الرقص التعبيري والفن ، كما هو متوقع في مثل هذه الحالات ، فانه يأخذ مسارا مختلفا ينقلنا من عالم الفن والجمال الى عالم الفكر والسياسة اذ يتناولان موضوعة الشيوعية نهجا وتطبيقا . ومن خلال افكارهما المتقاطعة يتضح لنا ان البروفيسور الرفاعي شيوعي هارب من العراق بسبب مطاردة سلطة البعث القومانية لكل من اعتنق الشيوعية او ارتضاها طريقا نضالية لتحقيق حلمه بالوطن الحر والشعب السعيد . وان مدرب الرقص الروسي فاسيلي هو شيوعي اخر هارب من بلاده بسبب سأمه من التظاهر بشيوعيته جهرا ومعارضته لها سرا . ونظرا لطبيعة الحوار الذي ينم عن وعي سياسي وفكري متقدم يتبين لنا على ضوئه ان البروفيسور الرفاعي شخصية على درجة عالية من الوعي بثوابت السياسة ومتغيراتها ولكنه على الرغم من هذا ينطلق في بعض افكاره من منطلق قومي متعصب ناجم عن خلل في تركيبته الثقافية والطبيقية . وربما تقصد المؤلف هذا كي يقرب وجهات النظر بينه كشيوعي يؤمن بحق الشعوب في تقرير مصائرها وحل مسألتها القومية حلا ماركسيا سليما وبين قومانيي بلاده الذين يفكرون بارجاعه للوطن كي يوجه العمل ويقوده في مفاعلهم النووي . وقد اشار الرفاعي اشارات تمهيدية الى هذه العودة في مواضع مختلفة من النص من خلال تأكيده على ضرورة عودته للمساهمة في بناء الوطن ، متناسيا طبيعة السلطة التي طاردته وجوهرها الفاشي ، ومغمضا عينيه عن حقيقتها الاستبدادية الشمولية . وما كان ينبغي له ان يفكر في المساهمة ببناء اسلحتها التدميرية بدعوى بناء الوطن لمعرفته ان لها القدرة على ممارسة الجينوسايد النووي كما مارسته كيمياويا على (حلبجة) .
وفي المشهد الثاني يفشل الرفاعي في معرفة حقيقة التوجه العنصري لعشيقته هيلكا براون فيطلق العنان لعواطفه لتنفلت من عقارها وليذوب بعشيقته حبا وولها . لقد انطلت الخدعة عليه ببساطة تناسبت طرديا مع ما في دخيلته من رومانسية شيوعية وتقاطعت معه لتعصبه ، غير الشيوعي ، قوميا ودينيا حين اشترط على عشيقته اليهودية الاصل ان يكون زواجه منها على وفق الطريقة الاسلامية تحديدا. وايغالا في القومية اشترط عودته الى بلده في محاولة منه لفرض تحالفه على السلطة الفاشية التي مهدت لذلك التحالف وارتضت به كطريق لا بد من سلوكها لتحقيق مآربها المبيتة. مثلما مهد الموساد لاقترانه بهيلكا براون ، والاقتران هنا شكل من اشكال التحالف الاجتماعي غير المسيس الذي يدخر امكانية كبيرة على تطبيع العلاقات وحرف المسارات وتحجيم القضايا الاساسية والجوهرية او تمييعها .
من هنا بدأت بنية مأساة الرفاعي بالنمو المضطرد لتأخذ لها شكلا نهائيا في صورة اغتيال مدروس ومتعمد متبوع باغتيالات اخر ساهمت في طمس الحقائق التي توصل اليها المحقق الالماني كونغسدروف . ويمكننا هنا ان نجمل سلسلة الخيبات والافعال التدميرية التي بنى على اساسها الموصللي افكاره التراجيدية وكما يأتي :
1.القضاء على فدائيي منظمة ايلول الاسود في مطار ميونيخ.
2.تفكيك اسرة الرفاعي عن طريق اقترانه بمجندة الموساد هيلكا براون .
3.تدمير المفاعل النووي العراقي تموز .
4.اغتيال البروفيسور مأمون الرفاعي.
5.اغتيال المحقق الالماني كونغسدروف.
6.القضاء على هيلكا براون .
7.الاستحواذ على ابن الرفاعي
لتأهيله تأهيلا موساديا .
8.اقفال الملف على انتحار الرفاعي بظروف غامضة .
وتبقى بعض المصائر غامضة ايضا داخل النص اذ لم يشر الكاتب الى مصير عائلة الرفاعي العربية، على سبيل المثال ، وكأنها وجدت لغرض انتهى بانتهاء دورها في التعريف بهوية الرفاعي الاجتماعية ومن ثم تخليه عنها لمجرد التقائه بالمرأة اليهودية الاصل والمثيرة هيلكا براون . وهذا يعني ان المؤلف وضع نهايات لكل الشخصيات الا عائلة الرفاعي (زوجته وابنته العربيتان) . ولم يشر ايضا الى رد فعلهما الانعكاسي جراء ما حدث لهما منذ هجره لهما وحتى ساعة اغتياله على يد الموساد وربما تقصد هذا ايضا ليظهر ردة الفعل العربية ازاء مأساتها تمر ، كالعادة ، هادئة وباردة بشكل ما بعده هدوء وبرود. اما شخصية عبد العزيز السعودي وزوجته الصديقة المخلصة لهيلكا براون فقد همش الكاتب دورهما في النص وكانهما وجدا ليؤديا دورا هامشيا لا اثر له ، سلبا او ايجابا ، على مجريات النص ومساراته الدرامية الا بحدود ضيقة .
والمسرحية في الملفات المرفقة
تبدا مسرحية " انتحار غير معلن " للكاتب المسرحي د. حمدي موصللي من نهايتها . فالمشهد الاول فيها مؤسس على فعل موت الشخصية الرئيسة التي سنعرف بعد اطلاع المحقق على هويتها انها شخصية د . مامون الرفاعي . وان موقع هذا الفعل ( الموت / النتيجة ) ياتي في نهاية جملة المسببات التي ادت اليه . فحيات مامون الرفاعي لم تبدا ، منطقيا ، بالموت . وما هذا التقديم والتاخير الا لاضفاء الاهمية على المسببات الى ادت الى هذه النتائج الاستباقية الظاهرية التي تقاطعت مع المنطق العام لاحتكامها الى منطق مغاير هو منطق النص الذي فرض على الكاتب اشتغاله على الاستذكار ( فلاش باك ) ولكن دون ان يترك هذا الامر لشخصياته ، كما هو سائد في اغلب الاعمال الفنية ، بل جعله مرهونا بشخصيته كمبرمج لاحداث المسرحية . وعليه استطاع ان يتحرر من التسلسل المنطقي، وان يعتمد على التسلسل الفني للنص فأتاح له هذا ان يقدم النهاية ويؤخر البداية ويتلاعب فنيا بالزمن .
فعل الانتحار اذن لم يكن فعل المسرحية الذي عول عليه د . حمدي موصللي . ولو كان قد عول عليه لجاء تسلسل المشاهد تسلسلا تقليديا ، فضلا عن جعل المتلقي ، في حالتي القراءة والمشاهدة ، يتوق الى معرفة الاسباب التي ادت الى هذا الفعل التدميري من ناحية ، وجرانتباهه ، منذ البدء ، عن طريق تقديم فعل العنف الذي يستهويه ويستدرجه الى عالم البروفيسور الرفاعي واسراره الخفية من ناحية اخرى .
ومع ان عملية التقديم والتاخير لم تكن جديدة على الفن المسرحي ، ولم تكن من ابتكارات الموصللي الا انه استثمرها بشكل اضفى على لانص تشويقا مطلوبا لشد المتلقي ، منذ البدء ايضا ، الى عالم الشخصية المنتحرة وتثبيتا عمليا لطرفي المعادلة التي اشتغل عيها في نصه فكانت البداية مسبوقة بنهايتها ، ونتيجتها مسبوقة بمسببها ففتحت هذه الاستباقية المجال امامهم ككاتب ليقفز من عام 1981 ، وهو العام الذي انتحر في الشخصية ، قفزة استرجاعية ، الى عام 1970 ، وهو العام الذي القى فيه مامون الرفاعي اخر محاضراته في قاعة المحاضرات بكلية علوم الفيزياء والفلسفة في بون .
موضوعة النص
ركزت موضوعة النص على طبيعة العلاقات القائمة بين شخصيات المسرحية من جهة ، و الوضع القائم ، وظروفه المعطاة في المهجر ، من جهة اخرى . فالشخصيات ما تزال تمارس دورها وتخصصاتها خارج دائرتها الاجتماعية بعيدا عن جذور مواطنتها واصالتها بعد ان فرضت عليها ضروف بلدانها هجرة قسرية سببتها الموازنة العلمية والمعرفية والسياسية غير المتكافئة بينها وبين انظمة تلك البلدان الشمولية .
تبدا الاشارة الى هذه الموضوعة داخل النص منذ المشهد الثاني عندما حاورت " الرفاعي " طالبة المانية مذكورة اياه بخبث ودهاء انه (( مجرد لاجئ سياسي اكتسب الجنسية الالمانية )) متعمدة نكران دوره كعالم في علوم الفيزياء واستاذ في كلية علوم الفيزياء والفلسفة ، المعهد الحكومي في بون .
" الرفاعي " يعقلن هذا اللجوء ويلقي بتبعته على طبيعة الانظمة السائدة سياسيا والمسيطرة على مفاصل الحياة كلها فيقول :
" صودرنا في اوطاننا .. هاجرنا خفافا وثقالا "
مستخدما فعلين حدد بهما مسار حركتهم : الاول " صودرنا " ويغني به وجود مجهول خفي قام بفعل المصادرة ، مع انه معرف للمتلقي بهيئة سلطة استبدادية متخلفة . والثاني " هاجرنا " وفيه حدد مسار المغادرة وحجمها . ولكي لا تكون القطيعة ابدية يقرر مستقبلها سلفا :
" حتى هذه الساعة احلم بانسي اعود الى وطني .. ان ابني وطني الذي ولدت فيه و عشت طفولتي وشبابي فيه "
ان المؤلف حاول ، من خلال التصاق الرفاعي بوطنه ، وحلمه بالعودة اليه، ان يصل به الى اعلى درجات التشاخص الدرامي الذي اكده المؤلف من خلال شخصيات اخرى كابنة الرفاعي المولودة في بون . وامراته ذات الاصول العربية لاتي لا تعرف عن وطنها الا ما عرفته من خلال بضع زيارات قامت بها لذلك الوطن ، لقد اراد المؤلف ان يحدد نوعية المواطنة ودرجتها واصولها بتحديده الانموذج الاكمل الذي جسدته شخصية الرفاعي ولكنه تنازل عن انموذجه عندما عرض لنا حالة المواطنة التي صنعتها ظروف تهجينية غير ظروف الوطن الاصل . وحتى شخصية الرفاعي ، على الرغم من كل مبررات هجرتها ، الا انها ، في راينا ، لا تصلح ان تكون انموذجا متكاملا للمواطنة الحقة على وفق المفهوم التقليدي السائد .
وتاتي المشاهد الثلاثة الاخرى الثالث والرابع والخامس مساندة لفكرة الانحياز المطلق للوطن .. ففي صيف 1972 واثناء انعقاد الدورة الاولمبية في ميونخ ، نزل الدكتور الرفاعي وعائلته ضويفا على هذه المدينة ليلتقي بصديقه العربي السعودي عبد العزيز اولا وليلتقي باعضاء الفرق العربية ثانيا وباعضاء الفرق العراقية تحديدا . ولم يترك المؤلف شخصياته الرئيسة لتتصرف بعيدا عن موضوعته الاساسية اذ اقحمها في جدال اخر قامت به الطالبة الالمانية نفسها ودارت رحاه هذه المرة حول قضية احتجاز الرهائن الاسرائيليين من قبل فدائيي منظمة ايلول الاسود وتواطؤ السلطة الالمانية مع السلطة الاسرائيلية لانهاء العملية بالاجهاض والانقضاض على الفدائيين والرهائن وطاقم الطائرة في ميونيخ. وهنا يقدم المؤلف موقفه الواضح من الارهاب والمقاومة على لسان بطله او انموذجه الوطني الدكتور الرفاعي من خلال مناقشته مع طالبته الالمانية وزميلتها ومحاولته تجميل شكل الفعل الذي قام به الفدائيون العرب . وهو نقاش يحتاج، في رأينا، الى مراجعة دقيقة لوضع المحددات السليمة لمصطلحي الارهاب والمقاومة خاصة عندما يكون فعلهما واقعا خارج محدداته الوطنية ، فضلا عن عدم موائمة موقف الرفاعي كشيوعي مع موقف الشيوعية الانتقادي لانتهاكات مثل هذه .
العائلة تعود الى بون (الام والابنة) بينما يظل الرفاعي في ميونيخ متشبثا بحجة اللقاء مع اعضاء الفرق العراقية المشاركة في الاولمبياد. ومتابعة نتائجها متابعة تتحول تلقائيا من متابعةالرياضة ونتائجها الى العملية الفدائية ونتائجها . وكمحصلة حاصل ارى ان الكاتب تبنى رأيا اعلاميا اثبتت الظروف عدم قدرته اللحاق بالمسيرة الاعلامية المتقدمة وذلك عن طريق الترويج لقضية ابطاله ترويجا عسكريا اكثر منه اعلاميا ، في الوقت الذي يحتاج ابطاله الى حركة اعلامية عربية متطورة قادرة على جعل اصواتهم واضحة ومسموعة ومؤثرة بين ضجيج الاصوات العالمية وزعيق فضائياتها ووسائلها الاخرى وتاثيراتها المباشرة وغير المباشرة على الناس في كل مكان.
نهايات المتون الافتراضية وبداياتها المدونة
بدءا يمكنناالقول ان مسرحية "انتحار غير معلن" مسرحية افكار. وهي لهذا تحتاج لمساحة واسعة تنشئ عليها منظومة افكارها المتضاربة او المتقاطعة او المتصارعة بهدف ابراز فكرة يتبناها النص ويحاول تقريبها من المتلقي بشئ من الفرض المبطن بطريقة فنية . ولما كانت مساحاتها غير محدودة ولا محددة تقنيا ، ولان المؤلف اراد الاستغناء عن الكثير من السرد والاستطراد ليجنب قارئه مغبة الوقوع في الاطالة والرتابة لذا اشتغل على اسلوب نهايات المتون الافتراضية ، وذلك بجعل اي فكرة داخل النص تبدأ من النقطة التي انتهت اليها فكرة سبقتها في السرد وادت اليها في النتيجة . هذه الفكرة تنشأ عادة في ذهن الم تلقي اعتمادا على ما توحي فكرة مدونة بما قبلها وتأسيسا على قدرته التأويلية لها . وهكذا بدلا من ان يدون الموصللي كل ما جاء في محاضرة الدكتور الرفاعي التي القاها في المشهد الاول يكتفي بالاشارة اليها في لحظة الانتهاء منها يقول على لسان رئيس الجلسة :
"انتهت المحاضرة القيمة للسيد البروفيسور د. مأمون الرفاعي شكرا له ....الخ.."
ويصار الى الدخول مباشرة في محاورته من قبل المحاضرين وبهذا يكتفي الكاتب بتفعيل ذهنية المتلقي لمعرفة فحوى المحاضرة ومضمونها .
ويقول على لسان المذيع:
"لاحقا لخبرنا السابق فقد تأكد...... الخ.. "
ومن طبيعة الخبر اللاحق يتم استقراء الخبر السابق ، وهو خبر افتراضي ، فيتجنب الكاتب بهذه الطريقة الاسترسال في السرد والاستطراد اللذين قد يسقطانه في ترهات وترهلات هو في غنى عنها .
ويقول مراسل الاذاعة :
"كما اكدنا سابقا انه بين الواحدة..... الخ.. "
وفي هذا اشارة طفيفة واختصار كبير لما حدث بين الواحدة و...... ان الاستغناء عما حدث في الساعة المشار اليها سابقا جنب الكاتب اعادة الخبر وتكراره وبهذا تجنب الاطالة والزيادة غير النافعتين .
وفي مواضع اخرى نجد الكاتب يعتمد هذه الطريقة من دون ان يضع جملة ما تشير الى نهاية فكرة افتراضية كما هو الحال في المشهد الرومانسي الذي دارت احداثه بين البروفيسور الرفاعي وبين عشيقته هيلكا براون.
خيبات الرفاعي وبنية المأساة
في الفصل الثاني من المسرحية يناقش الموصللي ما تبقى من افكار النص. ففي عام 1981 وهو العام الذي وقع فيه فعل الانتحار غير المعلن للبروفيسور الرفاعي، تستعرض ابنته امام مدربها الروسي فاسيلي احدى رقصات الباليه الشهيرة ، فتنال استحسانه الفني لادائها المتقن واعجاب ابيها بروعة جسدها وهو يرسم في الفضاء ابجدية لغته التعبيرية الصامتة . وبدلا من ان ينصب الحديث بينهما على الرقص التعبيري والفن ، كما هو متوقع في مثل هذه الحالات ، فانه يأخذ مسارا مختلفا ينقلنا من عالم الفن والجمال الى عالم الفكر والسياسة اذ يتناولان موضوعة الشيوعية نهجا وتطبيقا . ومن خلال افكارهما المتقاطعة يتضح لنا ان البروفيسور الرفاعي شيوعي هارب من العراق بسبب مطاردة سلطة البعث القومانية لكل من اعتنق الشيوعية او ارتضاها طريقا نضالية لتحقيق حلمه بالوطن الحر والشعب السعيد . وان مدرب الرقص الروسي فاسيلي هو شيوعي اخر هارب من بلاده بسبب سأمه من التظاهر بشيوعيته جهرا ومعارضته لها سرا . ونظرا لطبيعة الحوار الذي ينم عن وعي سياسي وفكري متقدم يتبين لنا على ضوئه ان البروفيسور الرفاعي شخصية على درجة عالية من الوعي بثوابت السياسة ومتغيراتها ولكنه على الرغم من هذا ينطلق في بعض افكاره من منطلق قومي متعصب ناجم عن خلل في تركيبته الثقافية والطبيقية . وربما تقصد المؤلف هذا كي يقرب وجهات النظر بينه كشيوعي يؤمن بحق الشعوب في تقرير مصائرها وحل مسألتها القومية حلا ماركسيا سليما وبين قومانيي بلاده الذين يفكرون بارجاعه للوطن كي يوجه العمل ويقوده في مفاعلهم النووي . وقد اشار الرفاعي اشارات تمهيدية الى هذه العودة في مواضع مختلفة من النص من خلال تأكيده على ضرورة عودته للمساهمة في بناء الوطن ، متناسيا طبيعة السلطة التي طاردته وجوهرها الفاشي ، ومغمضا عينيه عن حقيقتها الاستبدادية الشمولية . وما كان ينبغي له ان يفكر في المساهمة ببناء اسلحتها التدميرية بدعوى بناء الوطن لمعرفته ان لها القدرة على ممارسة الجينوسايد النووي كما مارسته كيمياويا على (حلبجة) .
وفي المشهد الثاني يفشل الرفاعي في معرفة حقيقة التوجه العنصري لعشيقته هيلكا براون فيطلق العنان لعواطفه لتنفلت من عقارها وليذوب بعشيقته حبا وولها . لقد انطلت الخدعة عليه ببساطة تناسبت طرديا مع ما في دخيلته من رومانسية شيوعية وتقاطعت معه لتعصبه ، غير الشيوعي ، قوميا ودينيا حين اشترط على عشيقته اليهودية الاصل ان يكون زواجه منها على وفق الطريقة الاسلامية تحديدا. وايغالا في القومية اشترط عودته الى بلده في محاولة منه لفرض تحالفه على السلطة الفاشية التي مهدت لذلك التحالف وارتضت به كطريق لا بد من سلوكها لتحقيق مآربها المبيتة. مثلما مهد الموساد لاقترانه بهيلكا براون ، والاقتران هنا شكل من اشكال التحالف الاجتماعي غير المسيس الذي يدخر امكانية كبيرة على تطبيع العلاقات وحرف المسارات وتحجيم القضايا الاساسية والجوهرية او تمييعها .
من هنا بدأت بنية مأساة الرفاعي بالنمو المضطرد لتأخذ لها شكلا نهائيا في صورة اغتيال مدروس ومتعمد متبوع باغتيالات اخر ساهمت في طمس الحقائق التي توصل اليها المحقق الالماني كونغسدروف . ويمكننا هنا ان نجمل سلسلة الخيبات والافعال التدميرية التي بنى على اساسها الموصللي افكاره التراجيدية وكما يأتي :
1.القضاء على فدائيي منظمة ايلول الاسود في مطار ميونيخ.
2.تفكيك اسرة الرفاعي عن طريق اقترانه بمجندة الموساد هيلكا براون .
3.تدمير المفاعل النووي العراقي تموز .
4.اغتيال البروفيسور مأمون الرفاعي.
5.اغتيال المحقق الالماني كونغسدروف.
6.القضاء على هيلكا براون .
7.الاستحواذ على ابن الرفاعي
لتأهيله تأهيلا موساديا .
8.اقفال الملف على انتحار الرفاعي بظروف غامضة .
وتبقى بعض المصائر غامضة ايضا داخل النص اذ لم يشر الكاتب الى مصير عائلة الرفاعي العربية، على سبيل المثال ، وكأنها وجدت لغرض انتهى بانتهاء دورها في التعريف بهوية الرفاعي الاجتماعية ومن ثم تخليه عنها لمجرد التقائه بالمرأة اليهودية الاصل والمثيرة هيلكا براون . وهذا يعني ان المؤلف وضع نهايات لكل الشخصيات الا عائلة الرفاعي (زوجته وابنته العربيتان) . ولم يشر ايضا الى رد فعلهما الانعكاسي جراء ما حدث لهما منذ هجره لهما وحتى ساعة اغتياله على يد الموساد وربما تقصد هذا ايضا ليظهر ردة الفعل العربية ازاء مأساتها تمر ، كالعادة ، هادئة وباردة بشكل ما بعده هدوء وبرود. اما شخصية عبد العزيز السعودي وزوجته الصديقة المخلصة لهيلكا براون فقد همش الكاتب دورهما في النص وكانهما وجدا ليؤديا دورا هامشيا لا اثر له ، سلبا او ايجابا ، على مجريات النص ومساراته الدرامية الا بحدود ضيقة .
