منتدى برامج نت | برامج نت | دليل المواقع | العاب فلاش | برامج | عيادة الطب | Free software
العاب افلام موقع منتديات

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لعبة الشحن والتفريغ


Omar_Pal
07-17-2006, 08:38 PM
لعبة الشحن والتفريغ
في الطريق إلى الأزهر



لم أدرك معنى قول أبي – يرحمه الله – وهو يتابع صور مظاهرات الجامعات في الأخبار :
يا بني أنا لم أشارك في المظاهرات أبدا في حياتي لا لأنني سلبي ، ولكن لأنني أدخر كل طاقة الرفض الكامنة لفعل ما ..

لأنني لم أفهم وقتها ما يقصده أبي ، فلذلك لم أقدر هذه الحكمة ..
لكنني أفقت أخيرا على سؤال مفاجئ :
إلى متى سنظل نلعب لعبة الشحن والتفريغ بطريقة الركض في المكان ؟
الخطباء المفوهون والإعلام – المحترم منه – يظلون يشحنوننا بآلام إخواننا واحزانهم ونكباتهم ، فإذا تم الشحن أفرغناه في مظاهرة تحقق لنا الأمن النفسي ، فلا شك أن الشحن الزائد دون فرصة لتفريغه ( الكبت ) يولد الانفجار ..

سألت عمي ذات يوم منذ خمسة عشر عاما ..
وعمي هذا حكاية – حدوته – في الفعل وفي عدم الفعل ، في الإيجابية وفي السلبية .. تجاربه فاقت سنه ، لكنه اختزلها جميعا في فترة زمنية محدودة استخلص عبرتها وظل يرويها النصف الثاني من عمره ..

سألته يوم لم تكن فضائيات ،
يوم كنا نسرب الخبر ونهربه في أشرطة الفيديو كأننا هربنا السلاح إلى المقاتلين في الضفة ..
يوم كانت الصورة تهز المشاعر ..
يوم كان الصهاينة يطاردون الشهود على جرائمهم – هذا كان قبل أن تتغير سياساتهم في استحضار الشهود لتكون الجريمة العالمية أبلغ في الردع وأقوى في زرع السلبية والإنهزامية

سألته : هل رأيت فيلم ( الوعد ) عن الانتفاضة الفلسطينية ووحشية جرائم الاحتلال ..

سألني بدوره ، ولماذا أشاهده ؟
كان سؤاله مباغتا وصادما لمشاعري ، وكانت إجابته بقدر بديهيتها لا أملك التعبير عنها سوى بكلمة ( كده ) وهي كلمة مصرية تعني ( هكذا )
أدرك من صمتي أنني لن أجد إجابة ، أو احتاج لإجابته سيل من الخطب النارية .. جنبني الانفعال البادي من عيني الملتهبتين وبدأ حديثه هادئا – حتى تخاله باردا لا روح فيه ولا حماسة – كان كذلك لكنه كان حكيما ، ولم أكن في سن تسمح لي بتقبل الحكمة في زمن الفوران ومرحلة الفوران ،
قال عمي :
هذه الأفلام انتجوها حتى يتم شحن الناس معنويا فيساندون أهل القضية بما تجود به انفسهم ، عرض علي أحدهم ( يقصد شاب متحمس ) شريط فيديو لأعرضه على أسرتي في بيتي .. فشكرته معرضا وتبرعت بما جادت به نفسي ..
دائما الشحن يكون من أجل الفعل .. وانا أفعل فلماذا تشحني بما يفوق طاقتي على الشحن ؟.

أعرف أنه لن يعجبك منطق عمي كما لم يعجبني زمنا ..
كنت أتهمه فيه بأنه لا يريد أن يبذل من نفسه ولا من أمنه النفسي ولا من سعادة أسرته ما يعكر صفوها مشاركة في القضية ..
عشرات التهم المعلبة والأحكام المحفوظة سلفا ، أنزلتها به دون أن أتفوه بها لغير ذاتي ( تأدبا أو جبنا أو نفاقا اجتماعيا سمه ما شئت ) .. وتذكرت الذي اهتم لأمر المسلمين قبيل غزوة تبوك فتصدق بما يملك من تمر ، وكان ما يملك قليلا لا يقدم ولا يؤخر ، فنثرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقات طلبا للبركة .. والذي لم يجد التمر فتصدق بعرضه على المسلمين وقبل الله تعالى صدقته ، والبكائين الذين لم يجدوا ما يفعلون ولا ما ينفقون ولا ما يحملهم إلى الجهاد فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع ، وتقبل الله منهم فنصر المسلمين ساعة العسرة ..
اتهمت عمي يومها – وما أقسى ما اتهمته به – أنه يضن على المسلمين بدمعه ومشاعره ، ويبخل عليهم بمواستهم في نفسه ..

لم يكن عقلي ولا تجربتي ولا فهمي يسمح لي – ولسنوات طويلة تالية – بغير هذا ..
لكني اليوم أتساءل ببراءة شديدة : هل كان يكفي التبرع بالدمع والدعاء والمشاركة النفسية في حق أبي بكر الذى جاء بماله كله ، وعمر الذي جاء بنصف ماله ، وعثمان الذي جهز أربعمائة بعير بأقتابها وأحلاسها ؟

أيكفي في حق القادرين الشحن والتفريغ دون فعل حقيقي ولا محاولة لفعل حقيقي ..
إن المتصدق الذي تصدق بالتمر ، لما لم يجد ما ينفقه ، فقد عمل أجيرا يوما كاملا ثم تبرع بما اكتسبه من عمله هذا من تمر .. كان هناك فعل وكان الفعل بقدر الطاقة .. ونصر الله الجيش لأن الجميع قدموا بقدر طاقاتهم لا بقدر ما يعينهم على تفريغ الشحن المعنوي ، او بمعنى ادق بقدر ما يبررون به لأنفسهم التخاذل عن الفعل ..

مرة أخرى لن يعجبك منطقي ولا منطق عمي ولا منطق أبي ، وأنت ولاشك معذور في تبرمك وضجرك ..
لقد قامت الفضائيات بشحنك ، وعملت الخطب العصماء مفعول السحر بنفسك .. وتوهجت الشحنة – وهذا برأيي جميل –

يبقى الفعل ..
لكنك لا تستطيع أن تفعل – ولا الذين شحنوك يستطيعون – فماذا يفعلون ؟
تخرج مظاهرة ، غايتها تفريغ الشحن ، في لعبة الشحن والتفريغ اللانهائية في عالمنا ..

تذكر حكمة أبي :
لا أشارك في المظاهرات حتى تبقى الشحنة محفوظة لفعل ما ..
ربما مات أبي بحصرته لم يفرغ شحنته ولا نصفها ، لكنه لم يقبل النصف الثاني من اللعبة وهو التفريغ بعد الشحن ..


في الأزهر قابلت رجلا من الذين أدوا صلاة الجمعة ثم لم يخرج للمشاركة في المظاهرة .. سألته ، أو تخيلت أنني سألته : لمَ لم تشترك في المظاهرة ، إسرائيل تدك غزة ولبنان ، هل الأمر لا يعنيك ؟
نظر إلي مهموما وهو يقول :
ابني يشارك فيها نيابة عني ..
وأردف :
أبي شارك في المظاهرات بعد النكسة 67، وقد حكى لي أن جدي شارك في المظاهرات في عام النكبة 48، وأنا شاركت في المظاهرات في 76 وفي 91 ضد الغزو مرة وضد التحرير على أيدي الأمريكان مرات ، وشاركت ضد غزو العراق 2002 ، وابني يشارك الآن في المظاهرات ،و قبلها شارك في المظاهرات ضد تدنيس المصحف ، وضد سب النبي محمد ، وضد ... ، وضد ... ، وضد ...
فانت كما ترى أننا عائلة إسلامية قومية وطنية جدا ..
لكن هل ترى أي مظاهرة حولت مجرى التاريخ أو أوقفت قدرة الفاعلين عن الفعل ؟

هممت أن اجادله:
لكن الهدف هو إيقاظ حمية الشعوب والتعريف بالقضية ، وإثارة النخوة ، وجمع التبرعات من الفتات ، و .... و ..... و ........

لكن نفسي المصممة على إيلامي ، المتفننة في قرع سمعك بما لا تحب أن تسمع ، ومصادمة عينك بما لا تحب أن تقرأ ، عقدت مقارنة بين الذين يتظاهرون منذ ستين سنة وبين ما فعله حزب الله وحماس في عشرين سنة .. هل احتاج كل منهما لتظاهرات ؟
إنني أؤمن أن كلاهما ( حماس وحزب الله ) خزن الطاقة للفعل ، وربط الشحن بالتفريغ في الهدف ولم ينجر وراء لعبة الشحن والتفريغ في حد ذاتها

لعبة الشحن والتفريغ تكتسب قوتها وأهميتها وإثارتها الحقيقية من أن الحكومات تتدخل فيها بشكل ضاغط ويمثل الأمن فيها عنصر الممانعة ، حتى يكون التفريغ فيها تاما ومستفرغا لكل الطاقة والجهد ، وحتى يكون الشعور النفسي بالراحة من بذل الوسع مطمئنا ومريحا ..
ما أجمل أن تصطدم هتافاتك التي لا تمس دولتك التي تعيش فيها بجحافل الأمن وقوات الانتشار السريع ، فتشعر أنهم يحمون العدو ، وبالتالي فهم جزء من العدو ، وتظل الحرب سجالا بينك وبينهم وتظل الطاقة تشحن وتفرغ ، ومعركتنا ( منا فينا ) و ( خليها بنتنا ) .، وكأننا نحارب داخل عظامنا أولا قبل أن نخرج بمعركتنا للخارج ..

واللعبة تزداد حماسا وإثارة وتنبرى لها الأقلام ووسائل الإعلام كما انبرت لها الهروات والحجارة .. ويظل جهادنا الأكبر معكوسا .. والمعركة الكبرى عندنا دائما تبدأ من تطهير الصفوف من الطابور الخامس حتى الخامس والخمسين .. وطريق القدس دائما يبدأ من الكويت ( أو أي عاصمة عربية أو إسلامية ) مرورا بالثورة على كل سلاطين البترول ..

وأراجع ما تعلمته في ظلال غزوة تبوك ، وأرى جيش المسلمين يتحرك لمواجهة الروم دون أن يلتفت لمعسكر المنافقين - وقد كانوا يومئذ كثير حتى نزلت فيهم أغلب سورة التوبة - .. ومع ذلك لم يوقف مد الطابور الخامس قطار الجيش عن الوصول إلى محطته الأساسية ، حتى إذا عاد منتصرا عزيزا لم يكن به حاجة لتأديب المتآمرين أو تصفيتهم ، لأنهم بطبيعتهم ينكمشون قبل ان يذوبوا أو يتلاشوا .. فالنفاق يصفي نفسه إذا ما عدت فاتحا منتصرا ، ولكنه ينتفش إذا تفرغت له ويستعدي عليك أقواما لم يفهموا طبيعة الصراع ولا حقيقة الموقف ، ولعلنا في ضوء هذا نفهم تعقيب النبي صلى الله عليه وسلم على مطالبة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بتصفية رأس النفاق بقوله : لو فعلت لأرعدت له آنفا ( وجوها وأقواما ) .. يسكتونه اليوم من تلقاء أنفسهم – بعدما تبين لهم الحق – لم تصرف تصرفات الطابور الخامس النبي عن أهدافه أبدا .. أوليس لنا في سيرته عبرة ونبراسا ؟

أنا لست ضد المظاهرات باعتبارها ووصفها ،
أنا ضد المظاهرات باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتفريغ شحنة الألم والهم الإسلامي والقومي والوطني ..
ضدها باعتبارها طريقا واحدا لا ثاني له ولا محيد عنه ..
ضدها لأنها تذكرني بطريقة بعض الفرق العقيمة في كرة القدم التي يصر هجومها على الاختراق من العمق وبطريقة واحدة حفظها الخصم والجمهور والنقاد عن ظهر قلب دون أن تطور وسائل هجومها وتنوعه وتعتمد على الأجناب والقادمين من الخلف والتسديد من خارج الصندوق ومناورات الكرات الثابتة لخلخة دفاع الخصم وتشتيت جهوده وتسجيل الأهداف..

قد تفهمني أو لا تفهمني ، وقد تتهمني بكامل أوصاف العمالة والنذالة والجبن ..

لكنني اعطيك خلاصة تجربتي : لا تشارك في لعبة ( الشحن والتفريغ ) .. لكن ركز على الفعل ، والفعل فقط ..
وإن لم تقبل مني الآن ، في زمن ومناخ ومرحلة عمرية لا تساعدك على أن تقبل مني هذه الدعوة ( للفعل ) التي تحسبها – معذورا بفعل من شحنوك ووضعوا أمامك خيارا وحيدا للتعبير أو التفريغ - دعوة للسلبية والتخاذل .
فحسبي أنني أكتبها وصية لإبني الذي ربما وظفته قوى ( الشحن والتفريغ ) بعد نيف وعشر عاما من الان ..
أكتبها ، وأقول :
إنها خلاصة تجربة لأب خدع بلعبة الشحن والتفريغ كثيرا ، - والحمد لله لم تدم خدعته طويلا – وحملوه على الأعناق يهتف أحيانا ، ودفعوه إلى الصفوف الأولى ليخطب بحماسة منقطعة النظير أحيانا أخرى ، وكان في كل مرة يثبت ولاءً وتفانيا أبهر الجميع ( متظاهرين وأمن يقمع المتظاهرين ) ، لكن ما لبث هو ومن دفعوه ، والقضية التي رفعها يراوحون مكانهم .. فاعتزل المظاهرات عن اقتناع لا عن قهر .. وعن تجربة لا عن تهيب أو خوف ..

إنها وصية أوصيك بها ن فإن أبيت أن تقرأ أو تسمع أو تتدبر ، فأنا أتركها لولديَ ( سعد وهمام من بعدي ) ..
وهنيئا للمعرضين عن وصيتي ( متعة لعبة الشحن والتفريغ ) ..
أما أنا فسأعود من الطريق إلى الأزهر لأنني لن أصلي الجمعة هناك هذا الأسبوع ولن أشارك هذه المرة في اللعب ..

الكاتب : علاء سعد

yasser_x
07-22-2006, 08:00 AM
شكراااااااا علي الموضوع اخي , وتعليقي علي الكاتب انة العيب ليس في المظاهرات ولكن العيب اننا في الاساس بلاد استبدادية ( المظاهرات تؤثر بل تغير في القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية , فقط في البلاد الحرة والديموقراطية ) هل فهمت الان اخي لماذا لا تؤثر المظاهرات ..............

Samir Aser
07-25-2006, 09:58 AM
لعبة الشحن والتفريغ
في الطريق إلى الأزهر



لم أدرك معنى قول أبي – يرحمه الله – وهو يتابع صور مظاهرات الجامعات في الأخبار :
يا بني أنا لم أشارك في المظاهرات أبدا في حياتي لا لأنني سلبي ، ولكن لأنني أدخر كل طاقة الرفض الكامنة لفعل ما ..

لأنني لم أفهم وقتها ما يقصده أبي ، فلذلك لم أقدر هذه الحكمة ..
لكنني أفقت أخيرا على سؤال مفاجئ :
إلى متى سنظل نلعب لعبة الشحن والتفريغ بطريقة الركض في المكان ؟
الخطباء المفوهون والإعلام – المحترم منه – يظلون يشحنوننا بآلام إخواننا واحزانهم ونكباتهم ، فإذا تم الشحن أفرغناه في مظاهرة تحقق لنا الأمن النفسي ، فلا شك أن الشحن الزائد دون فرصة لتفريغه ( الكبت ) يولد الانفجار ..

سألت عمي ذات يوم منذ خمسة عشر عاما ..
وعمي هذا حكاية – حدوته – في الفعل وفي عدم الفعل ، في الإيجابية وفي السلبية .. تجاربه فاقت سنه ، لكنه اختزلها جميعا في فترة زمنية محدودة استخلص عبرتها وظل يرويها النصف الثاني من عمره ..

سألته يوم لم تكن فضائيات ،
يوم كنا نسرب الخبر ونهربه في أشرطة الفيديو كأننا هربنا السلاح إلى المقاتلين في الضفة ..
يوم كانت الصورة تهز المشاعر ..
يوم كان الصهاينة يطاردون الشهود على جرائمهم – هذا كان قبل أن تتغير سياساتهم في استحضار الشهود لتكون الجريمة العالمية أبلغ في الردع وأقوى في زرع السلبية والإنهزامية

سألته : هل رأيت فيلم ( الوعد ) عن الانتفاضة الفلسطينية ووحشية جرائم الاحتلال ..

سألني بدوره ، ولماذا أشاهده ؟
كان سؤاله مباغتا وصادما لمشاعري ، وكانت إجابته بقدر بديهيتها لا أملك التعبير عنها سوى بكلمة ( كده ) وهي كلمة مصرية تعني ( هكذا )
أدرك من صمتي أنني لن أجد إجابة ، أو احتاج لإجابته سيل من الخطب النارية .. جنبني الانفعال البادي من عيني الملتهبتين وبدأ حديثه هادئا – حتى تخاله باردا لا روح فيه ولا حماسة – كان كذلك لكنه كان حكيما ، ولم أكن في سن تسمح لي بتقبل الحكمة في زمن الفوران ومرحلة الفوران ،
قال عمي :
هذه الأفلام انتجوها حتى يتم شحن الناس معنويا فيساندون أهل القضية بما تجود به انفسهم ، عرض علي أحدهم ( يقصد شاب متحمس ) شريط فيديو لأعرضه على أسرتي في بيتي .. فشكرته معرضا وتبرعت بما جادت به نفسي ..
دائما الشحن يكون من أجل الفعل .. وانا أفعل فلماذا تشحني بما يفوق طاقتي على الشحن ؟.

أعرف أنه لن يعجبك منطق عمي كما لم يعجبني زمنا ..
كنت أتهمه فيه بأنه لا يريد أن يبذل من نفسه ولا من أمنه النفسي ولا من سعادة أسرته ما يعكر صفوها مشاركة في القضية ..
عشرات التهم المعلبة والأحكام المحفوظة سلفا ، أنزلتها به دون أن أتفوه بها لغير ذاتي ( تأدبا أو جبنا أو نفاقا اجتماعيا سمه ما شئت ) .. وتذكرت الذي اهتم لأمر المسلمين قبيل غزوة تبوك فتصدق بما يملك من تمر ، وكان ما يملك قليلا لا يقدم ولا يؤخر ، فنثرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقات طلبا للبركة .. والذي لم يجد التمر فتصدق بعرضه على المسلمين وقبل الله تعالى صدقته ، والبكائين الذين لم يجدوا ما يفعلون ولا ما ينفقون ولا ما يحملهم إلى الجهاد فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع ، وتقبل الله منهم فنصر المسلمين ساعة العسرة ..
اتهمت عمي يومها – وما أقسى ما اتهمته به – أنه يضن على المسلمين بدمعه ومشاعره ، ويبخل عليهم بمواستهم في نفسه ..

لم يكن عقلي ولا تجربتي ولا فهمي يسمح لي – ولسنوات طويلة تالية – بغير هذا ..
لكني اليوم أتساءل ببراءة شديدة : هل كان يكفي التبرع بالدمع والدعاء والمشاركة النفسية في حق أبي بكر الذى جاء بماله كله ، وعمر الذي جاء بنصف ماله ، وعثمان الذي جهز أربعمائة بعير بأقتابها وأحلاسها ؟

أيكفي في حق القادرين الشحن والتفريغ دون فعل حقيقي ولا محاولة لفعل حقيقي ..
إن المتصدق الذي تصدق بالتمر ، لما لم يجد ما ينفقه ، فقد عمل أجيرا يوما كاملا ثم تبرع بما اكتسبه من عمله هذا من تمر .. كان هناك فعل وكان الفعل بقدر الطاقة .. ونصر الله الجيش لأن الجميع قدموا بقدر طاقاتهم لا بقدر ما يعينهم على تفريغ الشحن المعنوي ، او بمعنى ادق بقدر ما يبررون به لأنفسهم التخاذل عن الفعل ..

مرة أخرى لن يعجبك منطقي ولا منطق عمي ولا منطق أبي ، وأنت ولاشك معذور في تبرمك وضجرك ..
لقد قامت الفضائيات بشحنك ، وعملت الخطب العصماء مفعول السحر بنفسك .. وتوهجت الشحنة – وهذا برأيي جميل –

يبقى الفعل ..
لكنك لا تستطيع أن تفعل – ولا الذين شحنوك يستطيعون – فماذا يفعلون ؟
تخرج مظاهرة ، غايتها تفريغ الشحن ، في لعبة الشحن والتفريغ اللانهائية في عالمنا ..

تذكر حكمة أبي :
لا أشارك في المظاهرات حتى تبقى الشحنة محفوظة لفعل ما ..
ربما مات أبي بحصرته لم يفرغ شحنته ولا نصفها ، لكنه لم يقبل النصف الثاني من اللعبة وهو التفريغ بعد الشحن ..


في الأزهر قابلت رجلا من الذين أدوا صلاة الجمعة ثم لم يخرج للمشاركة في المظاهرة .. سألته ، أو تخيلت أنني سألته : لمَ لم تشترك في المظاهرة ، إسرائيل تدك غزة ولبنان ، هل الأمر لا يعنيك ؟
نظر إلي مهموما وهو يقول :
ابني يشارك فيها نيابة عني ..
وأردف :
أبي شارك في المظاهرات بعد النكسة 67، وقد حكى لي أن جدي شارك في المظاهرات في عام النكبة 48، وأنا شاركت في المظاهرات في 76 وفي 91 ضد الغزو مرة وضد التحرير على أيدي الأمريكان مرات ، وشاركت ضد غزو العراق 2002 ، وابني يشارك الآن في المظاهرات ،و قبلها شارك في المظاهرات ضد تدنيس المصحف ، وضد سب النبي محمد ، وضد ... ، وضد ... ، وضد ...
فانت كما ترى أننا عائلة إسلامية قومية وطنية جدا ..
لكن هل ترى أي مظاهرة حولت مجرى التاريخ أو أوقفت قدرة الفاعلين عن الفعل ؟

هممت أن اجادله:
لكن الهدف هو إيقاظ حمية الشعوب والتعريف بالقضية ، وإثارة النخوة ، وجمع التبرعات من الفتات ، و .... و ..... و ........

لكن نفسي المصممة على إيلامي ، المتفننة في قرع سمعك بما لا تحب أن تسمع ، ومصادمة عينك بما لا تحب أن تقرأ ، عقدت مقارنة بين الذين يتظاهرون منذ ستين سنة وبين ما فعله حزب الله وحماس في عشرين سنة .. هل احتاج كل منهما لتظاهرات ؟
إنني أؤمن أن كلاهما ( حماس وحزب الله ) خزن الطاقة للفعل ، وربط الشحن بالتفريغ في الهدف ولم ينجر وراء لعبة الشحن والتفريغ في حد ذاتها

لعبة الشحن والتفريغ تكتسب قوتها وأهميتها وإثارتها الحقيقية من أن الحكومات تتدخل فيها بشكل ضاغط ويمثل الأمن فيها عنصر الممانعة ، حتى يكون التفريغ فيها تاما ومستفرغا لكل الطاقة والجهد ، وحتى يكون الشعور النفسي بالراحة من بذل الوسع مطمئنا ومريحا ..
ما أجمل أن تصطدم هتافاتك التي لا تمس دولتك التي تعيش فيها بجحافل الأمن وقوات الانتشار السريع ، فتشعر أنهم يحمون العدو ، وبالتالي فهم جزء من العدو ، وتظل الحرب سجالا بينك وبينهم وتظل الطاقة تشحن وتفرغ ، ومعركتنا ( منا فينا ) و ( خليها بنتنا ) .، وكأننا نحارب داخل عظامنا أولا قبل أن نخرج بمعركتنا للخارج ..

واللعبة تزداد حماسا وإثارة وتنبرى لها الأقلام ووسائل الإعلام كما انبرت لها الهروات والحجارة .. ويظل جهادنا الأكبر معكوسا .. والمعركة الكبرى عندنا دائما تبدأ من تطهير الصفوف من الطابور الخامس حتى الخامس والخمسين .. وطريق القدس دائما يبدأ من الكويت ( أو أي عاصمة عربية أو إسلامية ) مرورا بالثورة على كل سلاطين البترول ..

وأراجع ما تعلمته في ظلال غزوة تبوك ، وأرى جيش المسلمين يتحرك لمواجهة الروم دون أن يلتفت لمعسكر المنافقين - وقد كانوا يومئذ كثير حتى نزلت فيهم أغلب سورة التوبة - .. ومع ذلك لم يوقف مد الطابور الخامس قطار الجيش عن الوصول إلى محطته الأساسية ، حتى إذا عاد منتصرا عزيزا لم يكن به حاجة لتأديب المتآمرين أو تصفيتهم ، لأنهم بطبيعتهم ينكمشون قبل ان يذوبوا أو يتلاشوا .. فالنفاق يصفي نفسه إذا ما عدت فاتحا منتصرا ، ولكنه ينتفش إذا تفرغت له ويستعدي عليك أقواما لم يفهموا طبيعة الصراع ولا حقيقة الموقف ، ولعلنا في ضوء هذا نفهم تعقيب النبي صلى الله عليه وسلم على مطالبة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بتصفية رأس النفاق بقوله : لو فعلت لأرعدت له آنفا ( وجوها وأقواما ) .. يسكتونه اليوم من تلقاء أنفسهم – بعدما تبين لهم الحق – لم تصرف تصرفات الطابور الخامس النبي عن أهدافه أبدا .. أوليس لنا في سيرته عبرة ونبراسا ؟

أنا لست ضد المظاهرات باعتبارها ووصفها ،
أنا ضد المظاهرات باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتفريغ شحنة الألم والهم الإسلامي والقومي والوطني ..
ضدها باعتبارها طريقا واحدا لا ثاني له ولا محيد عنه ..
ضدها لأنها تذكرني بطريقة بعض الفرق العقيمة في كرة القدم التي يصر هجومها على الاختراق من العمق وبطريقة واحدة حفظها الخصم والجمهور والنقاد عن ظهر قلب دون أن تطور وسائل هجومها وتنوعه وتعتمد على الأجناب والقادمين من الخلف والتسديد من خارج الصندوق ومناورات الكرات الثابتة لخلخة دفاع الخصم وتشتيت جهوده وتسجيل الأهداف..

قد تفهمني أو لا تفهمني ، وقد تتهمني بكامل أوصاف العمالة والنذالة والجبن ..

لكنني اعطيك خلاصة تجربتي : لا تشارك في لعبة ( الشحن والتفريغ ) .. لكن ركز على الفعل ، والفعل فقط ..
وإن لم تقبل مني الآن ، في زمن ومناخ ومرحلة عمرية لا تساعدك على أن تقبل مني هذه الدعوة ( للفعل ) التي تحسبها – معذورا بفعل من شحنوك ووضعوا أمامك خيارا وحيدا للتعبير أو التفريغ - دعوة للسلبية والتخاذل .
فحسبي أنني أكتبها وصية لإبني الذي ربما وظفته قوى ( الشحن والتفريغ ) بعد نيف وعشر عاما من الان ..
أكتبها ، وأقول :
إنها خلاصة تجربة لأب خدع بلعبة الشحن والتفريغ كثيرا ، - والحمد لله لم تدم خدعته طويلا – وحملوه على الأعناق يهتف أحيانا ، ودفعوه إلى الصفوف الأولى ليخطب بحماسة منقطعة النظير أحيانا أخرى ، وكان في كل مرة يثبت ولاءً وتفانيا أبهر الجميع ( متظاهرين وأمن يقمع المتظاهرين ) ، لكن ما لبث هو ومن دفعوه ، والقضية التي رفعها يراوحون مكانهم .. فاعتزل المظاهرات عن اقتناع لا عن قهر .. وعن تجربة لا عن تهيب أو خوف ..

إنها وصية أوصيك بها ن فإن أبيت أن تقرأ أو تسمع أو تتدبر ، فأنا أتركها لولديَ ( سعد وهمام من بعدي ) ..
وهنيئا للمعرضين عن وصيتي ( متعة لعبة الشحن والتفريغ ) ..
أما أنا فسأعود من الطريق إلى الأزهر لأنني لن أصلي الجمعة هناك هذا الأسبوع ولن أشارك هذه المرة في اللعب ..

الكاتب : علاء سعد

للأخ الكاتب / علاء سعد كل التقدير والإحترام

ولكن

الحراك الإجتماعى يتطلب التعبير عنه ؛ والمسألة ليست من قبيل الشحن والتفريغ وكأنها نظرة تآمرية أو محكومة بنظرية المؤامرة
قد اتفق مع أبيك وعمك بارك الله فى عمريهما ومتعهما بالصحة والعافية وغفر لنا وإياهم وأسبغ علينا رحماته .............. ففى بعض الأوقات أو المراحل كانت تنظم مظاهرات وهمية من قبل النظام لغرض ما ............ فى هذه قد يكون شحنا أو توجيها أو سياسة سمها ماشئت .

أنظر يا أخى ........ فى أزمة القضاء خرج القضاة والمحامون والصحفيون وأساتذة الجامعات وممثلى النقابات ..... الخ فى تظاهرة ضد عسف وجور وانحراف السلطة الحاكمة ........ لايمكن بحااال تطبيق نظرية الشحن والتفريغ هنا

قد يقصد الكاتب من أطروحته القول بأننا منذ زمن تمتلىء نفوسنا بشحنة غضبية تجاه واقع أمتنا ونعبر عنها .... أو كل يعبر عنها بأسلوبه .... الكتاب والمفكرون يتناولون موضوع ما بالتحليل ويغلبهم الحماس والإثارة ....... وآخرين قد يعبروا عن أنفسهم بالمظاهرات .... الخ

اذن نحن نتلقى عنصرا مثيرا وكل واحد منا يعبر عنه بطريقته .......... وليس الأمر مجرد شحن وتفريغ

أعتقد هاجس الكاتب هو ...... ( الفعالية )

ونحن من جانبنا نرى التظاهر والإضراب والعصيان المدنى ان حسن استخدامه لحكمت الشعوب نفسها بالفعل ............

أمّا كبت الإنفعال والتعبير الفورى عن آمال الشعوب وأمانيها قد يؤدى إلى نتائج وخيمة على المجتمع باستشراء العمل السرى والجماعات الخارجة على صلب النظام الإجتماعى .


{.................................وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }البقرة251

دمت بكل خير أخى